أوكرانيا تقر الحكم الذاتي لمناطق «الانفصال» وتوقع اتفاق الشراكة مع أوروبا

انتخابات مبكرة في مقاطعتي دونيتسك ولوغانسك.. وعفو عن المقاتلين مقابل تسليم أسلحتهم

بوروشينكو يعرض وثيقة المصادقة على اتفاقية الشراكة  مع الاتحاد الأوروبي داخل مبنى البرلمان في كييف أمس (أ.ف.ب)
بوروشينكو يعرض وثيقة المصادقة على اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي داخل مبنى البرلمان في كييف أمس (أ.ف.ب)
TT

أوكرانيا تقر الحكم الذاتي لمناطق «الانفصال» وتوقع اتفاق الشراكة مع أوروبا

بوروشينكو يعرض وثيقة المصادقة على اتفاقية الشراكة  مع الاتحاد الأوروبي داخل مبنى البرلمان في كييف أمس (أ.ف.ب)
بوروشينكو يعرض وثيقة المصادقة على اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي داخل مبنى البرلمان في كييف أمس (أ.ف.ب)

تلبية لطلب الرئيس الأوكراني بيترو بوروشينكو حول إقرار «وضعية خاصة» لعدد من مناطق جنوب شرقي أوكرانيا، وتنفيذا لمقتضيات الاتفاق الذي كانت توصلت إليه مجموعة الاتصال الثلاثية في مينسك، أقر البرلمان الأوكراني (مجلس الرادا)، أمس، قانونا يقضي بمنح بعض أراضي مقاطعتي لوغانسك ودونيتسك الواقعتين شرق البلاد، واللتين أعلنتا استقلالهما من جانب واحد منذ مطلع العام الحالي «وضعية خاصة» تسمح بالموافقة على حكم ذاتي «خاص» لمدة ثلاثة أعوام، إلى جانب حق سكانها باستخدام لغتهم الوطنية إلى جانب اللغة الأوكرانية.
ويتضمن المشروع الذي كان الرئيس الأوكراني تقدم به كذلك منح «مواطني هذه المناطق الحق في عقد اتفاقيات اقتصادية واجتماعية وثقافية بين الحكومة الأوكرانية وغيرها من أجهزة السلطة مع المناطق الذاتية الحكم». أما الدعم الحكومي لها فيتلخص في «التركيز على إنعاش المنشآت الصناعية والبنى التحتية والمساكن، إلى جانب خلق فرص عمل جديدة، وغيرها من إجراءات تنمية المناطق المتضررة من النزاع المسلح».
وحول ردود فعل هذه المناطق، أشارت صحيفة «ريا نوفوستي» الروسية إلى تصريحات قيادات «جمهورية دونيتسك الشعبية» غير المعترف بها حول أن مشروع القانون المطروح من قبل بوروشينكو لا يعنيها. وقال أندريه بورغين، أحد قادة الجمهورية، إنه «مشروع لأوكرانيا، أما جمهورية دونيتسك الشعبية فلها برلمانها المناط به إقرار القوانين الخاصة بها». غير أن بورغين عاد ليقول «إن ما اقترحه بوروشينكو يمكن أن يكون نقطة التقاء في مفاوضات مستقبلية، لا أكثر». وشددت على اعتراض قيادات «جمهوريتي لوغانسك ودونيتسك» على مجمل تناول كييف لمشاكل جنوب شرقي أوكرانيا، فيما كشفت عن احتجاجها وعدم قبولها قصر القوانين الجديدة على المناطق الواقعة تحت سيطرتهم، ووجوب أن تشمل كل أراضي لوغانسك ودونيتسك في إطار حدودهما المعترف بها من جانب كييف.
