التقاليد السردية العربية تفند التأثر بالرواية الغربية

جامعة أكسفورد تصدر ثلاثة أجزاء عن «تقاليد العرب الروائية»

التقاليد السردية العربية تفند التأثر بالرواية الغربية
TT

التقاليد السردية العربية تفند التأثر بالرواية الغربية

التقاليد السردية العربية تفند التأثر بالرواية الغربية

من المفروغ منه نقدياً أن أدبنا العربي ذو تاريخ أجناسي غائر في التاريخ، يمتد إلى ما قبل الإسلام بزمن طويل، وفيه عرف العرب مختلف أنماط الشعر والنثر التي تفاوتت شكلاً وأسلوباً بين الخبر والخرافة والأسطورة والمثل والأيام والخطابة والسير، والقصيدة طبعاً، قبل أن تنشأ فكرة الدولة بسلطاتها الدينية أو الاقتصادية أو السياسية. ولما ظهر الإسلام، تعززت هذه الأنماط بتأثير القصة القرآنية والسير النبوية، الأمر الذي جعل منها أنواعاً نثرية مستقرة تدويناً أو مشافهة، كالخطابة والحكاية والرسالة والمقامة والرحلة والتواريخ والأخبار والسير والتراجم.
ورغم تلك المفروغية التي هي بمثابة مسلمة نقدية، ما زال التشكيك في غنى أدبنا العربي قائماً، والدليل ظهور دراسات، بعضها يتخذ شكل مشاريع بحثية كبرى، تتولى إعادة النظر في موروثنا الأدبي، ولا سيما السردي، محاولة الوقوف على حقيقة غناه وتنوعه. وآخرها الكتاب الذي أصدرته جامعة أكسفورد «تقاليد العرب الروائية»، بأجزاء كبيرة ثلاثة، هي على التوالي: «الاستمرارية» و«التطورات» و«الشتات».
وتكمن أهمية هذا الكتاب في الأطروحة التي اشتغل عليها مؤلفو الكتاب السبعة والثلاثون باحثاً، المتعلقة بإمكانية وجود تقاليد روائية عربية، رغبة في معرفة مصدر نشأتها وكيفية تطورها، والغريب أن الكتاب استبعد القصة القرآنية والسيرة النبوية، مع أن فيهما من التقاليد السردية ما أثر بشكل مهم ومباشر على مسار الأجناس النثرية التي وصلت إلينا.
أما ما طرحه محرر الكتاب البروفسور وائل حسن في الفصل الأول المعنون بـ«نحو نظرية في الرواية العربية»، فإن تلك النظرية في الحقيقة ليست سوى جمع للمتناثر من الآراء البحثية والنقدية الدائرة حول هذا الموضوع، بدءاً من الناقد أيان وات Ian Watt (1917-1999) صاحب النظرية التي تقول بأثر الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في صعود الرواية، التي تضمنها كتابه «صعود الرواية... دراسات في ديفو وريشاردسون وفيلدنغ» الذي اعتمد عليه د. عبد المحسن طه بدر اعتماداً كبيراً في أطروحته للدكتوراه «تطور الرواية العربية الحديثة في مصر 1870-1938)، مروراً بكاظم جهاد حسن الذي أخذ عنه المحرر رأياً مهماً كان قد طرحه عام 2006، ومفاده أن كثيراً من التقاليد السردية الضخمة في أدبنا العربي تفند الرؤى حول أثر الرواية الأوروبية في الرواية العربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكيف أن الرواية الإنجليزية والفرنسية ترجمت إلى العربية، ثم قلدت وتكيفت واختلطت مع أنماط السرد العربي، وانتهاء بفرانكو مورتي Moretti Franco الذي اعتمد فرضية المرونة في تقويم الأدب بين الصيغ الرئيسة والمحلية في كتابه «الغرافيك الشجرة الخارطة: نماذج مجردة في دراسة تاريخ الأدب»، ومقالاته عن القراءة البعيدة والقريبة التي وجد فيها وائل حسن منهجية جديرة بأن تساعدنا في دراسة التقاليد الروائية عند العرب، كجنس وعصر وظاهرة تربط الفن بالآيديولوجيا وأحكام القيمة.
