حكومة السراج تعاقب المبعوث الأممي... وميليشياتها تطالبه بالاعتذار

استئناف حركة الملاحة في مطار معيتيقة وسط معارك طرابلس

مطار معيتيقة في العاصمة الليبية طرابلس (أ.ف.ب)
مطار معيتيقة في العاصمة الليبية طرابلس (أ.ف.ب)
TT

حكومة السراج تعاقب المبعوث الأممي... وميليشياتها تطالبه بالاعتذار

مطار معيتيقة في العاصمة الليبية طرابلس (أ.ف.ب)
مطار معيتيقة في العاصمة الليبية طرابلس (أ.ف.ب)

في سابقة هي الأولى من نوعها، منذ تولي غسان سلامة مهام منصبه كسادس رئيس لبعثة الأمم المتحدة لدى ليبيا، قبل نحو عامين، عاقبته، أمس، حكومة الوفاق الوطني التي يترأسها فائز السراج في العاصمة طرابلس، بالمنع من استخدام مطار زوارة بغرب البلاد، فيما دعته ميليشيات مسلحة موالية لها إلى تقديم اعتذار رسمي عن إحاطته، «المثيرة للجدل»، التي قدمها لمجلس الأمن الدولي يوم الاثنين الماضي، حول الوضع السياسي والعسكري في ليبيا.
ولم يصدر على الفور أي تعقيب رسمي من البعثة الأممية حول هذا الإجراء، لكن وسائل إعلام موالية لحكومة السراج قالت، في المقابل، إن البعثة الأممية أخطرت إدارة مطار زوارة، بأنها ستوقف استخدام المطار في تسيير رحلات موظفيها.
وأعلنت حكومة السراج المدعومة من الأمم المتحدة، بشكل مفاجئ، على لسان هشام أبو الشيكوات وكيل وزارة المواصلات، رفضها الاستمرار في منح إذن إلى سلامة للهبوط بهذا المطار، حيث قال في تصريحات تلفزيونية، مساء أول من أمس، اعتباراً من الآن، لن يُعطى أي تصريح هبوط لطائرة سلامة عبر مطار زوارة، وعليه الهبوط عبر مطار معيتيقة في طرابلس، واستخدامه أسوة بالليبيين. وجدد دعوته للمبعوث الأممي ونائبته للشؤون السياسية ستيفاني ويليامز لزيارة مطار معيتيقة، وطالبه بألا يكون سياسياً فيما يتعلق بأرواح المدنيين، على حد تعبيره.
وكان أبو الشيكوات قد وجه رسالة رسمية إلى سلامة دعاه خلالها إلى زيارة مطار معيتيقة، بصحبة نائبته، في أي وقت، للتأكد من أنه يستعمل فقط للأغراض المدنية، خلافاً لما ورد في إحاطته أمام مجلس الأمن، التي تضمنت ما وصفه بـ«مجموعة من الأخطاء والمعلومات المضللة وغير المؤكدة». ونفى إعلان سلامة أنه اتفق مع نائبته ستيفاني لزيارة المطار، لافتاً إلى أن سلامة اعتذر رسمياً في خطاب إلى فتحي باش أغا وزير الداخلية بحكومة السراج، بأن زملاءه أخطأوا حينما اعتبروا مدير مركز الرقابة مختطفاً، وأنه نقل عنهم هذا في إحاطته، معلناً تحمله كامل المسؤولية عن هذا الخطأ.
بدورها، أعلنت قوة مكافحة الإرهاب التابعة لميليشيات السراج أنها ترفض ما جاء في إحاطة المبعوث الأممي، وطالبته بتقديم اعتذار. وقالت في بيان نشرته «عملية بركان الغضب»، التي تشنها ميليشيات السراج، إنها لا تقبل أبداً أن يصفها أحدٌ كائناً من كان بأنها تأوي متطرفين بين صفوفها، حتى ولو كان المبعوث الأممي، الذي دعته إلى تزويدها بما سمته بالمعلومة التي لا تمتلكها. وتابعت: «إن كان إطلاقاً للكلام على عواهنه، وإرضاءً للمعتدين الذين حاولوا الزج بهذه الفرية في خطابهم المشوه، فإنها سقطة نطالب البعثة بالاعتذار عنها». وأضافت: «آخر ما كنا ننتظره أن يأتي مبعوث الأمم المتحدة، ويتهمنا بإيواء متطرفين في صفوفنا»، موضحة أنها من أوائل القوات التي استجابت لنداء النفير العاجل الذي أطلقه السراج، وتمكنت مع قوات أخرى من إيقاف قوات الجيش الوطني، قبل ساعات قليلة من اجتياحها للعاصمة طرابلس، ودافعت القوة عن نفسها قائلة إنها «قوة نظامية أنشئت للدفاع عن ليبيا»، لافتة إلى ما وصفته بمرحلة جديدة من «عملية بركان الغضب»، ودعت الليبيين الذين تورطوا مع حفتر إلى إلقاء السلاح، وتسليم أنفسهم لقوات «عملية بركان الغضب».