وأقر البرلمان الأوكراني أيضا إجراء انتخابات محلية مبكرة في هذه المناطق قبل السابع من ديسمبر (كانون الأول) المقبل، إلى جانب قانون آخر حول العفو عن المشاركين في العمليات المسلحة التي جرت في مقاطعتي دونيتسك ولوغانسك، شريطة إفراجهم عن الأسرى المحتجزين وتسليم ما في حوزتهم من أسلحة والتعهد بعدم الحيلولة دون نشاط أجهزة السلطة وعمل المؤسسات الرسمية في غضون شهر من موعد سريان مفعول هذا القانون. لكن القانون استثنى من هؤلاء المقاتلين كل من يثبت تورطه في حادث إسقاط طائرة الركاب الماليزية فوق أوكرانيا في يوليو (تموز) الماضي.
وصدق البرلمان الأوكراني، أمس أيضا، على اتفاقية الشراكة التي وقعها الرئيس بوروشينكو مع الاتحاد الأوروبي، وهي الاتفاقية التي كانت عمليا المقدمة الحقيقية والسبب الرئيس لاشتعال النزاع في أوكرانيا نهاية العام الماضي. وتقضي هذه الاتفاقية بإنشاء منطقة تجارة حرة، وهو ما سارعت موسكو الرسمية إلى الاعتراض عليه، وكان موضوعا للمكالمات الهاتفية التي جرت بين الرئيس فلاديمير بوتين وكل من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورئيس المفوضية الأوروبية المنتهية ولايته خوسيه مانويل باروسو. وقالت المصادر الروسية إن الرئيس بوتين حذر من سرعة التصديق على هذه الاتفاقية.
ومن جانبها، كشفت السلطات الروسية الرسمية عن أن «أوكرانيا قد تفقد السوق الروسية في حال تنفيذ بنود هذه الشراكة في شقها الذي يتناول إقامة منطقة التجارة الحرة، وهو ما كان محور مناقشات الرئيس بوتين مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وجوزيه باروسو رئيس المفوضية الأوروبية».
وذكرت وكالة أنباء «إنترفاكس» أن القرار الذي تم التوصل إليه في الاجتماع الروسي الأوكراني الأوروبي في بروكسل في 12 سبتمبر (أيلول) الحالي، ينص على تأجيل تنفيذ اتفاقية الشراكة في شقها الاقتصادي بين أوكرانيا والاتحاد الأوروبي إلى أول يناير (كانون الثاني) 2016، وذلك من أجل الحيلولة دون إلحاق الضرر باقتصاد أوكرانيا، وتجارتها مع روسيا وشريكتيها في الاتحاد الجمركي بيلاروسيا وكازاخستان. وأشارت «إنترفاكس» إلى أن حجم هروب الأموال من روسيا في النصف الأول من هذا العام بلغ ما يقرب من عشرين مليار دولار، فيما من المتوقع أن تسجل الأشهر الأخيرة من هذا العام نسبة مماثلة، بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية وتصعيد العقوبات الغربية ضد روسيا.
ووافق البرلمان الأوروبي على اتفاقية الشراكة مع أوكرانيا بعد تصويت 535 عضوا مقابل اعتراض 127 وامتناع 35 آخرين عن التصويت. وفي تعليق على هذا الأمر، قال البرلماني البولندي جاسيك فولكسي، من حزب الشعب الأوروبي وصاحب التقرير الذي صوت عليه النواب بشأن الاتفاقية، إن «الاتحاد الأوروبي يعطي أوكرانيا إشارة واضحة على الدعم على الرغم من اقتراح مؤسف تقدمت به المفوضية الأوروبية لتأخير تنفيذ الاتفاق حتى نهاية 2015، ولكن الآن أصبح هناك مستقبل مشترك لأوكرانيا والاتحاد الأوروبي، ويجب حمايته من العدوان الروسي».
