ملاذات أوروبية بعيداً عن الزحام والصخب

مقابل كل مدينة شعبية سياحياً مدينة تُضاهيها جمالاً وتتفوق عليها هدوءاً

قرية كاردياني بتينوس
قرية كاردياني بتينوس
TT

ملاذات أوروبية بعيداً عن الزحام والصخب

قرية كاردياني بتينوس
قرية كاردياني بتينوس

تعيش المناطق السياحية الساخنة في أوروبا حالة من التشبع من حيث أعداد السائحين المتدفقين عليها. ما إن ينشر أحدهم صوراً عن وجهة معينة حتى تُثير انتباه الأصدقاء والمعارف وتفتح شهيتهم. أحياناً من باب الاكتشاف وأحياناً من باب التقليد. في كل الحالات تتحول بعض هذه الوجهات، رغم جمالها، إلى خلية تعج بالسياح خصوصاً في مواسم معينة، الأمر الذي قد يُؤثر على نسبة المتعة. وتقف وراء هذه الحالة عوامل أخرى منها رحلات اليوم الواحد والرحلات البحرية وترتيبات التشارك في المساكن وانخفاض تكاليف تذاكر الطيران وما شابه من أمور. ما يعرفه البعض أنه بالإمكان الاستمتاع بالبلد وما يُوفره من خدمات وطبيعة وطقس بعيداً عن مُدن أو جُزر بعينها. أماكن لا تقل جمالاً لكنها أكثر هدوءاً وأقل ازدحاماً. اخترنا لك منها:

اليونان
بدلاً من سانتوريني... تينوس
تحول مشهد الشمس المتلألئة في ساعة الغروب على الطرف الشمالي من جزيرة سانتوريني اليونانية إلى واحدة من أكثر الصور انتشاراً عبر موقع «إنستغرام». أمر مفهوم تماماً بالنظر إلى روعة المشهد الذي يمزج بين ألوان برتقالية نارية لقرص الشمس وهو يغرق خلف أفق لازوردي، بينما تُغطي السماء سحب وردية اللون منتشرة هنا وهناك فوق بيوت قرية بيضاء اللون على متحدر بركاني.
يبدو المشهد برمته ساحراً باستثناء ازدحام الآلاف في شوارع ضيقة.
فعلى امتداد سنوات حتى اليوم، واجهت سانتوريني صعوبة كبيرة في التكيف مع تدفق السائحين. فسحر الجزيرة تحول إلى ما يُشبه النقمة خصوصاً إلى أويا أو مدينة فيرا المطلة على فوهة بركانية ضخمة في سانتوريني. وبذلت السلطات المحلية جهوداً كبرى للتعامل مع هذه المشكلة، بما في ذلك تقليص الحد الأقصى المسموح به من الزائرين الوافدين عبر رحلات بحرية إلى 8 آلاف يومياً، ومع ذلك فإن المشهد لا يستحق في بعض الأحيان كل العناء لمجرد التقاط صورة على خلفية غروب شمس سانتوريني، لا سيما إذا عرفنا أن هناك بديلاً مثالياً في جزيرة تينوس التي تعكس أجواؤها الحضارة الكيكلادية القديمة. وتتميز هذه الجزيرة بكونها ملاذ الباحثين عن الجمال اليوناني بعيداً عن الصخب. هي أيضاً تتميز بغروب ساحر لا يعرف بأمره الكثيرون.
تقع الجزيرة على مسافة ساعتين بالمركب، وعلى بعد ساعة ونصف الساعة من ميكونوس. وتزخر الجزيرة بقرى تقع في منطقة داخلية بعيداً عن الساحل، اتقاء لغارات القراصنة في عصور سابقة. وتتميز تلال الجزيرة ووديانها بشبكة فريدة من أبراج الحمام. أما كنيسة «سيدة تينوس» الموجودة بالعاصمة، فقد شيدت حول أسطورة لا تزال تُلهب خيال السياح الوافدين إليها من شتى أرجاء العالم.
وإذا كانت سانتوريني تفخر ببركانها، فإن تينوس تفخر بجبالها وتشكيلاتها الصخرية. فهي تشتهر برخام أبيض نقي يُستخدم منذ العصور القديمة في تشييد المنازل على سطح الجزيرة والشوارع والكنائس والنافورات.
وفي قلب كل ذلك، توجد بيرغوس، على الطرف الشمالي لتينوس، وتعج باستوديوهات النحاتين والممرات الرائعة ومنحوتات مرمرية تحيطها أزهار حمراء وأرجوانية. ويمكن للزائرين شراء هذه المنحوتات المرمرية تذكاراً، أو البقاء لبعض الوقت في بيرغوس لتلقي دروس في فن نحت المرمر في واحدة من الورش الكثيرة الموجودة بالمكان.
في قلب الجزيرة، توجد فولاكس الساحرة التي تمتاز بالجلاميد المنزلقة ويصل ارتفاع بعضها إلى طول بناية صغيرة.
جدير بالذكر أنه في اليونان القديمة، اشتهرت تينوس بكونها موطن أيولس، ملك الريح، الذي طاف حول الجبال ونحت منحوتات عملاقة من الغرانيت الأسود. إلى الغرب، توجد على متحدرات تينوس منحوتات مرمرية خضراء اللون جرى استغلالها في مشروعات معمارية في قصر باكنغهام ومتحف اللوفر.
ويوفر استكشاف قرى أخرى على الجزيرة فرصة لتذوق الخرشوف وأنواع الجبن المحلي.
إضافة إلى ذلك، تعتبر شواطئ تينوس أكثر اتساعاً عن نظيراتها في سانتوريني، وتحت أشعة الشمس المتلألئة تتسم أمواج البحر اللازوردية بالهدوء، وعند المغيب، تظهر في الأفق مشاهد غروب على خلفية جبال تينوس لا تقل روعة عن الغروب في سانتوريني، لكن مع ميزة واحدة: اختفاء الحشود والضجيج.

