«عين علي» في دير الزور... إيران طردت «داعش» وحولتها إلى مزار

بعد 2017 تزايد التغلغل في المنطقة لتسهيل فتح طريق يربطها بطهران

موقع نبع «عين علي» في دير الزور شرق سوريا الذي حولته إيران الى مكان مقدس للشيعة (الشرق الاوسط)
موقع نبع «عين علي» في دير الزور شرق سوريا الذي حولته إيران الى مكان مقدس للشيعة (الشرق الاوسط)
TT

«عين علي» في دير الزور... إيران طردت «داعش» وحولتها إلى مزار

موقع نبع «عين علي» في دير الزور شرق سوريا الذي حولته إيران الى مكان مقدس للشيعة (الشرق الاوسط)
موقع نبع «عين علي» في دير الزور شرق سوريا الذي حولته إيران الى مكان مقدس للشيعة (الشرق الاوسط)

لا يستوعب أهالي منطقة القورية بدير الزور شرق سوريا صدمة قيام الميليشيات الإيرانية بمنعهم من دفن موتاهم في مقبرتهم المتوارثة أبا عن جد، دون دفع رسوم عشرة آلاف ليرة (17 دولارا أميركي)، ودون الحصول على موافقة لإتمام إجراءات الدفن... فـ«عين علي»، الموقع الذي اعتادوا على زيارته للتنزه والاستشفاء والتشفع، بات مزارا شيعيا «مقدسا» تقبض عليه الميليشيات الإيرانية، رسوما.
لم يعد ذلك المكان الذي يستعذبون رواية الحكايات والأساطير حوله والاختلاف حول صحتها، يقصدونه للتخلص من همومهم وتطييب أوجاعهم الجسدية والنفسية بمياهه الكبريتية، بل «مكانا مسورا غريبا عن المنطقة وعن روح أهلها يثير الرعب والحق ويؤجج الضغائن»، وفق ما ذكره بشير، أحد سكان المنطقة من الذين نزحوا إلى دمشق. يقول بشير بأن محاولات إيران نشر التشيع في محافظة دير الزور، تعود إلى الثمانينات من القرن الماضي، بدأت في قرية حطلة عن طريق فرع لجمعية الإمام المرتضى التي أنشأها جميل الأسد عم الرئيس بشار الأسد، بدعم من إيران. وتعد قرية حطلة إحدى أكبر المناطق التي انتشر فيها التشيع، كما كانت، لاحقا، خزانا بشريا للميلشيات الشيعية الإيرانية المقاتلة في المنطقة. وكانوا النواة التي انتشر منها التشيع إلى القرى الصغيرة الفقيرة خلال فترة الحرب، منها زغير جزيرة، الصعوة، حوايج ذياب، حوايج بومصعة، الكسرة، مراط وغيرها من القرى التي أقيمت فيها حسينيات لاستقطاب الفقراء ودعوتهم للتشيع عبر توزيع المساعدات، في الوقت الذي كان تنظيم (داعش) يفتك بالمنطقة.
ويشير عمر، وهو نازح أيضا من المنطقة إلى دمشق، إلى أنه، بعد طرد تنظيم داعش من دير الزور عام 2017 تزايدت حركة التشيع الإيرانية مع سيطرة النظام والميليشيات الإيرانية على البوكمال والميادين والمناطق القريبة من الحدود مع العراق، حيث تطمح إيران إلى فتح خط نقل بري يصل بين طهران والساحل السوري ويمر في العراق، وتنشط إيران لتحويل تلك المناطق من «بيئة نابذة للوجود الإيراني إلى بيئة حاضنة، وذلك عبر نشر التشيع... فقد بدأنا نرى كيف تتحول أسماء المساجد من عمر، عثمان، أبو بكر، معاوية، عائشة، إلى أسماء ذات صبغة شيعية، الجامع العمري بمدينة دير الزور تغير إلى جامع الرضوان نسبة إلى بيعة الرضوان. يتم ذلك، بالتوازي مع بناء حسينيات تكون بمثابة مراكز لتوزيع المساعدات، إضافة إلى الشروع ببناء حوزة علمية في الميادين» في دير الزور.
يجري ذلك بالترافق مع انتشار مكاتب عقارية في محافظة دير الزور تقوم بشراء أكبر عدد من المنازل والعقارات والأراضي، لصالح جهات ورجال أعمال إيرانيين، بمبالغ تفوق قيمتها الحقيقة. ناهيك عن مصادرة بعض منازل مهجري الحرب من المعارضين المطلوبين للنظام في مراكز المدن والمواقع الحيوية في الميادين والبوكمال ودير الزور وتحولها إلى مقرات للميلشيات الإيرانية والعراقية، ومنازل لعائلات القيادين والمقاتلين فيها.
ويضيف عمر الذي لا يعلم شيئا عن مصير منزل عائلته في دير الزور، بأن بناء الحسينيات والمقامات وشراء العقارات والأراضي والاستيلاء على المواقع الحيوية، ترافق أيضا مع اهتمام بإعادة بناء المدارس المدمرة وبسط السيطرة على التعليم هناك، فقد افتتحت مدرستين ابتدائيتين في كل من الميادين والبوكمال، تدرس فيهما مناهج خاصة، إضافة إلى إلى إعادة تشغيل عدد من المشافي الخاصة في الميادين.
