هل هناك مؤامرة ضد الشعر؟

شعراء ونقاد مصريون: نفتقد الناشر المثقف صاحب الدور الثقافي

أمجد ريان  -  محمد أبو زيد  -  عبير عبد العزيز  -  نجاة علي
أمجد ريان - محمد أبو زيد - عبير عبد العزيز - نجاة علي
TT

هل هناك مؤامرة ضد الشعر؟

أمجد ريان  -  محمد أبو زيد  -  عبير عبد العزيز  -  نجاة علي
أمجد ريان - محمد أبو زيد - عبير عبد العزيز - نجاة علي

لم يغادر الشعر موقعه في حياتنا، رغم مزاحمة فنون أخرى له، حاولت أن تنفرد بالمشهد. هذا على الأقل ما يقوله الشعراء المشاركون في هذا التحقيق، الذين يروون أن هناك «حراكاً قوياً للشعر»، مقابل إحجام قسم كبير من دور النشر عن طبع المجموعات الشعرية، لأنها «لا تبيع». ما حقيقة الأمر؟ هل هناك «حملة ضد الشعر يقوها كثيرون، منهم نقاد وناشرون وصانعو جوائز»؟
هنا آراء عدد من الشعراء المصريين:
- أمجد ريان: زمن تعدد الفنون الأدبية
في مراحل سابقة، كان الناشر مفكراً، وكان صاحب دور ثقافي مهم، وصاحب أهداف ثقافية يسعى لنشرها وإيصالها للناس، بل كان يناضل من أجل ذلك. ولكن المسألة اليوم انهارت انهياراً مريعاً، وأصبح بعض الناشرين تجاراً، يحسبون بدقة ما يمكن أن يجنونه من أرباح مادية سريعة تعود عليهم من نشر الكتاب، بل أصبح بعض الناشرين يطلبون من الشاعر مبالغ أكبر من تكلفة الكتاب، حتى يضمنوا مكسبهم قبل عملية البيع، أو كما يقولون «دوشة» البيع. ليس هذا فحسب، بل رأيت بعيني رأسي كيف يأخذ ناشر مبلغاً يساوي أضعاف التكلفة من شاعر يعمل في بلد عربي أو خليجي، أو يحسب الخدمات التي يمكن أن يقدمها شاعر يعمل في منصب كبير في مقابل نشر الكتاب، وأيضاً رأيت ناشراً بعد أن أخذ أضعاف التكلفة الفعلية، سأل الشاعر عن مهنته، فقال له إنه من عائلة تتاجر في البلح والتمور، فاشترط عليه في زيارته القادمة أن يحضر معه «شوال بلح»، فوافق الشاعر، إما عن طيب خاطر أو مضطراً، لأنه متلهف على نشر ديوانه!
ورأيت وتعجبت كيف أن ناشراً أخذ من كاتبة أكثر من التكلفة مقدماً، وأعطاها 25 نسخة من كتابها، وزعتها على الأصدقاء، وعادت للناشر مرة أخرى مضطرة، لأنها تحتاج إلى 100 نسخة إضافية، فباعها لها بمبلغ أكبر بكثير من التكلفة الحقيقية للنسخ... وهكذا.
هناك قضية كبيرة تخص هذا الموضوع، وهي أن شعراء من حقبة السبعينات في القرن الماضي كتبوا القصيدة التي تعتمد على المجازات والاستعارات المركبة، وصارت القصيدة صعبة في تلقيها، مما جعل قسماً كبيراً من الجمهور يهرب من فن الشعر لصعوبته آنذاك... ولكن الحال تغير الآن تغيراً جذرياً، وهناك أعداد كبيرة جداً من كتاب الشعر وقرائه، وأعداد من القراء بشكل عام لا يستغنون عن قراءة الشعر. ولا أوافق الرأي الذي يقول إننا صرنا في زمن الرواية، وهو الرأي الذي تحمس له عدد من النقاد، وعلى رأسهم د. جابر عصفور الذي كتب عدداً كبيراً من المقالات حول هذه المسألة، ونظّر لها بحماسة منقطعة النظير. وأعتقد أننا الآن في زمن تتعدد فيه الفنون الأدبية التي يتعامل معها جمهور القراء، ومن الصعب أن يتفوق فن أدبي على غيره لأن الفنون الأدبية تشبع مجموعة مختلفة من الحاجات الجمالية الضرورية بكليتها لدى الناس.
- محمد أبو زيد: إنه زمن الشعر
