تونس تعلن الحداد... ورئيس البرلمان يتولى الرئاسة مؤقتاً

تقديم موعد الانتخابات الرئاسية... ودعوات للتهدئة والالتفاف حول المؤسسات الدستورية بعد وفاة السبسي

محمد الناصر (يمين) أمام مبنى البرلمان قبل أداء اليمين الدستورية رئيسا مؤقتا للبلاد (أ.ف.ب)
محمد الناصر (يمين) أمام مبنى البرلمان قبل أداء اليمين الدستورية رئيسا مؤقتا للبلاد (أ.ف.ب)
TT

تونس تعلن الحداد... ورئيس البرلمان يتولى الرئاسة مؤقتاً

محمد الناصر (يمين) أمام مبنى البرلمان قبل أداء اليمين الدستورية رئيسا مؤقتا للبلاد (أ.ف.ب)
محمد الناصر (يمين) أمام مبنى البرلمان قبل أداء اليمين الدستورية رئيسا مؤقتا للبلاد (أ.ف.ب)

دخلت تونس حدادا رسميا لمدة 7 أيام، تنفيذا لقرار أصدره رئيس الحكومة يوسف الشاهد بعد وفاة الرئيس محمد الباجي قايد السبسي صباح أمس في المستشفى العسكري، الذي نقل إليه بصفة استعجالية مساء أول من أمس، وذلك للمرة الثالثة في ظرف شهرين بعد تدهور حالته الصحية. ومن المقرر أن تنظم جنازة وطنية لقايد السبسي غدا السبت.
وكشف الحبيب خضر، المقرر العام للدستور التونسي وعضو البرلمان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مواعيد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة لشهري أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) المقبلين سوف تتغير بعد وفاة الرئيس، لأن الدستور ينص على استكمال كل إجراءات انتخاب الرئيس الجديد في ظرف أدناه 45 يوما، وأقصاه 90 يوما من شغور منصب رئيس الدولة.
وقال خضر إن المقصود من استكمال كل إجراءات الانتخابات الرئاسية إنهاء عميلة الانتخاب على دورتين، والطعونات والبت فيها، وتنصيب الرئيس الجديد، وهو ما يعني أن الانتخابات الرئاسية قد تنظم خلال شهر سبتمبر (أيلول) أو مطلع شهر أكتوبر المقبلين حتى يباشر الرئيس الجديد مهامه بعد ثلاثة أشهر بالضبط، أي يوم 25 أكتوبر المقبل.
وتماشيا مع تنصيص الدستور التونسي على مبدأ الفصل بين موعدي الانتخابات الرئاسية والبرلمانية فقد تضطر الهيئة العليا المستقلة للانتخابات إلى تغيير موعد الانتخابات البرلمانية أيضا، ليصبح بعد انتخاب الرئيس الجديد وتنصيبه. علما بأن القانون الانتخابي يسمح بتنظيم الانتخابات البرلمانية، وإعلان نتائجها بعد أسابيع من موعدها الأول والمحدد في السادس من أكتوبر المقبل.
وكشف نبيل بافون، رئيس الهيئة العليا للانتخابات، أن مجلس الهيئة سوف يعقد اجتماعات طارئة يبحث فيها سيناريوهات تغيير روزنامة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، بالتشاور مع الرئيس المؤقت محمد الناصر والحكومة، والأطراف السياسية والبرلمانية. لكن يرجح أن يؤجل الإعلان عن مواعيد الانتخابات بعد غد الأحد، أي إلى ما بعد الانتهاء من تنظيم موكب التعازي والجنازة الوطنية للرئيس السبسي.
ومباشرة بعد تأكيد رئاسة الجمهورية خبر وفاة الرئيس قايد السبسي، خاطب رئيس البرلمان محمد الناصر الشعب من مكتبه، بعد أن عقد اجتماعا تشاوريا مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد، أكد فيه أن مؤسسات الدولة «سوف تتابع عملها في ظروف عادية»، موضحا أنه سوف يتولى مؤقتا مهام رئاسة الدولة، مثلما ينص على ذلك الفصل 84 من الدستور.
وأدى رئيس البرلمان أمس اليمين الدستورية لتولي منصب الرئاسة بصفة مؤقتة، وقال موجها كلمته لنواب البرلمان : «أريد أن أثمن ما قام به الرئيس في بناء دولة الاستقلال وفي رئاسة الجمهورية في السنوات الخمس الماضية».
وقد تقرر أن يؤدي محمد الناصر اليمين الدستورية أمام البرلمان لأن الظرف الطارئ لا يسمح بانتظار حضور كل النواب من مختلف المحافظات والمدن البعيدة لعقد جلسة عامة.
وقال صادق بلعيد، عميد كلية الحقوق السابق والخبير الدولي في القانون، إن «انتقال السلطة في تونس سلمي ويجري فور إعلان الشغور»، أي أنه لا يؤجل لبضعة أيام، وهو ما يضمن استمرارية مؤسسات الدولة. مؤكدا أن انتخاب الرئيس الجديد «ينبغي أن يتم في أجل أدناه 45 يوما وأقصاه 90 يوما».
ومنذ صباح أمس انطلقت في قصر الرئاسة بقرطاج مراسم تقبل التعازي، وتلاوة القرآن الكريم على الرئيس السبسي، حيث توافد على القصر عدد كبير من الشخصيات الوطنية البارزة.
