توني موريسون... روائية «الجمال الأسود» بخيال جامح ومضمون شاعري

اعتبرت أهم روائية سوداء في تاريخ الأدب الأميركي

توني موريسون
توني موريسون
TT

توني موريسون... روائية «الجمال الأسود» بخيال جامح ومضمون شاعري

توني موريسون
توني موريسون

أعلنت عائلة الروائية الأميركية توني موريسون، الحائزة على «نوبل» للآداب عام 1993، عن رحيلها المفاجئ يوم أمس عن 88 عاماً، بعد مرض لم يدم طويلاً، لكن لم تعلن عن طبيعته، مخلفة وراءها عدة روايات مهمة، وكتباً نقدية وفكرية، بالإضافة إلى مئات المقالات في شؤون سياسية واجتماعية مختلفة.
وبدأت توني موريسون مسيرتها الروائية متأخرة بعض الشيء، إذ أصدرت روايتها الأولى «العين الأشد زرقة»، وهي في التاسعة والثلاثين من عمرها، فحقّقت لها شهرة واسعة داخلياً وخارجياً، إذ ترجمت إلى عدة لغات، ولها ترجمتان بالعربية لفاضل السلطاني، وأخرى لكامل حسين. في هذه الرواية، المكتوبة بلغة شاعرية، تدين موريسون فشل العالم في أن يرى «الجمال في الإنسان الأسود» من خلال الطفلة بيكولا بريدلوف، التي كانت تحلم بامتلاك عينين زرقاوين، مثل البنات البيض اللواتي يشبهن الدمى. وهي تعتقد أن امتلاكها مثل هذين العينين سيحقق لها السعادة الكاملة، ويحل مشكلات العائلة البائسة.
ترسم موريسون في هذه الرواية مشاهد مرعبة، قلما تجرأ كاتب قبلها على الخوض فيها. إنها تذهب إلى الأعماق السفلية في أحياء السود، لتكشف العنف المسلط عليهم من المجتمع، ومن بعضهم على بعض، نتيجة للقهر الاجتماعي والاقتصادي والتمييز العنصري.
وفي روايتها الثانية «سولا»، الصادرة 1973، تواصل موريسون كشف العنف المسلط هذه المرة على المرأة السوداء. وفي روايتها الثالثة «أغنية سولومون»، التي تعتبر من أهم أعمالها، تعود موريسون إلى تيمة روايتها الأولى، ولكن بشكل معكوس، إذ تهتم بتحليل أسباب العنف الذي يحكم تصرفات الرجال، والقوة الدافعة وراء ذلك، يقابله تضامن النساء، بعضهن مع بعض لمواجهته.
وفي روايتها الرابعة «تار بيبي»، تخرج موريسون عن حدود العنف الأميركي، فتكتب عن منطقة الكاريبي والعنف المتجسد فيها، من خلال شخصية تصل إلى الجزيرة حاملة معها الدمار. وقد تكون هذه الرواية أضعف رواياتها، ربما لكون أحداثها تدور خارج المكان الذي خبرته جيداً؛ تجمعات الأميركيين الأفارقة.
- العودة للتاريخ
استعادت موريسون قوتها الروائية المذهلة مع روايتها «محبوبة»، التي يعتبرها كثير من النقاد واحدة من أهم الروايات الأميركية التي صدرت في القرن العشرين، وأهم أعمالها على الإطلاق. في «محبوبة» الصادرة عام 1987، تعود موريسون إلى التاريخ، فتتناول حقبة منتصف القرن التاسع عشر في «كنتوكي»، من خلال حياة عبدة سوداء تحاول قطع حنجرة ابنتها، في محاولة لقتلها حتى لا تصبح عبدة مثلها. ولكن شبح الطفلة يظل يطارد الأم، ولا تتخلص من ذلك حتى تظهر لها فجأة «محبوبة»، وهي فتاة جميلة في العشرين من عمرها، بندبة على حنجرتها.
- الاغتراب الروائي
