«عين علي» في دير الزور... إيران طردت «داعش» وحولتها إلى مزار

بعد 2017 تزايد التغلغل في المنطقة لتسهيل فتح طريق يربطها بطهران

موقع نبع «عين علي» في دير الزور شرق سوريا الذي حولته إيران الى مكان مقدس للشيعة (الشرق الاوسط)
موقع نبع «عين علي» في دير الزور شرق سوريا الذي حولته إيران الى مكان مقدس للشيعة (الشرق الاوسط)
TT

«عين علي» في دير الزور... إيران طردت «داعش» وحولتها إلى مزار

موقع نبع «عين علي» في دير الزور شرق سوريا الذي حولته إيران الى مكان مقدس للشيعة (الشرق الاوسط)
موقع نبع «عين علي» في دير الزور شرق سوريا الذي حولته إيران الى مكان مقدس للشيعة (الشرق الاوسط)

لا يستوعب أهالي منطقة القورية بدير الزور شرق سوريا صدمة قيام الميليشيات الإيرانية بمنعهم من دفن موتاهم في مقبرتهم المتوارثة أبا عن جد، دون دفع رسوم عشرة آلاف ليرة (17 دولارا أميركي)، ودون الحصول على موافقة لإتمام إجراءات الدفن... فـ«عين علي»، الموقع الذي اعتادوا على زيارته للتنزه والاستشفاء والتشفع، بات مزارا شيعيا «مقدسا» تقبض عليه الميليشيات الإيرانية، رسوما.
لم يعد ذلك المكان الذي يستعذبون رواية الحكايات والأساطير حوله والاختلاف حول صحتها، يقصدونه للتخلص من همومهم وتطييب أوجاعهم الجسدية والنفسية بمياهه الكبريتية، بل «مكانا مسورا غريبا عن المنطقة وعن روح أهلها يثير الرعب والحق ويؤجج الضغائن»، وفق ما ذكره بشير، أحد سكان المنطقة من الذين نزحوا إلى دمشق. يقول بشير بأن محاولات إيران نشر التشيع في محافظة دير الزور، تعود إلى الثمانينات من القرن الماضي، بدأت في قرية حطلة عن طريق فرع لجمعية الإمام المرتضى التي أنشأها جميل الأسد عم الرئيس بشار الأسد، بدعم من إيران. وتعد قرية حطلة إحدى أكبر المناطق التي انتشر فيها التشيع، كما كانت، لاحقا، خزانا بشريا للميلشيات الشيعية الإيرانية المقاتلة في المنطقة. وكانوا النواة التي انتشر منها التشيع إلى القرى الصغيرة الفقيرة خلال فترة الحرب، منها زغير جزيرة، الصعوة، حوايج ذياب، حوايج بومصعة، الكسرة، مراط وغيرها من القرى التي أقيمت فيها حسينيات لاستقطاب الفقراء ودعوتهم للتشيع عبر توزيع المساعدات، في الوقت الذي كان تنظيم (داعش) يفتك بالمنطقة.
ويشير عمر، وهو نازح أيضا من المنطقة إلى دمشق، إلى أنه، بعد طرد تنظيم داعش من دير الزور عام 2017 تزايدت حركة التشيع الإيرانية مع سيطرة النظام والميليشيات الإيرانية على البوكمال والميادين والمناطق القريبة من الحدود مع العراق، حيث تطمح إيران إلى فتح خط نقل بري يصل بين طهران والساحل السوري ويمر في العراق، وتنشط إيران لتحويل تلك المناطق من «بيئة نابذة للوجود الإيراني إلى بيئة حاضنة، وذلك عبر نشر التشيع... فقد بدأنا نرى كيف تتحول أسماء المساجد من عمر، عثمان، أبو بكر، معاوية، عائشة، إلى أسماء ذات صبغة شيعية، الجامع العمري بمدينة دير الزور تغير إلى جامع الرضوان نسبة إلى بيعة الرضوان. يتم ذلك، بالتوازي مع بناء حسينيات تكون بمثابة مراكز لتوزيع المساعدات، إضافة إلى الشروع ببناء حوزة علمية في الميادين» في دير الزور.
يجري ذلك بالترافق مع انتشار مكاتب عقارية في محافظة دير الزور تقوم بشراء أكبر عدد من المنازل والعقارات والأراضي، لصالح جهات ورجال أعمال إيرانيين، بمبالغ تفوق قيمتها الحقيقة. ناهيك عن مصادرة بعض منازل مهجري الحرب من المعارضين المطلوبين للنظام في مراكز المدن والمواقع الحيوية في الميادين والبوكمال ودير الزور وتحولها إلى مقرات للميلشيات الإيرانية والعراقية، ومنازل لعائلات القيادين والمقاتلين فيها.