وقال بيان صادر عن البرلمان الأوروبي في بروكسل إن الاتفاقية تهدف لتعميق التعاون السياسي والتكامل الاقتصادي بين الجانبين وتوفير الوصول المتبادل إلى السوق الحرة. ونقل البيان عن رئيس البرلمان الأوروبي مارتن شولتز قوله «إنها لحظة تاريخية بعد أن جرى التصويت في اللحظة نفسها بين البرلمانيين الأوروبيين والأوكرانيين على هذه الاتفاقية. إنها الديمقراطية الحرة المختلفة عن الديمقراطية الموجهة». وتعهد شولتز باستمرار دور البرلمان الأوروبي في الدفاع عن سلامة أراضي أوكرانيا وسيادتها.
وفي موسكو، نقلت وكالة «إنترفاكس» عن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو قوله إن احتدام وتوتر الأوضاع في أوكرانيا وزيادة الوجود الأجنبي هناك على مقربة مباشرة من الحدود الروسية دفع موسكو إلى إدخال بعض التعديلات في إطار عمل قيادة المنطقة العسكرية الروسية الجنوبية. وأشار شويغو في حديثه إلى قيادات وزارة الدفاع، أمس، إلى تعزيز قوات الوحدات العسكرية الموجودة في شبه جزيرة القرم. وعزا وزير الدفاع الروسي هذه التغييرات إلى تغير الأوضاع السياسية والعسكرية في جنوب غربي البلاد. وكانت كييف أعلنت عن مناورات عسكرية مشتركة «رابيد ترايدنت 2014»، مع الولايات المتحدة و14 دولة أخرى منها بريطانيا وكندا وبولندا وأذربيجان ورومانيا في غرب أوكرانيا.
وفي شأن ذي صلة، أعلنت اللجان الانتخابية المحلية أمس أن الحزب الحاكم في روسيا فاز من دون مفاجأة في الانتخابات الإقليمية في شبه جزيرة القرم الأوكرانية التي ضمتها موسكو في مارس (آذار) الماضي. وبحسب المعطيات الرسمية حصل حزب الكرملين «روسيا الموحدة» على 70 مقعدا من أصل 75 في برلمان القرم مع نسبة مشاركة بلغت 53.61 في المائة. وفي مدينة سيباستوبول ذات الوضع الفيدرالي حصل الحزب على 22 مقعدا من أصل 24. أما الحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي القومي المتطرف، الحزب الوحيد الذي تجاوز عتبة الـ5 في المائة من الأصوات مع روسيا الموحدة، فكان نصيبه 5 مقاعد في برلمان القرم، ومقعدين في سيباستوبول.
وقد صوت سكان شبه الجزيرة حيث يرسو الأسطول الروسي في البحر الأسود، لانتخاب نواب البرلمان في القرم وسيباستوبول، ولاختيار المستشارين البلديين المحليين. وستكون مهمة البرلمانيين بعد ذلك انتخاب حكام المنطقة. ودانت أوكرانيا هذا الاقتراع الأول الذي نظم في القرم منذ ضم شبه الجزيرة إلى روسيا وعدته غير شرعي. كما أعلنت الولايات المتحدة أمس أنها لا تعترف بشرعية الاقتراع.
وأعرب رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف الذي يترأس أيضا حزب روسيا الموحدة عن ارتياحه لنتيجة التصويت «التي أكدت لنا، لنا ولجيراننا، أن الحكم في روسيا يرتكز على إجراءات قانونية».
وقد جرت انتخابات محلية الأحد في روسيا لانتخاب الحكام أو المجالس المحلية في 84 منطقة. وأدت النتائج في غالبيتها العظمى إلى فوز المرشحين المدعومين من الكرملين.



