كتّاب مصريون: القراءة لا ترتبط بموسم معين أكان حاراً أم بارداً

محمود أبو عيشة  -  سمير مؤمن  -  هدى توفيق  -  طلال سيف
محمود أبو عيشة - سمير مؤمن - هدى توفيق - طلال سيف
TT

كتّاب مصريون: القراءة لا ترتبط بموسم معين أكان حاراً أم بارداً

محمود أبو عيشة  -  سمير مؤمن  -  هدى توفيق  -  طلال سيف
محمود أبو عيشة - سمير مؤمن - هدى توفيق - طلال سيف

- طلال سيف: السفر قراءة
بالطبع تفرض عليك أجواء الطقس فرضياتها، كما يفرض عليك واقعك المعيش فرضياته هو الآخر، فهناك جدل مستمر بصفتك كاتبا وقارئا بينك وبين تلك الفروضات الجبرية. لكن المسائل لا تسير على علتها في اتجاه أحادي. قد يكون الصيف هو موسمي المفضل للكتابة، فجل منتجي الأدبي والفكري تقريبا ابن شرعي لموسم الصيف. ولأنني من عشاق معسكرات القراءة، فقد يأخذني ذلك المعسكر موسما كاملا، لكن هذا ضد قاعدتي الأساسية. لا أفضل القراءة في الصيف. لكن الاضطرار يدفعني أحيانا لكسر القاعدة، فمثلا إذا ما مررت بأزمة نفسية، كانت «ياسين وبهية» لنجيب سرور، هي طبيبي الخاص بغض النظر عن طبيعة الطقس. الشتاء بطبعه كسول عندي. يكون مشحونا بالقراءات المستمرة، أتابع خلاله المستجدات الإقليمية والعالمية من الإصدارات الحديثة، وربما أعيد بعض القراءات القديمة. رغم ذلك أعود إلى فكرة الاضطرار التي دفعنني لإعادة قراءة يوسف إدريس ونجيب محفوظ ويحيى حقي وصموئيل بكيت وغيرهم في موسم الصيف.
أعتقد أن القراءة لها بصمة تشبه البصمة الوراثية عند كل إنسان. كل منا له عاداته وطقوسه الخاصة حيال القراءة، ولا يمكنني الجزم بأن هناك مقاربات، لذا شاركت في هذا السؤال الذي أعتبره مهما، لكونه قد يؤرشف كاستبيان للأجيال القادمة، مثلما يفعل الغرب بأدق تفاصيل الكتاب. السؤال يدفعني، إلى طرق باب مهم للمعرفة، وهو اللغة البصرية وباقي الميكانيزمات الحسية التي تقرأ معرفيا، كالأذن والسمع والشم واللمس. كل تلك الميكانيزمات تقرأ هي الأخرى بشكل مغاير للمتعارف عليه تقليديا تحت مفهوم القراءة. فالصيف عندي طليق لتلك الحواس، فأسير في الأرض رحالة، ضاربا في كل شبر من مصر، بحثا عن المعرفة، وكذلك السفر إلى دول مختلفة، فزيارة المتاحف الوطنية في تلك الدول قراءة. النقاش مع أهلها قراءة. الأكل في مطاعمهم قراءة. فالصيف موسم لسياحة القراءة «الميكانيزمية» وليس للقراءة التقليدية. ربما لا تتوفر الظروف لكثير من الزملاء لمثل تلك الرحلات، لكن ليس هناك ما يمنع من قراءة جداريات معابد مصر بدءا من الأهرامات وحتى أبي سمبل، مرورا بالدير البحري وهابو والرامسيوم وسوبك، وغيرها. رغم أن تلك الرحلات يعدها الكثير من رحلات الشتاء، لكنني أفضلها صيفا أو شتاء، عشقا في المصري القديم وتزودا بالمعرفة غير المسبوقة في تاريخ البشرية. الآن يمكنني الجزم يأن طبيعتي في القراءة التقليدية شتوية خالصة، أما الصيف فهو للكتابة أو القراءة الميكانيزمية. فهي عادات مرتبطة بالشخصية، ربما تتغير مع مرور الزمن وربما تعيش للنهاية مع المبدع كحالتي الشخصية التي تنتظر الصيف دائما كي تبدأ في عمل جديد.