هولندا

بدلاً من أمستردام... دلفت ولاهاي
تستحق روعة المشهد من أعلى سلالم برج كنيسة «نيو كيرك» المبنية في القرن 15 في مدينة دلفت والبالغ عددها 376 عناء الصعود. في الأيام ذات الطقس الصحو، يبدو المشهد كأنه يضم جميع أرجاء جنوب هولندا؛ أفق روتردام ولاهاي والميناء التابع لها، وفيما وراء الأفق مباشرة توجد كويكنهوف وحقول أزهار التوليب التي تشتهر بها.
يغيب هذا المشهد عن أمستردام، التي هي من أكثر المدن التي يفد إليها الزائرون على مستوى شمال أوروبا. وبفضل متاحفها والقناة المحيطة بها وحياة الليل الصاخبة فيها، تظل أمستردام على رأس المدن الهولندية الجاذبة للسياحة. لكن المشهد حالياً أن الحشود من السياح وأنماط سلوكهم تدمر بعض مظاهر السحر بالمدينة.
تشير الأرقام إلى أنه عام 2017، بلغ عدد زوار أمستردام 19 مليون شخص، أي ما يزيد بمقدار مليونين على إجمالي سكان البلاد بأكملها. وتمثل المدينة مشكلة أمام السياح المعتمدين على ميزانية محدودة، إذ يفد الكثيرون إليها عبر شركات طيران منخفضة التكلفة من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وما وراءها. أما أماكن الإقامة فيحصلون عليها عبر موقع «إير بي إن بي» (الأمر الذي تحاول المدينة تقييده)، أو يقيمون داخل فنادق صغيرة أو داخل سياراتهم ويقضون كثيراً من وقتهم في حفلات صاخبة قد تمتد إلى الفجر. وفي أيام العطلات الأسبوعية خلال الصيف، تصبح الحشود في هذه الضاحية كثيفة لدرجة تجعل عمال الإسعاف عاجزين عن الوصول إلى من يفقدون الوعي أو يحتاجون إلى مساعدة طبية.
العام الماضي، اضطرت سلطات المدينة لفرض غرامات ضخمة على من يتجاهلون الإرشادات المنصوص عليها. في مارس (آذار)، حظرت السلطات تنظيم جولات سياحية في الضاحية الحمراء. ومنذ أكتوبر (تشرين الأول)، توقفت هيئة السياحة عن الترويج لأمستردام، وتشجع الزائرين، بدلاً من ذلك، على زيارة مدن هولندية أخرى.
من بين هذه المدن اثنتان يمكن الجمع بينهما بسهولة: دلفت ولاهاي، التي تبعد عن الأولى بمسافة 10 أميال تقريباً. جدير بالذكر أن لاهاي تضم مقر الحكومة الهولندية، وكذلك البلاط الملكي. وتعتبر المدينتان مثاليتين للراغبين في الاستمتاع بالمتاحف والقنوات والشواطئ المطلة على بحر الشمال بعيداً عن الحشود والضوضاء.
وبالنسبة لدلفت، فهي مدينة تجارية يعود تاريخ بنائها إلى العصور الوسطى. وتحيط القناة الرئيسية في دلفت، المدينة القديمة. ويمكن استكشاف الشبكة المائية بالمدينة عبر قوارب سياحية أو زوارق صغيرة. وأكثر من يحرك السياحة في دلفت السكان المحليون والسياح الهولنديون القادمون من مدن أخرى.
ورغم أن السوق المفتوحة في الهواء الطلق التي تقيمها المدينة كل سبت خلال الصيف تجتذب الكثيرين، تظل الأجواء هادئة ولطيفة.
وقد اجتذبت دلفت زائرين من دول أخرى إليها منذ عرض فيلم «الفتاة ذات القرط اللؤلؤي» الذي لفت الأنظار إلى واحد من أبرز أبناء المدينة: يوهانس فيرمير. ويمكن التعرف على مزيد من حياة وأعمال الرسام الشهير الذي عاش في القرن 17 في متحف «فيرمير سنتروم دلفت»، الواقع مباشرة خارج ميدان السوق الكبيرة. ويضم متحف آخر في المدينة، «متحف برنسنهوف دلفت»، مجموعة دائمة مبهرة من الرسومات المنتمية للقرنين 16 و17.
بجانب ذلك، تشتهر دلفت بالبورسلين الأزرق والأبيض. ويعتبر «ذي رويال دلفت»، الذي تأسس في القرن 17، مصنع الخزف التقليدي الوحيد المتبقي بالمدينة. ولا يزال الفنانون العاملون به يبدعون أعمالاً رائعة مصنوعة ومنقوشة يدوياً. ويمكن التجول عبر أرجاء المصنع ومشاهدة مجموعات خزفية من إنتاجه.
أما بالنسبة لعاشقي المتاحف، فتبرز لاهاي باعتبارها الخيار الأول دون منافس. ويقع متحف «ماورتشهاوس»، الذي يعتبر الأشهر على مستوى المدينة (ويضم لوحة «الفتاة ذات القرط اللؤلؤي» الأصلية ولوحة «نقار الخشب» لكاريل فابريتيس، بجانب مجموعة مبهرة من أعمال رامبرانت)، مباشرة إلى جوار «بيننهوف»، البلاط الملكي المنتمي للقرون الوسطى الذي يعتبر حالياً مقر الحكومة الوطنية، ويجري افتتاحه بصورة جزئية أمام الزائرين.
أيضاً، يشتهر متحف «غيمينتميوزيم» بأعمال بيت موندريان - المجموعة الكبرى على مستوى العالم، وكذلك أعمال لديجاس ومونيه وبيكاسو وفان غوخ وآخرين. كما يوجد متحف «إيشير إن هيت باليس» بجوار السفارة الأميركية مباشرة، ويقدم للزائر جولة شيقة عبر فصول حياة وأعمال فنان الغرافيك الشهير.
أما إذا كنت تبحث عن حياة الليل والاستمتاع بتناول الأطباق ذات المذاقات المتنوعة التي حملها معهم المهاجرون عبر العقود، فهناك كثير من المقاهي على الشواطئ.
إسبانيا

