التقاليد السردية العربية تفند التأثر بالرواية الغربية

جامعة أكسفورد تصدر ثلاثة أجزاء عن «تقاليد العرب الروائية»

التقاليد السردية العربية تفند التأثر بالرواية الغربية
TT

التقاليد السردية العربية تفند التأثر بالرواية الغربية

التقاليد السردية العربية تفند التأثر بالرواية الغربية

من المفروغ منه نقدياً أن أدبنا العربي ذو تاريخ أجناسي غائر في التاريخ، يمتد إلى ما قبل الإسلام بزمن طويل، وفيه عرف العرب مختلف أنماط الشعر والنثر التي تفاوتت شكلاً وأسلوباً بين الخبر والخرافة والأسطورة والمثل والأيام والخطابة والسير، والقصيدة طبعاً، قبل أن تنشأ فكرة الدولة بسلطاتها الدينية أو الاقتصادية أو السياسية. ولما ظهر الإسلام، تعززت هذه الأنماط بتأثير القصة القرآنية والسير النبوية، الأمر الذي جعل منها أنواعاً نثرية مستقرة تدويناً أو مشافهة، كالخطابة والحكاية والرسالة والمقامة والرحلة والتواريخ والأخبار والسير والتراجم.
ورغم تلك المفروغية التي هي بمثابة مسلمة نقدية، ما زال التشكيك في غنى أدبنا العربي قائماً، والدليل ظهور دراسات، بعضها يتخذ شكل مشاريع بحثية كبرى، تتولى إعادة النظر في موروثنا الأدبي، ولا سيما السردي، محاولة الوقوف على حقيقة غناه وتنوعه. وآخرها الكتاب الذي أصدرته جامعة أكسفورد «تقاليد العرب الروائية»، بأجزاء كبيرة ثلاثة، هي على التوالي: «الاستمرارية» و«التطورات» و«الشتات».
وتكمن أهمية هذا الكتاب في الأطروحة التي اشتغل عليها مؤلفو الكتاب السبعة والثلاثون باحثاً، المتعلقة بإمكانية وجود تقاليد روائية عربية، رغبة في معرفة مصدر نشأتها وكيفية تطورها، والغريب أن الكتاب استبعد القصة القرآنية والسيرة النبوية، مع أن فيهما من التقاليد السردية ما أثر بشكل مهم ومباشر على مسار الأجناس النثرية التي وصلت إلينا.
أما ما طرحه محرر الكتاب البروفسور وائل حسن في الفصل الأول المعنون بـ«نحو نظرية في الرواية العربية»، فإن تلك النظرية في الحقيقة ليست سوى جمع للمتناثر من الآراء البحثية والنقدية الدائرة حول هذا الموضوع، بدءاً من الناقد أيان وات Ian Watt (1917-1999) صاحب النظرية التي تقول بأثر الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في صعود الرواية، التي تضمنها كتابه «صعود الرواية... دراسات في ديفو وريشاردسون وفيلدنغ» الذي اعتمد عليه د. عبد المحسن طه بدر اعتماداً كبيراً في أطروحته للدكتوراه «تطور الرواية العربية الحديثة في مصر 1870-1938)، مروراً بكاظم جهاد حسن الذي أخذ عنه المحرر رأياً مهماً كان قد طرحه عام 2006، ومفاده أن كثيراً من التقاليد السردية الضخمة في أدبنا العربي تفند الرؤى حول أثر الرواية الأوروبية في الرواية العربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكيف أن الرواية الإنجليزية والفرنسية ترجمت إلى العربية، ثم قلدت وتكيفت واختلطت مع أنماط السرد العربي، وانتهاء بفرانكو مورتي Moretti Franco الذي اعتمد فرضية المرونة في تقويم الأدب بين الصيغ الرئيسة والمحلية في كتابه «الغرافيك الشجرة الخارطة: نماذج مجردة في دراسة تاريخ الأدب»، ومقالاته عن القراءة البعيدة والقريبة التي وجد فيها وائل حسن منهجية جديرة بأن تساعدنا في دراسة التقاليد الروائية عند العرب، كجنس وعصر وظاهرة تربط الفن بالآيديولوجيا وأحكام القيمة.