أوروبا القلقة تبحث عن «مظلة نووية» تقيها التهديدات الروسية

طائرة «رافال» فرنسية تحلّق في أجواء بولندا يوم 13 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
طائرة «رافال» فرنسية تحلّق في أجواء بولندا يوم 13 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

أوروبا القلقة تبحث عن «مظلة نووية» تقيها التهديدات الروسية

طائرة «رافال» فرنسية تحلّق في أجواء بولندا يوم 13 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
طائرة «رافال» فرنسية تحلّق في أجواء بولندا يوم 13 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

ثمة مصدر للقلق الأوروبي في الوقت الحاضر، وهو الطموحات الروسية، واعتبار قيادات رئيسية في القارة القديمة أن الرئيس فلاديمير بوتين لن يتردد، قبل نهاية العقد الحالي، في مهاجمة أوروبا مجدداً، وأن ضحاياه ستكون بالدرجة الأولى جمهوريات بحر البلطيق، التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي وانفصلت عنه عقب انهياره في ديسمبر (كانون الأول) 1991.

وسبق لرئيس الأركان الفرنسي، الجنرال فابيان ماندون، أن أثار جدلاً واسعاً قبل عدة أسابيع عندما نبه ثلاث مرات على الأقل خلال شهري أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025 من قيام نزاع مسلح في أوروبا وتحديداً مع روسيا. وقال في شهادة له أمام لجنة الدفاع في البرلمان الفرنسي إن على الجيش الفرنسي «أن يكون مستعداً للدخول في مواجهة عسكرية في السنوات الثلاث أو الأربع المقبلة».

وبعدها، لم يتردد، في كلمة له أمام مؤتمر رؤساء بلديات فرنسا، في تنبيه أمهات فرنسا من أنهن سيضحين بعدد من أبنائهن في حرب مستقبلية، الأمر الذي تسبب بموجة من المخاوف في البلاد. وبحسب ماندون، فإن ما قد يدفع روسيا لمواجهة من هذا النوع مرده نظرتها لأوروبا التي ترى فيها قارة «ضعيفة».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (يمين) والمستشار الألماني فريدريش ميرتس (وسط) ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في صورة جماعية بمناسبة مؤتمر الأمن في ميونيخ يوم 13 فبراير (أ.ف.ب)

قلق أوروبا

ما تنبه منه باريس، يشغل أيضاً ألمانيا التي تعد أكبر قوة اقتصادية في أوروبا. ففي 13 أكتوبر، أعلن مارتان جايغر، رئيس الاستخبارات الخارجية الألمانية، أمام البرلمان أن روسيا قد تكون مستعدة للدخول في نزاع عسكري مباشر مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) قبل عام 2029، وأنه لا ينبغي اعتبار ذلك احتمالاً بعيداً، بل سيعد خطراً حقيقياً. وأكد أن أوروبا تعيش في «سلام بارد قد يتدهور في أي لحظة»، ودعا إلى زيادة الاستعدادات العسكرية للبلاد.

وثمة مصدر ثان للمخاوف الأوروبية، عنوانه انعدام اليقين داخل القارة القديمة لجهة التزام واشنطن بالحلف الأطلسي وبالمادة الخامسة منه، التي تنص على أن أي اعتداء على أي عضو في التكتل الأطلسي يعد اعتداء على جميع أعضائه. وخلال السنوات التي تلت قيام الحلف، عاش الغرب في مأمن؛ لكونه يحظى بحماية المظلة النووية الأميركية - الأطلسية. والحال أن الأوضاع تغيرت اليوم مع عودة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إلى البيت الأبيض. فالأوروبيون - الأطلسيون فقدوا ثقتهم بالحليف الأميركي. وجاءت خطط ترمب للاستحواذ على جزيرة غرينلاند القطبية التي تعود السيادة عليها للدنمارك العضو في الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي لتقوض الثقة القديمة، التي لن تنجح «تطمينات» وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، التي أغدقها على القادة المجتمعين في مؤتمر ميونيخ للأمن، في ردم الهوة السحيقة التي قامت بين الطرفين.

