خريطة طريق هندية تستهدف موقع الاقتصاد الثالث عالمياً

إصلاحات جريئة للتحول من بيئة طاردة إلى صديقة للاستثمار

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي
TT

خريطة طريق هندية تستهدف موقع الاقتصاد الثالث عالمياً

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي

تهدف الهند إلى النمو باقتصادها إلى 5 تريليونات دولار بحلول عام 2024 - 2025، الأمر الذي سيجعل منها الاقتصاد الثالث عالمياً من حيث الحجم. وفي هذا الإطار، كشفت وزيرة المالية الهندية النقاب عن خريطة طريق نحو تحقيق معدل نمو كبير تضمنتها وثيقة الموازنة السنوية. ومن المقرَّر أن تسري هذه الخطة للموازنة حتى 31 مارس (آذار) 2020.
ويتطلب الوصول إلى الهدف سالف الذكر تحقيق نمو بمعدل 8 في المائة سنوياً مع تعزيز قوي للاستثمار. وأعلنت وزيرة المالية نيرمالا سيثارام، ثاني سيدة تتولى منصب وزير المالية في تاريخ البلاد، أمام البرلمان الهندي، الأسبوع الماضي، أن الاقتصاد سينمو ليصل إلى 3 تريليونات دولار، العام الحالي.
وجدير بالذكر أنه منذ الاستقلال، نما الاقتصاد الهندي إلى مستوى تريليون دولار في غضون 57 عاماً، بينما وصل إلى تريليوني دولار خلال سبعة سنوات، وسيصبح 3 تريليونات دولار بحلول عام 2020، أي في 9 سنوات.

جهود جذب استثمارات أجنبية
تمثلت الرسالة التي انطوت عليها الموازنة الجديدة في أن حكومة ناريندرا مودي تسعى إلى بسط السجادة الحمراء تحت أقدام المستثمرين الأجانب في مجالي الأسهم والديون، سعياً للوصول إلى هذا الهدف.
ويتضمن ذلك إقرار إصلاحات في سوق الديون لتشجيع الاستثمارات الأجنبية والمحلية، وفرض حدود قصوى أعلى على الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتخفيف صرامة القيود المفروضة على الاستثمارات الخاصة بمستثمرين مؤسسيين أجانب، بجانب تيسير القوانين.
علاوة على ذلك، ألغت سيثارام الحد الأقصى المقرر بـ24 في المائة على الاستثمار الأجنبي في الحوافظ المالية، ما جعل الإطار العام لاستثمارات الهنود غير المقيمين قريباً من الإطار الأكثر تفضيلاً المتعلق باستثمارات المستثمرين المؤسسيين الأجانب. ومن المنتظر أن يتبع ذلك مزيد من التغييرات.
وترمي هذه الخطوات نحو تشجيع الاستثمارات الأجنبية في المحافظ على الاستثمار في عناصر أخرى بخلاف الأسهم، حيث يميل تدفق الأموال لاكتساب معدل تردد أعلى، وتتوافر إدارة استثمارية نشطة. واليوم، سيصبح الحد الأقصى المسموح به من الاستثمارات الأجنبية في المحافظ مكافئاً للحد المفروض بالنسبة للاستثمارات الأجنبية المباشرة في القطاع الذي تعمل به الشركة. ومع هذا، يمكن للكيان المدرج تحديد حد أقل بناءً على حاجته للسيطرة على أعماله التجارية. علاوة على ذلك، سيسمح للاستثمارات الأجنبية في المحافظ الآن بالاستثمار في سندات الديون الصادرة عن صناديق الاستثمار العقارية وصناديق الاستثمار في البنية التحتية. وتميل هذه الاستثمارات لأن تكون سلبية نسبياً مع نظرة أطول أمداً.
ومن شأن هذه التغييرات جذب قدر أكبر من رؤوس الأموال الأجنبية المتوقعة باتجاه عناصر هندية تتطلع نحو تنقيد الأصول القائمة عبر صناديق الاستثمار العقارية وصناديق الاستثمار في البنية التحتية.
في هذا السياق، قال بارثو داسغوبتا الرئيس التنفيذي لشركة «بارك الهند»: «بسبب معدلات ضريبية مرتفعة على الشركات ونظام ضريبي غير مؤكد وبيئة مبهمة فيما يخص السياسات المقررة، مثلما الحال مع سياسات التجارة الإلكترونية، تحولت الهند إلى واحدة من الدول التي تشهد أعلى معدلات التقاضي من جانب شركات أجنبية. وفي وقت توفر الحرب التجارية المستعرة بين الولايات المتحدة والصين إمكانات مثيرة للاهتمام أمام الهند، فإن خلق بيئة صديقة للاستثمارات الأجنبية من الممكن أن يخلق مزيداً من الوظائف والاستثمارات داخل الهند».
من جهتها، بدأت الحكومة تبدي انفتاحاً أمام الاستثمارات الأجنبية المباشرة بمجالات الطيران والتأمين والإعلام وتجارة التجزئة. والآن، سمحت الحكومة باستثمارات أجنبية مباشرة بنسبة 100 في المائة في الوسطاء التأمينيين. ومن شأن ذلك السماح لكبار العناصر العالمية الفاعلة بالدفع برؤوس أموال جديدة لتوسيع نطاق مشاركتها، وكذلك نطاق خدماتها في الهند. جدير بالذكر أن الحد الأقصى الذي كان مفروضاً على الاستثمارات الأجنبية المباشرة بمجال النشاطات التجارية المرتبطة بالتأمين يبلغ 49 في المائة. والآن، سيتمكن الوسطاء من توجيه مزيد من الاستثمارات إلى مجال التكنولوجيات الرقمية لتغطية أسواق جديدة.