بدلاً من برشلونة... فالنسيا
منذ زمن والسلطات المحلية تعمل على تجميل برشلونة بهدف اجتذاب السياح وتكللت محاولاتها بالنجاح، بدليل تحسُن مستوى حياة سكانها وبنيتها التحتية وظهور ضواحٍ جديدة. فبعد دورة الألعاب الأوليمبية الصيفية عام 1992 والمنتدى العالمي للثقافات عام 2004، تحولت مساحات واسعة على امتداد سواحل المناطق الحضرية من مكبات نفايات صناعية إلى شواطئ خلابة.
بيد أن ظهور «إير بي إن بي» وخدمات تأجير مساكن مؤقتة وتزايد عدد السفن السياحية التي تقل آلاف السياح يومياً إلى المدينة، جعلها تعاني من الازدحام والصخب، الأمر الذي جعل السلطات تفكر في حلول لصد هذا الزحف المتواصل الذي يصيبها أحياناً بالشلل، خصوصاً ليلاً حول كاتدرائية برشلونة حيث يقيم السياح حفلات صاخبة.
عام 2015، صدر قرار بتجميد تصاريح الفنادق، وتعرضت خدمة «إير بي إن بي» لغرامات للمرة الأولى بسبب عرض وحدات سكنية للإيجار بصورة غير قانونية. وبعد سنوات قليلة، خرج متظاهرون يحملون لافتات كتب عليها باللغة الكاتالونية «هذا ليس منتجعاً ساحلياً». كما شهدت المدينة ارتفاعاً في معدلات الجريمة، مع اعتداء بعض العناصر الخارجة عن القانون على السياح بالضرب والسرقة.
ورغم أن برشلونة التي يبلغ عدد سكانها 1.6 مليون نسمة، ويفد إليها سنوياً قرابة 30 مليون زائر، واحدة من أبرز المدن التي رُشحت للقب «فينيسيا الجديدة»، فإن هناك بدائل لا تقل عنها جمالاً وثراء ثقافياً.
فعلى مسافة 220 ميلاً على امتداد الساحل توجد فالنسيا، ثالث أكبر المدن الإسبانية، لكن يزورها سنوياً مليونا زائر بالكاد. في الأصل، شيدت المدينة منتجعاً للجنود الرومان، وتحمل في جوانبها كثيراً من السمات المشتركة مع برشلونة (كلتاهما مدينة قديمة محاطة بأسوار)؛ قلبها النابض أشبه بمتاهة من الشوارع والطرقات المتداخلة التي تعج ببنايات تحمل سمات العمارة القوطية والرومانية والباروكية، وعصر النهضة. المثير أن جميع هذه المدارس المعمارية اجتمعت في كاتدرائية فالنسيا، التي شيدت بين القرنين 13 و18. ولا يمكن لعشاق الفنون المعمارية تفويت فرصة زيارة مبنى «بورصة الحرير» الذي يعود تاريخ بنائه إلى القرن 15، والمدرج على قائمة «اليونيسكو» للتراث العالمي. فهو بمثابة تذكير بالأهمية التجارية للمدينة.
حول قلب المدينة، توجد مجموعة من المتنزهات التي كانت ذات يوم نهر توريا (الوادي الأبيض)، لكن جرى تحويل مساره في خمسينات القرن 20 بعد حدوث فيضانات عارمة. عند أحد أطراف المتنزه توجد مدينة الفنون والعلوم، حيث توجد دار أوبرا فريدة في تصميمها ومتحف للعلوم وحوض مائي (الأكبر في أوروبا)، جرى تصميمها جميعاً على يد سانتياغو كالاترافا.
في الوقت ذاته، تتميز المدينة بعدد من البنايات تعكس التوجهات المعمارية الحديثة مطلع القرن 20؛ مثل السوق المركزية وسوق كولون، التي تعتبر من بين الأجمل على مستوى القارة الأوروبية. ونجحت أحياء زاخرة بالحياة والحركة مثل إل كارمن وروسافا في جذب كثير من المبدعين من مختلف أرجاء إسبانيا وأوروبا. لذا، تزخر هذه الضواحي بالمعارض الفنية والمقاهي ومختلف أنواع فنون الشوارع.
من ناحية أخرى، تشتهر فالنسيا بكونها بستان الخضراوات في إسبانيا ومهد طبق «الباييلا»، الذي يمكنك الاستمتاع به في كل مطاعمها. وبفضل الميناء الذي بني من أجل بطولة كأس أميركا لسباق السفن في عامي 2007 ثم 2009، ومنتجع «ليس أريناس ريزورت آند سبا»، أصبح البحر أسلوب حياة بالنسبة لأبناء المدينة والسياح على حد سواء.
أمر له مبرراته إذا أخذنا بعين الاعتبار أنها تتمتع بأكثر من 300 يوم من الشمس المشرقة وشواطئ لا نهاية لها وثقافة رفيعة ومطبخ متميز ومعمار فريد. وتبقى الميزة المهمة التي تنعم بها فالنسيا أنها لم تجذب الأنظار إليها كثيراً مقارنة بجاراتها، وهو ما أبقاها محافظة على سكينتها وهدوئها.