كما صدرت تعزيات في فقدانه من طرف زعماء ورؤساء دول عربية وأجنبية، ودعوات إلى التهدئة والتحلي بالروح الوطنية من ممثلي كل التيارات ومن الرئيسين السابقين فؤاد المبزع، والمنصف المرزوقي. كما نشرت وسائل الإعلام المحلية تعزية بعث بها الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، نوه فيها بخصال قايد السبسي ودعا فيها الشعب إلى الوحدة الوطنية والتكاتف.
ومنذ الصباح الباكر تجمع عدد كبير من المواطنين والسياسيين أمام قصر قرطاج والبرلمان، تعبيرا عن حزنهم لوفاة «أبو تونس» في الـ92 من عمره. وقطعت أغلب وسائل الإعلام العمومية والخاصة برامجها لتقدم برامج دينية وإخبارية، وومضات تدعو إلى الوحدة الوطنية، واستئناف المسار السياسي والديمقراطي في ظروف عادية.
ومن المقرر أن تنظم جنازة وطنية للرئيس السبسي غدا السبت، ولهذا السبب ألغيت في كل المدن التونسية الاحتفالات التي كانت مقررة أمس بمناسبة الذكرى الـ62 لإعلان النظام الجمهوري في البلاد.
في المقابل، أكدت الهيئة العليا للانتخابات أن وفاة الرئيس «لن تؤدي إلى المساس بالمسار السياسي والانتخابي التعددي، على أن يعاد النظر في الروزنامة عند الاقتضاء».
وكان السبسي قد وقع مطلع الشهر الحالي الأمر الرئاسي الذي يدعو الناخبين إلى الانتخابات البرلمانية في أكتوبر المقبل والرئاسية مطلع شهر نوفمبر المقبل. لكن وفاته ستغير لا محالة في هذه التواريخ.
ونعى رئيس الحكومة يوسف الشاهد وباقي الأحزاب التونسية الرئيس الراحل، علما بأن الشاهد أحد القياديين السابقين في حركة نداء تونس، التي أسسها الرئيس الراحل عام 2012. وكان مرشحه لمنصب رئيس الحكومة الذي تولاه في 2016، لكن العلاقة بين الرجلين اتسمت بالفتور منذ 2018، وكانت آخر النقاط الخلافية بين الرجلين عندما رفض السبسي التوقيع على تعديلات لقانون الانتخابات، التي صادق عليها البرلمان في يونيو (حزيران) الماضي، بدعوى أنه قد يفضي إلى إقصاء أطراف سياسية.
وكتب رئيس الحكومة على صفحته الرسمية عبر موقع «فيسبوك»: «برحيله (السبسي) تفقد تونس مناضلا وطنيا صادقا، ورجل دولة وهب نفسه وحياته للعمل الوطني. وكان له دور أساسي ومحوري في إنجاح الانتقال الديمقراطي في بلادنا... وقد خبرت عن قرب غيرته على تونس وحرصه على تغليب مصلحتها».
بدوره، قال حزب حركة النهضة، حليف الشاهد في الحكم، في بيان حمل توقيع رئيسها راشد الغنوشي «الرئيس الباجي قايد السبسي، هو أول رئيس تونسي منتخب مباشرة وبصورة ديمقراطية، ودوره كان محوريا في استمرار التجربة الديمقراطية التونسية، وحماية سلامة بلادنا وقيادة توافق وطني تاريخي».
وجاء في بيان حركة نداء تونس «بهذا الحدث الجلل تفقد تونس أحد زعمائها الكبار، ممن ساهموا في جميع معاركها الكبرى في التاريخ المعاصر، المعركة من أجل تحرير البلاد من ربقة المستعمر، والمعركة من أجل بناء الدولة الوطنية المستقلة، والمعركة من أجل إرساء النظام الديمقراطي وتحقيق المصالحة الوطنية، وإنجاز أهداف الثورة».
كما نعت باقي الأحزاب التونسية الرئيس الراحل، ومن بينها حركة مشروع تونس، والجبهة الشعبية، وحركة الشعب. وطالب رئيس حزب البديل ورئيس الحكومة السابق المهدي جمعة، الدولة بتنظيم جنازة وطنية كبيرة تليق بمقام الباجي قايد السبسي وما قدمه للدولة التونسية على امتداد أكثر من 50 سنة، وخاصة ما قدمه بعد الثورة في سبيل إنجاح المسار الانتقالي، والحفاظ على وحدة الدولة والشعب.
بدوره، نعى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ببالغ الحزن رئيس الجمهورية التونسية الباجي قايد السبسي. ووفق المتحدث الرسمي للرئاسة المصرية بسام راضي، على صفحته الرسمية بموقع «فيسبوك»، فقد تقدم الرئيس المصري بخالص التعازي والمواساة لأسرة الرئيس الباجي قايد السبسي وللشعب التونسي الشقيق.
كما قدم الدكتور مشعل بن فهم السلمي، رئيس البرلمان العربي التعزية للشعب التونسي والأمة العربية في وفاة الرئيس التونسي. مؤكدا تضامن ووقوف البرلمان العربي مع الجمهورية التونسية في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها.



لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
TT

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.

نفت مصادر تحدَّثت مع «الشرق الأوسط» صحة وقوع محاولة إنزال لطائرة في جزيرة ميون، بعدما تضاربت أقوال المصادر اليمنية العسكرية في تسريب النبأ ونفيه، مما جعل مسألة الطائرة وتحليقها لغزاً يمنياً.

بدأت القصة عندما تحدَّث أكثر من مصدر مع «الشرق الأوسط»، يوم الأربعاء، عن محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة بشكل مفاجئ في مدرج الجزيرة، غير أنَّ القوات الحكومية تصدَّت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب وفقاً لتلك المصادر.

جاء النفي اليمني الأول عن طريق مدير عام خفر السواحل بقطاع البحر الأحمر، العميد عبد الجبار الزحزوح، الذي قال وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ): «لم يتم رصد أي نشاط جوي غير اعتيادي، كما لم تُسجَّل أي محاولات إنزال من أي نوع».

النفي الثاني جاء على لسان مدير المركز الإعلامي لـ«ألوية العمالقة» الجنوبية، أصيل السقلدي، الذي قال في منشور على منصة «إكس» إن الطائرة التي حلقت في سماء باب المندب وجزيرة ميون وتعاملت معها القوات هي «طائرة مسيّرة معادية».

أهمية حديث السقلدي تتمثَّل في وجود قوات تتبع «ألوية العمالقة» في الجزيرة، وهو ما فتح باب السؤال: هل كانت هناك طائرة أو مسيّرة مثلما يقول السقلدي، أم أنَّه بالفعل لم يتم تسجيل أي نشاط جوي غير اعتيادي مثلما قال الزحزوح؟.