الاقتراض «أوفشور»
من أبرز الإشارات التي تضمنتها الموازنة الجديدة وأثارت جدلاً كبيراً في أوساط الخبراء الاقتصاديين، استعداد الهند تعويض العجز في مدخراتها الداخلية من خلال الاقتراض من الخارج، ربما عبر إصدار سندات سيادية.
جدير بالذكر في هذا الصدد أن معدل الديون السيادية الهندية بالنسبة إلى إجمالي الناتج الداخلي يُعتبر بين الأقل عالمياً، وهناك الكثير من السيولة الزهيدة متاحة في الأسواق العالمية.
من جهته، علق جويديب سين مؤسس موقع «وايز إنفستور» الإلكتروني على الأمر بقوله: «أدركت الحكومة أن المستثمرين ورجال الأعمال المحليين غير كافين لتعزيز نمو الاقتصاد. أيضاً، يبدو إصدار السندات السيادية متناغماً من حيث التوقيت مع وجود معدلات الفائدة العالمية في مستويات منخفضة قياسية. ومن شأن ذلك معاونة الحكومة في تحسين سجلاتها المالية، وكذلك تخفيف الضغوط عن سوق السندات المحلية والمعاونة في إبقاء أرباح السندات المحلية جيدة. وقررت الحكومة أنها ستحصل على قروض بعملة أجنبية، لكن هذا قد يشكل رهاناً يحمل مخاطر واضحة لأنه من الصعب تقدير ما سيكون عليه معدل الصرف عندما تضطر الهند إلى سداد هذه القروض. جدير بالذكر هنا أن الدولار ازداد قوة بنسبة تتراوح بين 18 و20 في المائة مقارنة بالروبية خلال الأعوام الخمسة الماضية... ومع ذلك، ترى الحكومة ضرورة أنه بحلول وقت سداد القروض، سيكون الاقتصاد الهندي أكبر بكثير».

