أوروبا تتجه إلى قوة أمنية لضمان الملاحة... ولندن تحذّر طهران

هنت أكد تمسك بريطانيا بالاتفاق النووي وفتح الباب على مشاورات مع واشنطن... وإيران ترهن الإفراج عن الناقلة البريطانية بالإفراج عن ناقلتها

أوروبا تتجه إلى قوة أمنية لضمان الملاحة... ولندن تحذّر طهران
TT

أوروبا تتجه إلى قوة أمنية لضمان الملاحة... ولندن تحذّر طهران

أوروبا تتجه إلى قوة أمنية لضمان الملاحة... ولندن تحذّر طهران

دفعت بريطانيا باتجاه تشكيل قوة أمنية بحرية بقيادة أوروبية لضمان الملاحة الآمنة في مضيق هرمز، رداً على احتجاز إيران الناقلة «ستينا إمبيرو» التي كانت ترفع علم بريطانيا، فيما وصفتها لندن بأنها «قرصنة دولة». وحذر وزير الخارجية جيريمي هنت، من أن على إيران قبول أن الثمن سيكون وجوداً عسكرياً غربياً أكبر في المياه على امتداد سواحلها إذا واصلت هذا المسار الخطير، فيما رهنت طهران الإفراج عن ناقلة النفط البريطانية بالإفراج عن ناقلة «غريس 1» المحتجزة في جبل طارق للاشتباه بخرقها العقوبات الأوروبية على النظام السوري.
وقال وزير الخارجية البريطاني جيريمي هنت، للبرلمان: «بموجب القانون الدولي، لم يكن يحق لإيران تعطيل مسار السفينة، ناهيك بالصعود إلى ظهرها. ومن ثم فهذه قرصنة دولة». وأضاف: «سنسعى الآن لتشكيل قوة أمنية بحرية بقيادة أوروبية لدعم المرور الآمن للطواقم والحمولات في هذه المنطقة الحيوية»، حسب «رويترز».