نووي القارة القديمة

وما يزيد الطين بلة أن الأوروبيين يستطيعون الدفاع عن أنفسهم في حرب «كلاسيكية» تدار بأسلحة «تقليدية». ولكن الجهة التي تخيفهم تمتلك السلاح النووي. ولم يتردد المسؤولون الروس في السنوات الأربع التي انقضت على الحرب في أوكرانيا في التلويح عن استعدادهم للجوء إلى السلاح النووي التكتيكي أو ما يسمى «القنبلة الميدانية». وفي حال انحسار المظلة النووية الأميركية - الأطلسية، يدور البحث عن مظلة بديلة.

والحال أن فرنسا وحدها، داخل الاتحاد الأوروبي، تمتلك السلاح النووي، بحيث إنها تتمتع بقوة ردعية مستقلة وكافية. وخارج الاتحاد، هناك بريطانيا الدولة النووية الثانية في أوروبا.

رئيس أركان الدفاع الفرنسي فابيان ماندون يشارك في اجتماع عبر الفيديو لتحالف المتطوعين الداعم لأوكرانيا بقصر الإليزيه في باريس يوم 25 نوفمبر 2025 (رويترز)

تفيد المعلومات المتوافرة بأن القوة الفرنسية تتشكل من 290 رأساً نووياً يمكن إطلاقها من الغواصات النووية الأربع التي تمتلكها باريس من طراز «تريونفان»، وأيضاً من طائراتها الاستراتيجية من طراز «رافال» القادرة على إطلاق صواريخ «آي إس إم بي» المجهزة برؤوس نووية. أما الضغط على الزر النووي فيعود لرئيس الجمهورية و«الحقيبة النووية» التي تواكبه في تنقلاته. أما القوة النووية البريطانية فبحرية فقط، وتتشكل من 225 رأساً نووياً يمكن إطلاقها من الغواصات النووية الأربع التي تمتلكها المملكة المتحدة. القاعدة المعمول بها من على جانبي بحر المانش تقول بضرورة وجود دائم لغواصة نووية في أعماق البحار باعتبارها قوة ردع دائمة للرد على أي اعتداء نووي.

لكن ما يميز البلدين أن الصواريخ البريطانية نتيجة إنتاج مشترك أميركي – بريطاني؛ ما يعني أن لندن لا تتمتع بالحرية نفسها التي تتمتع بها باريس لجهة استقلالية ردعها النووي. بالمقابل، فإن واشنطن نشرت في خمس دول أوروبية صواريخ مجهزة برؤوس نووية «ألمانيا، بلجيكا، إيطاليا، هولندا، وتركيا» مخزنة في خمس قواعد جوية أوروبية، وهي تخضع للرقابة الأميركية، ولا يمكن استخدامها إلا بقرار مشترك. وتشير معلومات متوافرة إلى أن عدد هذه الصواريخ يتراوح ما بين 80 و100 صاروخ.

المظلة البديلة

خلال مؤتمر ميونيخ، كان المستشار الألماني فريدريش ميرتس أول من كشف عن وجود «محادثات سرية» بين باريس وبرلين بشأن قيام ردع نووي أوروبي، وهو ما أكده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وقال ميرتس ما حرفيته: «لقد بدأت محادثات سرية مع الرئيس الفرنسي بشأن الردع النووي الأوروبي. نحن الألمان نلتزم بالتزاماتنا القانونية. ونرى أن هذا الأمر يندرج حصراً ضمن ترتيبات المشاركة النووية في حلف شمال الأطلسي. ولن نسمح بظهور مناطق ذات مستويات أمن مختلفة في أوروبا».