ويضيف عمر الذي لا يعلم شيئا عن مصير منزل عائلته في دير الزور، بأن بناء الحسينيات والمقامات وشراء العقارات والأراضي والاستيلاء على المواقع الحيوية، ترافق أيضا مع اهتمام بإعادة بناء المدارس المدمرة وبسط السيطرة على التعليم هناك، فقد افتتحت مدرستين ابتدائيتين في كل من الميادين والبوكمال، تدرس فيهما مناهج خاصة، إضافة إلى إلى إعادة تشغيل عدد من المشافي الخاصة في الميادين.
ومع ذلك، يقول عمر، أنه وبرغم النشاط الحثيث والمتزايد لإيران في تشييع دير الزور، والمال الذي تغدقه هناك، فإن التشييع ما زال «بطيئا» ولم تنجح إيران سوى بتجنيد بضعة آلاف من أبناء الريف الغربي من شيعة حطلة ومراط، وما زال اعتمادها الرئيسي في التجنيد على الشيعة العراقيين والإيرانيين. أما الإقبال على الحسينيات، فهو، من عناصر الميليشيات وعائلاتهم، في حين لا يوجد إقبال شعبي حقيقي سوى البعض القليل الذي تدفعه الحاجة، أو طلب الأمان بمعنى دفع البلاء». ويلفت إلى أن الفيديوهات التي انتشرت مؤخرا للطميات التي أقيمت في (عين علي) وفرض إتاوات على المقابر وذوي الموتى، كفيلة بتأجيج مشاعر الكراهية لإيران، إذ أن ذاكرة أهل المنطقة عن (عين علي) ما تزال حية لم تنس «صورة والدتي وخالاتي وعماتي مطبوعة في ذاكرتي وهن ينزلن بمياه العين وينادين جينا نزورك يا «علي أبو حسين... دستورك». إنها طقوس وعادات أهل الفرات من مئات السنين وليست من التشيع الذي تريد إيران نشره في المنطقة.
وتعددت الروايات المحلية حول (عين علي) نبع المياه الكبريتية الواقع تحت برج أثري على تلة قرب مدخل مدينة القورية من جهة البادية، ويقصده أهالي المنطقة للتنزه والاستشفاء والتبرك. هناك من يقول بأن البرج كان برج مراقبة روماني ويعرف باسم (منارة الإمام علي) على خط سير قوافل التجار والحجيج، نحو 10 كم إلى الجنوب الشرقي من قلعة مالك بن طوق (الرحبة)، وهو مثل «مرقب علي» فوق سفح «جبل عبد العزيز» قرب ضريح «الشيخ عبد العزيز الجيلاني» بالحسكة. وهناك مصادر آثارية تعيد المرقبين إلى عهد المماليك. لكن رواية أخرى تفيد بأن البرج مئذنة تعود للعصر العباسي، وروايات أخرى تقول بأنها مأذنة مسجد أموي، إذ أن المكان كان عبارة عن غرفة كبيرة بقبة دائرية وفيها محراب وباب كبير. وفي السبعينيات من القرن الماضي قامت عائلة من مدينة الميادين بهدم المسجد بغية بناء مسجد جديد، لكن المشروع لم يتم، وبقي من الموقع مدخل صغير إلى مئذنة سداسية يصعد إليها بدرج حلزوني داخلي من الحجر الصوان والجص الأسمر.
ويقول الموروث الشعبي، بأن نبع المياه الكبريتية القريب من المئذنة سمي (عين علي) لأن نبع الماء تفجر تحت حافر خيل الإمام علي بن أبي طالب، حين كان في طريقه إلى معركة (صفين) قرب الرقة، عندما عطش جيشه، أنه أقام في هذا المكان ثلاثة أيام. وترتكز الدعاية الإيرانية منذ سنوات طويلة وقبل بدء الصراع في سوريا، لتشييع الموقع وفقا لهذه الرواية الشعبية، فحين أدرجت وزارة السياحة الموقع على قائمة المواقع السياحية الدينية في سوريا، جاء ذلك ضمن مشروع لإقامة منتجع بتمويل من رجال أعمال شيعة خليجيين، إلا أن المشروع قوبل برفض من الأهالي. حتى حل عام 2014 واستولى تنظيم داعش على مساحات واسعة من محافظة دير الزور وقام بتفجير عدد من «المقامات وأضرحة مشايخ في الطرق الصوفية بدير الزور، منها (عين علي) و(الشيخ أنس)، و(الشيخ الشبلي)، و(الشيخ محمود الأنطاكي) في الميادين. ومهد ذلك الطريق لتقدم إيران بعد طرد تنظيم داعش، عام 2017. واستولت على موقع (عين علي) وحولته إلى مكان ديني مقدس تقصده حملات الحج الشيعية. فضربت سورا حول الموقع وأقامت حسينية وشيدت قبة فوق النبع، في أعمال بناء استغرقت عاما لتنتهي أواخر عام 2018. وشهد شهر رمضان الماضي وصول أولى حملات حجيج شيعي إليه، وتداول أهالي المنطقة بكثير من الدهشة مقاطع فيديو للطميات في نبع «عين علي» تظهر الحجاج الشيعة وهم يغطسون بمياه النبع ويطلون رؤوسهم بالطين.