وتعرضت الحكومة البريطانية لانتقادات بأنه كان ينبغي على سفن البحرية البريطانية مرافقة الناقلة، وكانت قد حضّت السفن البريطانية على تجنب المرور من مضيق هرمز.
وقال هنت إن السفينة الحربية البريطانية الأخرى «إتش إم إس دانكان» التي سيتم إرسالها إلى المنطقة، ستصل في 29 يوليو (تموز). لافتاً إلى أنه سيتم الطلب من جميع السفن التي ترفع العلم البريطاني منح السلطات البريطانية إشعاراً بموعد عبورها المخطط في مضيق هرمز «لتمكيننا من توفير أفضل حماية ممكنة». وأضاف: «بالطبع ليس من الممكن للبحرية الملكية مرافقة كل سفينة أو القضاء على جميع أخطار القرصنة».
ورغم الأزمة مع طهران أغلق هنت الباب أمام انضمام لندن إلى واشنطن في التخلي عن الاتفاق النووي، مشدداً على تسمك بريطانيا والأوروبيين بالصفقة النووية، لكنه أكد أن لندن ستناقش مقترحات الولايات المتحدة للإجراءات المستقبلية.
ولفت هنت إلى تشكيل القوة البحرية بالسرعة الممكنة... لكنه قال إنها «لن تكون جزءاً من سياسة الضغوط القصوى الأميركية على إيران». وصرح أمام أعضاء البرلمان: «عندما يتعلق الأمر بحرية الملاحة، لا يمكن تقديم تنازلات»، مضيفاً أنه رغم أن الولايات المتحدة لم تعد تدعم الاتفاق النووي الذي تسانده بريطانيا، فإن بإمكان البلدين التعاون في معظم القضايا. وأضاف: «لذا فإن الحل الذي نقترحه على مجلس (العموم) هذا المساء هو حل يشمل تحالفاً أوسع بكثير بين بلدان، بما فيها بلدان أخرى... تتبنى نهجاً مختلفاً إزاء اتفاق إيران النووي».
وحاولت سفينة حربية بريطانية في المنطقة هي «إتش إم إس مونتروز» تحذير القوات الإيرانية عن السفينة، وسارعت إلى الموقع إلا أنها وصلت متأخرة ولم تتمكن من المساعدة.
وكان هنت قد حذّر إيران من أنها ستواجه «عواقب وخيمة» إذا لم تفرج عن الناقلة التي احتجزتها في المياه العمانية. وقال إن تصرفات إيران «غير مقبولة على الإطلاق»، لكنه شدد على أن بلاده تريد حلاً دبلوماسياً للأزمة.
جاء ذلك بعدما عقدت لجنة الطوارئ في البلاد (كوبرا) برئاسة رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، لمناقشة ضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز. وحسب وسائل إعلام بريطانية فإن الاجتماع سلّط الضوء على تعذر مرافقة السفن الحربية لناقلات النفط في مضيق هرمز بسبب كثرة مرور السفن.
في وقت سابق أمس، دعا المتحدث باسم رئيسة الوزراء البريطانية، إيران إلى الإفراج فوراً عن الناقلة «ستينا إمبيرو» التي ترفع علم بريطانيا وطاقمها، ووصف احتجازها في مضيق هرمز بأنه غير قانوني. وصرح للصحافيين بأن اجتماع لجنة الطوارئ يبحث سبل تعزيز مراقبة الشحن التجاري.
كان أفراد من «الحرس الثوري» الإيراني قد نزلوا من طائرات هليكوبتر واحتجزوا الناقلة في مضيق هرمز يوم الجمعة، رداً فيما يبدو على احتجاز بريطانيا ناقلة نفط إيرانية قبل أسبوعين.
وأفادت «رويترز» نقلاً عن المتحدث باسم ماي بأن «السفينة احتُجزت تحت ذريعة زائفة وغير قانونية، ويجب على الإيرانيين الإفراج عنها وعن طاقمها فوراً»، مضيفاً: «لا نسعى لمواجهة مع إيران لكنّ احتجاز سفينة في مهمة تجارية مشروعة في ممرات الشحن المعترف بها دولياً عمل غير مقبول وينطوي على تصعيد كبير».
وتأتي هذه الأزمة في ظل ظروف سياسية شديدة الحساسية بالنسبة إلى البريطانيين، إذ تغادر تيريزا ماي التي لم تنجح في تنفيذ «بريكست»، منصبها، غداً (الأربعاء). وعقدت الزعيمة المحافظة قبل منتصف النهار اجتماع أزمة وزارياً في داونينغ ستريت، مقر الحكومة البريطانية، لمناقشة مسألة «الحفاظ على أمن الملاحة في الخليج» بشكل خاص.
تزامناً مع ذلك نشرت إيران تسجيلاً جديداً من الناقلة البريطانية أمس، وتظهر طاقم السفينة في أثناء القيام بأعماله اليومية، وهي المرة الأولى التي يظهر فيها طاقم السفينة بعدما اقتحام السفينة من قوات «الحرس الثوري». وكانت طهران قد نشرت لقطات من لحظة اقتحام السفينة من وحدة خاصة في بحرية «الحرس الثوري» تستقل مروحية عسكرية بينما تفرض قوارب سريعة حصاراً على الناقلة لإجبارها على تغيير المسار باتجاه المياه الإيرانية.
واحتجز «الحرس الثوري» الإيراني، الجمعة، ناقلة «ستينا إمبيرو» التي يملكها سويدي، بسبب أنها لم تحترم «قانون البحار الدولي»، وهي رواية يرفضها البريطانيون. وتُحتجز السفينة وأفراد طاقمها البالغ عددهم 23 شخصاً قبالة ميناء بندر عباس جنوب إيران. وجاء احتجازها بعد ساعات من إعلان محكمة في جبل طارق، وهي أراضٍ بريطانية تقع أقصى جنوب إسبانيا، تمديد احتجاز ناقلة النفط الإيرانية «غريس 1» لثلاثين يوماً. ويُشتبه بأن تلك السفينة كانت تنقل نفطاً إلى سوريا، وهو ما يعدّ خرقاً للعقوبات الأوروبية ضدها، لكن تنفي إيران ذلك. واستولت عليها القوات البريطانية في 4 يوليو.