ومع ذلك، يقول عمر، أنه وبرغم النشاط الحثيث والمتزايد لإيران في تشييع دير الزور، والمال الذي تغدقه هناك، فإن التشييع ما زال «بطيئا» ولم تنجح إيران سوى بتجنيد بضعة آلاف من أبناء الريف الغربي من شيعة حطلة ومراط، وما زال اعتمادها الرئيسي في التجنيد على الشيعة العراقيين والإيرانيين. أما الإقبال على الحسينيات، فهو، من عناصر الميليشيات وعائلاتهم، في حين لا يوجد إقبال شعبي حقيقي سوى البعض القليل الذي تدفعه الحاجة، أو طلب الأمان بمعنى دفع البلاء». ويلفت إلى أن الفيديوهات التي انتشرت مؤخرا للطميات التي أقيمت في (عين علي) وفرض إتاوات على المقابر وذوي الموتى، كفيلة بتأجيج مشاعر الكراهية لإيران، إذ أن ذاكرة أهل المنطقة عن (عين علي) ما تزال حية لم تنس «صورة والدتي وخالاتي وعماتي مطبوعة في ذاكرتي وهن ينزلن بمياه العين وينادين جينا نزورك يا «علي أبو حسين... دستورك». إنها طقوس وعادات أهل الفرات من مئات السنين وليست من التشيع الذي تريد إيران نشره في المنطقة.
وتعددت الروايات المحلية حول (عين علي) نبع المياه الكبريتية الواقع تحت برج أثري على تلة قرب مدخل مدينة القورية من جهة البادية، ويقصده أهالي المنطقة للتنزه والاستشفاء والتبرك. هناك من يقول بأن البرج كان برج مراقبة روماني ويعرف باسم (منارة الإمام علي) على خط سير قوافل التجار والحجيج، نحو 10 كم إلى الجنوب الشرقي من قلعة مالك بن طوق (الرحبة)، وهو مثل «مرقب علي» فوق سفح «جبل عبد العزيز» قرب ضريح «الشيخ عبد العزيز الجيلاني» بالحسكة. وهناك مصادر آثارية تعيد المرقبين إلى عهد المماليك. لكن رواية أخرى تفيد بأن البرج مئذنة تعود للعصر العباسي، وروايات أخرى تقول بأنها مأذنة مسجد أموي، إذ أن المكان كان عبارة عن غرفة كبيرة بقبة دائرية وفيها محراب وباب كبير. وفي السبعينيات من القرن الماضي قامت عائلة من مدينة الميادين بهدم المسجد بغية بناء مسجد جديد، لكن المشروع لم يتم، وبقي من الموقع مدخل صغير إلى مئذنة سداسية يصعد إليها بدرج حلزوني داخلي من الحجر الصوان والجص الأسمر.
ويقول الموروث الشعبي، بأن نبع المياه الكبريتية القريب من المئذنة سمي (عين علي) لأن نبع الماء تفجر تحت حافر خيل الإمام علي بن أبي طالب، حين كان في طريقه إلى معركة (صفين) قرب الرقة، عندما عطش جيشه، أنه أقام في هذا المكان ثلاثة أيام. وترتكز الدعاية الإيرانية منذ سنوات طويلة وقبل بدء الصراع في سوريا، لتشييع الموقع وفقا لهذه الرواية الشعبية، فحين أدرجت وزارة السياحة الموقع على قائمة المواقع السياحية الدينية في سوريا، جاء ذلك ضمن مشروع لإقامة منتجع بتمويل من رجال أعمال شيعة خليجيين، إلا أن المشروع قوبل برفض من الأهالي. حتى حل عام 2014 واستولى تنظيم داعش على مساحات واسعة من محافظة دير الزور وقام بتفجير عدد من «المقامات وأضرحة مشايخ في الطرق الصوفية بدير الزور، منها (عين علي) و(الشيخ أنس)، و(الشيخ الشبلي)، و(الشيخ محمود الأنطاكي) في الميادين. ومهد ذلك الطريق لتقدم إيران بعد طرد تنظيم داعش، عام 2017. واستولت على موقع (عين علي) وحولته إلى مكان ديني مقدس تقصده حملات الحج الشيعية. فضربت سورا حول الموقع وأقامت حسينية وشيدت قبة فوق النبع، في أعمال بناء استغرقت عاما لتنتهي أواخر عام 2018. وشهد شهر رمضان الماضي وصول أولى حملات حجيج شيعي إليه، وتداول أهالي المنطقة بكثير من الدهشة مقاطع فيديو للطميات في نبع «عين علي» تظهر الحجاج الشيعة وهم يغطسون بمياه النبع ويطلون رؤوسهم بالطين.



اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أمس، أن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلّم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة، وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

من جانبه، أكد محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، لـ«الشرق الأوسط»، أن مستوى التنسيق مع السعودية «عالٍ جداً»، منوهاً بحسمها مسألة إخراج قوات «المجلس الانتقالي» من المحافظة خلال وقت قياسي، والتزامها توفير الغذاء والحوافز، وتقديمها وعوداً بتنفيذ حزمة مشروعات كبيرة لتطوير البنية التحتية.

وقال الخنبشي إن الأوضاع في حضرموت بدأت تعود إلى طبيعتها، وشدَّد على أن المحافظة «يجب أن تكون رقماً سياسياً فاعلاً في أي تسوية مقبلة»، لافتاً إلى لقاءات سيجريها مع مختلف المكونات السياسية والاجتماعية فيها خلال الأيام المقبلة؛ للتوافق على رؤية موحدة تمثلهم في «مؤتمر الحوار الجنوبي» الذي تستضيفه الرياض قريباً.

من جهته، أكد السفير الأميركي لدى اليمن، ستيفن فاغن، دعم بلاده إجراء «الحوار الجنوبي» الشامل، وأهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار، وذلك خلال اجتماع مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.


العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».