وبالتدقيق، يظهر لنا أن مفردة «رواية» لا تعني دلالة الروي المباشرة، وهي السقاية، أي جلب الماء بالمعنى الحسي، التي تطورت اصطلاحياً إلى «التعيين والإبلاغ عن المعلومات والأخبار» (مقدمة الكتاب)، وإنما هي مجازية تعني النقل والتوصيل المقترن بتلقي الأدب العربي، وكأن الأدب هو الماء الذي لا بد من توصيله إلى المتلقي كي يتذوقه شفوياً أو كتابياً، راوياً بذلك ظمأه إلى الجمال أو المعرفة، كإشارة إلى أن العرب منذ زمن بعيد تعد الأدب جزءاً متخيلاً وجمالياً من حياتها الواقعية الصعبة، ومثلما أن لا حياة للكائن من دون الماء، كذلك الأدب هو الماء الذي به تنتعش الروح وتبرأ من أسقام الواقع المعيش. وهذا المسيب بن علس يفاخر بقصيدته التي هي من القوة والجدة ما يجعل أمر روايتها، أي نشرها ونقلها بين الناس، غريباً وغير معتاد في تذوقها والاستمتاع بها:
فَلَأُهدِيَنَّ مَعَ الرِياحِ قَصيدَة مِنّي مُغَلغَلَة إِلى القَعقاعِ
تَرِدُ المِياهَ فَما تَزالُ غَريبَة في القَومِ بَينَ تَمَثُّلٍ وَسَماعِ
وإذا كانت أمة مثل أمة العرب ترى الأدب إرواء لظمئها الجمالي، فمن الطبيعي أن تكون لها تقاليدها السردية الخاصة. ليس ذلك فحسب، بل لها تأثيرها في آداب أخرى ستأخذ عن أدبها، ولا سيما النثر، شيئاً كثيراً به يصبح أدبها ذا صيغ سردية جديدة، كما حصل مع الأدب الأوروبي الذي لم تكن له في العصور الوسطى إلا قصص الرعاة والفروسية والشطار والرومانس، لكن تأثرها بالأجناس السردية العربية، مثل القصة الفلسفية والسير الدينية والمقامات والمنامات والرحلات والرسائل، جعلها تقفز نوعياً نحو ظهور أدب واقعي سمي مع عصر النهضة بـ«رومان»؛ أولاً مثلته رواية دون كيشوت، كأول رواية عرفتها أوروبا، والتي أعلن مؤلفها تأثره بالإرث السردي العربي، ثم ما عرف فيما بعد بالنوفل (Novel) التي لها الدلالة نفسها التي تعنيها بالعربية (الرواية)، بمعنى التوصيل بغية التذوق والإشباع. وبهذا يغدو الموضوع في أصل التسمية معكوساً من الرواية إلى النوفل، وليس من النوفل إلى الرواية.
ولن نجانب الصواب إذا قلنا إن المسألة هي نفسها حين نناقش وجود التقاليد الروائية العربية التي هي أصلية لدينا، لكن الآخر أخذها منا، ثم بنى عليها وطورها ليعيدها في صيغة بدت لنا جديدة غريبة علينا، فتأثرنا بها وكأننا بذلك نقترضها اقتراضاً من الغرب، وليست هي بضاعتنا التي ردت إلينا. تلك البضاعة التي وضع الرواة الأوائل تقاليدها كي يحظى سردهم بالمقبولية من لدن مستمعيهم، أياً كان هذا السرد: قصة أو سيرة أو أخباراً أو ملاحم شعبية عن بطولات سيف بن ذي يزن وقصص بني هلال وغيرها.
هذا التتبع لجينالوجية التسمية وتاريخية النشأة تفند الرأي الذي يرى الرواية جنساً أوروبياً مستورداً مما كانت قد أكدته دراسات بعض النقاد العرب والغربيين، ومنهم روجر ألن وبعض الروائيين العرب في النصف الأول من القرن العشرين ممن اعتقدوا أن لا علاقة للرواية والقصة القصيرة بالأجناس السردية العربية القديمة، على أساس أنها تفتقر إلى تقاليد عربية في التخييل السردي.
وبالطبع، لا يخلو هذا الموقف من نزعة منحازة للاستعمارية التي فيها ظهر سياق ثقافي واجتماعي وتاريخي فرانكفوني أثار حفيظة رجال الدين آنذاك، كظهور مدارس تبشيرية أوروبية وأميركية بين الأعوام 1830 و1850، وبعثات وحركات ترجمة واضحة مهدت لظهور الرواية عند العرب مطلع القرن العشرين.