وردّ وزير الدفاع توبياس إلوود، عبر قناة «أي تي في»، أمس، على انتقادات للجيش البريطاني للسماح بحدوث الاحتجاز، وقال إنها «ليست مشكلة بريطانية فقط»، مشيراً إلى أنه «يجب أن أشير إلى أن الولايات المتحدة الأميركية لديها خمس أو ست سفن حربية في المنطقة، من بينها حاملة طائرات، وفي منتصف يونيو (حزيران) تعرضت ناقلتان أميركيتان للهجوم، وإحداهما شبّت فيها النيران». وأضاف: «إذن هذا شيء يؤثر علينا جميعاً، ويتطلب تعاوناً دولياً».
قبل يوم قال توبياس في مقابلة مع «بي بي سي»: «إننا سندرس سلسلة خيارات»، مشيراً إلى احتمال إقرار لندن تجميداً للأصول، فيما أعلن وزير الخزانة فيليب هاموند: «نحن نفرض أصلاً نطاقاً واسعاً من العقوبات ضد إيران، خصوصاً عقوبات مالية، لذا ليس واضحاً توفر إجراءات مباشرة أخرى يمكننا اتخاذها، لكننا بالطبع ندرس كل الخيارات».
وأجرت بريطانيا مشاورات مع حلفائها الأوروبيين، أمس. إذ ناقش وزير الخارجية جيرمي هنت، آخر التطورات مع نظيريه الفرنسي والألماني، واتفقت الأطراف الثلاثة التي تريد التمسك بالاتفاق النووي مع طهران على أن «أمن مرور السفن من مضيق هرمز أولوية مطلقة للدول الأوروبية»، وفق الخارجية البريطانية.
ودعت الخارجية الفرنسية، إيران إلى الإفراج فوراً عن ناقلة النفط وعبّرت عن «تضامنها الكامل» مع بريطانيا، مضيفةً أنها «قلقة للغاية» من مصادرة الناقلة. كما أعربت ألمانيا عن قلقها واعتبرت عملية الاحتجاز «غير مبررة» وتزيد التوترات في المنطقة.
من جهته، ذكر وزير الخارجية الألماني هايكون ماس، أن هناك تنسيقاً وثيقاً بين ألمانيا وفرنسا وبريطانيا بشأن الأزمة الإيرانية. وقال في باريس، أمس: «لا ينبغي لنا قطع خطوات من شأنها أن تسهم في تصعيد».
وفي إشارة إلى أزمة ناقلة النفط بين إيران وبريطانيا، قال ماس إنه أجرى مكالمة هاتفية مع هنت ونظيره الفرنسي جان - إيف لودريان، أول من أمس، مضيفاً أن الدول الثلاث لن تنضمّ إلى استراتيجية الولايات المتحدة، وقال: «اتفقنا على التنسيق على نحو وثيق للغاية بين ألمانيا وفرنسا وبريطانيا في هذا الشأن»، وفق ما نقلت عنه وكالة الأنباء الألمانية.
وأضاف ماس: «لا نريد المزيد من التصعيد، لكن يتعين علينا أن نضع في اعتبارنا أن هناك حوادث يتعين التعامل معها»، مؤكداً أهمية استمرار الرهان على الوسائل الدبلوماسية، مشيراً إلى أنه سيتعين على دول الخليج في وقت ما التحدث عن القضايا المتعلقة بالأمن البحري.
وكان ماس يتحدث على هامش مشاركة في اجتماع غير رسمي لدول أوروبية بشأن إنقاذ المهاجرين من البحر المتوسط في العاصمة الفرنسية.
في إيران، قال المتحدث باسم الحكومة الإيرانية علي ربيعي، إن احتجاز إيران ناقلة النفط كان «إجراءً قانونياً» ضرورياً «لضمان الأمن الإقليمي». وأضاف: «نطلب من كل الدول التي تطالب إيران بالإفراج عن هذه الناقلة أن تقول الأمر نفسه لبريطانيا»، في إشارة إلى ناقلة النفط الإيرانية «غريس 1» التي تحتجزها السلطات البريطانية في جبل طارق منذ 4 يوليو. وتابع أن «المقارنة بين عمليتي الاحتجاز أمر غير عادل»، مشيراً إلى أنه لا يجب «أن يتوقع» البريطانيون أن إيران سوف تنصاع وتستسلم «عندما يحتجزون (سفينة إيرانية) ويُظهرون عدائية» تجاه إيران.
وكان رئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني، قد اعتبر احتجاز الناقلة البريطانية، أول من أمس، يأتي رداً على احتجاز بريطانيا الناقلة «غريس 1» في جبل طارق. وقال في جلسة البرلمان إن «البريطانيين قاموا بسرقة، و(الحرس) رد عليهم».
وقال المرشد الإيراني علي خامنئي، وكذلك الرئيس حسن روحاني، قبل أيام من احتجاز الناقلة البريطانية، إن احتجاز الناقلة الإيرانية «لن يبقى من دون رد».
كان المتحدث باسم لجنة صيانة الدستور عباس كدخدايي، قد كتب في «تويتر» أول من أمس، إن إيران «عملت وفق قاعدة المقابلة بالمثل المعترَف بها في القوانين الدولية». وأضاف أنه «لمواجهة الحرب الاقتصادية واحتجاز ناقلات النفط تنطبق عليها هذه القاعدة الدولية».
بدوره، رهن رئيس اللجنة الاستراتيجية للعلاقات الخارجية كمال خزازي، إطلاق الناقلة الإيرانية المحتجزة في جبل طارق، بإطلاق مسار قانوني في إيران يؤدي إلى إطلاق ناقلة النفط البريطانية، منتقداً الحكومة البريطانية بشدة.
إلى ذلك، تفقد أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني علي شمخاني، أمس، غرفة عمليات القوات المسلحة المعروفة بـ«خاتم الأنبياء» على «خلفية التطورات الأمنية الأخيرة في المنطقة»، وفقاً لوكالات أنباء «الحرس الثوري».
وأجرى شمخاني مشاورات مع قائد غرفة العمليات الإيرانية والقيادي في «الحرس» الإيراني غلام علي رشيد، لـ«الوقوف على جاهزية القوات المسلحة الإيرانية والمخاطر المحتملة وآخر تطورات المنطقة».