استدعاء سلامة
كان السراج قد أعلن قبل أيام أنه قام «باستدعاء» سلامة، وتسليمه مذكرة تتضمن «احتجاجاً على ما ورد من مغالطاتٍ في إحاطته لمجلس الأمن حول الوضع في ليبيا»، التي أبدى خلالها قلقه من استمرار الهجمات التي تستهدف مطار معيتيقة بطرابلس، المنفذ الوحيد بغرب ليبيا، الذي أُغلق عشرات المرات خلال الأشهر الأربعة الماضية جراء القصف. ودعا سلامة في إحاطته أمام مجلس الأمن، الاثنين الماضي، «السلطات في طرابلس إلى التوقف عن استخدام المطار لأغراض عسكرية، والقوات المهاجمة إلى التوقف فوراً عن استهدافه»، في إشارة لقوات حفتر. وتحدّث سلامة عن «مزاعم غير مؤكّدة بوقوع تجاوزات ضد حقوق الإنسان في غريان»، عقب سيطرة قوات حكومة الوفاق التي استعادتها قبل شهر من قبضة قوات حفتر، مشيراً إلى قيام «البعثة حالياً بتحري هذا الأمر»، مشيراً إلى اختطاف مدير مركز الرقابة الأغذية والأدوية في طرابلس من قبل مسلّحين طلباً للفدية، الأمر الذي نفته حكومة السراج، مؤكدة أن المسؤول تم استيقافه، وفق إجراءات قضائية. ويتولى سلامة أستاذ العلاقات الدولية وحل الأزمات في جامعة «ساينسز - بو» في باريس منصبه قبل نهاية عام 2017، بعد عملية بحث مطولة عمن يخلف مارتن كوبلر، الدبلوماسي الألماني الذي تولى المنصب نفسه منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، بعدما تم استبعاد رئيس الوزراء الفلسطيني السابق سلام فياض.
وطبقاً لما أعلنته أمس سلطات مطار معيتيقة، الذي يعتبر المطار الوحيد الذي يعمل في العاصمة طرابلس، فقد أُعيد فتحه مجدداً في وقت متأخر من مساء أول من أمس أمام الحركة الجوية، بعد إغلاقه لنحو أربع ساعات عقب تعرضه للقصف بقذائف. وحسب المطار، فقد انتظمت الرحلات الجوية به بعدما تسبب القصف في تعديلها وإرباك المسافرين، واتهمت الميليشيات الموالية لحكومة السراج، قوات الجيش الوطني، بمحاولة استهداف محيط صالة الحجاج بمطار معيتيقة الدولي عبر قصفه بصواريخ «غراد»، فيما وصفته بأنه «في رد فعل جبان على إسقاط قواتها لطائرة مسيرة مذخّرة بالصواريخ، زعمت أنها كانت تحاول مهاجمة أهداف مدنية في محيط مدينة مصراتة بغرب البلاد».

استهداف رتل من مصراتة
ومع دخول عملية تحرير طرابلس، التي أطلقها المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني الليبي»، في الرابع من شهر أبريل (نيسان) الماضي، أمس، شهرها الخامس على التوالي، أكدت شعبة الإعلام الحربي التابعة للجيش قيام مقاتلات سلاح الجو باستهداف رتل عند خروجه من مدينة مصراتة بغرب البلاد، تحديداً بمنطقة بوقرين، لافتة إلى أن الرتل ضم عدداً من جماعات الحشد المليشاوي، وأفراداً من «مجالس شورى» بنغازي، ودرنة، وآجدابيا، المتحالفة مع تنظيم «داعش».
وعلى الرغم من الأوضاع المأسوية في البلاد، أعلن علي العيساوي، وزير الاقتصاد بحكومة السراج، أمس، عن مشروع ضخم لإنشاء شبكة لمترو الأنفاق بقيمة 10 مليارات يورو، ما أثار جدلاً عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، حول جدوى إقامة مشروع كهذا في ظل الوضع الأمني والعسكري المتدهور في العاصمة طرابلس، واستمرار أزمتي انقطاع الكهرباء والمياه عنها لساعات طويلة. وأكد العيساوي في مؤتمر صحافي عقده أمس بطرابلس، عقب الاجتماع الذي عرضت خلاله عدد من الشركات تنفيذ مجموعة من المشروعات الكبرى في ليبيا، أنه سيتم تشكيل لجان مشتركة مع المستثمرين لمناقشتها، وبدا متفائلاً بأن البلاد ستتجاوز كل الصعاب، وسيتم تنفيذ مشروعات تنموية تشمل القطاعات كافة. والعيساوي، المحسوب على جماعة «الإخوان المسلمين»، أحد المتهمين في قضية اغتيال اللواء عبد الفتاح يونس، أحد أبرز قادة الجيش الوطني، خلال الانتفاضة التي أطاحت بنظام العقيد الراحل معمر القذافي عام 2011.
بدورها، أعلنت أمس الشركة العامة للكهرباء، في بيان لها، عن دخول مجموعات خارجة عن القانون إلى عدة محطات تحويل شرق العاصمة طرابلس، وإرجاع التيار الكهربائي بالقوة، واعتبرت أن مثل هذه التصرفات غير المسؤولة تسبب في انخفاض التردد؛ الأمر الذي يؤدي إلى خروج بعض وحدات التوليد عن الخدمة، وتهديد استقرار الشبكة الكهربائية. وناشدت الشركة، في بيان سابق، أمس، أيضاً، المواطنين، بعدم الدخول لمحطات التحويل بالمناطق، وإرجاع التيار الكهربائي بالقوة، وقالت إن هذا التصرف اللا مسؤول يزيد من تفاقم المشكلة، وإرباك العاملين بغرفة التحكم، كما حثت المدن التي ترفض طرح الأحمال بالدخول في عملية الطرح المبرمج من قبل غرفة التحكم من أجل استقرار الشبكة الكهربائية وإعادة التيار الكهربائي لكافة ربوع البلاد.



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.