* خدمة «نيويورك تايمز»



السياحة الصحية... رحلة العافية والاسترخاء على ساحل البحر الأحمر

لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)
لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)
TT

السياحة الصحية... رحلة العافية والاسترخاء على ساحل البحر الأحمر

لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)
لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

لم تعد السياحة الصحية تقتصر على الاسترخاء والابتعاد عن ضغوط الحياة اليومية، بل باتت تشمل تجارب تجمع بين اللياقة البدنية، والتغذية، والعلاج الطبيعي، وتحسين النوم؛ في محاولة لمساعدة الأفراد على فهم احتياجاتهم الصحية وتطوير عادات أطول استدامة.

يتوسط مدخل منتجع جاياسوم أمالا عمل فني سعودي لبندول محاط بأعمال من السدو (الشرق الأوسط)

وعلى ساحل البحر الأحمر شمال غربي السعودية، تقدم «وجهة أمالا»، ضمن مشروعات «شركة البحر الأحمر الدولية»، نموذجاً لهذا التوجه، من خلال برامج تجمع بين الحركة، والعلاجات، والاستشارات الصحية. وفي منتجع «جاياسوم أمالا»، تتوزع التجربة بين أنشطة بدنية، وممارسات للاسترخاء، وخيارات غذائية، مع برامج تُصمَّم وفق أهداف الضيوف واحتياجاتهم.

لكن تنوع الخدمات لا يمثل، في نظر كارين كامبل، الرئيسة التنفيذية لعلامة «جاياسوم»، جوهر تجربة العافية «بقدر ما يمثل فهم الفرد ما يحتاج إليه فعلاً، وسط نمط حياة تزداد فيه المطالب وتتقلص فيه المساحة المتاحة للتأمل والراحة».

مطعم «لومي رو» المستوحى من المطبخ اللبناني السعودي في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

العافية تبدأ بالإصغاء إلى الذات

تقول كامبل، في حديثها إلى صحيفة «الشرق الأوسط»، إن وفرة المعلومات والأدوات المتعلقة بالصحة لم تجعل تحديد الاحتياجات الشخصية أمراً سهلاً بالضرورة؛ «إذ قد يصعب على الإنسان، وسط المطالب اليومية المتنافسة على انتباهه، معرفة ما يساعده على الشعور بالعافية وما يحتاج إلى تغييره في نمط حياته».

وتوضح أن الفكرة حاضرة في تصميم البرامج، التي تجمع بين التغذية، والحركة والراحة، وممارسات اليقظة الذهنية، مع مراعاة اختلاف أهداف الضيوف. والغاية، وفق تصورها، هي «توفير مساحة تسمح لهم بإبطاء إيقاعهم وإعادة التواصل مع أنفسهم، ثم نقل ما يناسبهم من عادات إلى حياتهم اليومية».

وترى كامبل أن العافية ليست نتيجة تجربة مؤقتة، «بل ممارسة تتشكل من الخيارات التي يلتزمها الإنسان باستمرار. ومن هنا، فلا تقاس قيمة الرحلة بعدد العلاجات التي يستكشفها الزائر، بل بقدرته على التعرف إلى احتياجاته واتخاذ خيارات أعمق وعياً بعد العودة إلى المنزل».