وبالتدقيق، يظهر لنا أن مفردة «رواية» لا تعني دلالة الروي المباشرة، وهي السقاية، أي جلب الماء بالمعنى الحسي، التي تطورت اصطلاحياً إلى «التعيين والإبلاغ عن المعلومات والأخبار» (مقدمة الكتاب)، وإنما هي مجازية تعني النقل والتوصيل المقترن بتلقي الأدب العربي، وكأن الأدب هو الماء الذي لا بد من توصيله إلى المتلقي كي يتذوقه شفوياً أو كتابياً، راوياً بذلك ظمأه إلى الجمال أو المعرفة، كإشارة إلى أن العرب منذ زمن بعيد تعد الأدب جزءاً متخيلاً وجمالياً من حياتها الواقعية الصعبة، ومثلما أن لا حياة للكائن من دون الماء، كذلك الأدب هو الماء الذي به تنتعش الروح وتبرأ من أسقام الواقع المعيش. وهذا المسيب بن علس يفاخر بقصيدته التي هي من القوة والجدة ما يجعل أمر روايتها، أي نشرها ونقلها بين الناس، غريباً وغير معتاد في تذوقها والاستمتاع بها:
فَلَأُهدِيَنَّ مَعَ الرِياحِ قَصيدَة مِنّي مُغَلغَلَة إِلى القَعقاعِ
تَرِدُ المِياهَ فَما تَزالُ غَريبَة في القَومِ بَينَ تَمَثُّلٍ وَسَماعِ
وإذا كانت أمة مثل أمة العرب ترى الأدب إرواء لظمئها الجمالي، فمن الطبيعي أن تكون لها تقاليدها السردية الخاصة. ليس ذلك فحسب، بل لها تأثيرها في آداب أخرى ستأخذ عن أدبها، ولا سيما النثر، شيئاً كثيراً به يصبح أدبها ذا صيغ سردية جديدة، كما حصل مع الأدب الأوروبي الذي لم تكن له في العصور الوسطى إلا قصص الرعاة والفروسية والشطار والرومانس، لكن تأثرها بالأجناس السردية العربية، مثل القصة الفلسفية والسير الدينية والمقامات والمنامات والرحلات والرسائل، جعلها تقفز نوعياً نحو ظهور أدب واقعي سمي مع عصر النهضة بـ«رومان»؛ أولاً مثلته رواية دون كيشوت، كأول رواية عرفتها أوروبا، والتي أعلن مؤلفها تأثره بالإرث السردي العربي، ثم ما عرف فيما بعد بالنوفل (Novel) التي لها الدلالة نفسها التي تعنيها بالعربية (الرواية)، بمعنى التوصيل بغية التذوق والإشباع. وبهذا يغدو الموضوع في أصل التسمية معكوساً من الرواية إلى النوفل، وليس من النوفل إلى الرواية.
ولن نجانب الصواب إذا قلنا إن المسألة هي نفسها حين نناقش وجود التقاليد الروائية العربية التي هي أصلية لدينا، لكن الآخر أخذها منا، ثم بنى عليها وطورها ليعيدها في صيغة بدت لنا جديدة غريبة علينا، فتأثرنا بها وكأننا بذلك نقترضها اقتراضاً من الغرب، وليست هي بضاعتنا التي ردت إلينا. تلك البضاعة التي وضع الرواة الأوائل تقاليدها كي يحظى سردهم بالمقبولية من لدن مستمعيهم، أياً كان هذا السرد: قصة أو سيرة أو أخباراً أو ملاحم شعبية عن بطولات سيف بن ذي يزن وقصص بني هلال وغيرها.