قبائل صنعاء تعرقل مساعي الحوثيين لتوسيع التجنيد

وقفة دعت لها الجماعة الحوثية في الضواحي الجنوبية من صنعاء (إعلام حوثي)
وقفة دعت لها الجماعة الحوثية في الضواحي الجنوبية من صنعاء (إعلام حوثي)
TT

قبائل صنعاء تعرقل مساعي الحوثيين لتوسيع التجنيد

وقفة دعت لها الجماعة الحوثية في الضواحي الجنوبية من صنعاء (إعلام حوثي)
وقفة دعت لها الجماعة الحوثية في الضواحي الجنوبية من صنعاء (إعلام حوثي)

اصطدمت محاولات الجماعة الحوثية توسيع حملات التعبئة والتجنيد في محيط العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء برفض قبلي متزايد، بعد إخفاقها في حشد أبناء عدد من المديريات لتنظيم وقفات مسلحة مؤيدة لتصعيدها العسكري، وسط ضغوط متصاعدة تمارسها على مشايخ القبائل لدفع مزيد من الشباب إلى جبهات القتال، وتعويض خسائرها البشرية.

وقالت مصادر محلية وقبلية لـ«الشرق الأوسط» إن قيادات حوثية كثّفت، منذ مطلع الشهر الحالي، اتصالاتها وتحركاتها في ريف صنعاء، مطالبة مشايخ القبائل برفع جاهزية ما تسميه «التحشيد القبلي»، وتنظيم وقفات مسلحة وتوفير دفعات جديدة من المقاتلين لرفد الجبهات، في مسعى لتوسيع التجنيد بالتزامن مع ازدياد خسائر الجماعة في المواجهات المسلحة.