النفي الثالث جاء ليكون وسطاً، وعلى لسان اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية الذي نفى وجود محاولة إنزال عسكري في الجزيرة، لكنه حلَّ لغز الطائرة بالقول إن ما حدث خلال اليومين الماضيين هو «مجرد تحليق لطائرة عسكرية تابعة لدولة صديقة في أجواء البحر الأحمر، وهو إجراء روتيني في ظلِّ الأوضاع الحالية».


بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
TT

بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)

أظهرت بيانات حكومية يمنية حديثة أن ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد الوطني خسائر فادحة، لا سيما مع استمرار منع تصدير النفط الخام وتهديد موانئه وناقلاته، الأمر الذي حرم الحكومة من أحد أهم مواردها المالية، وأدى إلى تفاقم العجز المالي وارتفاع مستويات الدين الداخلي، في وقت تحاول فيه السلطات تعزيز مسار التعافي الاقتصادي والانتقال نحو مشاريع تنموية أكثر استدامة.

وبحسب تقرير التطورات النقدية الصادر عن البنك المركزي اليمني، فإن التنفيذ الفعلي للموازنة العامة حتى نهاية عام 2025، سجل عجزاً نقدياً تجاوز 48 في المائة من إجمالي الإنفاق العام، وهو مستوى يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة في ظل تراجع الإيرادات السيادية.

ووفق البيانات، بلغت الإيرادات العامة نحو 1,435.2 مليار ريال يمني (نحو 870 مليون دولار)، مقابل نفقات وصلت إلى 2,773.5 مليار ريال (نحو 1.68 مليار دولار)، ما أدى إلى تسجيل عجز بقيمة 1,338.2 مليار ريال (نحو 811 مليون دولار).

ويرتبط هذا التدهور بشكل مباشر بتوقف صادرات النفط، التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الموازنة، قبل أن تتعرض موانئ التصدير في حضرموت وشبوة لهجمات عطّلت عمليات الشحن، وأثارت مخاوف الشركات والملاحة البحرية.

ارتفاع ميزانية البنوك اليمنية يعكس استمرار النشاط المصرفي رغم التحديات (إعلام حكومي)

وفي موازاة ذلك، أظهرت البيانات ارتفاع الدين العام الداخلي بنسبة 8.8 في المائة، ليصل إلى 8,596.7 مليار ريال يمني (نحو 5.21 مليار دولار)، مقارنة بـ7,901.2 مليار ريال في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته.

ويشير التقرير إلى أن الاقتراض المباشر من البنك المركزي شكّل المصدر الأساسي لتمويل هذا الدين، بحصة بلغت 90.8 في المائة، وهو ما يعكس اعتماد الحكومة على التمويل النقدي لتغطية فجوة العجز، في ظل محدودية البدائل التمويلية الأخرى.

في المقابل، أسهمت أدوات الدين التقليدية، مثل أذون الخزانة والسندات والصكوك الإسلامية، بنسبة 9.2 في المائة فقط من إجمالي الدين، ما يبرز ضعف سوق الدين المحلية وتحديات تنشيطها في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

مؤشرات نقدية

على صعيد المؤشرات النقدية، أظهرت بيانات البنك المركزي اليمني ارتفاع الأصول الخارجية إلى 1,933.3 مليار ريال (نحو 1.17 مليار دولار) بنهاية ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالشهر السابق، في مؤشر محدود على تحسن الاحتياطيات.

كما ارتفع رصيد العملة المصدرة إلى 3,641.1 مليار ريال يمني، بزيادة طفيفة، في حين سجلت القاعدة النقدية نمواً بنحو 122 مليار ريال لتصل إلى 4,444.4 مليار ريال، وهو ما يعكس توسعاً نقدياً قد يفرض ضغوطاً تضخمية في حال عدم ضبطه. (الدولار الواحد نحو 1600 ريال يمني).

الحكومة اليمنية حرمت من أهم مواردها المالية جراء توقف تصدير النفط (إعلام حكومي)

وبالمثل، ارتفع العرض النقدي الواسع إلى 11,429.3 مليار ريال يمني، وسط مساعٍ للحفاظ على استقرار السوق النقدية، في بيئة تتسم بتحديات مركبة تشمل تراجع الإيرادات، وانقسام المؤسسات المالية، وتقلبات سعر الصرف.