إن قوة هذه الرواية ووصف موريسون المؤثر لحياة العبودية، هما اللذان كانا، كما يرى قسم من النقاد، وراء نيلها جائزة نوبل عام 1993، كما كانت «الشيخ والبحر» لإرنست همنغواي، و«الثلاثية» لنجيب محفوظ، السبب الرئيسي لمنحهما الجائزة. وكانت الأكاديمية السويدية قد ذكرت في حيثيات منح موريسون الجائزة أنها «قد بعثت الحياة في جانب مهم من الواقع الأميركي في روايتها المتميزة، بخيالها الجامح والمضمون الشاعري».
أما الناقد مارتن سيمون فقد كتب عنها حينها أنها «أهم روائية سوداء في أميركا منذ رالف أليسون». غير أن موريسون قالت ببساطة: «كنت مهتمة بقراءة كتاب لم أستطع إيجاده، وأصبح مهماً جداً أن أكتبه ثم أقرأه. وأدركت وأنا أكتب أني أخطأته. كنت مقتنعة أن كل ما كنت أريد أن أقرأه قد كتب، وأدركت أن ذلك لم يكن صحيحاً».
لكن، مرة أخرى، خفت بريق موريسون بعد منحها نوبل. غير أنها استعادته مع روايتها «الفردوس»، التي تابعت فيها كشف الواقع المأساوي للملونين في أميركا، كما فعلت في «محبوبة» و«جاز» وغيرهما. عادت في هذه الرواية للتاريخ أيضاً لتستلهم حادثة وقعت عام 1865، عند نهاية الحرب الأهلية الأميركية حين تحرر عبيد الجنوب الأميركي بعد القانون الذي أصدره براهام لنكولن، ملغياً فيه الاسترقاق. في ذلك الوقت، هاجر آلاف العبيد الذين أصبحوا أحراراً من أراضيهم السابقة في الجنوب، في محاولة لنسيان ذكريات العبودية، وبدء حياة جديدة، وشكّلوا هناك مجموعات خالية من البيض، فيما يشبه اليوتوبيا القائمة على «الاشتراكية القبلية».
انطلاقاً من هذا الموضوع الغني بتاريخه وأحداثه وتأثيراته على التاريخ الأميركي المعاصر، بدأت موريسون روايتها «الفردوس» وصولاً إلى فترة الستينات والسبعينات في أميركا. وتبدأ موريسون روايتها بجملة غير متوقعة: «مَن قتل الفتاة البيضاء؟» فعكست المعادلة تماماً. العنف لم يعد مقتصراً على عرق بعينه.
في كل رواياتها، حاولت موريسون خلق نوع من الاغتراب بمعناه المسرحي. من هنا، غالباً ما يشعر القارئ أن هناك مسافة بينه وبين الشخصيات، وهذا ما كانت تقصده. علينا أن نبقى «موضوعيّين»، ونستنتج من تلقاء أنفسنا، وما يساعدنا على ذلك أنها تقدم لنا عدة زوايا، وأبعاداً مختلفة تتيح لنا الرؤية، من غير أن تتداخل شخصياتنا مع شخصيات الرواية.
- من أعمالها
> العين الأشد زرقة (1970)
> سولا (1977)
> أغنية سولومون (1977)
> طفل التار (1981)
> محبوبة (1987)
> جاز (1992)
> الفردوس (1997)
> الحب (2003)
> شفقة (2008)
> البيت (2012)
> ليكن الله في عون
الطفلة (2015)
- سيرة
> وُلدت توني موريسون في لورين – أوهايو وكانت الطفلة الثانية من بين أربعة أطفال في أسرة أميركية تقليدية من الطبقة العاملة السوداء. وكان والدها يعمل في مصنع فولاذ ووالدتها مدبّرة منزل. في عام 1949 التحقت بجامعة هاوارد، وفي عام 1953 حصلت على بكالوريوس في الأدب الإنجليزي، وفي عام 1955 نالت شهادة الماجستير من جامعة كورنيل.
بعد أن نالت الشهادة عملت في جامعة تكساس (1955 - 1957) ثم عادت للعمل في جامعة هاوارد، وتزوجت من المهندس المعماري الجامايكي هارولد موريسون في عام 1958 وطُلقت منه عام 1964 بعد أن أنجبت منه طفلين. بعدها انتقلت إلى نيويورك لتعمل محررة كتب ثم محررة في المقر الرئيسي لدار النشر «راندوم هاوس».