وجهاء موالون للحوثيين لدى مشاركتهم في وقفة تعبوية غرب صنعاء (إكس)

وشملت التحركات مديريات بني مطر، وسنحان وبني بهلول، وبلاد الروس، وخولان، وجحانة، وهمدان، وأرحب، ونهم، وصعفان، ومناخة، غير أن هذه المساعي واجهت، وفق المصادر، إحجاماً من عدد من المشايخ والوجهاء عن الاستجابة للمطالب الحوثية، وسط استياء متزايد من استمرار استنزاف أبناء القبائل في معارك تتحمل الأسر والمجتمعات المحلية تكلفتها البشرية والمعيشية.

وأضافت المصادر أن بعض زعماء القبائل أبدوا عجزهم عن توفير مقاتلين جدد، في ظل تراجع الاستجابة لدعوات التجنيد واتساع المخاوف من إرسال مزيد من الشباب إلى الجبهات، حيث تتكبد الجماعة خسائر متلاحقة.

تهديدات وامتيازات

لم تقتصر تحركات الجماعة على الاتصالات والدعوات التعبوية، إذ لجأت، وفق المصادر، إلى ممارسة ضغوط على مشايخ القبائل لدفعهم إلى الاستجابة، شملت التلويح بسحب امتيازات وفرض غرامات مالية على المتخلفين عن تنفيذ مطالبها، مقابل تقديم إغراءات مالية وعينية لمن يوافقون على رفد الجبهات بالمقاتلين.

وتسعى الجماعة، من خلال هذه الأساليب، إلى تحميل مشايخ القبائل مسؤولية توفير المقاتلين، وتوظيف نفوذهم الاجتماعي لاستقطاب أبناء مناطقهم، في وقت تزداد فيه الخسائر البشرية على جبهات تعز والساحل الغربي ومأرب والجوف ولحج والضالع.

وفي مؤشر على تعثر مساعي الحشد، شهدت مناطق في بني مطر وسنحان ونهم بمحافظة صنعاء، قبل أيام، وقفات قبلية منفصلة دعت إليها الجماعة، لكنها اتسمت بمشاركة محدودة، وفق المصادر المحلية.

إجبار أبناء قبائل ريف صنعاء على ترديد الشعارات الحوثية (فيسبوك)

وسخّرت الجماعة وسائل إعلامها لتغطية تلك الفعاليات وإظهارها بوصفها تعبيراً عن التأييد القبلي، في محاولة لتعزيز صورتها وتبرير استمرار تحركاتها العسكرية، بالتزامن مع مساعيها لاستقطاب مقاتلين جدد.

وتشير محدودية المشاركة في هذه الفعاليات، وفق المصادر، إلى صعوبة تحويل الدعوات الحوثية إلى حشد قبلي واسع، خصوصاً في ظل تنامي الاعتراضات على استنزاف الشباب، وتوظيف الروابط القبلية لخدمة الأهداف العسكرية للجماعة.

وتتزامن حملات التعبئة مع استمرار القيود والضغوط المفروضة على سكان مناطق ريف صنعاء، وسط اتهامات للجماعة بالتضييق على المعارضين ومواصلة الاستيلاء على أراضٍ وممتلكات خاصة، بما يزيد من حدة الاحتقان في أوساط السكان.

وفي ظل تدهور الأوضاع المعيشية والخدمية في تلك المناطق، تواجه الأسر أعباءً اقتصادية متزايدة، بينما تواصل الجماعة توجيه جهودها نحو الفعاليات التعبوية والتحركات العسكرية، بدلاً من معالجة احتياجات السكان الأساسية.

مخاوف أسرية

تأتي هذه التحركات في ظل مساعٍ حوثية متواصلة لرفد الجبهات بالمقاتلين، بالتزامن مع تصاعد مخاوف الأسر من فقدان أبنائها أو عودتهم بإصابات دائمة، في وقت تزداد فيه الأعباء المعيشية، وتتراجع الخدمات الأساسية في مناطق سيطرة الجماعة.