في سياق متصل، ارتفعت الميزانية الموحدة للبنوك التجارية والإسلامية إلى 12,341.8 مليار ريال (نحو 7.48 مليار دولار)، ما يشير إلى استمرار نشاط القطاع المصرفي رغم التحديات، وإن كان ذلك ضمن بيئة عالية المخاطر.

توجه حكومي

في موازاة هذه التحديات، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي، لدعم مسار التعافي الاقتصادي وتوسيع البرامج التنموية.

وخلال لقاء في عدن، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات المرحلة المقبلة.

وتناول اللقاء استعراض المشاريع الممولة في مجالات الخدمات الأساسية والبنية التحتية، إلى جانب الإصلاحات المؤسسية وبناء القدرات، مع التركيز على تحسين كفاءة التنفيذ وضمان تحقيق أثر مباشر على حياة المواطنين.

اللقاءات اليمنية مع البنك الدولي تركز على دعم التعافي والاستدامة (إعلام حكومي)

وأكدت الحكومة اليمنية أهمية توافق برامج البنك الدولي مع أولوياتها الوطنية، لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والمياه، إلى جانب دعم خلق فرص العمل وتمكين النساء اقتصادياً.

كما شددت على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية الطارئة إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع تعزيز دور المؤسسات الوطنية وتمكينها من إدارة البرامج بكفاءة واستقلالية.

من جانبه، أكد البنك الدولي أهمية تنسيق الجهود بين الحكومة وشركاء التنمية، والعمل على تحسين كفاءة استخدام الموارد، ودعم القطاعات الحيوية، خصوصاً الطاقة والبنية التحتية والتعليم، بما يسهم في تحقيق استقرار اقتصادي تدريجي.

ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الاعتماد على المساعدات الطارئة لم يعد كافياً، وأن المرحلة تتطلب بناء أسس تنموية قادرة على الصمود، وتوفير فرص اقتصادية مستدامة، رغم التحديات التي تفرضها الأوضاع الأمنية والسياسية.


الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

هددت الجماعة الحوثية بما وصفته بـ«التصعيد التدريجي»، وذلك بعد تبنّيها رابع هجماتها ضد إسرائيل، وبعد نحو أسبوع من انخراطها في الحرب إلى جانب إيران في سياق الاصطفاف مع ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بقيادة طهران.

وفي ظلّ تصاعد خطاب القوى اليمنية الشرعية، التي تؤكد اقتراب معركة الحسم واستعادة الدولة من قبضة الجماعة، أعلنت إسرائيل أنها تتشاور مع واشنطن بشأن الرد على الهجمات الحوثية، رغم محدودية تأثيرها مقارنة بالكثافة النارية التي تواجهها من إيران و«حزب الله».

وفي بيان متلفز، أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، مساء الخميس، أن قوات جماعته نفذت «عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية استهدفت أهدافاً حيوية للعدو الإسرائيلي في منطقة يافا المحتلة»، مدعياً أن العملية جاءت «بالاشتراك مع الإخوة المجاهدين في إيران و(حزب الله) في لبنان»، وأنها «حققت أهدافها بنجاح بفضل الله»، وفق قوله.

عناصر حوثية على متن عربة أمنية في صنعاء (أ.ف.ب)

وأضافت الجماعة في بيانها أن «تدخلها العسكري في هذه المعركة المهمة والاستثنائية هو تدخل تدريجي»، مشيرة إلى أنها «لن تتوقف عند هذا الحد من التدخل، وستتعامل مع التطورات المقبلة وفق ما يحدده العدو من تصعيد أو تهدئة».

الهجوم الأخير يُعد الرابع منذ إعلان الحوثيين انخراطهم المباشر في المواجهة الإقليمية، في تطور يعكس تصاعد التنسيق بين أطراف المحور المدعوم من طهران، والذي يضم إلى جانب الحوثيين كلاً من «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية مسلحة.