- مؤمن سمير: أساطير ثقافية
لأسبابٍ تخص فتراتٍ بعينها وتوجهاتٍ كانت تتبنى ترويج أفكار وأشكال وصورٍ وأكليشيهات لأغراض صحافية وإعلامية كانت للأسف تهتم باستثمار أي شيء وكل شيء، سادت قديما عدة اعتقادات تنتمي للثقافة أو بالأحرى لدوائر النميمة التي تحيط بالثقافة، منها أن الشتاء هو موسم إنجاز المشاريع الإبداعية المؤجلة (فلا تحادثوني من فضلكم إلا بعد ثلاثة أشهر على الأقل!) وأن الصيف هو موسم التخفف من كل شيء، من أي التزام بإنجازٍ ما ومن أي وعد (فلا يليق أن تطالبني بشيء وأنا مختنقٌ هكذا يا أخي!)، ومن القراءات الجادة التي تفيد بشكل واسع ثقافة الكاتب ومشروعه الإبداعي، لصالح الكتب الخفيفة التي تكون مضيعة للوقت والعمر السريع اللهاث.
القراءة لا ترتبط بموسم معين بل هي رهن بتوفر الكتاب الجيد والوقت المناسب (المستقطع من هموم ومتطلبات الحياة اليومية) وباتساع المناخ النفسي والروحي للقراءة... والأمور نفسها تصلح للكتابة، فحينما تلح الفكرة وتكون القابلية لاقتناصها في مرحلة الجاهزية فهذا هو الوقت المناسب سواء كان المطر يدك عظام الشوارع أو كانت الحرارة تشوي النظرات والأحلام... كما لم يعد شكل الكُتَّاب يُعيِّنهم خاصة وسط الآخرين الذين صارت ملابسهم جزءاً من شخصياتهم وليس باعتبارهم (أعضاء نقابة ما) مثلا! وهكذا لم تعد اختيارات المبدع الشخصية في الموسيقى والسينما والفنون الشكلية... إلخ، مرهونة بعناوين وأقواس من المحتم ألا يسبح خارجها؛ فالحياة صارت مفتوحة في كل شيء: في الأفكار والتوجهات بل العادات والتقاليد... كل الأمور قابلة لإعادة التدقيق وطرح أسئلة ونوافذ لا تتوقف. وغالباً لن تتوقف أبدا ما دام الإنسان حياً.
- محمود أبو عيشة: أعيش بين القراءة والكتابة
لا شك أن المناخ العام إضافة إلى الطقس يؤثر في نوعية حياة الناس وفي القلب منها القراءة، لكن هذا ينطبق على القراء إذا كانوا يقرؤون أصلا لأنه للأسف القراءة لم تكن يوما من أولويات الناس في مجتمعاتنا المرحومة، فالأصل في الحياة الغرائز وأصلها الجنس ثم الشراب والطعام فلا وقت للناس في جحيم الغلاء إلا السعي على بطونهم وهم معذورون. أما نحن أرباب الحرفة فلا عمل لنا سوى القراءة والكتابة وهي أصل حياتنا ومستودعها، ولهذا فأنا مثلا أعيش بين قوسين هما القراءة والكتابة، حيث أبنى مشروعي الأدبي الروائي بالأخص بصبر وانتظام. لذلك إيقاع الصيف بطقسه الجواني المغوي يساعدني أكثر في إنجاز مشروعي، وإعادة النظر والقراءة والتساؤل حوله، حول ما هو واقع بالفعل، وما يجب أن يكون، أما الصيف بتقلباته ودرجات الحرارة المرتفعة، فهو دائما عكس هذا الإيقاع، خاصة أنني مهموم حاليا بعمل روائي يضيء الفترة التي سبقت ثورة 20 يناير (كانون الثاني) 2011 وما أعقبها من أحداث لا تزال مشتبكة مع الواقع الراهن. وضمن ما أفعله في التجهيز لهذا العمل قراءات ومراجعات خاصة لبعض أعمال نجيب محفوظ وحواراته، وأيضا كتاب الدكتورة يمنى طريف الخولي عن الحتمية والحرية والاغتراب، إضافة إلى أعمال أخرى تساعدني على المضي في الرواية، لكن أرجو الصيف أن يكون لطيفا حتى أنجز ما أريد.