هذا التتبع لجينالوجية التسمية وتاريخية النشأة تفند الرأي الذي يرى الرواية جنساً أوروبياً مستورداً مما كانت قد أكدته دراسات بعض النقاد العرب والغربيين، ومنهم روجر ألن وبعض الروائيين العرب في النصف الأول من القرن العشرين ممن اعتقدوا أن لا علاقة للرواية والقصة القصيرة بالأجناس السردية العربية القديمة، على أساس أنها تفتقر إلى تقاليد عربية في التخييل السردي.
وبالطبع، لا يخلو هذا الموقف من نزعة منحازة للاستعمارية التي فيها ظهر سياق ثقافي واجتماعي وتاريخي فرانكفوني أثار حفيظة رجال الدين آنذاك، كظهور مدارس تبشيرية أوروبية وأميركية بين الأعوام 1830 و1850، وبعثات وحركات ترجمة واضحة مهدت لظهور الرواية عند العرب مطلع القرن العشرين.
ويتماشى هذا الموقف مع الاستشراق الذي أراد إظهار التفوق الحضاري الأوروبي على العثمانيين والعرب، والمؤسف أن هذا الموقف شاع كذلك في الدراسات الأكاديمية عن الرواية العربية التي ظلت موسومة بعدم النضج، وعدت نتاجات القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ساذجة بدائية أو تعليمية ترفيهية. وظلت فكرة اللحاق بالغرب سائدة، وأن أجناس الرواية والقصة القصيرة والدراما هي أجناس غربية، حتى غدت فكرة غربة الرواية مترسخة ومتعارفاً عليها عند النقاد، متعاملين معها كجنس أوروبي وصل إلينا مترجماً خلال القرن التاسع عشر، متجاهلاً أي أرث عربي، إلى أن تخلصت الرواية في الستينات والسبعينات من تأثير الأجناس السردية الكلاسيكية الغربية، وابتعدت عن تقليد السرد الأوروبي الواقعي، وظهرت على نحو واسع استعادة أعراف من الموروث السردي العربي.
وبالمقابل، هناك نفر من النقاد عارضوا هذه الأفكار، وشددوا على تأثير الموروث السردي العربي في الآداب الأوروبية، ومنهم د. محمد غنيمي هلال الذي عد القصص الأصيلة، كرسالة الغفران والمقامة وحي بن يقظان، والقصص الدخيلة، كألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة، هي مصدر البيكارسك الإسباني ودون كيشوت وقصائد لافونتين وروبنسون كروزو، ناهيك عن التأثير الكبير لليالي العربية على الآداب الأوروبية الحديثة منذ القرن التاسع عشر، وأدب أميركا اللاتينية في العشرينات بمدرسة الواقعية السحرية.
وفي كتابنا الموسوم «موسوعة السرد العربي.. معاينات نقدية ومراجعات تاريخية»، الصادر في الأردن 2019، أشرنا إلى أن «السرد العربي الحديث كانت له أرضية مبنية على منجز تراثي سردي، الأمر الذي أتاح للسرد الحديث الإفادة من الرواية الغربية المترجمة والمعربة، واستطاع أن يبني له سردية حديثة منطلقة من صميم الواقع وتجاربه الذاتية» الكتاب، ص 64.
كل هذه الأدلة تجعل المفارقة ساخرة ونحن نقارن بين تقاليد الحداثة الأوروبية وتقاليد العرب الروائية، منقسمين إلى فرقاء متباعدين في الرؤى والحجج والمعالجات، بينما المفيد هو أن ننحو بالأمر منحى أشمل، ونقول إن التقاليد السردية في كل زمان ومكان هي إرث إنساني، أسهم فيه أول سارد في التاريخ البشري، وسيسهم فيه آخر سارد مبدع يظهر فيما بعد.
- ناقدة أكاديمية عراقية