وفي المقابل، يطالب سكان المناطق المستهدفة في ريف صنعاء بوقف حملات التجنيد والتحشيد، وتوجيه الجهود نحو معالجة الأزمات المعيشية، وتحسين الخدمات، بدلاً من دفع أبنائهم إلى جبهات القتال.

الحوثيون يستخدمون القتل والتهجير والخطف لإخضاع القبائل (فيسبوك)

وكانت الحكومة اليمنية قد دعت مشايخ القبائل والآباء والأمهات في تلك المناطق إلى منع إلحاق أبنائهم بصفوف الحوثيين، محذرة من الزج بهم في معارك تخدم، وفق موقفها، المشروع الإيراني وأجنداته الإقليمية على حساب أرواح اليمنيين ومستقبلهم.

وتتهم الحكومة الجماعة باستغلال النفوذ الاجتماعي والظروف الاقتصادية، إلى جانب أساليب الترهيب والإغراء، لاستدراج الشباب إلى معسكرات التعبئة والجبهات، بدلاً من توفير الظروف التي تساعدهم على العمل والحياة بعيداً عن الحرب.


تصعيد الحوثيين يفاقم النزوح ويهدّد الأمن الغذائي بتعز

منظر عام لمدينة تعز اليمنية المُحاصَرة من قِبل الحوثيين (رويترز)
منظر عام لمدينة تعز اليمنية المُحاصَرة من قِبل الحوثيين (رويترز)
TT

تصعيد الحوثيين يفاقم النزوح ويهدّد الأمن الغذائي بتعز

منظر عام لمدينة تعز اليمنية المُحاصَرة من قِبل الحوثيين (رويترز)
منظر عام لمدينة تعز اليمنية المُحاصَرة من قِبل الحوثيين (رويترز)

حذّر برنامج الأغذية العالمي من تعذر وصول المساعدات الإنسانية إلى نحو 600 ألف شخص في محافظة تعز، جنوب غربي اليمن، جراء استمرار التصعيد الحوثي وإغلاق الطرق، في وقت بدأت فيه السلطات المحلية بمحافظة لحج المجاورة إنشاء مخيم جديد لاستقبال الأسر الفارة من المواجهات، وسط مخاوف من اتساع موجة النزوح وتفاقم الاحتياجات الإنسانية.

وقال البرنامج إن من بين الأشخاص الذين بات الوصول إليهم متعذراً أكثر من 200 ألف امرأة وطفل يعتمدون على المساعدات الإنسانية، موضحاً أن انقطاع الوصول إلى المجتمعات المتضررة في الساحل الغربي منذ أوائل سبتمبر (أيلول) الماضي رفع إجمالي عدد المستفيدين الذين يتعذر الوصول إليهم إلى نحو 800 ألف شخص.

طفل يمني مع عائلته تحت شجرة شمال عدن بعد فرار أسرته من هجمات الحوثيين (أ.ب)

وأشار إلى أن مديريات تعز تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين داخلياً منذ اندلاع الأزمة، محذراً من أن استمرار المواجهات العسكرية واحتمال إغلاق مزيد من الطرق المحيطة بالمحافظة يزيدان صعوبة إيصال الإمدادات إلى السكان، في واحدة من أكثر المناطق اليمنية اكتظاظاً بالسكان.

تدهور معيشي

تتزامن هذه القيود الحوثية على تعز مع تدهور الأوضاع المعيشية في المحافظة، التي تسجل مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي. وذكر البرنامج أن 10 مديريات من أصل 16 في تعز سبق تصنيفها ضمن المرحلة الرابعة، أو مستوى الطوارئ، وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي.