- هدى توفيق: فوبيا الصيف
أعتقد أنه لا توجد قراءة خفيفة أو ترويحية في ممارسة فعل القراءة، ولأنني صراحة أقرأ من خلال برنامج يخص ترتيب أفكاري ويحدد طبيعة المشروع الإبداعي القادم بوجه عام، لذا أحاول أن ألتزم به بقدر الإمكان، هذا بالإضافة إلى متابعة إنتاج الأصدقاء الأدبي الذي أستطيع الحصول عليه من المشهد الثقافي، لكن هذا أيضا يخف في الصيف وتقل ساعات القراءة معي، إضافة لسبب صحي يخصني، وهو حساسية الصيف المرهقة التي تزول بانتهاء موسم الصيف فقط، لكن بالطبع برنامج القراءة لا يتغير ومعيار انتقاء الكتب ليس له ارتباط بخفته أو ثقله في الصيف أو بقية فصول العام، هو واحد، حسب الذائقة بالطبع، ولعدة سنوات مع كل موسم صيفي، يزداد ضيقي لشعوري أنني لا أستطيع الكتابة بانتظام بسبب الجو والحساسية ووصلت معي في بعض الأحيان إلى الشعور بالاكتئاب، لأني مكبلة، وأسيرة هذا الفصل الموسمي أكثر من بقية فصول العام.
وعندما أتذكر أنه قادم بداية من شهر مايو (أيار) أتجهم، وأحزن لأنني سأتألم، ولأنني لن أكتب كما أريد، وسأكتفي بفعل القراءة وهذا أيضا قليل نسبيا عن بقية فصول العام، لكن بدأت أنظر للأمر برؤى أخرى، وهي الراحة الإجبارية من أجل التأمل والتفكير الطويل وضرورة الالتزام الصحي بالقانون الجديد، غير الكسل والاسترخاء المفروضين علي، وقلت لنفسي، لم لا تتغير الفكرة من ضيق إلى وجهة نظر؟!، أقبلها أو أرفضها حتى أتصالح أو أتعارك مع الطبيعة وأحاول أن أبحث خلف الأفكار، وخلف البشر، ونحن نتلهى طويلا وكثيرا من كثرة انشغالنا عن تمحص ورؤية الأشياء والأشخاص، لتتحول الفكرة الضد إلى حوار داخلي بيني وبين الطبيعة وهذه الحالة القسرية التي فجرها قدوم فصل الصيف في حياتي، وأتساءل: لم لا؟ ونحن أحيانا نُلهم بأشياء خارج إرادتنا حتى ولو كانت في حقيقتها غير جيدة لنا، لكننا دوما لا بد أن نتعامل معها حتى لو كانت مصدر ضيقنا وألمنا في الماضي والحاضر والمستقبل، فساعات الانتظار لشهور طويلة، دون كتابة مستمرة أو منظمة، أصبحت شيئا جيدا لي الآن. جميل أن تنظر لسقف غرفتك، أن تشاهد التلفزيون ببلاهة، أن تأتي الأفكار المختبئة، أن تتذكر الماضي، أن تتخيل مدى معاناة الآخرين الذين يعانون أكثر منك من شدة المرض أو اليأس أو الحيرة فكلها أجواء مرضية سواء جسدية أو نفسية وأنت بهذه المعاناة لا شيء أمام ما يعانونه ليس في فصل الصيف فقط وإنما طوال العام وربما لسنوات... أكثر ما يخرجني من هذه الحالة هو سماع الشعر وقراءته خاصة الشعر القديم، والحديث منه يملؤني بالحياة والوجود وأنا أشعر بهذه القسرية في ألا أمارس فعلي القراءة والكتابة يوميا وبانتظام... أما ما يطرح من قراءات للصيف فهذا بالطبع ليس مرتبطا بقاعدة عامة أو روشتة قرائية، خاصة أن عالم النت والتواصل الاجتماعي طغى إلى حد كبير على القراءة المعرفية العميقة، لكن الأمر لا يخلو من الثراء المعرفي والإبداعي أيضا.