الحركة والعلاج البدني ضمن تجربة متكاملة

تبدأ البرامج بجلسة مع مستشار للعافية، تُحدَّد خلالها الأهداف والتطلعات، قبل وضع مسار شخصي يجمع بين الاستشارات والأنشطة البدنية والعلاجات المناسبة.

وتشمل التجربة جلسات للياقة والبيلاتس والعلاج الطبيعي، إلى جانب أنشطة مائية وممارسات للاسترخاء. ويعكس هذا التنوع اتجاهاً نحو الجمع بين الحركة والراحة ضمن برنامج واحد، بدلاً من التعامل معهما على أنهما مساران منفصلان.

وتختلف طبيعة هذه البرامج باختلاف احتياجات المشاركين، سواء أتعلق الأمر بتحسين الحركة، أم تعزيز اللياقة، أم الحد من الإجهاد. ومع ذلك، فإنه يظل من المهم التمييز بين الأنشطة التي تستهدف الاسترخاء وتحسين الشعور العام بالعافية، والتدخلات العلاجية التي تستلزم تقييماً مختصاً، خصوصاً عند التعامل مع إصابات أو حالات صحية محددة.

أحد غرف العلاجية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

الموروث العلاجي في مواجهة أسئلة الطب الحديث

يمثل الطب العربي والإسلامي التقليدي أحد المداخل التي تستكشفها التجربة، إلى جانب ممارسات علاجية مستمدة من ثقافات أخرى. وتقول كامبل إن «هذا الموروث يحمل معارف غنية تتصل بالتوازن، والتغذية، والوقاية، وعلاقة الإنسان بمحيطه. واستكشافُ سبل الاستفادة منه يتيح فتح حوار بين الممارسات التقليدية والطب الحديث».

ويطرح هذا التوجه سؤالاً يتجاوز استعادة المعارف القديمة إلى كيفية تقييمها في سياق صحي معاصر. فالجمع بين الموروث والطب الحديث يتيح مساحة للاستكشاف، لكنه يتطلب أيضاً التمييز بين القيمة الثقافية للممارسات التقليدية، وفاعليتها العلاجية التي ينبغي أن تستند إلى الأدلة العلمية المتاحة.

قبة أيموري الصوتية واحدة من ضمن علاجات جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

«الثقافة والمكان» جزء من العافية

لا تحصر كامبل مفهوم العافية في التجربة الفردية، بل تربطه أيضاً بالبيئة والعلاقات الاجتماعية. وتشير إلى أن «الضيافة والروابط الأسرية في المجتمع السعودي تتيحان النظر إلى العافية بوصفها تجربة يمكن مشاركتها، من خلال الأنشطة المشتركة وتخصيص وقت للتواصل مع الأشخاص الأقرب».

ويَظهر هذا الارتباط بالمكان أيضاً في حضور أعمال لفنانين سعوديين وتفاصيل تصميمية مستوحاة من الحرف المحلية، ومنها السدو في منطقة تبوك. وترى كامبل أن «الفن واستكشاف الثقافة يمكن أن يوفرا للضيف مساحة للتأمل، وأن يجعلا التجربة أوثق اتصالاً بالبيئة التي تحتضنها».

وتؤكد أن «العمل في السعودية يتطلب التعلم المستمر والتكيف مع الثقافة المحلية»، في مقاربة ترى أن «تجربة العافية لا يمكن فصلها تماماً عن المجتمع والمكان، حتى عندما تتشابه بعض الخدمات المقدمة مع تجارب في وجهات أخرى».

يقدم منتجع «جاياسوم أمالا» على ساحل البحر الأحمر أكثر من 200 علاج وتجربة صحية

التغذية والعادات التي تستمر بعد الرحلة

تحتل التغذية والنوم والراحة موقعاً مكملاً للأنشطة البدنية؛ إذ تتضمن الإقامةُ وجباتٍ صحيةً وخياراتٍ مستوحاةً من مطابخ متعددة، مع التركيز على المكونات الطازجة والموسمية. وتندرج هذه العناصر ضمن تصور أوسع يربط العافية بمجموعة من العادات اليومية؛ لا بخدمة منفردة.

كما يتيح البرنامج إمكانية استمرار الإرشاد بعد انتهاء الإقامة، بما يساعد الضيوف على نقل بعض الممارسات إلى حياتهم المعتادة. ويظل هذا الجانب مهماً في تجربة تقوم على تخصيص البرامج وفق احتياجات الأفراد، وعلى فكرة أن التغيير المستدام يتطلب الاستمرارية أكثر مما يتطلب الابتعاد المؤقت عن الروتين.

جانب من داخل أحد فلل منتجع جاياسوم أمالا بإطلالة ساحلية (الشرق الأوسط)

على ساحل البحر الأحمر، تلتقي السياحة الصحية باللياقة والعلاج البدني والتغذية، في تجربة تتجاوز مفهوم الاستجمام التقليدي. غير أن جوهرها، وفق رؤية كامبل، «لا يكمن في كثرة الخيارات المتاحة، بل في إيجاد مساحة تساعد الإنسان على فهم ما يحتاج إليه، والتمييز بين ما يناسبه وما لا يناسبه، وبناء علاقة أعمق وعياً بصحته في حياته اليومية».