القيادة العسكرية الإيرانية تندّد بـ«ألفاظ وقحة» لترمب

ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)
TT

القيادة العسكرية الإيرانية تندّد بـ«ألفاظ وقحة» لترمب

ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)

رأت القيادة العسكرية المركزية الإيرانية، الثلاثاء، أن «الألفاظ الوقحة» التي يطلقها دونالد ترمب بشأن الحرب في الشرق الأوسط «لن يكون لها أي تأثير» على الجنود الإيرانيين، وذلك بعد تلويح الرئيس الأميركي بنسف البنى التحتية لإيران.

الدخان يتصاعد عقب انفجار في طهران (رويترز)

ونقل التلفزيون الرسمي عن إبراهيم ذو الفقاري، المتحدث باسم «مقر خاتم الأنبياء»، وهو غرفة العمليات المركزية للقوات المسلّحة الإيرانية، قوله إن «الألفاظ الوقحة» و«التهديدات الواهية» التي يطلقها «الرئيس الأميركي الواهم (...) لن يكون لها أي تأثير على استمرار العمليات الهجومية الساحقة» التي تشنّها القوات الإيرانية «ضد الأعداء الأميركيين والصهاينة».


حراك إقليمي لـ«اتفاق جزئي» قُبيل ساعات حاسمة في حرب إيران

اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)
اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)
TT

حراك إقليمي لـ«اتفاق جزئي» قُبيل ساعات حاسمة في حرب إيران

اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)
اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)

تشهد منطقة الشرق الأوسط تحركات إقليمية مكثفة للتهدئة، وسط تهديدات أميركية وإيرانية متبادلة، مع اقتراب انتهاء مهلة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساء الثلاثاء، وما تحمله من مسار تصعيد غير مسبوق.

تلك الجهود التي تسعى لاتفاق جزئي لوقف إطلاق النار في إيران لمدة 45 يوماً، حسب تسريبات أميركية، يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنها تأتي في إطار «دبلوماسية الضغط التي تُمارَس تحت سقف تهديدات غير مسبوقة، على أمل أن تحرز تقدماً بتمديد مهلة ترمب أو وقف مؤقت، في ظل ما تتمتع به الوساطة الثلاثية من ثقل إقليمي ورغبة دولية لوقف هذه الحرب المستعرة منذ 28 فبراير (شباط) الماضي».

الدخان يتصاعد عقب انفجار في طهران (رويترز)

وتُجري الولايات المتحدة وإيران عبر الوسطاء، مصر وتركيا وباكستان، مناقشات حول بنود وقف إطلاق نار محتمل لمدة 45 يوماً، قد يفضي إلى إنهاء الحرب بشكل دائم، وفقاً لأربعة مصادر أميركية وإسرائيلية وإقليمية مطلعة على المحادثات تحدثت لموقع «أكسيوس» الأميركي، الاثنين، واصفة المشاورات بأنها «فرصة أخيرة».