لا يكتب الشاعر لأنه ينتظر النشر، ولا بحثاً عن جائزة، ولا انتظاراً لمجد مالي، رغم أهمية كل هذا كداعم نفسي له؛ هو يكتب ببساطة لأنه لا يستطيع أن يحيا دون الشعر، لأن الشعر يسري منه مسرى الدم في العروق، هو دافع للحياة، ومُفسّر لها، وطارح لأسئلتها، ومسبب لدهشتها، ومعين على احتمالها. الشعر يكتب لذاته، وليس لأي شيء آخر، ولذا كنت أرى الكلام الذي يقال دائماً عن الشعراء الذين تحولوا للرواية، وأنهم فعلوا ذلك بحثاً عن الجوائز، مسيئاً لهم، لأن «الكتابة» ليست تجارة، ولأن الشعر لا «يُهجر»، بل الشعر هو من يفعل ذلك. قد يجد الكاتب في الرواية طريقاً لمشروع داخله، لكنه لا يفعل ذلك لأن «الرواية» تربح والشعر يخسر. أو هكذا أتخيل كيف تسير الأمور لدى جميع من مسّه وميض البرق الذي اسمه الشعر، كما عرّفه جبران. وكان بورخيس يقول: «إذا قُرئ النص كأنه يخاطب العقل فهو نثر، ويكون شعراً إذا قُرئ كأنه يخاطب الخيال». والحملة التي قادها كثيرون، منهم نقاد وناشرون وصانعو جوائز، ضد الشعر، تحت عنوان «زمن الرواية»، ليست محاولة لاغتيال الشعر فحسب، بل اغتيال الخيال إذا طبقنا مقولة بورخيس. ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تغتال الخيال، حتى لو قال الناشرون إن الشعر لا يبيع، وحتى لو قال النقاد إن هذا ليس زمن الشعر، وحتى لو هجر البعض الشعر إلى الرواية، وحتى لو هاجمت المناهج التعليمية في المدارس الشعر. لا يمكن أن يموت الخيال لأنه لا حياة بلا خيال. الخيال يمنحنا حياة ثانية وثالثة وعاشرة تعيننا على احتمال واقعنا المأساوي.
ويتابع صاحب «سوداء وجميلة»: ما أكده الزمن - والزمن هو أكبر مصفاة - أن الشعر لا يموت، الشعر بالأساس ليس في معركة مع الرواية، من ينتصر فيها يتم تنصيبه ملكاً، لأن الشعر خارج المقارنة مع أي صنف آخر. الشعر أسمى من كل صنوف الكتابة الأخرى لأنه ينطلق من مستوى وعي وكتابة مختلفين، ويتوجه إلى قارئ مختلف بالأساس.
ربما أثرت الحملات السابقة على وجود الشعر في المكتبات، لكنه باقٍ في صدور الشعراء، وقد وجد فرصته التي أتاحها له ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، فأصبح الشعراء يملأون حوائطهم بمئات آلاف القصائد، كأنهم يتحدون من استبعدهم، كأنهم يعلنون الحرب، دفاعاً عن الخيال والحيوات التي سعى البعض لوأدها. لم يعد الشعراء ينتظرون موافقة مسؤول صفحة أدبية في صحيفة محدودة التوزيع على نشر قصائدهم، أو انتظار دورهم الذي لا يجيء في مجلات تتكبر عليهم، لأن المواقع الإلكترونية الكثيرة التي أصبحت تحتفي بالشعر، ومواقع التواصل الاجتماعي، أغنتهم عن ذلك. لم يعودوا يحتاجون إلى موافقة دور النشر الخاصة على نشر دواوينهم، فبعضهم صار ينشر دواوينه إلكترونياً، لا ينتظرون جوائز من مؤسسات ثقافية غير معنية بالشعر، فجائزتهم الحقيقية هي أن يُقرأوا، وهو ما صار يحدث بالفعل.
أعتقد أن الشعر تجاوز عثراته التي وضعها أمامه نقاد وناشرون ومسؤولون، وصار يعرف طريقه جيداً، والدليل عشرات، بل مئات، الشعراء الذين أصبحنا نقرأ لهم يومياً. كانوا يقولون إنه زمن الرواية، لكني أقول إنه زمن الشعر.
- نجاة علي: التجارة... والشعر