دروب لبنان... رحلات على إيقاع الطبيعة والتاريخ

مسار المسيلحة (فيسبوك)
مسار المسيلحة (فيسبوك)
TT

دروب لبنان... رحلات على إيقاع الطبيعة والتاريخ

مسار المسيلحة (فيسبوك)
مسار المسيلحة (فيسبوك)

ليس ضرورياً أن تكون الوجهة السياحية مدينةً مزدحمة أو شاطئاً بحرياً حتى تستحقّ الرحلة. ففي لبنان، يمكن للمشي أن يتحوّل إلى تجربة استكشافية متكاملة، تنقل زائرها بين الغابات والوديان والأنهار والقرى القديمة، وتتيح له الاقتراب من الطبيعة والتعرّف إلى حكايات الأمكنة التي يعبرها. وتشكّل دروب المشي المنتشرة في مختلف المناطق اللبنانية خياراً لمحبي المغامرة والباحثين عن الهدوء في آن؛ إذ تتفاوت مستوياتها بين مسارات سهلة تناسب النزهات العائلية وأخرى تتطلّب لياقة بدنية وخبرة في السير الجبلي.

ومن شمال لبنان إلى جنوبه، تبرز ثلاثة مواقع تستحقّ أن تكون على خريطة هواة المشي: درب المسيلحة في قضاء البترون، ووادي قاديشا في الشمال، وغابة الصنوبر في بلدة بكاسين الجنوبية. لكلّ منها طبيعته الخاصة، ولكلّ درب حكاية مختلفة، تجمع بين المشهد الطبيعي والإرث التاريخي والذاكرة المحلية.

درب المسيلحة... بين النهر والحصون القديمة

في محيط البترون، لا تقتصر متعة المشي على اجتياز المسافات، بل تمتدّ إلى اكتشاف علاقة الطبيعة بتاريخ المنطقة. ويقدّم درب المسيلحة، المرتبط بمجرى نهر الجوز، تجربة تجمع بين المساحات الخضراء والمياه والجسور الحجرية القديمة وطواحين المياه التي تروي جانباً من الحياة الريفية في الماضي.

ويشكّل النهر، الذي يشقّ طريقه وسط الوادي وتنتشر أشجار الجوز على ضفافه، عنصراً أساسياً من جاذبية المسار. فخلال الرحلة، تتبدّل المشاهد بين الممرّات الطبيعية والغطاء النباتي والمعالم الحجرية، في تجربة تتيح للمشاة الابتعاد عن ضجيج الطرق الرئيسية والتعرّف إلى وجه آخر من البترون، بعيداً عن صورتها البحرية المعتادة.

تكتسب المنطقة أهمية تاريخية، بفضل قلعة المسيلحة، القائمة على نتوء صخري طويل قرب النهر. وقد شُيّدت في عهد الأمير فخر الدين الثاني خلال القرن السابع عشر، لحماية الطريق الذي كان يصل بيروت بطرابلس، ويمنح موقعها المرتفع، الزائر فرصة تأمّل المشهد المحيط بها، حيث تلتقي التضاريس الصخرية بالخضرة ومجرى المياه.

لا ينحصر درب المسيلحة في مسار واحد؛ إذ تتوافر مسارات تربط المنطقة بمحيط نهر الجوز وقرى مجاورة، من بينها كفرحي وكفتون. وتشير بعض الرحلات المنظّمة إلى مسافة تقارب 12 إلى 13 كيلومتراً. وتناسب هذه الوجهة محبي المشي الذين يفضّلون الجمع بين الطبيعة والمعالم التاريخية، على أن يُختار المسار وفق مستوى اللياقة البدنية والظروف الميدانية.

مسار وادي قاديشا (فيسبوك)

وادي قاديشا... دروب تحمل ذاكرة الوادي المقدّس

في وادي قاديشا، يصبح المشي أشبه برحلة في طبقات التاريخ. فهنا، بين الجروف الصخرية والمنحدرات العميقة والأشجار التي تتوزّع على السفوح، تتجاور الطبيعة مع أديرة قديمة ومغاور لجأ إليها النساك والمتعبّدون عبر قرون طويلة. ولهذا، لا يُختصر استكشاف الوادي بجماله الطبيعي، بل يشمل أيضاً التعرّف إلى إرث روحي وثقافي جعل منه أحد أبرز المواقع التاريخية في لبنان.

وقد أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) وادي قاديشا، المعروف بالوادي المقدّس، على قائمة التراث العالمي عام 1998، تقديراً لأهميته في تاريخ الحياة الرهبانية المسيحية. وتنتشر في محيطه أديرة ذات قيمة تاريخية، من بينها دير مار أنطونيوس قزحيا، ودير سيدة حوقا، ودير قنوبين، ودير مار ليشع.

وتتيح دروب الوادي الاقتراب من هذه المعالم سيراً على الأقدام، وسط مشاهد تتغيّر مع اختلاف الارتفاعات ونقاط الانطلاق. ففي بعض المقاطع، يرافق المشاة مجرى النهر، فيما تقوده مسارات أخرى إلى الأديرة والمغاور والمواضع التي اختارها النساك للعزلة والتأمّل. وبين هذه المحطات، تبرز المدرّجات الزراعية القديمة التي تشهد على حياة المجتمعات التي سكنت الوادي واستفادت من أرضه ومياهه.