مصر: فتح مقبرتين للمرة الأولى أمام الزوار بالأقصر

مسؤولون مصريون خلال زيارة المقابر التي سوف يتم فتحها للجمهور قريباً (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مسؤولون مصريون خلال زيارة المقابر التي سوف يتم فتحها للجمهور قريباً (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: فتح مقبرتين للمرة الأولى أمام الزوار بالأقصر

مسؤولون مصريون خلال زيارة المقابر التي سوف يتم فتحها للجمهور قريباً (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مسؤولون مصريون خلال زيارة المقابر التي سوف يتم فتحها للجمهور قريباً (وزارة السياحة والآثار المصرية)

تستعد وزارة السياحة والآثار المصرية لفتح مقبرتين أثريتين «TT416»، و«TT417» للمرة الأولى أمام الزوار خلال الفترة المقبلة، وذلك بعد تنفيذ الوزارة مشروع ترميم وتطوير هاتين المقبرتين، بالإضافة إلى مقبرة ثالثة مفتوحة بالفعل بمنطقة الخوخة بالبر الغربي في الأقصر.

وتعود مقبرة أمنحتب المدعو رابويا (الأب) رقم (TT416)، حارس بوابة آمون بالكرنك، إلى عصر الملك تحتمس الثالث، كما تعود مقبرة ساموت (الابن) رقم (TT417) إلى عصر الملك تحتمس الرابع، أما المقبرة الثالثة (TT52) المفتوحة بالفعل أمام الزائرين فتعود إلى عصر تحتمس الرابع.

ويأتي مشروع الترميم في إطار «استراتيجية الوزارة للحفاظ على التراث المصري القديم وإتاحته للزائرين بصورة تليق بقيمته التاريخية»، وفق شريف فتحي، وزير السياحة والآثار المصري الذي أضاف في بيان صحافي الأحد، أن «أعمال الترميم لا تقتصر على صون العناصر الأثرية فحسب، بل تمتد لتشمل تحسين تجربة الزائر من خلال تطوير الخدمات والبنية التحتية، بما يعزز من مكانة مصر بصفتها وجهة سياحية عالمية للسياحة الثقافية».

جانب من الزخارف الأثرية بعد ترميمها بأحد مقابر الأقصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووفق الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، فإن «أعمال الترميم تمت وفق أحدث الأساليب العلمية، وبمشاركة فرق متخصصة من المرممين»، مؤكداً أن «المشروع يهدف إلى تحقيق التوازن بين الحفاظ على أصالة المقابر وحمايتها من عوامل التلف، وبين إتاحتها للزيارة بشكل آمن ومنظم».

وأشار إلى أن «المقابر الثلاث تمثل نماذج متميزة لفن وتصوير الحياة اليومية والعقائد الجنائزية خلال عصر الدولة الحديثة، وتُعد من الإضافات المهمة لخريطة الزيارة السياحية بالبر الغربي في الأقصر».

وتضمنت أعمال ترميم المقبرتين «TT416»، و«TT417»، المقرر افتتاحهما لأول مرة منذ اكتشافهما عام 2015، تنفيذ برنامج متكامل شمل الترميم الدقيق للمناظر الجدارية، وأعمال الترميم المعماري للجدران، إلى جانب إزالة الرديم، والتنظيف الميكانيكي، ومعالجة الشقوق، وتقوية الألوان وصيانتها.

كما شملت الأعمال تطوير البنية التحتية للزيارة، من خلال إنشاء أرضيات خشبية، وتركيب نظام إضاءة حديث، وتمهيد الفناء الخارجي، وإنشاء سلالم حجرية لتسهيل حركة الزائرين، بالإضافة إلى تزويد المنطقة بلوحات إرشادية وتعريفية، ومظلات خشبية ومقاعد لراحة الزائرين، فضلاً عن إعداد مادة تعريفية وكتيب إرشادي باللغتين العربية والإنجليزية.

فتح مقابر للزيارة يأتي ضمن مشروع سياحي طموح (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتتميز المقبرتان بتخطيطهما المعماري على شكل حرف (T)، وهو النمط السائد في مقابر الأسرة الثامنة عشرة، حيث تضم كل منهما صالة عرضية مزخرفة بمناظر الحياة اليومية، وصالة طولية تتضمن مناظر جنائزية. كما أعيد استخدام المقبرتين خلال العصر المتأخر، ما أضاف إليهما عناصر معمارية جديدة، مثل الغرف والآبار الجنائزية، وفق محمد عبد البديع، رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار.