بيد أن ماكرون لم يربط ذلك بالحلف الأطلسي كما فعل ميرتس، ما يعكس وجود تباينات في وجهات النظر بين البلدين اللذين يشكلان، منذ البداية، الدينامو الأول للاتحاد الأوروبي. لكن من المفيد انتظار يوم 27 فبراير الجاري حيث من المقرر أن يلقي ماكرون خطاباً مخصصاً للقوة النووية. علماً بأن باريس، منذ تملكها للسلاح النووي، تعتبر أن استخدامه، من جهة، ردعياً وليس «هجومياً»، ومن جهة ثانية للدفاع عن «المصالح الحيوية» الفرنسية. غير أن فرنسا لم تفسر ولم تحدد معنى المصالح الحيوية، متبنية بذلك مبدأ «الغموض الاستراتيجي». بيد أن باريس ترى أيضاً أن لقوتها الردعية «بعداً أوروبياً»، وهو ما أشار إليه ماكرون في عدة مناسبات، وسبقه إليه الرؤساء شيراك وساركوزي وهولند.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يكشف عن خدمة عسكرية وطنية جديدة أثناء حديثه للجيش في القاعدة العسكرية في فارس بجبال الألب الفرنسية يوم 27 نوفمبر 2025 (أ.ب)

تتمثل الصعوبة الكبرى التي تواجهها فرنسا بوجود تيار متأصل يرفض «التشارك» في استخدام الدرع النووية الفرنسية. وبكلام آخر، فإنه في حال التوصل إلى تفاهمات مع ألمانيا أو مع غيرها من دول الاتحاد، فإن باريس متمسكة بأن يبقى «الزر النووي» في يدي الرئيس الفرنسي بلا شريك. كذلك، ثمة إشكالية أخرى تثار وتتناول الدول التي تريد فرنسا نشر مظلتها فوقها. ولا أحد في باريس يتوقع أن تشمل جميع الدول المنتمية للاتحاد الأوروبي، علماً بأن المناقشات النووية ليست محصورة ببرلين وحدها.

لم تتأخر ردة الفعل الأطلسية التي وردت السبت الماضي على لسان الأمين العام للحلف الأطلسي، مارك روته، الذي أعلن من ميونيخ أن لا أحد في أوروبا يسعى لاستبدال المظلة الأطلسية بمظلة أوروبية. وقال روته بمناسبة مؤتمر صحافي: «أعتقد أن أي نقاش في أوروبا يهدف إلى تعزيز الردع النووي الجماعي هو أمر جيد، لكن لا أحد في أوروبا يدعو إلى استبدال المظلة النووية الأميركية». وأضاف: «الجميع يدرك أنها الضامن النهائي، وأن سائر النقاشات الأخرى تأتي مكملة لها». ومن جانبها، لم تبق تصريحات رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر محدودة، إذ اكتفى بالقول إن لندن «تعزز تعاونها النووي مع فرنسا». لكن لا شيء يدل على أن بريطانيا تريد القيام بخطوة منفصلة عن الحلف الأطلسي، باعتبار أن قوتها النووية «مندمجة» تماماً في البنى الأطلسية.

بناء على ما سبق، لا يبدو أن الأوروبيين، رغم قلقهم من «الاستدارة» الأميركية، جاهزون لاستبدال المظلة الأميركية - الأطلسية بمظلة أوروبية غير موجودة؛ ما يعني أن «الاستقلالية الاستراتيجية» التي يدعو إليها ماكرون منذ عام 2017 لا تزال سراباً طالما بقيت أوروبا قوة اقتصادية كبيرة، وليست قوة عسكرية استراتيجية، وهو ما تسعى إليه.


الفاتيكان يعزز الإجراءات الأمنية... ويسعى لتجنّب «العسكرة»

صورة أرشيفية من داخل كنيسة القديس بطرس في الفاتيكان (رويترز)
صورة أرشيفية من داخل كنيسة القديس بطرس في الفاتيكان (رويترز)
TT

الفاتيكان يعزز الإجراءات الأمنية... ويسعى لتجنّب «العسكرة»

صورة أرشيفية من داخل كنيسة القديس بطرس في الفاتيكان (رويترز)
صورة أرشيفية من داخل كنيسة القديس بطرس في الفاتيكان (رويترز)

قال أحد كبار رجال الدين في الفاتيكان، الاثنين، إن الفاتيكان سيعزز الإجراءات الأمنية داخل كاتدرائية القديس بطرس بعد أعمال التخريب في الآونة الأخيرة، لكنه يريد تجنّب «عسكرة» واحدة من أكثر الكنائس جذباً للزوار في العالم.