ولا تقتصر التجربة على المشهد البصري؛ إذ يفرض المكان إيقاعاً مختلفاً على زائره. فالصعود والهبوط على الممرّات الجبلية، والتوقّف عند الأديرة، ومراقبة تفاصيل الطبيعة، تجعل الرحلة أقرب إلى استكشاف هادئ لموقع يحمل ذاكرة دينية واجتماعية عريقة.

بكاسين من أجمل المناطق اللبنانية (فيسبوك)

بكاسين... نزهة في ظلال غابة الصنوبر بجنوب لبنان

تقدّم بلدة بكاسين صاحبة لقب «أفضل القرى السياحية في العالم»، تجربة مختلفة لهواة المشي. وتأتي غابة الصنوبر الممتدّة على مساحة واسعة تحيط بالبلدة عنواناً لها، وتشكّل جزءاً أساسياً من هويتها الطبيعية. ويكفي السير تحت أشجارها العالية لاكتشاف سبب تحوّلها إلى وجهة يقصدها محبو الطبيعة، بعيداً عن صخب المدن وازدحامها.

وتُعدّ غابة بكاسين من أبرز غابات الصنوبر المثمرة في لبنان والشرق الأوسط، وتمتدّ، وفق بيانات سياحية محلية، على نحو 200 هكتار. ولا تقتصر أهميتها على المشهد الطبيعي؛ إذ ترتبط أيضاً بإنتاج الصنوبر وبالحياة الاقتصادية والاجتماعية لأبناء البلدة، ما يجعل الحفاظ عليها جزءاً من حماية إرث محلي.

وتتنوّع خيارات المشي في المنطقة، من جولات قصيرة بين الأشجار إلى مسارات أطول تصل الغابة بمحيط جزين وقلعة نيحا وبعض الأودية والقرى المجاورة. ويتيح أحد المسارات اكتشاف الغابة انطلاقاً من ساحة البلدة باتجاه عين الزعرور والرمانة، مع إطلالات تمتدّ نحو صيدا والبحر الأبيض المتوسط. أما المسار الذي يربط بكاسين بقلعة نيحا، فيمرّ بمشاهد طبيعية أكثر تنوّعاً، تشمل وادي جزين ووادي بسري، إلى جانب جسر عثماني قديم وطاحونة مياه محفوظة.

وتختلف مسافة الرحلة ودرجة صعوبتها بحسب الطريق المختار؛ فهناك جولات قصيرة نسبياً تناسب من يبحثون عن نزهة في أحضان الطبيعة، فيما تتطلّب المسارات الطويلة قدرة أكبر على المشي وصعود المرتفعات واجتياز بعض الدروب الوعرة.

ولا تكتمل زيارة بكاسين من دون التوقّف في البلدة نفسها، حيث البيوت التقليدية ذات القرميد الأحمر والأزقّة الهادئة، إلى جانب كنيسة القديسة تقلا التي تشكّل معلماً بارزاً فيها.

وهكذا، يمكن تحويل النزهة إلى يوم سياحي يجمع بين المشي والتعرّف إلى الحياة الريفية، وتذوّق المنتجات المحلية، بما فيها المنتجات المرتبطة بموسم الصنوبر.


من الأقصر إلى السعودية... خريطة جديدة للسياحة الطبية

تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)
تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)
TT

من الأقصر إلى السعودية... خريطة جديدة للسياحة الطبية

تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)
تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)

لم تكن فكرة السفر من أجل الصحة جديدة عندما ظهرت عبارة «السياحة الطبية» بصورتها الحديثة. فمنذ القرن التاسع عشر، كان الأوروبيون يسافرون إلى مدن وبلدان بحثاً عن مناخ أكثر ملاءمة للراحة والعلاج، وكانت الأقصر المصرية واحدة من الوجهات التي جذبت الزوار بفضل مناخها الجاف والدافئ.

معالم الأقصر من عناصر الجذب للسياحة الثقافية (الهيئة العامة للاستعلامات)

اليوم تغيرت الصورة

ولا يزال فاحشو الثراء ينفقون آلاف الدولارات على تجارب لإنقاص الوزن قد تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى الحرمان منها إلى الرفاهية. ففي عيادة «ماير» الأصلية في النمسا، لا تزال أنظمة غذائية شديدة الانخفاض في السعرات، تصل في بعض البرامج إلى نحو 800 سعرة حرارية يومياً، تحظى بإقبال بين المشاهير والباحثين عن طرق سريعة لتغيير أوزانهم. هنا لا يدفع الزائر مقابل الطعام فحسب، بل مقابل تجربة كاملة تجعل حتى الوجبة الصغيرة جزءاً من أسلوب حياة فاخر.

ويكشف حجم هذه السوق تصنيف أفضل 50 وجهة للسياحة الطبية لعام 2026، الذي أعدته «Travel And Tour World» ونشرته «Time Out».