مشاغلة للدفاعات

كانت الجماعة الحوثية قد تبنّت، الأربعاء الماضي، هجوماً ثالثاً باتجاه إسرائيل، في وقت أعلن فيه الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت صاروخاً أُطلق من اليمن «دون تسجيل إصابات أو أضرار»، مؤكداً أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد.

ويرى مراقبون أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه الهجمات هو مجرد مشاغلة لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة تعدد مصادر التهديد من إيران ومن «حزب الله».

وفي أول ظهور له بعد إعلان الانخراط، قدّم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي خطبة مطولة، معلناً الانتقال من الدعم السياسي والإعلامي والدعائي لإيران إلى «الانخراط العملياتي المباشر».

زعيم الحوثيين دعا أتباعه للتعبئة والحشد بالتوازي مع الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (أ.ب)

وأكد الحوثي أن هجمات جماعته تأتي ضمن «العمليات المشتركة لمحور المقاومة»، في إشارة إلى المحور الذي تقوده إيران، زاعماً أن المواجهة الحالية «واجب يتجاوز الحدود الجغرافية»، في محاولة لإضفاء طابع عابر للحدود على الصراع.

كما دافع عن قرار المشاركة في الحرب إلى جانب إيران، معتبراً أن الحياد «ليس خياراً مطروحاً»، في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل اليمن من تداعيات هذا التصعيد على الأوضاع الاقتصادية والأمنية الهشة.

وشدد الحوثي على أتباعه من أجل الاستمرار في المظاهرات الأسبوعية المؤيدة لإيران والانخراط في الحرب إلى جانبها، كما حضّهم على تكثيف التعبئة وحشد طلبة المدارس إلى المعسكرات الصيفية؛ حيث تستغلها الجماعة بشكل سنوي لمزيد من الاستقطاب والتجنيد.

اقتراب الحسم

على الجانب الآخر، جاءت أحدث تصريحات عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، لتأكيد أن «معركة الخلاص من الانقلاب الحوثي باتت قريبة، وأن القوات الوطنية كافة ستخوضها بروح الفريق الواحد واليد الواحدة».

تصريحات صالح -نقلها الإعلام الرسمي- جاءت خلال زيارته قيادة وأفراد اللواء الثاني مغاوير، في الساحل الغربي اليمني؛ حيث أشاد بالدور البطولي للمقاتلين، مؤكداً أن هذه القوات «تُمثل صمام أمان الجمهورية اليمنية»، في رسالة تعكس ثقة متزايدة بقدرة القوات الحكومية على استعادة زمام المبادرة.

ولم يغفل صالح البُعد الإقليمي، إذ أشار إلى أن «الاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج والأردن كشفت بوضوح أن مشروع طهران ليس إلا أداة هدم تستهدف الأمة العربية»، مؤكداً أن هذا المشروع «لم يكن يوماً موجهاً نحو إسرائيل التي اتخذتها إيران ذريعة فحسب».

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح (سبأ)

وفي ردٍّ مباشر على مزاعم الحوثيين، قال صالح إن الجماعة «تزعم مواجهة إسرائيل، وتسوّق اتهامات مفضوحة ضد القوى الوطنية... لإيجاد مبرر لقتل اليمنيين»، مذكّراً بأن الحرب ضدها بدأت منذ عام 2004، «أي قبل وقت طويل من التجاذبات الإقليمية».

ووجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني تحيةً إلى مواطنيه في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أنهم «جزء أصيل لا يتجزأ من معركة الخلاص الوطني المقبلة»، في خطاب يجمع بين البُعدين العسكري والوطني، ويعكس حرصاً على توحيد الصف الداخلي.

وشدد صالح على رفع الجاهزية القتالية، وتكثيف التدريب، استعداداً «للمهام الوطنية المقبلة في سبيل استعادة الدولة والجمهورية»، في إشارة إلى مرحلة قد تكون مفصلية في مسار الصراع اليمني، خصوصاً إذا ما اختار الحوثيون العودة للحرب ورفض المسارات السلمية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.