سمر صالح... من ابتسامة «مونو» إلى خشبته في «درجة تانية»

سمر صالح في دور الديفا المجروحة من الماضي (مسرح مونو)
سمر صالح في دور الديفا المجروحة من الماضي (مسرح مونو)
TT

سمر صالح... من ابتسامة «مونو» إلى خشبته في «درجة تانية»

سمر صالح في دور الديفا المجروحة من الماضي (مسرح مونو)
سمر صالح في دور الديفا المجروحة من الماضي (مسرح مونو)

يعرف روَّاد مسرح «مونو» سمر صالح عن قرب. فهي التي تستقبلهم عند مدخله، وتؤكد حجوزاتهم وتسلّمهم بطاقاتهم بلطافة وخفَّة ظلّ. فسمر، المضيافة التي تتنقَّل في أرجاء المسرح بحيوية لمساعدة الآخرين، وصاحبة الابتسامة الدائمة والأذن التي تحفظ أصوات المتصلين، تحوَّلت اليوم إلى ممثلة.

ومن خلال مسرحية «درجة تانية»، تروي سمر قصتها الحقيقية ضمن رسالة إنسانية مؤثِّرة، وتضفي على أدائها شيئاً من روحها وشخصيتها الطريفة، فتجمع في مونولوغها بين الحلو والمر، والمعاناة والكوميديا.

تُعرض المسرحية على خشبة «مونو» في بيروت، من بطولة سمر صالح، ويرافقها غسان قوجة في أداء تعبيري إيمائي. وهي من إنتاج مسرح «شغل بيت» وإخراج شادي الهبر.

كتب ديمتري ملكي المسرحية انطلاقاً من قصة سمر الواقعية. فصاحبة البشرة الداكنة، المولودة لأم إريترية وأب من صعيد مصر، واجهت تحديات كثيرة في حياتها. ووضعها المخرج شادي الهبر تحت الضوء بعدما لاحظ موهبتها التمثيلية، ورأى ضرورة إخراج تجربتها إلى النور. فقصة سمر تشبه حكايات كثيرات ممن تعرّضن للتنمّر والتمييز العنصري بسبب لون بشرتهن.

نجحت سمر في تحقيق حلمها بالوقوف على الخشبة في عمل تكون فيه البطلة المطلقة. فكانت ديفا حقيقية، أدّت دورها بإتقان، وعبّرت عن معاناة دفنتها لسنوات في أعماقها. وتقول في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «تُشكِّل المسرحية محطة مضيئة في مشواري المهني. فقد درست التمثيل وتمنيت دائماً أن أحظى بفرصة حقيقية، بعدما اقتصرت تجاربي على أعمال تجريبية خلال دراستي. وعندما اكتشف شادي موهبتي وأصغى إلى قصتي، التي كنت أمرّر أيضاً مقاطع منها عبر (تيك توك)، عرض علي هذا العمل». وتضيف: «ترددت في البداية، قبل أن أقرر خوض التجربة من باب علاج جروح لأزمتني منذ الصغر. فكانت مرحلة شُفيت خلالها من آلامي، بعدما فتحت باب الماضي على مصراعيه».

قدّمت سمر صالح أداءً مسرحياً يمزج بين الكوميديا والوجع (مسرح مونو)

وخلال المسرحية، تفاجئنا سمر بموهبة فنية متعددة الجوانب. فقد عرفت كيف تتحكم بلعبة المونولوغ، وهي من التجارب الصعبة لأي ممثل، مهما بلغت خبرته. كما أوصلت رسالتها حول التمييز العنصري والتنمّر بعفوية وبساطة، ونقلت المواجهات والتحديات القاسية التي عاشتها إلى الخشبة بأسلوب مباشر. وتحدثت بصراحة عن خيباتها العاطفية، وعن علاقتها المضطربة ببلد وُلدت وعاشت فيه، لكنه تنكّر لها.

أما التنمّر الذي تعرّضت له فكان يؤذيها، لكن والدتها ريتا كانت تضمد جراحها بحنانها وقوتها، فاستلهمت منها الصلابة. وكانت لها نبع حنان وحضناً تختبئ فيه، وبلسماً لجراحها.

وبدت علامات التأثر على وجوه عدد من الحاضرين، خصوصاً عندما دعت سمر والدتها إلى اعتلاء الخشبة لتهديها العمل، في لفتة تكريمية لها. وكانت المعانقة بين الأم وابنتها مؤثّرة، تركت بصمتها لدى الجمهور الذي تابع أداء سمر باهتمام، مكتشفاً موهبة تمثيلية لدى سيدة الضيافة والاستقبال في «مونو».

وتشير سمر إلى أنها، في بداية التحضيرات للمسرحية، كانت تتأثر كلما استمعت إلى رسالة صوتية لوالدتها طلب شادي إدراجها في العرض. وتقول: «بكيت عندما سمعتها للمرة الأولى».