وذكر الكاردينال ماورو غامبيتي أن أكثر من 20 مليون شخص زاروا الكاتدرائية العام الماضي، وأن تلك الوقائع في الآونة الأخيرة كانت «محدودة للغاية» مقارنة بإجمالي عدد الزوار.

وقال غامبيتي، في مؤتمر صحافي بمناسبة الذكرى الـ400 لتكريس الكاتدرائية، وهي واحدة من أكبر الكاتدرائيات في العالم المسيحي: «نحن نفكر، وسنقوم الآن بشيء ما، من أجل توفير مزيد من الحماية لبعض الأماكن»، حسبما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

رئيس كهنة كاتدرائية القديس بطرس البابوية الكاردينال ماورو غامبيتي يتحدث إلى الصحافيين في الفاتيكان 16 فبراير 2026 (أ.ب)

ويخضع الزوار حالياً للتفتيش قبل الدخول، في حين يوجد ما بين 40 و60 فرد أمن غير ظاهرين بشكل لافت داخل الكاتدرائية. وأشار جامبيتي إلى أن الإجراءات الجديدة ستكون بسيطة.

وقال: «سألنا أنفسنا عن الحد الذي يجب أن نذهب إليه في الحماية أو في العسكرة... لإدارة كل شيء والتحكم في كل شيء».

وأضاف «نعتقد أنه يجب أن يظل مكاناً يمنح الأشخاص الذين يدخلون الكاتدرائية لمحة من الحرية، لذلك لا يمكن تجاوز حدود معينة».

وحثّ غامبيتي الصحافيين على تجنّب تشجيع سلوك التقليد، قائلاً إن التقليد أصبح أسهل في مجتمع تشكله وسائل التواصل الاجتماعي و«الدروس التعليمية» عبر الإنترنت.

وأوضح: «نعتقد أننا نستخدم التكنولوجيا، ولكن في الواقع التكنولوجيا هي التي تستخدمنا»، داعياً إلى بذل جهود أوسع من قبل المؤسسات ووسائل الإعلام لتثقيف الناس والمساعدة في منع وقوع المزيد من الحوادث.

وتخضع الإجراءات الأمنية للمراقبة منذ وقوع سلسلة من الحوادث حول المذبح الرئيسي للكاتدرائية.

مشاركون يؤدون صلاة التبشير الملائكي بساحة القديس بطرس في الفاتيكان 15 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قُبض على رجل مجهول الهوية بعد أن تسلّق المذبح وتبوّل عليه، في حين خلال فبراير (شباط) 2025، تسلّق رجل المذبح وأسقط عدة شمعدانات على الأرض، مما أدى إلى إتلافها.

وفي يونيو (حزيران) 2023، خلع رجل من أصل بولندي ملابسه، وتسلق على المذبح نفسه احتجاجاً على الحرب في أوكرانيا.

وقال غامبيتي إن الفاتيكان يدرك أن بعض المسؤولين عن مثل هذه الأفعال قد يكونون في غاية الضعف، وأن هناك حاجة إلى فهم ومعالجة نقاط الضعف الموجودة في المجتمع.