إن الحس التجاري يقف كثيراً حاجزاً أمام نشر الشعر، باعتباره مادة أدبية غير قادرة على تحقيق مبيعات كالتي تحققها الرواية مثلاً، وكذلك كتب الشعر المترجم، في مقابل الروايات المترجمة. فهناك هُوة بين الانتعاش في كتابة الشعر من جهة، وبين ما ينشر حقاً. وأتذكر في هذا الصدد الدور الراقي الذي كانت تقوم به دار «شرقيات» في دعم الشعر في التسعينات. ولكن في ظل عزوف دور النشر الخاصة حالياً عن النشر، فإن الدور الأكبر يكون لدور النشر الحكومية التي بالفعل تقوم بدور جيدـ خصوصاً أنها لا تبحث عن الربح، على حد تعبيرها.
لقد ارتبطت الرواية بسياق، ربما لم يتح للشعر، جعل من نشرها أولية للجوائز الأدبية المتاحة، وظواهر مروجة كـ«البست سيللر»، وهو ما لا يتاح للشعر. ومع ذلك، أتصور أن الشعر يستعيد دوره، لأنه في النهاية الألوان الأدبية تتأثر بتغير موجات التلقي، والشاعر الحقيقي يكتب الشعر بعيداً عن كل تلك الحسابات.
- عبير عبد العزيز: دعم الشعر
نشر الشعر يعاني من أزمات في العالم كله، لي أصدقاء من فرنسا يواجهون مشكلة نشر الشعر، وربما يميل الناشرون لطباعة 300 نسخة تجريبية للشاعر، ولا يطبعون نسخاً أكثر إلا للشعراء الكبار المعروفين. أما في مجتمعاتنا، فلا يمكن قراءة مشهد نشر الشعر إلا برؤية أوسع للمحيط المجتمعي الذي يحيا فيه. نحن نعيش أزمة ثقافية بشكل عام، الشعر عادة ما ارتبط صعوده بصعود مستوى التلقي والتأمل، ورغم أن هناك حراكاً كبيراً في قصيدة النثر، ألاحظه حتى بين أجيال أحدث، وألاحظ به تماساً أعلى مع الذات، وشجاعة، مما يجعل هناك تجارب ناضجة جداً. وقد ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في تقديم شعراء كثيرين، وكذلك المجلات والمواقع الإلكترونية، بسبب ضعف حركة النشر. كما أصبح هناك من يلجأون لوسيط إلكتروني صوتي لإلقاء قصائدهم، كما يتيح «ساوند كلاود»، وهذا كله حراك مطلوب، فالقضية في الشعر هي مخاطبة الجمهور قبل بحث أزمة الشعر، فالناشر مهما كان مستنيراً ينتظر الربح، مما يجعله يسأل نفسه عن الجمهور المحتمل لشراء الديوان، بعكس الرواية التي لها جمهور كبير، لذلك عندما أسست مبادرة «ادعم شعر»، كنت أنظر للأمر باعتباره مشروعاً لدعم الشعر، وليس مشروعاً لدعم النشر، وكنت أتمنى أن أجد تكاتفاً أكبر من الشعراء لتحقيق حلم ازدهار الشعر من جديد في المجتمع، فمن خلال تلك المبادرة كنت أزور مدارس لأتحدث للطلاب، خصوصاً في المرحلة الثانوية، عن الشعر، وكنت أخرج مصدومة من شعوري بأن الشعر غير محبوب بسبب انطباعاتهم عن النصوص المقررة عليهم، وهي قديمة وغير جذابة بالنسبة لهم.
الشعراء محبطون، ولديهم مشكلاتهم الخاصة، ولكنني مؤمنة أنه لو توحدت جهود عدد من الشعراء الجادين في تبني مشروع لمخاطبة الجمهور بالشعر، سيستطيع هذا الحراك أن يجذب الجمهور، ثم سيجذب هذا الجمهور موجة ثانية من التأثير، أو التي يطلق عليها التفاعل بالعدوى. لقد مللنا من التحدث إلى أنفسنا في قاعات الندوات والأمسيات وحفلات التوقيع المحدودة، وقد قمت من قبل وعدد من الشاعرات بعمل أمسيات شعرية في بعض المراكز والمكتبات الحديثة، وكنا نلمس أثراً طيباً، فالشعر ينطق، وله روح يجب أن تُحلق، وعندما يشعر الناشر ويدرك أن الجمهور بدأ يألف الشعر الراقي، وتتسع دائرته، ربما يتحمس للنشر.