وأضاف عبد البديع أن «مقبرة (رابويا) تزخر بمناظر زراعية وطقوس جنائزية مميزة، من بينها مشهد نادر لتقديم القرابين للإلهة رننوتت، بينما تحتوي مقبرة ساموت، رغم عدم اكتمالها، على زخارف فنية عالية الجودة».

أما مقبرة نخت (TT52)، (كاتب المخازن من عهد الملك تحتمس الرابع)، التي تُعد مفتوحة للزيارة، فقد شملت أعمال التطوير بها إحلال وتجديد نظام حماية المناظر والنقوش الجدارية، حيث تم استبدال الزجاج القديم الذي كان يحيط بها منذ تسعينات القرن الماضي بواسطة زجاج حديث يضمن الحفاظ على النقوش مع تحسين التهوية الداخلية، بالإضافة إلى تحديث نظام الإضاءة، وتنفيذ أعمال ترميم دقيقة للنقوش.

مناظر ورسومات نادرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتسعى مصر إلى تطوير المواقع الأثرية بجنوب البلاد بعد تحقيق أرقام قياسية في أعداد السائحين خلال العام الماضي، ففي أسوان أعلن عمرو لاشين محافظ أسوان السبت عن بدء المرحلة التنفيذية لمشروع تطوير مداخل معبد فِيَلة، وذلك بالتنسيق مع وزارة السياحة والآثار، وتنفيذ مؤسسة الأغاخان للخدمات الثقافية. حيث يستهدف المشروع تعزيز الهوية البصرية للمنطقة، وإضفاء طابع حضاري وجمالي على المدخل الرئيسي لمعبد فيلة بما يتناسب مع قيمته الأثرية والتاريخية العريقة.


مصريون يُقبلون بشراهة على الأسماك المملحة رغم ضبط «أطنان فاسدة»

إقبال كبير على شراء الأسماك المملحة على «فيسبوك» (حساب أحد المحال على «فيسبوك»)
إقبال كبير على شراء الأسماك المملحة على «فيسبوك» (حساب أحد المحال على «فيسبوك»)
TT

مصريون يُقبلون بشراهة على الأسماك المملحة رغم ضبط «أطنان فاسدة»

إقبال كبير على شراء الأسماك المملحة على «فيسبوك» (حساب أحد المحال على «فيسبوك»)
إقبال كبير على شراء الأسماك المملحة على «فيسبوك» (حساب أحد المحال على «فيسبوك»)

لا يبدو أن التنازل عن عادة تناول وجبة «الفسيخ» و«الرنجة» أمر مقبول لدى المصريين، خصوصاً في موسم «شم النسيم»، رغم التحذيرات المتكررة سنوياً من مخاطر تناول الأسماك المملحة، والبيانات الرسمية التي تعلن ضبط كميات كبيرة غير صالحة للاستهلاك الآدمي.

وتتصاعد وتيرة الرقابة الرسمية بالتزامن مع موسم الأعياد؛ إذ أعلنت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، الأحد، تكثيف حملات التفتيش على أماكن عرض وبيع وتداول الأسماك المملحة والمدخنة في مختلف المحافظات، في محاولة للحد من المخاطر الصحية التي تتكرر سنوياً. وبالتوازي مع ذلك، تتوالى الأخبار عن ضبط كميات كبيرة فاسدة، مرفقة بتحذيرات متجددة للمواطنين. فقد أسفرت حملات الهيئة العامة للخدمات البيطرية عن ضبط أكثر من 71 طناً من الأسماك المملحة والمدخنة غير الصالحة للاستهلاك الآدمي خلال أسبوع واحد فقط، وفق بيان وزارة الزراعة المصرية الأحد.

تنظيف «الرنجة» في أحد محال بيع الأسماك المملحة (الشرق الأوسط)

وفي محافظة الشرقية (دلتا مصر) تم ضبط نصف طن من أسماك «الرنجة» الفاسدة، في حين سجلت محافظة أسيوط (صعيد مصر) نحو 850 كغم من الأسماك المملحة غير الصالحة في عدد من مراكزها، وفي بورسعيد (شمال شرق مصر) تم ضبط نحو 13 كغم من سمك اللوت في حالة فساد شديد قبل طرحها بالأسواق.