مقالات ذات صلة

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

ثقافة وفنون  منيرة العيدان

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل...

ميرزا الخويلدي (الكويت)
ثقافة وفنون يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

«زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

تعد الرواية التونسية من أبرز التجارب السردية العربية التي انشغلت بتصوير الواقع الإنساني، والاجتماعي، إذ استطاع الروائي التونسي أن يجعل من الإنسان محوراً أساسياً

إلهام بلحاج
كتب «البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق

رشا أحمد ( القاهرة)
كتب «فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم،

«الشرق الأوسط» (الرياض)

مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
TT

مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)

في حفلة عامرة بالنجوم والوفود وصانعي السينما من كل حقل وميدان، أنهى مهرجان «كان» السينمائي دورته التاسعة والسبعين، موزّعاً جوائزه على نحو فاجأ معظم المتابعين.

وفاز بـ«السعفة الذهبية»، التي هي أعلى جائزة يمنحها المهرجان الفرنسي، فيلم «Fjord» للمخرج الروماني كرستيان مونجيو، وبذلك يدخل المخرج قائمة المخرجين الذين أُتيح لهم الفوز بـ«السعفة» أكثر من مرّة.

وتم منح «الجائزة الكبرى» لفيلم «مينوتور» للروسي أندري زفياغنتسف، وهو الفيلم الأول له منذ ثماني سنوات، وتم إنتاجه خارج روسيا.

جائزة أفضل مخرج تم منحها لمخرجين هما بافل بالفليكوفسكي عن «وطن»، وجايفييه كالفو عن «لا بولا نيغرا». كذلك خرجت الممثلة الفرنسية فرجيني إلفيرا بجائزة أفضل ممثلة عن «على حين غرّة» (All of a Sudden)، وتقاسمتها مع زميلتها في البطولة اليابانية تاو أوكاموتو.

كذلك، وعلى نحو مشابه، توزّعت جائزة أفضل ممثل على اثنين قادا بطولة فيلم واحد هما إيمانويل ماكيا وفلانتين كامبيون عن فيلم «زحام».


منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان
TT

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل، كما توثق الهجرات من نجد إلى الكويت خصوصاً، في روايتها الجديدة «جلوات سدير»، التي صدرت أخيراً عن «الفكر العربي للنشر والتوزيع»، بغلاف لافت بريشة الفنان البحريني حسن سالم، يعكس سينوغرافيا بصرية لشبان يعتلون الإبل بالزي التراثي عابرين متاهات القفار.

ومنيرة عبد الرحمن العيدان؛ كاتبة وروائية كويتية من مواليد عام 1982، وخريجة الجامعة الأميركية في الكويت (تخصص آداب اللغة الإنجليزية).

بدأت مسيرتها الأدبية بالاهتمام بالتراث الكويتي وأدب الطفل، وصدر لها في هذا الحقل عدة مؤلفات بارزة، منها: «نورة وأحذيتها السحرية» (2014)، «سلمت للمجد» (2015)، «قطار الأحلام» (2016)، «أرض الذهب» (2018).

وفي حقل الرواية: «بين المجمعة والمرقاب» (2017)، «لعوب شرق» (2021)، «درب الفنطاس» (2025)، لتتوج هذا العطاء الممتد بروايتها الأخيرة «جلوات سدير» (2026).

هنا حوار معها عن روايتها الجديد، ومجمل أعمالها...

> كيف عالجت أعمالك تأثير التاريخ والحكاية الشعبية والتراث المحلي في صياغة الهوية المشتركة في الخليج...؟

- ما يجمع هذه الأعمال هو اهتمامي بالإنسان الخليجي وسط التحولات الكبيرة التي مرت بها المنطقة، أكثر من اهتمامي بالتاريخ كتوثيق مباشر. الهجرات القديمة، والتنقل بين نجد والكويت، والحكايات الشعبية، وشكل البيوت، والعلاقات العائلية، حتى طريقة الكلام... كلها بالنسبة لي ليست مجرد تراث، بل أشياء صنعت الناس أنفسهم، وصنعت نظرتهم للحياة والخوف والانتماء. وفي جانب آخر، أنا مهتمة أيضاً بسيكولوجية المرأة داخل هذه التحولات، وكيف انعكست التغيرات الاجتماعية عليها وعلى علاقتها بالمكان والعائلة والذاكرة. لكن في الحقيقة، متى ما وجدت قصة أشعر أنها تستحق التوثيق، أسبق نفسي إلى كتابتها. وكل هذه الموضوعات، الهجرة، الذاكرة، المرأة، التحولات الاجتماعية، تطرق باب اهتمامي في النهاية.

> كيف تبلورت فكرة لرواية «جلوات سدير»؟

- جاءت هذه الرواية بعد حديث مطول لوالدي عن طفولته بأدق التفاصيل، وهجرة أهله من نجد إلى الكويت، وفقدانه لوالدته في طفولته. كما شرح لي كثيراً من الأمور العائلية الخاصة، التي بيّنت لي أبعاد وسيكولوجية صبيٍّ في سن أبطال الرواية. حتى وأنا أكتب الرواية، كنت أرى وجه أبي في أرواح الأبطال. ثم بدأ اهتمامي بالهجرات، ما دفع كثيراً من المهتمين للتواصل معي ومشاركة قصص أهلهم بكرم بالغ، ورأيت في تلك القصص ثروة تستحق أن تُوثَّق.