وتضيف: «لكنني استعدت قوتي وقررت خوض التجربة، لأن أمي حفرت في القوة ولا يمكنني أن أخذلها. واليوم، عندما اعتلت الخشبة معي، لم تكن الدنيا تسعني من سعادتي العارمة تجاه امرأة عانت الكثير وربّت أولادها رغم محاربة المجتمع لها».

«درجة تانية» تُقدَّم على مسرح «مونو» في بيروت (مسرح مونو)

وخلال المسرحية، تروي سمر قصة لقاء والدتها بوالدها في لبنان. فقد كانت ريتا تعمل مساعدة للراحلة صباح، التي تعرّفت إليها في مصر وطلبت منها أن تعمل مرافقة لها في بيروت. أما والدها، الذي كان يعمل في السعودية، فغادر عمله متوجهاً إلى بيروت بحثاً عن فرصة جديدة، وهناك التقى بريتا، وتزوجا بعد قصة حب جميلة. وشاركت ريتا ممثلة في فيلم «حسناء وعمالقة» إلى جانب ابنة صباح، هويدا، فكانت هي أيضاً نجمة وديفا في نظر محبيها وكل من تعرّف إليها.

وتعترف سمر بأن المسرح المرتكز على المونولوغ ليس بالأمر السهل، ولذلك عدّته باباً لمواجهة نفسها. وتقول: «كان علي أن أتحدى نفسي وأخرج كل ما خبأته في باطني. وفلحت في ذلك، لأنني أشعر وكأنني أزحت ثقلاً كبيراً عن كاهلي».

وبرزت لمسات المخرج شادي الهبر في العناصر البصرية والصوتية، إذ مزج حكاية سمر بالفانتازيا، واستعان بموسيقى وأغانٍ عربية وأجنبية تواكب محطات حياتها وتحمل رسائل إنسانية. كما أفسح لها المجال للتعبير عن غضبها وألمها بالصراخ ورفع الصوت، في عرض يمتدّ لـ60 دقيقة.


1000 خطوة إضافية يومياً تقلل نوبات تفاقم الانسداد الرئوي

المشي بانتظام يخفض احتمال التعرض لنوبات الانسداد الرئوي (جامعة ولاية نيو ميسيكو)
المشي بانتظام يخفض احتمال التعرض لنوبات الانسداد الرئوي (جامعة ولاية نيو ميسيكو)
TT

1000 خطوة إضافية يومياً تقلل نوبات تفاقم الانسداد الرئوي

المشي بانتظام يخفض احتمال التعرض لنوبات الانسداد الرئوي (جامعة ولاية نيو ميسيكو)
المشي بانتظام يخفض احتمال التعرض لنوبات الانسداد الرئوي (جامعة ولاية نيو ميسيكو)

أظهرت دراسة دولية أن المشي بانتظام قد يساعد الأشخاص المصابين بمرض الانسداد الرئوي المزمن على تقليل نوبات تفاقم الأعراض، حتى إذا كانوا يعيشون في مناطق تعاني مستويات مرتفعة نسبياً من تلوث الهواء.

وأوضح الباحثون بقيادة معهد برشلونة للصحة العالمية (ISGlobal) في إسبانيا، أن النتائج تشير إلى أن النشاط البدني وتلوث الهواء عاملان يمكن التعامل معهما معاً؛ إذ لا يبدو أن التعرض لمستويات مرتفعة نسبياً من تلوث الهواء يلغي الفوائد المرتبطة بالمشي، ونُشرت الدراسة، الاثنين، بدورية «ERJ Open Research».

ويُعد مرض الانسداد الرئوي المزمن حالة رئوية شائعة وطويلة الأمد، ولا يوجد علاج شافٍ له حالياً، لكن ممارسة النشاط البدني بانتظام، مثل المشي، يمكن أن تساعد في إدارة أعراضه، بما في ذلك السعال والصفير وضيق التنفس.

وشملت الدراسة 262 شخصاً مصاباً بالمرض من 5 دول أوروبية هي بريطانيا وإسبانيا وبلجيكا وسويسرا واليونان. وارتدى المشاركون أجهزة استشعار للحركة لمدة 7 أيام، سجلت عدد الخطوات التي يقطعونها، والوقت الذي يقضونه في المشي، وسرعة المشي.