هل يأخذ الآثاريون المصريون زمام المبادرة من الأجانب في مجال الحفريات؟

 البعثات الأثرية المصرية اكتشفت العديد من الآثار بسقارة (وزارة السياحة والآثار)
البعثات الأثرية المصرية اكتشفت العديد من الآثار بسقارة (وزارة السياحة والآثار)
TT

هل يأخذ الآثاريون المصريون زمام المبادرة من الأجانب في مجال الحفريات؟

 البعثات الأثرية المصرية اكتشفت العديد من الآثار بسقارة (وزارة السياحة والآثار)
البعثات الأثرية المصرية اكتشفت العديد من الآثار بسقارة (وزارة السياحة والآثار)

مع احتفال الآثاريين المصريين بعيدهم السنوي في 14 يناير (كانون الأول) الحالي، وبعد ما حققته البعثات الأثرية المصرية من إنجازات تمثلت في اكتشافات بمواقع أثرية متعددة خلال الأعوام الماضية، إلى جانب البعثات المشتركة بين المؤسسات المصرية والأجنبية؛ تُثار تساؤلات حول إمكانية أن يأخذ الآثاريون المصريون زمام المبادرة من الأجانب في مجال الحفريات، ذلك المجال الذي اشتهر منذ بداياته بجهود العلماء الأجانب.

ويعمل في مصر نحو 350 بعثة أثرية مصرية وأجنبية، وفق ما ذكره الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور محمد إسماعيل خالد، في محاضرة علمية واكبت إقامة معرض أثري مصري مؤقت بهونغ كونغ في الصين خلال نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وتعمل هذه البعثات في أماكن محددة وفق اتفاقيات التعاون الدولي المنعقدة بهذا الصدد بين جامعات ومؤسسات علمية أجنبية وبين المجلس الأعلى للآثار في مصر، وبعضها يعمل بالشراكة مع بعثات مصرية من الجامعات أو المؤسسات المصرية أو المجلس الأعلى للآثار.

البعثات الأثرية المصرية حققت اكتشافات في مواقع عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير الآثاري المصري حسين عبد البصير أنه «بعد عقود طويلة ظلّت فيها البعثات الأجنبية متصدّرة مشهد الحفريات الأثرية في مصر، من حيث القيادة العلمية والنشر الدولي وصناعة السرد الأثري، بدأت ملامح تحوّل حقيقي تفرض نفسها خلال الأعوام الأخيرة»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الآثاريين المصريين حققوا إنجازات لافتة، لا يمكن تجاهلها أو التقليل من شأنها، أعادت طرح سؤال جوهري: هل بات المصريون اليوم قادرين على استعادة زمام المبادرة في مجال الحفريات الأثرية؟».

وبينما أكد عبد البصير أن «الساحة الأثرية المصرية شهدت سلسلة من الاكتشافات الكبرى التي قادتها بعثات مصرية خالصة، خصوصاً في مواقع مثل سقارة، والأقصر، والغريفة، وتونا الجبل، وسيناء والبحر الأحمر، وهي اكتشافات جاءت نتيجة عمل ميداني منظم، وتخطيط علمي، وتعاون بين تخصصات مختلفة داخل الفريق الواحد»، فإنه رأى أن «تفوق البعثات الأجنبية تاريخياً لم يكن ناتجاً عن كفاءة ميدانية أعلى فحسب، بل عن منظومة علمية متكاملة شملت التمويل السخي، والمعامل المتطورة، والتخصصات البينية، وشبكات النشر الأكاديمي الدولية. غير أن هذه الفجوة بدأت تضيق تدريجياً، مع تحسّن البنية المؤسسية للعمل الأثري في مصر، وتراكم الخبرة لدى الأجيال الجديدة من الباحثين المصريين».

وشهدت السنوات الأخيرة أكثر من كشف أثري قامت به بعثات مصرية من بينها الكشف عن بقايا تحصينات عسكرية، ووحدات سكنية للجنود، وخندق يشير إلى إمكانية وجود قلعة أخرى بموقع تل أبو صيفي بمنطقة آثار شمال سيناء في 2025، والكشف عن مقبرة لقائد عسكري من عصر الملك رمسيس الثالث، ثاني ملوك الأسرة الـ20، ومجموعة من المقابر الجماعية والفردية من العصور اليونانية الرومانية والعصر المتأخر بمنطقة المسخوطة بمحافظة الإسماعيلية وكذلك اكتشاف البعثة الأثرية المصرية العاملة في سقارة عام 2023 أكبر وأكمل ورشتين للتحنيط آدمية وحيوانية من عصر الأسرة الـ30 والعصر البطلمي.