وبينما تكثف الجهات الرقابية حملاتها في المحافظات بالتزامن مع «عيد القيامة» و«شم النسيم»، يظل الإقبال قائماً، مدفوعاً بثقة البعض في مصادر الشراء، أو بتقليلهم من حجم المخاطر، فتقول حنان العطار (36 عاماً)، وهي موظفة في شركة عقارات، لـ«الشرق الأوسط»، إن عادات الشراء تغيّرت بمرور الوقت؛ إذ «أصبحت الأسماك المملحة معروضة بشكل كبير في محال السوبر ماركت الكبيرة، ونظراً لارتفاع الأسعار الكبير نقوم عادة بمقارنة عروض الأسعار، فيما أتذكر أن والدي كان يحرص على الشراء من محل (فسخاني) محدد، لارتباطه لديه بثقة طويلة في البيع، ولضمان جودة المنتج».

محال بيع «الفسيخ» تروج لمنتجاتها (حساب أحد المحال على «فيسبوك»)

وخلال قيامها بشراء وجبة تكفي لعائلتها للاحتفال بـ«شم النسيم»، تقول زينب عبد الحميد، وهي ربة منزل (54 عاماً)، إن «خبرة الشراء تلعب دوراً حاسماً في تجنّب المنتجات غير الصالحة، وعادة نكتفي بـ(الرنجة) و(السردين)؛ لأن أغلب المشكلات تكون مرتبطة بـ(الفسيخ)»، كما تقول لـ«الشرق الأوسط».

وتوضح أنها تعتمد على «مجموعة من المؤشرات البسيطة عند الاختيار، مثل تماسك السمكة، ورائحتها، ولمعان سطحها، باعتبارها دلائل على جودتها».

وبالتوازي مع التحذيرات والضبطيات، تسعى الدولة للتدخل عبر ضبط الأسعار وتوفير بدائل أقل تكلفة؛ إذ أعلنت وزارة التموين والتجارة الداخلية، الأحد، طرح «الرنجة» بأسعار مخفضة داخل المجمعات الاستهلاكية ومنافذها، حيث يصل سعر الكيلوغرام إلى نحو 145 جنيهاً (الدولار يساوي 53.1 جنيه مصري)؛ أي أقل بنحو 45 جنيهاً مقارنةً بالأسواق الحرة التي تبدأ من 190 جنيهاً، في حين تتراوح أسعار الكيلوغرام من «الفسيخ» بين 280 جنيهاً و600 جنيه.

ذروة الموسم

ويقول مدحت شوقي، بائع في محل «فسخاني» بمحافظة الجيزة، لـ«الشرق الأوسط»، إن هذه الفترة تمثل ذروة الموسم بالنسبة لهم، موضحاً: «نوفر خدمة تنظيف (الرنجة) حسب رغبة الزبائن لتكون شرائح (فيليه)، مقابل 20 جنيهاً للكيلوغرام الواحد، ومن بداية الأسبوع الذي يبدأ بـ(سبت النور) حتى (شم النسيم) نكون في حالة طوارئ بسبب حجم الإقبال الكبير على شراء الأسماك المملحة على مدار اليوم».

ويربط محمد عبد الحليم، عضو شعبة الأسماك بغرفة الصناعات الغذائية، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بين موجة ارتفاع الأسعار الأخيرة وعدة عوامل متداخلة، فـ«تزامن هذه العوامل مع ارتفاع الطلب الموسمي خلال الأعياد يضاعف من وتيرة الزيادة في الأسعار، علاوة على زيادة تكلفة الإنتاج، فالسمك البوري، المكوّن الأساسي لـ(الفسيخ)، شهد ارتفاعاً ملحوظاً، ما انعكس مباشرةً على السعر النهائي للمنتج». ويشير إلى أن «رفع أسعار السولار لعب دوراً رئيسياً في ذلك؛ كونه يدخل في تشغيل مراكب الصيد، ونقل الأسماك، وحتى إنتاج الأعلاف، ما أدى إلى زيادة التكلفة عبر مراحل متعددة»، ويضيف: «(الرنجة) لم تكن بمعزل عن هذه الزيادات؛ إذ تأثرت بدورها بارتفاع سعر الدولار، باعتبارها منتجاً يعتمد في الأساس على الاستيراد من دول مثل هولندا، قبل تدخينها محلياً»، لافتاً إلى أن «بعض الأنواع المدخنة في الخارج يصل سعرها إلى نحو 1200 جنيه للكيلوغرام».