كما جمع الباحثون بيانات عن مستويات تلوث الهواء بالقرب من منازل المشاركين خلال العامين السابقين للدراسة، وشملت الجسيمات الدقيقة التي يقل قطرها عن 2.5 ميكرومتر (PM2.5)، والكربون الأسود، وثاني أكسيد النيتروجين، والأوزون. وطُلب من المشاركين تسجيل نوبات تفاقم الأعراض، بينما استخدم الباحثون السجلات الطبية على مدى عامين لرصد نوبات التفاقم المتوسطة أو الشديدة.

ووجد الباحثون أن المشي بانتظام ارتبط بانخفاض عدد نوبات تفاقم أعراض مرض الانسداد الرئوي المزمن، ولم يختلف هذا الارتباط بشكل واضح باختلاف مستويات تلوث الهواء في المناطق التي يعيش فيها المشاركون.

وأظهرت النتائج أن كل 1000 خطوة إضافية يومياً ارتبطت بانخفاض احتمال التعرض لنوبات التفاقم بنحو 5 في المائة. كما ارتبط المشي بوتيرة أسرع بفوائد أكبر؛ إذ حصل المشاركون الذين تجاوزت سرعة مشيهم متوسط سرعة المجموعة، البالغة نحو متر واحد في الثانية، على فوائد إضافية مقارنة بمن يمشون بوتيرة أبطأ. ولم يجد الباحثون اختلافاً واضحاً في هذه النتائج بحسب شدة مرض الانسداد الرئوي المزمن.

ويشير الباحثون إلى أن هذه النتائج تدعم استمرار ممارسة النشاط البدني حتى بالنسبة إلى الأشخاص الذين يعيشون في مناطق ملوثة نسبياً، مع التأكيد على أن تقليل التعرض لتلوث الهواء يظل أمراً مهماً؛ ولذلك فإن اختيار أماكن منخفضة التلوث لممارسة المشي، متى كان ذلك ممكناً، قد يكون الخيار الأفضل.

ومع ذلك، حذّر الباحثون من أن النتائج قد لا تنطبق على المناطق التي تشهد مستويات شديدة الارتفاع من تلوث الهواء، مشددين على الحاجة إلى مزيد من الأبحاث. ويخطط الفريق لإجراء دراسة أكبر تشمل عدداً أكبر من المشاركين ومناطق تعاني مستويات أعلى كثيراً من التلوث.


«نوبل الطب» لثلاثة علماء كشفوا عن آلية إنتاج الذكريات والمشاعر

3 علماء يحصلون على «نوبل في الطب» لعام 2026 (الهيئة المانحة للجائزة في السويد)
3 علماء يحصلون على «نوبل في الطب» لعام 2026 (الهيئة المانحة للجائزة في السويد)
TT

«نوبل الطب» لثلاثة علماء كشفوا عن آلية إنتاج الذكريات والمشاعر

3 علماء يحصلون على «نوبل في الطب» لعام 2026 (الهيئة المانحة للجائزة في السويد)
3 علماء يحصلون على «نوبل في الطب» لعام 2026 (الهيئة المانحة للجائزة في السويد)

أعلنت الهيئة المانحة لجائزة نوبل في السويد، الاثنين، فوز الأميركي كارل ديسيروث (54 عاماً) والألمانيين بيتر هيغيمان (71 عاماً) وجيورج ناغل (73 عاماً) بجائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب لعام 2026، تقديراً لاكتشافاتهم المتعلقة بـ«القنوات الأيونية التي يتم التحكم فيها بالضوء» وتقنية «علم البصريات الوراثي».

وأوضحت جمعية نوبل في معهد كارولينسكا السويدي أن اكتشافات العلماء الثلاثة قادت إلى تطوير «علم البصريات الوراثي»، وهي تقنية تتيح تشغيل نشاط خلايا عصبية محددة أو وقفه باستخدام الضوء داخل الدماغ الحي. وأحدثت التقنية تحولاً في علوم الأعصاب، إذ مكّنت الباحثين من دراسة الدوائر العصبية المرتبطة بذكريات ومشاعر وسلوكيات محددة، وفهم دور أنواع معينة من الخلايا العصبية في اضطرابات عصبية ونفسية عدة.

أداة ثورية

بدأت القصة في أوائل تسعينات القرن الماضي، عندما درس هيغيمان طحلباً وحيد الخلية يسمى «كلاميدوموناس» (Chlamydomonas)، يستطيع السباحة نحو الضوء. ولاحظ أن استجابته للضوء تحدث خلال نحو نصف مللي/ثانية، وهي سرعة تفوق بأكثر من 20 مرة بعض المراحل المماثلة في عين الإنسان.