وأكدت «رويترز»، الاثنين، أن إيران والولايات المتحدة تلقتا مقترحاً لإنهاء الأعمال العدائية.

وفي تقدير مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير محمد حجازي، فإن الوساطة التي تقودها مصر وتركيا وباكستان «تكشف ملامح لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها حسابات الردع مع ضغوط التهدئة، في محاولة لخلق مساحة زمنية لإعادة ترتيب موازين التفاوض، ومنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع قد تتجاوز الإطار الإقليمي».

وهو يرى أن الوساطة الثلاثية لها أهمية خاصة نظراً لطبيعة الأطراف المنخرطة فيها؛ فـ«مصر تمثل ثقلاً تقليدياً في إدارة الأزمات الإقليمية، وتركيا تمتلك قنوات اتصال مركبة مع مختلف الفاعلين، في حين تضطلع باكستان بدور بالغ الحساسية في التواصل مع طهران، بما يعكس هندسة دبلوماسية متعددة المسارات... لكن عدم وجود الحد الأدنى من التوافق الاستراتيجي بين أطراف الصراع، يجعلها أقرب إلى إدارة أزمة منها إلى تسويتها».

ويرى رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية والخبير بالشأن الإيراني، محمد محسن أبو النور، أن المبادرة تعكس تحوّلاً مهماً في نمط إدارة الأزمة؛ إذ تسعى قوى دولية وإقليمية إلى احتواء التصعيد عبر صيغة متعددة الأطراف وليس من خلال قنوات ثنائية تقليدية، لافتاً إلى أن المبادرة لا تستهدف فقط وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار، بل تسعى إلى تأسيس ترتيبات أوسع لضبط التوتر في واحد من أهم شرايين الطاقة العالمية.

ووسط ترقب نتائج المسار التفاوضي، استعرض الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اتصال هاتفي تلقاه يوم الاثنين من رئيس وزراء إسبانيا، بيدرو سانشيز، جهود مصر الرامية لوقف الحرب، مشدداً على ضرورة تضافر الجهود الدولية والإقليمية تحقيقاً لهذا الهدف، وفق بيان للرئاسة المصرية.

وشدد السيسي على «إدانة مصر القاطعة للاعتداءات على الدول العربية الشقيقة، ورفض أي مساس بسيادتها واستقرارها ومقدرات شعوبها»، مجدداً تأكيد «موقف مصر الثابت في دعم تلك الدول العربية الشقيقة».

واعتبر عضو مجلس النواب المصري، مصطفى بكري، في منشور عبر منصة «إكس»، الاثنين، الجهود المصرية مع تركيا وباكستان «محاولات اللحظة الأخيرة لإنقاذ المنطقة من طوفان الحرب المدمرة»، لافتاً إلى أن «الساعات المقبلة حاسمة».

ويرى أبو النور أن دور مصر في مثل هذه المبادرات «يظل مرشحاً لأن يكون دوراً حاسماً، وخاصة أنها تمتلك خبرة تراكمية طويلة في إدارة قنوات الاتصال بين أطراف متنازعة، إلى جانب شبكة علاقات متوازنة مع كل من الولايات المتحدة ودول الخليج، مع احتفاظها بقنوات تواصل مباشرة مع إيران».

الدخان يتصاعد بعد هجمات استهدفت منطقة معشور للبتروكيماويات في محافظة الأهواز (رويترز)

ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا)، الاثنين، عن المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي قوله: «ندعو إلى إنهاء الحرب ومنع تكرارها»، رافضاً وقف إطلاق النار المؤقت.

وأضاف أن أي محادثات دبلوماسية «تتعارض تماماً مع الإنذارات والتهديدات بارتكاب جرائم حرب»، في إشارة إلى تهديد ترمب بقصف البنية التحتية الإيرانية الرئيسية مساء الثلاثاء إذا لم تفتح طهران مضيق هرمز.

وقال ترمب في منشور على منصة «تروث سوشيال» إن الثلاثاء سيكون «يوم محطات الطاقة ويوم الجسور»، مضيفاً أنه «لن يكون هناك ما يشبهه»، في إشارة إلى ضربات واسعة محتملة تستهدف البنية التحتية الإيرانية.