ويؤكد الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور محمد عبد المقصود، أنه لا يوجد موقع أثري في مصر إلا وبه بعثة أثرية مصرية، وهو أمر له كل التقدير، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «عدد البعثات الأثرية الأجنبية نحو 250 بعثة، وجهودها مقدرة ومعتبرة لما تقوم به من نشاط مميز وكذلك النشر العلمي في الدوريات الدولية الكبرى حول الحفريات المصرية»، مشيراً إلى أن تلك البعثات الأجنبية «تقدم خدمة دعائية لمصر في الخارج بالنشر العلمي وغيره، كما أن علم المصريات موجود في الجامعات الكبرى حول العالم وليس حصراً على مصر، وبالتالي وجود هذه البعثات من دول متعددة يتسق وعالمية علم المصريات ويؤكد على قوة الحضور المصرية أثرياً وعلمياً في التراث العالمي».

من اكتشافات البعثات المصرية (وزارة السياحة والآثار)

وإن كان العالم الآثاري رفض فكرة أخذ زمام المبادرة للآثاريين المصريين في الحفريات من الأجانب، فإنه أشاد بالجهود التي تقوم بها البعثات المصرية في كل المواقع الأثرية، سواء بشكل منفرد أو بالشراكة مع البعثات الأجنبية.

ومن بين البعثات الأجنبية التي تعمل في مصر بعثات من فرنسا، وألمانيا، والنمسا، وبولندا، والولايات المتحدة، وإيطاليا، وسويسرا، والتشيك، وإسبانيا، واليابان وغيرها، في مواقع متعددة مثل دهشور، وسقارة، والأقصر، وأسوان، والفيوم، وتونا الجبل بالمنيا. وفق تصريحات للخبير الآثاري الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه البعثات تعمل على نفقتها الشخصية وبأحدث تقنيات علمية للحفر والرفع المساحي والآثاري وتسجيل وتوثيق الآثار ونشرها نشراً علمياً بالدوريات العالمية ومن خلال إشراف مفتشي الآثار على أعمالها».

ورغم ذلك، وفق ريحان، «فهناك تقدم هائل في عمل البعثات المصرية نتيجة التدريب مع البعثات الأجنبية ودورات التدريب الميدانية بالمجلس الأعلى للآثار التي خرّجت جيلاً مؤهلاً للعمل وخبرات من الآثاريين مع وجود عدد كبير من الآثاريين بالمجلس مؤهلين لتوثيق وتسجيل هذه الآثار ونشرها نشراً علمياً».

واستشهد رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية بعدة اكتشافات للبعثات المصرية من بينها كشف البعثة المصرية المشتركة بين المجلس الأعلى للآثار ومؤسسة الدكتور زاهي حواس للآثار والتراث برئاسته، خلال 2025 عن مقبرة الأمير «وسر إف رع» ابن الملك «أوسر كاف» أول ملوك الأسرة الخامسة من الدولة القديمة، وذلك أثناء أعمال البعثة بمنطقة سقارة الأثرية.

كما تمكنت البعثة المصرية العاملة بمنطقة منقباد بمنطقة آثار أسيوط من الكشف عن مبنى من الطوب اللبن يرجع تاريخه إلى الفترة ما بين القرنين السادس والسابع الميلادي.


شقيق هشام ماجد يلحق بعالم الفن عبر فيلم قصير

أشرف عبد الباقي في صورة مع عدد من صناع الفيلم بالعرض الخاص (الشركة المنتجة)
أشرف عبد الباقي في صورة مع عدد من صناع الفيلم بالعرض الخاص (الشركة المنتجة)
TT

شقيق هشام ماجد يلحق بعالم الفن عبر فيلم قصير

أشرف عبد الباقي في صورة مع عدد من صناع الفيلم بالعرض الخاص (الشركة المنتجة)
أشرف عبد الباقي في صورة مع عدد من صناع الفيلم بالعرض الخاص (الشركة المنتجة)

لحق الفنان المصري الشاب محمود ماجد بشقيقه الأكبر هشام ماجد في عالم الفن من خلال كتابة وبطولة فيلمه القصير «ده صوت إيه ده»، الذي شاركه في بطولته أشرف عبد الباقي، واحتفل صنّاعه بإطلاقه في عرض خاص أقيم بالقاهرة، مساء الثلاثاء، وسط حضور عدد من نجوم الفن الذين حرصوا على مساندته في تجربته الأولى بالبطولة، ومن بينهم شقيقه، والمنتج محمد حفظي.