دفع ذلك هيغيمان إلى افتراض وجود بروتين يجمع بين التقاط الضوء وفتح قناة تسمح بمرور الأيونات وإنتاج إشارة كهربائية. وبعد سنوات من البحث، تمكن بالتعاون مع ناغل من تحديد بروتين حساس للضوء يُعرف باسم «تشانيل رودوبسين» (channelrhodopsin)، واتضح أنه يعمل كقناة أيونية تُفتح عند التعرض للضوء. وفي عام 2003، أظهرا أن إدخال الجين المسؤول عن هذا البروتين إلى خلايا أخرى يجعلها حساسة للضوء وقادرة على إنتاج إشارات كهربائية.

ديسيروث يحول الاكتشاف إلى علم جديد

استفاد ديسيروث من هذا الاكتشاف في تطوير وسيلة للتحكم في نشاط الخلايا العصبية. وفي عام 2005، نجح فريقه في جعل خلايا عصبية مزروعة في المختبر تستجيب للضوء الأزرق وتطلق إشارات عصبية. ثم انتقل الباحثون إلى التجارب على الحيوانات، ونجحوا في عام 2007 في تنشيط خلايا عصبية محددة داخل أدمغة فئران حية والتحكم في حركاتها. كما تمكن فريق ديسيروث في العام نفسه من تنشيط خلايا مرتبطة باليقظة وإيقاظ فئران نائمة.

وفي عام 2012، استخدم ديسيروث التقنية، بالتعاون مع سوسومو تونيجاوا، لإعادة تنشيط خلايا مرتبطة بذاكرة الخوف لدى الفئران، أو ما يعرف بـ«إنغرام الذاكرة»، وهو نمط من الخلايا والمسارات العصبية يتشكل عند تكوين ذكرى. وعندما أعاد الباحثون تنشيط هذه الخلايا، أظهرت الفئران استجابة خوف رغم غياب الخطر، مما قدم دليلاً على دور مجموعة محددة من الخلايا العصبية في ذاكرة بعينها.

كيف غيّرت التقنية فهم الدماغ؟

يحتوي دماغ الإنسان البالغ على نحو 90 مليار خلية عصبية، ترتبط كل منها بآلاف الوصلات، مما يجعل تحديد وظيفة كل نوع من الخلايا أمراً بالغ التعقيد. لكنّ «علم البصريات الوراثي» أتاح للباحثين تشغيل مجموعات محددة من الخلايا أو وقفها، ثم مراقبة تأثير ذلك مباشرة.

وبهذه الطريقة، حدد العلماء دوائر عصبية مرتبطة بالألم، والسلوك الاجتماعي، والعطش، وتناول الطعام، والشعور بالمكافأة والانتباه، إضافةً إلى وظائف مثل تنظيم الساعة البيولوجية. كما وسّعت التقنية دراسة الجهاز العصبي خارج الدماغ، وكشفت عن صلات بين نشاط القلب والمشاعر، وعن دور خلايا معينة في الأمعاء في تفضيل بعض الأطعمة.

آمال علاجية

وحسب جمعية نوبل، ساعدت التقنية في تعميق فهم اضطرابات مثل الاكتئاب والقلق والفصام وألزهايمر وباركنسون. ويختبر الباحثون أيضاً إمكاناتها العلاجية، إذ تُستخدم في تجارب سريرية جارية لمحاولة استعادة الرؤية لدى أشخاص فقدوا البصر بسبب التهاب الشبكية الصباغي.

وفي إحدى المحاولات، أدى إدخال بروتين شبيه بـ«تشانيل رودوبسين» إلى شبكية مريض إلى استعادة قدر محدود من الرؤية، وتمكن بمساعدة نظارات خاصة تبعث الضوء من تمييز أجسام والإمساك بها. كما يأمل الباحثون في استخدام التقنية مستقبلاً لتحسين زراعة القوقعة عبر تنشيط العصب السمعي بالضوء بدلاً من الكهرباء بدرجة أكبر من الدقة. وهكذا، حوّل العلماء الثلاثة اكتشاف بروتين حساس للضوء في طحلب وحيد الخلية إلى تقنية غيّرت طريقة دراسة الدماغ، وفتحت مجالاً جديداً لفهم ارتباط الدوائر العصبية بالذكريات والمشاعر والسلوكيات، مع آمال بتطوير علاجات جديدة للاضطرابات العصبية والنفسية.