وفي مؤشر على اتساع المخاطر، أفاد البرنامج بأن أحدث عمليات الرصد أظهرت اقتراب مخزونات دقيق القمح من النفاد، محذراً من أن الكميات المتبقية من المواد الغذائية في الأسواق المحلية قد لا تكفي إلا لفترة محدودة إذا استمرت القيود المفروضة على الوصول إلى المناطق المتضررة.

مخيم قرب عدن للنازحين الفارين من جحيم الحوثيين (أ.ب)

ويزيد تعطل الطرق من صعوبة الاستجابة للاحتياجات المتنامية، خصوصاً مع وجود أعداد كبيرة من النازحين الذين يعتمدون على المساعدات لتأمين الغذاء والاحتياجات الأساسية، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من تدهور إضافي للأوضاع الإنسانية إذا اتسعت رقعة المواجهات أو أُغلقت طرق إمداد أخرى.

مخيم جديد في لحج

في محافظة لحج، دفعت التطورات الميدانية في مديرية رأس العارة أسراً إلى مغادرة منازلها ومناطقها، هرباً من تداعيات التصعيد الحوثي، وفق مصادر محلية. وتأتي هذه التحركات في ظل المواجهات المرتبطة بمرتفعات كهبوب، التي تتحكم بمواقع عسكرية في ذو باب ومحيط مضيق باب المندب.

وباشرت لجنة الطوارئ في المحافظة، بالتنسيق مع السلطة المحلية في رأس العارة وممثل العمليات المشتركة، تحركات ميدانية لتنفيذ خطة عاجلة لتوفير المأوى للنازحين، بتوجيهات من محافظ لحج مراد الحالمي.

مسؤولون يشرفون على إقامة مخيم جديد للنازحين في محافظة لحج (إعلام حكومي)

وضم الوفد رئيس لجنة الطوارئ ووكيل المحافظة أحمد إبراهيم، ومدير عام الشؤون الاجتماعية صائب عبد العزيز، والمستشار عادل اليزيدي، ممثل محافظ عدن عبد الرحمن شيخ عن العمليات المشتركة وعضو لجنة عدن. وكان في استقبالهم مدير عام مديرية رأس العارة مراد جوبح، وأعضاء لجنة الطوارئ المحلية.

وخلال النزول الميداني، حُدّد موقع في منطقة خور عميرة لإقامة مخيم إيواء يتسع لأكثر من ألف خيمة، في حين بدأت الفرق الميدانية تركيب الدفعة الأولى، التي تضم 100 خيمة؛ تمهيداً لتجهيزها بصورة عاجلة لاستقبال الأسر التي اضطرت إلى ترك منازلها وممتلكاتها ومصادر رزقها.

ولا تقتصر احتياجات النازحين على توفير المأوى، بل تشمل الغذاء ومياه الشرب وسائر المستلزمات الأساسية، في ظل ظروف معيشية تزداد صعوبة على النساء والأطفال، الذين يجدون أنفسهم بعيداً عن منازلهم وبيئتهم المعتادة، وفي حاجة إلى الحماية والرعاية والمساندة الإنسانية.

وأكد رئيس لجنة الطوارئ أحمد إبراهيم أن السلطة المحلية واللجنة تعملان على تسريع توفير المأوى الآمن والسلال الغذائية والإغاثية للأسر النازحة، مع إيلاء اهتمام خاص بالنساء والأطفال والفئات الأكثر احتياجاً، مشدداً على أهمية مساندة المواطنين في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها المديرية.

ودعا إبراهيم المنظمات الإنسانية والإغاثية المحلية والإقليمية والدولية إلى التدخل العاجل وتقديم الدعم اللازم، وتعزيز الاستجابة للاحتياجات المتزايدة، بما يضمن توفير الغذاء والمياه والمأوى والخدمات الأساسية، ويحول دون تفاقم معاناة الأسر التي دفعتها المواجهات إلى النزوح.