الفيلم الذي تدور أحداثه في أقل من 18 دقيقة شارك فيه الملحن إيهاب عبد الواحد، ومن إخراج محمد ربيع، وجرى طرحه على «يوتيوب»، بالتزامن مع إقامة العرض الخاص له.

وينتمي الفيلم لنوعية الأفلام الغنائية الاستعراضية، وتدور الأحداث حول شاب يجد نفسه فجأة أمام منعطف حاد يقلب موازين حياته رأساً على عقب، حيث تتراكم الأسئلة والشكوك وتضيق الدائرة من حوله، فلا يجد من يقف إلى جانبه سوى شخص واحد يمد له يد العون في لحظة فارقة.

أحد الملصقات الترويجية للفيلم (الشركة المنتجة)

وهذا الدعم البسيط في ظاهره يتحول إلى نقطة تحول عميقة، تدفعه إلى إعادة النظر في اختياراته ومخاوفه ورغبته في النجاة من حالة التيه التي يعيشها، في عالم تتداخل فيه الحقيقة بالخيال، وتتحول المشاعر إلى إيقاع وصورة وحركة.

وقال محمود ماجد، مؤلف وبطل الفيلم، إن فكرة العمل بدأت منذ عام 2020، حين كتبها في البداية بوصفها فيلماً تقليدياً، مدفوعاً بحلمه القديم بتقديم فيلم موسيقي، لكن بعد مراجعة النسخة الأولى شعر بأن هناك شيئاً ناقصاً، وأن تحويل الفكرة إلى عمل غنائي قد يجعلها أكثر بساطة في الوصول إلى الجمهور، وأكثر انسجاماً مع الأجواء الخيالية والكرتونية التي تقوم عليها الفكرة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «عرضت الفكرة على المخرج محمد ربيع، الذي كان لديه هو الآخر رغبة في تقديم عمل موسيقي، قبل أن تبدأ المناقشات مع محمد نوار وإيهاب عبد الواحد لوضع التصور النهائي للعمل»، مرجعاً فترة التحضير الطويلة للفيلم إلى «طبيعة المشروع الخاصة، وتصميمهم على تنفيذ الفيلم في قالب موسيقي، رغم أنه لم يكن يجيد الغناء في البداية، ما دفعه إلى خوض تدريبات مكثفة على الغناء».

ولفت إلى أن أول نسخة قام بتسجيلها لم تكن مُرضية بالنسبة له على الإطلاق، فقرر التوقف وتعلم الغناء بشكل جاد. كما أثرت تداعيات جائحة «كورونا» في وتيرة العمل، إلى جانب الحرص على توفير إنتاج جيد يليق بصورة الفيلم النهائية.

أشرف عبد الباقي على ملصق ترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

ولفت إلى أنه كان يرى الفنان أشرف عبد الباقي مناسباً لدور الكاهن، وكان يتخيل ملامحه وحضوره في الشخصية منذ البداية، مؤكداً أن «اللقاء الذي جمعنا للمرة الأولى استمر قرابة نصف ساعة، قدمنا خلاله عرضاً كاملاً للفكرة، وكانت الأغنية جاهزة بالفعل، وحين استمع إليها أبدى تعاوناً كبيراً وتعاملاً مريحاً شجع فريق العمل على المضي قدماً بثقة».

وأكد محمود ماجد أن هدفه الأكبر هو التمثيل، وأن حلمه بالوقوف أمام الكاميرا يرافقه منذ الطفولة، وأوضح: «مشاركتي في هذا الفيلم تمثل خطوة مهمة في تحقيق هذا الحلم، لكن لا مجال للمقارنة بيني وبين شقيقي هشام ماجد الذي سبقني بسنوات».