تتراوح أسعار «الرنجة» حسب درجة جودتها (الشرق الأوسط)

وعلى حد تعبير الدكتورة ياسمين العطار، أخصائية التغذية العلاجية بجامعة القاهرة، فإن «المسألة لا تتعلق بمجرد اختيار غذائي عابر، بقدر ما ترتبط بعادة راسخة تتوارثها الأجيال، وتُستعاد بوصفها جزءاً من طقس احتفالي لا يكتمل من دونها»، كما تقول لـ«الشرق الأوسط».

وتضيف أن «إلغاء هذا الطقس يكاد يكون أمراً مستحيلاً في مصر، لكننا نوصي دائماً بتقليل الكميات، والإكثار من شرب المياه، خصوصاً لمرضى الضغط والسكري»، مشيرةً إلى أن اقتران هذه المأكولات شعبياً بالليمون والبصل الأخضر يُعد من العادات الجيدة؛ لأنهما يساعدان على معادلة الملوحة المرتفعة نسبياً، ويحفّزان الهضم، ويقللان من حدة التأثيرات السلبية على الجسم، كما تقول.


انتحار سيدة الإسكندرية يفجع المصريين ويفجر سجالات حول الدوافع

وسائل التواصل الاجتماعي دعمت انتشار قصص الانتحار في مصر (الشرق الأوسط)
وسائل التواصل الاجتماعي دعمت انتشار قصص الانتحار في مصر (الشرق الأوسط)
TT

انتحار سيدة الإسكندرية يفجع المصريين ويفجر سجالات حول الدوافع

وسائل التواصل الاجتماعي دعمت انتشار قصص الانتحار في مصر (الشرق الأوسط)
وسائل التواصل الاجتماعي دعمت انتشار قصص الانتحار في مصر (الشرق الأوسط)

استيقظ المصريون على حادثة انتحار سيدة أربعينية، ليل السبت، من شرفة منزلها بالدور الـ13، في محافظة الإسكندرية وذلك عقب شكواها في بث مباشر، من «ظروف الحياة وعدم مشاركة أحد لها في مسؤولية طفلتيها»، وسط صدمة وجدل مجتمعي حول الدوافع.

ومكمن الفاجعة، أنها تحدثت خلال بث مباشر على «فيسبوك»، استمر قرابة الساعة، من دون أن يتدخل أحد من أقاربها أو أصدقائها للمساعدة وإيقافها. وسبق وظهر العديد من التهديدات بالانتحار في «لايفات على السوشيال ميديا»، لرجال ونساء، قبل أن يتدخل أحد من المعارف ويمنعها.

وظهرت سيدة الإسكندرية معلقة على سور شرفتها لدقائق قبل أن تفلت يديها وتسقط. واستخدم البعض هذه الطريقة وكذلك طول مدة الشكوى في البث، للاستدلال على أنها لم تكن قد استقرت على الانتحار... وكانت تعاني صراعاً داخلياً، ورغبت في أن تجد من يساعدها.

بينما ركز آخرون، على الدوافع، سواء المادية أو النفسية، والأزمات التي تواجهها المطلقات بعد الانفصال، مع مقترح أن تتكفل الدولة بهن، خصوصاً أن بعض الآباء لا يلتزمون بالإنفاق على أبنائهم بعد الطلاق.

مارة في أحد شوارع وسط القاهرة (الشرق الأوسط)

وتصدرت قصة انتحار سيدة الإسكندرية «ترند» مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، وأعيد تداول ونشر آخر دقائق في حياتها، مرات ومرات، ما دفع «المجلس الأعلى للإعلام»، إلى مخاطبة «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات»، لاتخاذ الإجراءات اللازمة لحذف هذه المقاطع المصورة من جميع المنصات.

كما حظر المجلس تداول هذه المقاطع إعلامياً، أو نشر اسم السيدة الراحلة، مراعاة للأكواد الإعلامية المنظمة لتغطية حوادث الانتحار.

وعملت الراحلة في مجال الأزياء كموديل. وأرجعت أستاذة علم الاجتماع سامية خضر، «زيادة حالات الانتحار خصوصاً عند السيدات، إلى ضغوطات الحياة على المرأة في العصر الحالي، ما بين العمل والأعمال المنزلية، مع تراجع دور الدوائر القريبة للدعم، من الأب والأم والعائلة بوجه عام، وحتى الجيران».