17 ألف استهداف للحوثيين منذ بدء عملية «فجر اليمن»

مقاتلون تابعون للحكومة اليمنية في إحدى جبهات المواجهة ضد الحوثيين (أ.ب)
مقاتلون تابعون للحكومة اليمنية في إحدى جبهات المواجهة ضد الحوثيين (أ.ب)
TT

17 ألف استهداف للحوثيين منذ بدء عملية «فجر اليمن»

مقاتلون تابعون للحكومة اليمنية في إحدى جبهات المواجهة ضد الحوثيين (أ.ب)
مقاتلون تابعون للحكومة اليمنية في إحدى جبهات المواجهة ضد الحوثيين (أ.ب)

تزامناً مع انكسار هجمات حوثية عنيفة في جبهات تعز ولحج، أعلنت القوات المسلحة اليمنية أن إجمالي الاستهدافات الجوية والبرية التي نفذتها، بإسناد من تحالف دعم الشرعية، تجاوز 17 ألفاً منذ بدء عملية «فجر اليمن»، في وقت شهدت فيه الساعات الـ24 الماضية تنفيذ أكثر من 1250 استهدافاً، أسفرت عن تحييد نحو 700 عنصر حوثي، وتدمير أو إعطاب أكثر من 150 آلية ووسيلة قتالية.

وتصدرت الجبهة الغربية لتعز مسار المواجهات، حيث أعلنت القوات الحكومية صد هجوم حوثي استمر نحو 12 ساعة، إلى جانب كسر هجمات أخرى في الضباب والأقروض والشقب، بالتزامن مع مواجهات في جبهتي المضاربة والوازعية بمحافظة لحج.

وأفاد المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، بأن العمليات المنفذة خلال اليوم الأخير، شملت مواقع وتحصينات وخنادق ومصادر نيران ونقاط مراقبة واستطلاع، إلى جانب مراكز قيادة وسيطرة متقدمة ومناطق حشد وإمداد حوثية.

وقال إن هذه الضربات استهدفت إضعاف الأنساق الدفاعية للجماعة والحد من قدرتها على شن الهجمات، مع تركيز ملحوظ على جبهات تعز.

جبل هان الاستراتيجي في غرب مدينة تعز حيث يضغط الحوثيون للسيطرة عليه (فيسبوك)

وشهدت الجبهة الغربية لمدينة تعز مواجهات عنيفة عقب هجوم حوثي واسع استمر نحو 12 ساعة في محيط جبل هان، وفق إفادات ميدانية للقوات الحكومية، التي قالت إنها تمكنت من صد الهجوم وإجبار المهاجمين على التراجع من المواقع التي حاولوا التقدم إليها.

وامتدت الاشتباكات إلى محيط المطار القديم ومنطقة غراب وبئر باشا، مع استخدام الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والقصف المدفعي والصاروخي. كما تواصلت المواجهات في محيط القصر الجمهوري شرق المدينة، وسط تقارير عن قصف حوثي استهدف أحياء سكنية في منطقة المطار القديم. وقالت القوات الحكومية إنها احتفظت بمواقعها في جبل هان، واستعادت مواقع تسلل إليها المهاجمون.

جانب من مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)

وفي جنوب المحافظة، تصدت القوات الحكومية لهجمات حوثية في جبهتي الأقروض والشقب، بالتزامن مع ضربات جوية استهدفت رتلاً من الدبابات والآليات العسكرية في منطقة رأس النجد بمديرية المسراخ، ومواقع للجماعة في تبة سوفتيل شرق المدينة، إضافة إلى دبابة وعربة عسكرية في جبهة الضباب غرب تعز.

وذكرت القوات الحكومية أن المواجهات والغارات أسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى في صفوف الحوثيين، من دون توافر حصيلة مستقلة للخسائر المعلنة.