وأشاد الناقد الفني المصري، محمد عبد الرحمن، بإقامة صناع الفيلم عرضاً خاصاً له، عادّاً هذه الخطوة «تمثل دفعة إيجابية مهمة تسهم في إنعاش حركة الأفلام القصيرة ومنحها مساحة أكبر من الاهتمام والانتشار، إلى جانب وجود الممثل أشرف عبد الباقي الذي منح العمل أحد مصادر قوته الإضافية».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الفيلم ينتمي إلى نوعية الأفلام الموسيقية، وهي نوعية نادرة ومحدودة الحضور داخل السينما المصرية، مما يجعل خوضها حتى في إطار فيلم قصير خطوة مشجعة وقابلة للتطوير لاحقاً في أعمال أطول وأكثر اتساعاً»، معتبراً أن «تقديم القصة التي تحمل طابعاً فانتازياً منح العمل مسحة تأملية ورمزية واضحة».

وأكد الناقد الفني أن «عناصر الفيلم مجتمعة جاءت جيدة إلى حد كبير من حيث الفكرة والتنفيذ والمشاركة الفنية، إلا أن الملاحظة الأساسية التي يسجلها تتمثل في غياب العمق الدرامي الكافي، وعدم اكتمال البناء الدرامي والتأسيس النفسي للشخصيات بالشكل الذي يخلق حالة من التشويق، أو يدفع المتفرج إلى فهم دوافع الشخصية الرئيسية والتماهي معها بصورة أعمق».


«شبل صغير يستريح» لرمبرانت تعرض في الرياض

لوحة «شبل صغير يستريح» لرمبرانت (سوذبيز)
لوحة «شبل صغير يستريح» لرمبرانت (سوذبيز)
TT

«شبل صغير يستريح» لرمبرانت تعرض في الرياض

لوحة «شبل صغير يستريح» لرمبرانت (سوذبيز)
لوحة «شبل صغير يستريح» لرمبرانت (سوذبيز)

في التراث الفني العالمي تحتل أعمال الرسام الهولندي رمبرانت مكانة وحدها، تكفي مجموعة الصور الشخصية (البورتريه) التي رسمها وسجل بها مراحل عمره وعُدَّت سيرة ذاتية فريدة من نوعها، وغيرها من البورتريهات واللوحات التي لا تزال تجذب الزوار أينما عرضت.

وللمرة الأولى منذ عشر سنوات تعرض لوحة للفنان العالمي في مزاد لدار سوذبيز في شهر فبراير (شباط) المقبل. اللوحة «شبل صغير يستريح» من مقتنيات مجموعة «ليدن» الشهيرة، إحدى أهم المجموعات الخاصة في العالم للفن الهولندي والفلمنكي من القرن السابع عشر. اللوحة تصور رسماً مقرباً لشبل جالس نفذه رمبرانت في القرن الـ17. لا يعرف أين ولا حتى كيف صادف الفنان هذا الشبل، ولكن ما يكفي لأي عاشق لفنه هو التفاصيل التي التقطتها عينا الفنان وسجلها في لوحة صغيرة الحجم. وستعرض اللوحة للبيع في مزاد أعمال الأساتذة بدار سوذبيز بنيويورك في 4 فبراير.

اللوحة هي أهم رسمة لرامبرانت تُعرض في مزاد علني منذ 50 عاماً وتُقدّر قيمتها بما بين 15 و20 مليون دولار.

لوحة «شبل صغير يستريح» لرمبرانت (سوذبيز)

بالنسبة لغريغوري روبنستين، الرئيس العالمي لقسم رسومات الأساتذة القدامى في «سوذبيز»، فالرسم يعبر عن عبقرية رمبرانت الفنية وقدرته على «الغوص في أعماق موضوعه، سواء أكان إنساناً أم مخلوقاً من عالم الطبيعة، وتتجلى هذه الحساسية بوضوح في هذه الدراسة الحميمة بشكل لافت». ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «تتميز اللوحة بحيوية وقرب شديدين، وكأننا ننظر من فوق كتف الفنان. هنا، ينبض الأسد، الذي رُسم من الواقع ببراعة وطاقة استثنائيتين، بالحياة في كل ضربة فرشاة».

ولكن للشبل الصغير رحلة أخيرة قبل أن يعرض في نيويورك، فاللوحة ستعرض في الرياض يومي 24 - 25 يناير (كانون الثاني) الحالي مسجلة المرة الأولى التي تقدم فيها الدار لوحة من أعمال كبار الفنانين في السعودية.

تصف الدار اللوحة بأنها «صغيرة وحميمية» وربما ذلك يعود لقرب الشبل الصغير من الناظر ولوضعه الذي يوحي بالاسترخاء، ولكنه لا يستبعد الوثوب المفاجئ.