كما تحدث ترمب عن وجود مسار تفاوضي مفتوح، قائلاً في مقابلة مع «فوكس نيوز» إن هناك «فرصة جيدة» للتوصل إلى اتفاق، مع استمرار الاتصالات غير المباشرة.

ووسط تلك الاختلافات، يرى السفير حجازي أن الحديث عن إمكانية التوصل إلى اتفاق جزئي مسألة مرتبطة ليس فقط بالإرادة السياسية، وإنما تدفع نحو منح الدبلوماسية فرصة أخيرة، وخاصة أنه لا يمكن قراءة الوساطة الثلاثية إلا في إطار «دبلوماسية الضغط القسري»؛ إذ تُستخدم التهديدات العسكرية لدفع الأطراف نحو التفاوض، دون أن يعني ذلك بالضرورة توافر شروط التسوية.

وتشير المعطيات حتى الآن، حسب حجازي، إلى أن المنطقة لا تزال أقرب إلى إدارة تصعيد مضبوط منها إلى الدخول في مسار تهدئة مستدامة، ما لم يحدث تحول نوعي في مواقف الأطراف خلال الساعات القليلة المقبلة.

ويرى أبو النور أن هناك «تردداً إيرانياً محسوباً»، ربما بهدف اختبار جدية الضمانات المقدمة، أو تحسين شروط التفاوض، مقابل حذر تكتيكي أميركي، خصوصاً في ظل عدم وضوح ما إذا كانت المبادرة ستُترجم إلى مكاسب استراتيجية، أم أنها مجرد هدنة مؤقتة تمنح إيران مساحة لإعادة ترتيب أوراقها.

ويمكن القول، بحسب أبو النور، إن نجاح المبادرة مرهون بقدرة الوسطاء على تقديم ضمانات أمنية وسياسية مقنعة للطرفين، «وإلا فسيظل الطرفان مستمرين في إدارة الصراع ضمن حدود التصعيد الحالية، بدلاً من الانتقال إلى مسار تسوية حقيقية في هذه المرحلة».


نتنياهو يريد استمرار الحرب... ولن يعارض إذا أوقفها ترمب

ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

نتنياهو يريد استمرار الحرب... ولن يعارض إذا أوقفها ترمب

ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

على الرغم من أن القيادة الإسرائيلية تأخذ بجدية احتمال وقف الحرب، وتؤكد أنها ستلتزم بذلك، بل بدأت تستعد لإعادة الحياة الطبيعية، وتنوي إعادة فتح المدارس يوم الأحد المقبل، وإعادة مباريات كرة القدم السبت، فإنها ما زالت تعتقد أن إيران لا تنوي في هذه المرحلة وقف الحرب. لذلك فإنها تستعد لتصعيد كبير، مع انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لطهران. وتتحسب من تصعيد إيراني كبير في يوم الأربعين لاغتيال المرشد علي خامنئي.

لكنّ الإسرائيليين لا يستبعدون أن يتخذ ترمب اتجاهاً معاكساً أيضاً ويوقف الحرب، باتفاق أو بلا اتفاق. وفي هذه الحالة سيطلبون «تعويضاً» لموافقتهم على إنهاء الحرب، وذلك بالاستمرار في الحرب بلبنان، و«تحسين الاتفاق حول قطاع غزة»، والموافقة أيضاً على مشاريع استيطانية في الضفة الغربية باتجاه الضم؛ أي أنه يريد يطلب استبعاد لبنان وغزة والضفة من أي اتفاق محتمل مع إيران.

عدم الاستسلام لتهديد ترمب

قالت هيئة البثّ الإسرائيلية العامّة (كان 11)، عن دبلوماسي أجنبي تتمتع بلاده بعلاقات وثيقة مع إيران، إن «الإيرانيين لن يستسلموا لإنذار ترمب المهين». وانضمت صحيفتا «هآرتس» و«يديعوت أحرونوت» إلى هذا التقدير، وتقولان إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يستعد للحصول على ضوء أخضر من الرئيس الأميركي، لشن هجمات على أهداف الطاقة والبنية التحتية المدنية في إيران، في حال فشل المفاوضات.

ويشدد الإسرائيليون على أن المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة ستفشل حتماً، وذلك لأن الطرفين يتعنتان، وأن الحد الأقصى الذي تبدي طهران الاستعداد لقبوله من خطة الـ15 نقطة، لا يبلغ الحد الأدنى الذي تضعه واشنطن. وعليه، فإن إسرائيل تستعد للتدهور المقبل الذي ستكون فيه تل أبيب مطالبةً بتنفيذ «العمليات القذرة».