> ما أثر «الجلوة» تحديداً؟ هل هي تحمل دلالة «الارتحال» وترك الديار طلباً للرزق؟

- هي مشتقة من الجلاء، أي ترك البلاد قسراً أو الارتحال عنها، وكانت تُسمى قديماً «الجلوات»، أي الرحلات التي يترك فيها الناس ديارهم طلباً للرزق أو النجاة. كما وردت الكلمة في بعض القصائد والأشعار القديمة، فيُقال: «جلا فلان»، أي غادر البلاد وارتحل عنها. وقد وددت إحياء هذه الكلمة القديمة جداً، لما تحمله من انعكاسات قريبة من أحلام أبطال الرواية ورحلتهم النفسية والجغرافية.

> الرواية استندت إلى رواة شفهيين ومؤرخين من السعودية والكويت. كيف استطعتِ «فك» التناقضات بين الروايات الشفهية والمدونات التاريخية الرسمية؟

- العمل على ربط ذلك كان ممتعاً للغاية، خصوصاً مع وجود مصادر عديدة ومختلفة هذه المرة عمّا كتبته سابقاً، بسبب تواصلي مع مؤرخين من المملكة العربية السعودية ورواة شفهيين من السعودية والكويت. في بعض الأحيان، كنت أواجه عائقاً اجتماعياً أو طقساً معيناً لا أجد له مستنداً واضحاً في المراجع التاريخية، فأبحث عنه لدى الرواة الشفهيين، أو أعيد صياغة الحدث بما يتوافق مع ما هو موثق وثابت تاريخياً.

> ذكرت في «التمهيد» أن الأحداث صيغت تخيلياً لخدمة البناء الروائي رغم السياق التاريخي الحقيقي. أين تنتهي الحقيقة التاريخية في «جلوات سدير»؟ وأين يبدأ الخيال الروائي لمنيرة العيدان؟

- هي مبنية في أغلبها على قصص حقيقية، ولكني غيّرت الظروف والأحوال كي لا آخذ أو أحرّف أو أزلّ في نقل حياة أحد. وكما ذكرت، فأنا أستمع من الرواة للقصص بشغف، وتأتي بعض القصص تباعاً للأحداث، حتى تصبح النتيجة أحياناً متوقعة من كثرة تشابه التجارب الإنسانية في تلك المرحلة. الجميل أن العديد من القرّاء، خاصة في الرياض، ربطوا القصة بقصص أهلهم، بل إن بعضهم جزم بأنها القصة نفسها بحذافيرها. وفي الرواية مثل نجدي قديم أخذته من أحد الرواة الشفهيين، وهو مثل يُقال للأطفال، وقد اتصل بي أحد الأشخاص فرحاً قائلاً: «لقد ذكّرتِني بهذا المثل الذي كانت تردده والدتي المتوفاة، وقد ظللت أبحث عنه أو عن مصدره لسنوات، ووجدته الآن!».

> تمثل «الروضة» في الرواية فضاءً طارداً ومأزوماً طبقياً واجتماعياً للأبطال، بينما تلوح «الكويت» كأرض الخلاص. كيف وظفتِ ثنائية «الضيق/ الاتساع» و«السجن/ الحرية» جغرافياً ونفسياً؟

- لم تكن الروضة مكاناً سيئاً بقدر ما كانت مكاناً ضيقاً على أحلام بعض الأبطال، خصوصاً مع الفقر والطبقية وقسوة الظروف الاجتماعية آنذاك. لذلك بدت لهم الكويت، رغم مشقتها، كنافذة أوسع للحياة والرزق وتغيير المصير. كنت مهتمة بأن يكون الانتقال جغرافياً ونفسياً في الوقت ذاته؛ فكلما اتسعت الطرق أمامهم، اتسعت معها أحلامهم، وكلما ضاقت البيئات والعلاقات من حولهم، شعروا بالاختناق أو العجز. لكنني أيضاً لم أرد للكويت أن تبدو كمدينة مثالية أو جنة كاملة، بل مكاناً يحمل الأمل والخوف معاً، لأن الرحلة نفسها كانت قاسية ومليئة بالمجهول.