ويتماشى هذا الموقف مع الاستشراق الذي أراد إظهار التفوق الحضاري الأوروبي على العثمانيين والعرب، والمؤسف أن هذا الموقف شاع كذلك في الدراسات الأكاديمية عن الرواية العربية التي ظلت موسومة بعدم النضج، وعدت نتاجات القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ساذجة بدائية أو تعليمية ترفيهية. وظلت فكرة اللحاق بالغرب سائدة، وأن أجناس الرواية والقصة القصيرة والدراما هي أجناس غربية، حتى غدت فكرة غربة الرواية مترسخة ومتعارفاً عليها عند النقاد، متعاملين معها كجنس أوروبي وصل إلينا مترجماً خلال القرن التاسع عشر، متجاهلاً أي أرث عربي، إلى أن تخلصت الرواية في الستينات والسبعينات من تأثير الأجناس السردية الكلاسيكية الغربية، وابتعدت عن تقليد السرد الأوروبي الواقعي، وظهرت على نحو واسع استعادة أعراف من الموروث السردي العربي.
وبالمقابل، هناك نفر من النقاد عارضوا هذه الأفكار، وشددوا على تأثير الموروث السردي العربي في الآداب الأوروبية، ومنهم د. محمد غنيمي هلال الذي عد القصص الأصيلة، كرسالة الغفران والمقامة وحي بن يقظان، والقصص الدخيلة، كألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة، هي مصدر البيكارسك الإسباني ودون كيشوت وقصائد لافونتين وروبنسون كروزو، ناهيك عن التأثير الكبير لليالي العربية على الآداب الأوروبية الحديثة منذ القرن التاسع عشر، وأدب أميركا اللاتينية في العشرينات بمدرسة الواقعية السحرية.
وفي كتابنا الموسوم «موسوعة السرد العربي.. معاينات نقدية ومراجعات تاريخية»، الصادر في الأردن 2019، أشرنا إلى أن «السرد العربي الحديث كانت له أرضية مبنية على منجز تراثي سردي، الأمر الذي أتاح للسرد الحديث الإفادة من الرواية الغربية المترجمة والمعربة، واستطاع أن يبني له سردية حديثة منطلقة من صميم الواقع وتجاربه الذاتية» الكتاب، ص 64.
كل هذه الأدلة تجعل المفارقة ساخرة ونحن نقارن بين تقاليد الحداثة الأوروبية وتقاليد العرب الروائية، منقسمين إلى فرقاء متباعدين في الرؤى والحجج والمعالجات، بينما المفيد هو أن ننحو بالأمر منحى أشمل، ونقول إن التقاليد السردية في كل زمان ومكان هي إرث إنساني، أسهم فيه أول سارد في التاريخ البشري، وسيسهم فيه آخر سارد مبدع يظهر فيما بعد.
- ناقدة أكاديمية عراقية


مقالات ذات صلة

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

ثقافة وفنون أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق أدريانا كاريمبو (غيتي)

أدريانا كاريمبو: كتاب عن الحبّ وذكريات من بلد لم يعد موجوداً

وصلت إلى عاصمة النور وكادت تفقد أحلامها، فقد أسكنوها في شقة مع عدد من العارضات المبتدئات وبقيت 5 أيام من دون طعام.

«الشرق الأوسط» (باريس)
ثقافة وفنون أنتونيس في مكتبه

أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

كان الروائي البرتغالي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي رحل الخميس الماضي عن 83 عاماً، غزير الإنتاج، وجعلت منه رواياته متعددة الطبقات.

آدم نوسيتر
ثقافة وفنون يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

عن دار «منشورات الربيع» بالقاهرة صدرت رواية «المساكنة الملعونة» للكاتبة السورية سوسن جميل حسن.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».