جاءت تركيا في المركز الأول، تلتها تايلاند والهند والمكسيك وكوريا الجنوبية، بينما حلت الإمارات في المركز التاسع. وجاءت مصر في المركز 36 والسعودية في المركز 39 ضمن القائمة الكاملة.

علب من «أوزيمبيك» و«مونجارو» (رويترز)

لكن الأرقام ليست القصة كلها

فالسياحة الطبية لم تعد تعني السفر لإجراء عملية جراحية والعودة إلى المنزل. المريض اليوم يقارن بين الخبرة الطبية والتكنولوجيا والكلفة ومدة الانتظار، كما ينظر إلى الفندق والمدينة والخدمات التي سترافقه خلال فترة العلاج والتعافي.

مواقع أثرية بالأقصر تشهد إقبالاً (وزارة السياحة والآثار)

السعودية... سوق تتوسع

في السعودية، يتجه الاهتمام بالسياحة الطبية إلى بناء منظومة متكاملة للمرضى الدوليين، بالتوازي مع توسع خدمات علاج السمنة وإدارة الوزن.

وفي مايو (أيار) 2026، أطلق المجلس السعودي لاعتماد المنشآت الصحية «CBAHI» وشركة «Temos International» برنامج اعتماد مشتركاً للسياحة الطبية، بهدف تطوير معايير خدمات المرضى القادمين من الخارج ورفع جودة الرعاية المقدمة لهم. وكان المركز الطبي الدولي في جدة أول منشأة تبدأ المشاركة في البرنامج.

وفي مجال إنقاص الوزن، تتسع الخيارات من جراحات السمنة إلى البرامج غير الجراحية والعلاج الدوائي والتغذية والمتابعة الطبية.

وفي أغسطس (آب) 2026، وافقت الهيئة السعودية للغذاء والدواء على تسجيل علاج فموي جديد لإدارة الوزن، في خطوة تعكس اتساع سوق علاجات السمنة إلى ما هو أبعد من العمليات والحقن.

(بيكسلز)

مصر... العلاج وسط الرحلة

أما مصر، فلديها ميزة مختلفة. فالسياحة العلاجية تمتلك تاريخاً طويلاً، بينما توفر البلاد قاعدة طبية واسعة وتكاليف قد تكون أكثر جذباً لبعض المرضى القادمين من الخارج.

وتبقى الأقصر مثالاً واضحاً على قدرة مصر على الجمع بين العلاج والسياحة. فالمدينة التي جذبت الزوار تاريخياً بحثاً عن الراحة والمناخ، تضم اليوم منشآت طبية حديثة، ويمكن للزائر أن يجمع بين العلاج والإقامة وزيارة المعابد والنيل.

لكن المفاجأة في سوق اليوم أن فقدان الوزن نفسه أصبح سبباً للسفر. هناك من يسافر لإجراء جراحة سمنة، ومن يختار برنامجاً غذائياً ورياضياً متكاملاً، ومن يبحث عن متابعة طبية، بينما يذهب آخرون إلى منتجعات العافية بعيداً عن ضغط العمل والمطاعم والعادات اليومية.

ثم جاءت حقن الـGLP-1 لتغير المعادلة

أدوية مثل «ويغوفي» و«مونجارو» جعلت علاج السمنة أكثر حضوراً في الحياة اليومية، وأصبح إنقاص الوزن في حالات معينة جزءاً من خطة علاجية طويلة الأمد. وبالنسبة إلى البعض، يصبح السؤال بسيطاً: لماذا أسافر وأقيم في مصح لأسابيع إذا كان بإمكاني الحصول على علاج يصفه الطبيب والعودة إلى حياتي المعتادة؟

لكن الحقنة لم تنه المصح وربما أعطته وظيفة جديدة

فالدواء يمكن أن يكون جزءاً من العلاج، بينما يمنح المصح الشخص فرصة للابتعاد عن بيئته المعتادة. بطعام محسوب، ونشاط بدني، ونوم أكثر انتظاماً، وفحوص واستشارات، وأحياناً دعم سلوكي واسترخاء.

وتلعب الكلفة دوراً في اختيار الوجهة، لكن المقارنة ليست دائماً بين سعر دواء وسعر إقامة. فالعلاج الدوائي قد يكون أقل كلفة، لكنه مستمر، بينما تشمل بعض برامج المصحات الإقامة والطعام والفحوص والتمارين والمتابعة.

لذلك، لا يبدو أن السؤال الحقيقي هو: المصح أم الحقنة؟

هناك من يريد علاجاً يندمج في حياته اليومية، وهناك من يحتاج إلى الابتعاد عن حياته لبعض الوقت حتى يبدأ تغيير عاداته.

وفي الشرق الأوسط، تحاول السعودية ومصر الاستفادة من هذا التحول، كل وفق إمكاناتها وموقعها. فالسوق لم تعد تبحث عن مستشفى فقط، بل عن رحلة صحية كاملة.

وفي زمن أصبح فيه إنقاص الوزن ممكناً بعلاجات حديثة، لا يزال بعض الناس يريدون شيئاً لا توفره وصفة طبية وحدها: مكاناً يبتعدون فيه قليلاً عن حياتهم القديمة، ليعودوا إليها بعادات جديدة... وربما بوزن أقل.