وسبق للمستشار الألماني فريدريش ميرتس، أن تفوه بنفس هذا التعبير خلال حرب يونيو (حزيران) 2025، وتقبلته إسرائيل بوصفه إطراءً. لذلك، فإن استخدامه اليوم لا يلقى اعتراضاً؛ بل بالعكس، فإسرائيل هي التي نفذت الاغتيالات لكبار قادة النظام في طهران، لأن الولايات المتحدة ليست معنية بعمليات كهذه، بسبب الجدل الذي يدور حولها في المجتمع الدولي، وكذلك ليست معنية بتدمير بنى تحتية تُسبب العناء للشعب الإيراني، وتترك لإسرائيل القيام بها.

«ملازمة غزة»

أطفال يبحثون عن مواد قابلة للتدوير في ساحة نفايات بمخيم البريج للاجئين الفلسطينيين بغزة (أ.ف.ب)

وما تخططه إسرائيل لإيران في هذا المجال هو «ملازمة غزة»، أو ما كان يُعرف قبل هذه الحرب بـ«ملازمة الضاحية»؛ أي التدمير الشامل لدرجة السحق، مثلما حصل في العمليات السابقة بالضاحية الجنوبية لبيروت.

وبحسب رون بن يشاي، محرر الشؤون الاستراتيجية في «واي نت»، فإن الجيش الإسرائيلي والقيادة المركزية الأميركية قد اتفقا على أن تقوم إسرائيل بغارات تستهدف إلحاق ضرر تدريجي بالبنية التحتية الوطنية الإيرانية. هذا الضرر، الذي سيزداد حدةً وعمقاً، سيؤدي بالنظام إلى حالةٍ لا يستطيع فيها توفير الاحتياجات الأساسية لمواطنيه؛ كالكهرباء والنقل والتجارة، مما يُهدد بقاءه بشكلٍ كبير.

ويقول بن يشاي إن المشكلة التي تكمن في هذا المسار أنه يستغرق وقتاً، وأنه «يُتيح لهذا النظام والمواطنين الإيرانيين التأقلم معه وإيجاد حلولٍ ارتجالية، بينما يستمر في الوقت نفسه في تفاقم أزمة النفط والغاز وتعطيل الحياة في إسرائيل واستنزاف القوات الأميركية»، لذا، يضيف بن يشاي أن هناك حاجة إلى مسار عمل آخر يُفترض أن يُؤتي ثماره في وقت قصير.

«مبدأ الضاحية»

تصاعُد الدخان من موقع يُزعم أنه تابع لـ«حزب الله» في الضاحية الجنوبية لبيروت (د.ب.أ)

ويتمثل أحد مسارات العمل التي يُمكن أن تُنهي القتال بسرعة أكبر وبشروط مقبولة لدى واشنطن وتل أبيب، في تطبيق ما يُعرف في إسرائيل بـ«مبدأ الضاحية». ويتضمن هذا المبدأ الإجلاء الضخم لمئات الآلاف من السكان المدنيين - ويفضل أن يكونوا موالين للنظام - من أحياء ومناطق العاصمة المعادية عبر إنذارات مُسبقة تُبث عبر جميع وسائل الإعلام.

وبعد إجلاء المدنيين، يُدمر الحي أو المنطقة تدميراً كاملاً بالقصف الجوي. وقد نجح هذا المبدأ في ضاحية بيروت خلال حرب لبنان الثانية، ما دفع «حزب الله» إلى الموافقة على وقف إطلاق النار، ونجح مرة أخرى بنسخة مُحسّنة في ضاحية بيروت عام 2024 خلال عملية «سهام الشمال».

هذا على الأقل ما يقدره من يعتمدون على تقييمات استخباراتية مهنية دقيقة. ويقول الخبراء الذين أعتمد عليهم، ومعظمهم من العسكريين، إنه طالما لم يتضح بعد ما إذا كان النظام الحالي سيستمر، وإلى متى، وطالما لم تُعرف شروط التسوية التي ستُحدد في نهاية الحرب، فسيكون من المستحيل تقدير عدد الأشهر أو السنوات التي ستُفقد فيها إيران قدرتها على تشكيل تهديد وجودي لمحيطها.