تطل لوحة الشبل الصغير على السعودية وتجد هناك صلات عميقة وقديمة مع صور من الحياة البرية فيها، مثل مقبرة الأسود الدادانية في العلا، وأيضاً تنسجم مع حرص المملكة على حماية الحياة البرية وهي مهمة تبنتها الهيئة الملكية للعلا. وهو أيضاً ما يتوافق مع ما تريد مجموعة «ليدن» من تحقيقه ببيع اللوحة؛ فالعائد سيخصص منظمة «بانثيرا» وهي المنظمة الرائدة عالمياً في مجال حماية القطط البرية. وتتجذر أعمال المنظمة بعمق في المملكة، ولا سيما في العلا، حيث تتعاون مع الهيئة الملكية للعلا لحماية وإعادة توطين النمر العربي المهدد بالانقراض، رابطةً بذلك بين الوجود التاريخي للرسم والحياة البرية في المنطقة.

وبالنسبة للدكتور توماس كابلان، مؤسس منظمة «بانثيرا» ومجموعة «ليدن»، فاللوحة تحمل معاني خاصة؛ فهي أول لوحة لرمبرانت اقتنتها المجموعة، وبالكشف عنها الآن وعرضها للبيع وتخصيص العائد نحو الحفاظ على البيئة، يكتسب العمل مستقبلاً مستداماً، ويربط بين الفن والتراث وحماية القطط البرية.

ويرى روبنستين أن عرض اللوحة في السعودية «أمر مناسب بشكل خاص في الوقت الذي تقود فيه منظمة (بانثيرا) عملية إعادة النمور المحلية إلى العلا؛ ما يخلق حواراً مؤثراً بين الفن والمكان والوجود الدائم للقطط الكبيرة في ماضي المنطقة ومستقبلها».

لوحة للفنان السعودي ضيا عزيز ضيا (سوذبيز)

وتعرَض اللوحة في الوقت نفسه الذي تقيم فيه «سوذبيز» في الدرعية بالرياض معرضاً لأعمال مزادها الثاني للفن الحديث والمعاصر بعنوان «أصول 2» والذي يضم أعمالاً لفنانين من الشرق الأوسط، منها لوحات لرواد الفن السعودي أمثال صفية بن زقر ومحمد السليم وعبد الحليم رضوي وضيا عزيز ضيا إلى جانب أعمال لفنانين عرب مثل لوحة «صيادان» للفنان المصري محمود مرسي ولوحة «المظاهرة» للفنان العراقي محمود صبري ولوحة «نحاس» للفنانة الفلسطينية سامية حلبي.

كما يضم المزاد مجموعة أعمال لفنانين عالميين، مثل بيكاسو وآندي وارهول وروي ليختنشتين وأنيش كابور. كما يقدم المزاد تمثالاً نادراً من المرمر لامرأة من جنوب الجزيرة العربية القديمة. ويستمر المعرض حتى 31 يناير حين يقام المزاد العلني.

تمثال نادر من المرمر لامرأة من جنوب الجزيرة العربية القديمة (سوذبيز)

تتميز في المزاد أربع مطبوعات للفنان الأميركي آندي وارهول صوَّر فيها الملاكم العالمي محمد علي كلاي أنجزها في عام 1978. ومن أعمال الفنان العالمي أنيش كابور تعرض مرآة مقعرة ضخمة من سلسلة أعماله الشهيرة، ومن أعمال الفنان روي ليختنشتاين «لوحة داخلية مع أجاك س (دراسة)»، وهي عبارة عن ورق مقصوص ومطلي ومطبوع وجرافیت على ورق مقوى، تم تنفیذھا في عام 1997. یصوّر ھذا العمل البطل الیوناني الشھیر في حرب طروادة، وھي دراسة للوحة طلبھا مصمم الأزیاء الراحل جیاني فیرساتشي مباشر ة من الفنان. كما یعرض في المزاد عمل «رایة الھرم الأكبر (دراسة)»، وھو عبارة عن شریط لاصق وورق مقصوص ومطلي ومطبوع وغرافیت على ورق مقوى، تم تنفیذه في عام 1980. كما يعرض المزاد من أعمال بيكاسو لوحة «منظر طبيعي» التي رسمها الفنان في 1965.

لوحة «منظر طبيعي» لبيكاسو (سوذبيز)