أنا مهتمة بسيكولوجية المرأة داخل تلك التحولات العاصفة التي مرت بالمنطقة

منيرة العيدان

الصحراء والعبودية

> عَبَر الأبطال فضاء الصحراء وعاشوا مخاطر العطش والسراب وطعنات الغدر. هل كانت الصحراء في روايتكِ مجرد طريق جغرافي، أم اختباراً سيكولوجياً لتطهير الشخوص من انكساراتهم؟

- للصحراء رمزية كبيرة في القصة؛ فهي تمثل المجهول والخوف والأمل، وفي نهايتها تقع أرض أحلام الأبطال. كما أنها تمثل المصير، وتحتل جزءاً واسعاً من شبه الجزيرة العربية. وكما كان يقول السُّفّارة: الطريق فيها مثل الزئبق، الإمساك بطرفه صعب، وقد تخونك أحياناً بانعدام معالمها، تماماً مثل البحر، فتغدر بك وتضلّ الطريق، والضلالة هنا تعني الموت. بعد تلك الرواية، بدأت أنظر إلى الصحراء بشكل مختلف، وأراها أجمل وأوسع وأحنّ مما عهدتها سابقاً.

> طرحتِ قضايا حساسة جداً ترتبط بتلك الحقبة، مثل اختطاف الأطفال، وتجارة البشر، والظلم الاجتماعي... ما الرسالة الفكرية والاجتماعية التي أردتِ إيصالها من خلال هذا السرد؟

- منذ وُجد الإنسان، وُجد الظلم والقهر، كما وُجدت الرحمة والرأفة، وكل تلك القصص حدثت منذ بدايات الخليقة. نحن نحب الماضي لأنه امتداد لما نحن عليه اليوم، لكن علينا نقله بمسؤولية كبيرة، وأن نحكي الواقع المرّ والمؤلم والظالم أحياناً كما كان، لا كما نتمنى أن يكون. لكن الجميل أن تلك التجارب القاسية خلقت من أبطال الرواية بشراً أفضل، فتجنبوا أن يعرّضوا غيرهم لما تعرضوا له من ظلم واضطهاد، وسأكمل قصص الفتية في الجزء الثاني. بمعنى آخر، تلك المحطات المؤلمة صنعت في نهايتها إنساناً أكثر اكتمالاً من ناحية الإنسانية، ومن رحم كل ما نكرهه أحياناً، يكون في الطرف الآخر من الحكاية شخص محظوظ بتلك الأقدار التي بدت في وقتها قاسية وغريبة.

> على صعيد اللغة، أدخلتِ في النص لغة فصحى جزلة تتناغم مع أهازيج وحكايات بلغة شعبية، كيف وازنتِ بين المحافظة على فصاحة السرد وإضفاء الموروث الشعبي والهوية البيئية النجدية على الحوارات؟

- كما أوضحت، لقد أدمنت ربط الخيوط معاً. تجنبت أن يكون الحوار باللهجة النجدية أو لهجة أهل سدير كي لا يصعب فهمه على بقية القراء، رغم رغبتي الكبيرة في الاحتفاظ بها كما هي. لكنني في المقابل لم أتنازل عن تطعيم الرواية ببعض الأهازيج، كي تكون لها هوية طاغية، والأمثال والحكايات الشعبية التي تمنح النص طعماً أكثر هوية وخصوصية، خاصة عند أبناء جلدتها.

> ينتهي الجزء الأول من الرواية عند أسوار الكويت وبمجموعة من «الهواجس والأسئلة المفتوحة» حول مصير الأبطال (مقبل، محمد، علي، ناصر، حمد). هل هذه الأسئلة هي تمهيد حتمي لجزء ثانٍ من الرواية؟ وما الذي ينتظر القارئ في «أرض اللؤلؤ»؟

- نعم، وقد أنهيت مهمتي في الجزء الأول تماماً، لأن الرحلة نفسها كانت مضنية جداً بالنسبة لي على المستوى النفسي والكتابي. وقد نصحني بعض النقاد بكتابة الجزأين في رواية واحدة، إلا أن ذلك لا يناسب رسالتي تماماً، فأنا أردت فصل الرحلة الصحراوية عن رحلة الرزق، ولا أريد للثانية، بتفاصيلها ومحطاتها، أن تطفئ بريق الأولى. نعم، هناك جزء ثانٍ، وسيرى القارئ كيف أن كل تلك الأقدار قد صُممت من قبل العزيز الحكيم لصالح هؤلاء الفتية، بمن فيهم «علي» المخطوف، وكيف كانت كل تلك المحطات تمهيداً لما سيمرون به لاحقاً، وكيف أن المستقبل كفيل بجمع شملهم مرة أخرى.


يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر
TT

يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»، حيث عاش فترة معتبرة مديراً بشركة «ساتشي وساتشي» للإعلانات الشهيرة، وجاء العنوان ليعكس طبيعة العمل الذي يتسم بالبساطة والحميمية كشذرات تلمع في الذاكرة وكأنه يتحدث بعفوية إلى صديق أثناء احتساء كوب من الشاي.

المدهش أن اليوميات لا تخلو من النقد الذاتي الحاد، ويعترف المؤلف بسقوطه أحياناً ضحية لفخ العنصرية الغربية تجاه الشرق ووهم تفوق العرق الأبيض وما يصاحبه من استعلاء وغرور، لكنها تقدم في المقابل صورةً صادقةً للمجتمعات من منظور أجنبي وحيد يعيش بحي راق في العاصمة المصرية، حيث ينام تحت مروحة السقف البطيئة غارقاً في عرقه، خائفاً من أن يفتح نافذة غرفته، ويرغب بشدة في أكل المانجو.

ولا تخلو اليوميات من لحظات إنسانية متنوعة، أبرزها الوحدة في حياة شخص تقدم به العمر والوقوع أسيراً لأزمة إدمان الكحول، مع الأزمات الصحية المتفرقة، أيضاً مع مواقف مبهجة في المقابل تتعلق بمحاولات اكتشاف الثقافة المصرية من خلال الطعام والمزاح والتعاون مع جهات رسمية في إنجاز مواد بصرية تتعلق بالترويج للسياحة في البلاد بطرق غير تقليدية.

وُلد بوريس ميليكوفيتسش في 3 أبريل (نيسان) 1956، وهو أيضاً كاتب روائي وأكاديمي درّس فنون الإخراج السينمائي بكلية الفنون المسرحية في بلغراد في التسعينات، كما عمل مديراً إبداعياً لكبريات شركات الدعاية والإعلان، كما ظل مديراً إبداعياً في راديو وتلفزيون صربيا لسنوات عديدة.

ومن أجواء الكتاب نقرأ:

«كان اسم خادمتي (محفوظة) وهو الاسم الأنثوي من (محفوظ ) مثل نجيب محفوظ، اعتاد ابني الصغير على مناداتها (كوكا)، بعدها ظل كل العرب الذين يقيمون بالحي ينادونها بالاسم الجديد في طقس مبهج ضاحك.

كانت (كوكا) من حي إمبابة الشعبي ولا أعرف كيف سمعت عني ولا أظن أن أحداً قد رشحها لي أو أي شيء من هذا القبيل، لكن ما أعرفه هو أنني رأيتها لأول مرة في صباح أحد أيام شهر أبريل وأنا أعاني من صداع وعطش شديد وعاصفة من عواصف الخماسين تضرب البلد.

كانت ترتدي فستاناً صيفياً، نحيفة يغطيها العرق وخصلات قصيرة من شعرها الرمادي ملتصقة بجبهتها. أمسكت بيدها طبقاً به رمان نصفه مفصص والنصف الثاني كما هو، وبابتسامة وضعت الطبق إلى جانب كوب مغطى من عصير البرتقال الطازج.

فكرتُ يومها في أن (كوكا) قد رأت كثرين في حياتها ممن عانوا من صداع ما بعد الثمالة ويشعرون بالحرج، حيث قدمت لي المشروب البارد وهى تقول وكأنها تحاول تجنب فتح الموضوع:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

أجبتها:

- نعم، شكرا لك... أحسن رمان... شكراً على الرمان!

بعد عدة سنوات كنا على وشك مغادرة القاهرة، جاءت ابنة (كوكا) مع أطفالها بمفردها بدون الأم ونظفت البيت كما كانت والدتها بنفس الترتيب، تزيح السجاد وتمسح الأرض بخرقة مبللة ثم تنفض السجاد في الشرفة. ذات مرة عندما حان موعد القهوة ربما في الحادية عشرة صباحاً قالت لي:

- ماتت كوكا... لن تعود مرة أخرى!

ثم توقفت عن الكلام والتفتت تجاه المكيف القديم ذي الصوت العالي وأضافت قائلة:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

ثم ناولتني العصير وطبق الرمان».