تعزيزات واستنزاف في لحج

في محافظة لحج، تحديداً في غربها، حيث الحدود مع محافظة تعز، دفعت قوات ألوية العمالقة الجنوبية بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي، بتعزيزات من الفرقة السادسة مشاة ووحدات الإسناد إلى جبهة المضاربة، في إطار تعزيز القوات المنتشرة في المنطقة ومواجهة محاولات التسلل الحوثية.

وأعلنت قوات العمالقة تدمير آليات ومعدات عسكرية حوثية خلال التصدي لمحاولات التسلل، فيما تحدث إعلامها عن القضاء على آخر سرية من اللواء الحادي عشر احتياط التابع للجماعة، في سياق خسائر قال إن تشكيلات حوثية تكبدتها خلال المواجهات.

مقاتل يمني يتصدى للهجمات الحوثية في إحدى جبهات مدينة تعز (إعلام عسكري)

وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع استمرار القتال في جبهة الوازعية غرب تعز، حيث تسعى القوات الحكومية إلى إحباط الهجمات، ومنع الحوثيين من تحقيق اختراقات ميدانية باتجاه المناطق المجاورة لمحافظة لحج، والالتفاف على القوات الحكومية في باب المندب لفك الحصار عن الجيوب الحوثية.

وفي موازاة المواجهات البرية، أعلنت السلطات المحلية في مأرب أن الحوثيين قصفوا أحياء سكنية في المدينة بـ9 صواريخ باليستية و7 مقذوفات أخرى، مساء الخميس، محذرة من استمرار استهداف المناطق المأهولة بالسكان، وداعية المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى اتخاذ إجراءات لوقف هذه الهجمات.

وفي عدن، ارتفعت حصيلة الهجوم الصاروخي الذي استهدف قصر معاشيق الرئاسي ومنطقة البريقة غرب المدينة، إلى 5 قتلى و16 جريحاً، بحسب وزير الصحة العامة والسكان قاسم بحيبح، الذي أوضح أن الضحايا شملوا أفراداً من الحراسات وموظفين مدنيين.

استمرار العملية

على المستوى السياسي والعسكري، تابع رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، مستجدات عملية «فجر اليمن» وسير العمليات في مختلف الجبهات، خلال إحاطة قدمها وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، ورئيس هيئة الأركان العامة قائد العمليات المشتركة الفريق الركن صغير بن عزيز، وقائد المنطقة العسكرية الرابعة اللواء الركن حمدي شكري، إلى جانب محافظي تعز ولحج.

ووفقاً للإحاطات، تجاوز عدد الاستهدافات الجوية والبرية التي نفذتها القوات المسلحة، بإسناد من تحالف دعم الشرعية، 17 ألف استهداف منذ انطلاق العملية، طالت مواقع وتجمعات وقدرات عسكرية حوثية على جبهات متعددة.

الحوثيون استهدفوا القصر الرئاسي في عدن بعدد من الصواريخ (رويترز)

وأشاد العليمي بأداء القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية والمقاومة الشعبية، مثمناً دعم المملكة العربية السعودية ودور تحالف دعم الشرعية في مساندة الدولة اليمنية وقواتها المسلحة. وقال إن العملية مستمرة وفق أهدافها المعلنة لاستعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اليمنية، وصولاً إلى العاصمة صنعاء.

كما تناولت الإحاطات الأوضاع الإنسانية والخدمية في تعز ولحج، والتدابير المتخذة للتعامل مع موجات النزوح وتأمين الخدمات الأساسية وطرق الإمداد، في ظل تداعيات التصعيد العسكري.

واتهم العليمي الحوثيين بفرض إجراءات قسرية في المناطق التي تسللوا إليها بمحافظة تعز، شملت التجنيد الإجباري والتعبئة الآيديولوجية ومحاولات تغيير هوية المؤسسات التعليمية والمجتمعية، محذراً من تداعيات هذه الممارسات، ومؤكداً مسؤولية الدولة عن حماية المواطنين ومساءلة المتورطين في الانتهاكات.