وتابع قائلاً: «هناك نقاط ضعف اليوم تتجاوز ما كنا نتخيله قبل 20 عاماً فقط».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


المجر تطلب مساعدة كرواتيا بعد توقف تدفق النفط الروسي عبر أوكرانيا

ناقلة النفط الخام «فلاديمير مونوماخ» التابعة لشركة «روسنفت» الروسية للنفط في أثناء عبورها مضيق البوسفور في إسطنبول بتركيا (رويترز)
ناقلة النفط الخام «فلاديمير مونوماخ» التابعة لشركة «روسنفت» الروسية للنفط في أثناء عبورها مضيق البوسفور في إسطنبول بتركيا (رويترز)
TT

المجر تطلب مساعدة كرواتيا بعد توقف تدفق النفط الروسي عبر أوكرانيا

ناقلة النفط الخام «فلاديمير مونوماخ» التابعة لشركة «روسنفت» الروسية للنفط في أثناء عبورها مضيق البوسفور في إسطنبول بتركيا (رويترز)
ناقلة النفط الخام «فلاديمير مونوماخ» التابعة لشركة «روسنفت» الروسية للنفط في أثناء عبورها مضيق البوسفور في إسطنبول بتركيا (رويترز)

لجأت المجر وسلوفاكيا إلى كرواتيا للحصول على النفط الروسي بعد انقطاع تدفقه عبر أوكرانيا؛ ما أدى إلى خلافات بين كييف والبلدين.

وحمَّلت وزارة الخارجية الأوكرانية، الأسبوع الماضي، هجوماً روسياً على خط أنابيب في أوكرانيا مسؤولية توقف تدفق النفط إلى أوروبا الشرقية منذ 27 يناير (كانون الثاني).

وفي ذلك الوقت، نشر وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيها صورة على منصة «إكس» لعناصر من الدفاع المدني إلى جانب ما قال إنها بنية تحتية لخط أنابيب دروجبا تحترق، متهماً المجر بعدم التعليق على الواقعة لمدة أسبوعين؛ لأن حليفتها روسيا هي المسؤولة عن ذلك.

وردت المجر سريعاً، واتهمت بدورها الأوكرانيين بقطع التيار الكهربائي عن ذلك الجزء من خط الأنابيب.

حقل فانكورسكوي النفطي المملوك لشركة «روسنفت» شمال مدينة كراسنويارسك بسيبيريا الروسية (رويترز)

مساعدة كرواتية

قال وزير الخارجية المجري بيتر سيارتو في منشور على «إكس» إن المجر وسلوفاكيا طلبتا من كرواتيا السماح بتدفق النفط الروسي عبر خط أنابيب أدريا بدلاً من خط دروجبا.

وكتب سيارتو على «إكس» قائلاً: «نطلب من كرواتيا السماح بنقل النفط الروسي إلى المجر وسلوفاكيا عبر خط أنابيب أدريا؛ إذ إن إعفاءنا من العقوبات يتيح استيراد النفط الروسي عن طريق البحر في حالة تعطل إمدادات الأنابيب».

وأضاف: «أمن إمدادات الطاقة في أي بلد لا بد ألا يتحول إلى مسألة آيديولوجية؛ لذلك نتوقع من كرواتيا، على عكس أوكرانيا، ألا تعرض أمن إمدادات النفط في المجر وسلوفاكيا للخطر لأسباب سياسية».

وأشار وزير الاقتصاد الكرواتي إلى أن بلاده ستكون قادرة على تلبية طلب المجر.

وقال: «لن تسمح كرواتيا بتعريض إمدادات الوقود في وسط أوروبا للخطر. نحن على استعداد للمساعدة في حل هذا التعطل الكبير»، مضيفاً أن تعاونها سيكون متوافقاً مع قانون الاتحاد الأوروبي ولوائح مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي.

ويمتد خط أنابيب النفط أدريا من ميناء أوميسالج الكرواتي إلى مصافي النفط في كرواتيا وغيرها في جنوب ووسط أوروبا.

وتتمتع كل من المجر وسلوفاكيا بإعفاءات من عقوبات الاتحاد الأوروبي على النفط الروسي المنقول عبر الأنابيب، وتعتمدان على النفط والغاز الروسيين، ووقفتا ضد تحركات الاتحاد الأوروبي لوقف تلك التدفقات في إطار الجهود الرامية إلى قطع تمويل حرب روسيا في أوكرانيا من عائدات الطاقة.