وأضافت: «الروابط المجتمعية لم تعد متينة مثل ذي قبل، بفعل حالات عدم الاستقرار في مكان واحد، وكثرة التنقل، ما أضعف هذه الروابط التي كانت تخلق حالة من التوازن النفسي والدعم من قبل».

وسبق انتحار سيدة الإسكندرية بأسابيع، حادثة أخرى هزت الرأي العام المصري، بعد مقتل أم وأبنائها الخمسة على يد شقيقهم في حي كرموز بالإسكندرية. حيث اعترف باتفاقه مع أمه، على إنهاء حياة الأسرة بالكامل بعد تدهور حالتهم المادية إثر طلاق الأم من الأب وإصابتها بمرض السرطان منذ 5 سنوات، وكذلك رفض الأب الإنفاق على عائلته.

وقالت سامية خضر لـ«الشرق الأوسط» إن «الأوضاع المادية عامل من عوامل الضغط التي قد تدفع للانتحار، لكنها ليست العوامل الوحيدة... كثيرون لديهم أوضاع مادية صعبة، لكن يتحلون بإرادة قوية تجعلهم يتجاوزون هذه الأوضاع، أو يواجهونها دون التفكير في الانتحار».

ولأن حالات الانتحار باتت متكررة، «في ظل تزايد الضغوط النفسية والاجتماعية»، رأت النائبة سحر البزار أن الحل يكمن في إطلاق «خط طوارئ للنجدة النفسية»، على غرار خدمات النجدة الشرطية والإسعاف والمطافئ، في مقترح قدمته إلى الحكومة.

ويقوم خط «النجدة النفسية» على مركز وطني لإدارة الأزمات، يضم أطباء نفسيين واختصاصيين اجتماعيين مدربين، ويعمل من خلال قنوات متعددة تشمل المكالمات الهاتفية والرسائل والدعم الإلكتروني، وفق معايير جودة واستجابة محددة، حسب بيان للنائبة، التي اعتبرت أن احتواء الحالات التي قد تفكر في الانتحار «أولوية وطنية عاجلة».

وكان «المجلس القومي للطفولة والأمومة» وجه بعدم تداول محتوى انتحار سيدة الإسكندرية، «لما في ذلك من آثار سلبية جسيمة على الصحة النفسية للطفلتين وأسرتهما، واحتراماً لخصوصيتهما وكرامتهما الإنسانية».

ولا يعتبر أستاذ علم النفس جمال فرويز أن حالات الانتحار في مصر تشهد زيادة كبيرة كما هو متصور، لكن الزيادة في «تعرضنا لحالات الانتحار مع انتشار النشر عنها عبر السوشيال ميديا ووسائل الإعلام»، لافتاً إلى أن بعض الدول تحظر نشر أي أخبار أو معلومات عن الانتحار سواء في وسائل الإعلام أو حتى عبر السوشيال ميديا.

وكانت مصر تعد واحدة من أقل الدول في معدلات الانتحار وفق مؤسسة الصحة العالمية، حيث يتراوح المعدل بين 3 إلى 3.4 شخص من بين كل 100 ألف شخص، حسب إحصائية عام 2019.

وأشار فرويز في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى الأثر السلبي لانتشار هذه الوقائع وتخزينها في اللاوعي لدى المتلقي، وتكوين صور ذهنية عنها، ما تجعله عرضة لتكرارها عند المرور بأزمة ما، مستدلاً على ذلك، بانتشار حالات الانتحار تحت عجلات مترو الأنفاق.

ولا يعني ذلك التقليل من خطورة أمراض نفسية وأزمات شديدة يمر بها الفرد وتدفعه للانتحار حسب فرويز، مثل «حالات الاكتئاب الشديدة، واضطراب الشخصية الحدية خصوصاً لدى المراهقين والشباب، والفصام»، وكذلك الدخول في حالات مرضية نفسية نتيجة أزمات مادية أو صحية.

وكان فريق من المتفاعلين مع حادثة سيدة الإسكندرية حذروا من الخلط بين البحث عن الدوافع وتحليلها وتفاديها، والدخول في عملية تبرير للانتحار، لما في ذلك من مخاطر قد تدفع آخرين للقيام به.