الانضباط المالي
في خطوة جريئة، قررت الحكومة تقليص العجز المالي لديها إلى 3.3 في المائة من إجمالي الناتج الداخلي. وفي إطار الموازنة المؤقتة التي قدمتها حكومة مودي في وقت سابق من العام، حددت الحكومة هدفها المالي عند 3.4 في المائة. ورغم أن هذا أشار إلى ميل باتجاه التحفظ المالي من جانب الحكومة، فإن عدداً من الخبراء لم يشاركوا الحكومة حماسها، وتوقعوا أن الهدف الأقل المرتبط بالعجز المالي سيكون من الصعب تحقيقه.
في هذا الصدد، أعرب الخبيران الاقتصاديان لدى مؤسسة «نومورا»، سونال فارما وأوروديب ناندي في بحث لهما حول الموازنة الحكومية عن اعتقادهما بأن «تقليص هدف العجز المالي رغم الظروف المالية المعاكسة من تراجع العائدات وتباطؤ النمو، يعتبر مؤشراً مهماً على عقد الحكومة عزمها على تحسين الأساسيات الاقتصادية الكبيرة والعناصر الإيجابية على المدى القصير».
ومع ذلك، نبهت وكالة «موديز» من ناحيتها إلى أن هذا الهدف قد ينطوي على تحديات كبيرة أمام الهند. وذكرت وكالة التصنيف الائتماني في بيان لها أن «الحكومة الهندية أعلنت عن هدف أقل فيما يخص العجز المالي للسنة المالية 2020، في الوقت الذي تبقي على دعمها للنمو والدخول. وسينطوي تحقيق هذه الأهداف المتعارضة على تحديات كبيرة. ونتوقع من الاقتصاد أن ينمو ببطء نسبي، رغم الإجراءات الحكومية لدعم الدخل».

الحمائية والضرائب على بالغي الثراء
من بين العناصر المثيرة للقلق التي تضمنتها الموازنة التي أعلنتها وزيرة المالية الهندية، ما حملته من مؤشرات على العودة إلى حقبة ما قبل التحرير الاقتصادي. وقد قررت الهند إما أن توقف الواردات غير الضرورية أو تجعلها أعلى تكلفة. جدير بالذكر أن الهند رفعت التعريفات على الواردات المتمثلة في قرابة 75 عنصراً، منها الذهب والكتب الأجنبية وقطع غيار السيارات، بجانب فرضها ضريبة استيراد تبلغ روبيَّتين على لتر النفط الخام، وذلك بهدف تعزيز العائدات الفيدرالية في الوقت الذي تتراجع الأسعار العالمية عن مستويات الذروة التي بلغتها سابقاً.
وجرى خفض ضرائب الشركات على الشركات التي حققت عائدات تصل إلى 4 مليارات روبية (58.4 مليون دولاراً) إلى 25 في المائة، بهدف حماية الأعمال التجارية المحلية بصورة أساسية.
أما الإجراء الأهم، فتمثل في زيادة الضرائب على الأثرياء للمعاونة في إعادة ضخ رؤوس أموال في البنوك ودعم الشركات الصغيرة في محاولة لإعادة تحفيز النمو المتباطئ. وزادت الحكومة الضرائب على الدخل بالنسبة للأفراد الذين تتجاوز دخولهم السنوية 20 مليون روبية (292 ألف دولاراً) والذين يشكلون الشريحة العليا من المجتمع الهندي. في الوقت الحالي، تفرض الهند ضريبة بقيمة 10 في المائة على من تتراوح دخولهم بين 5 و10 ملايين روبية، و15 في المائة على من تتجاوز دخولهم 10 ملايين روبية. وسيتضمن المعدل الجديد ضريبة بنسبة 25 في المائة على الدخول المتراوحة بين 20 و50 مليون روبية، و37 في المائة على الدخول التي تتجاوز 50 مليون روبية سنوياً.
من جهته، قال هارش كومار بهانوالا، بروفسور بمدرسة العلوم الاجتماعية التابعة للمعهد الوطني للدراسات المتقدمة: «فرض ضرائب على شديدي الثراء قد يبعث بإشارة سياسية إيجابية، لكن هذه الرمزية سينتهي بها الحال إلى الإضرار بقطاع مهم للغاية بالبلاد. وستكون الرسالة أن الحكومة الهندية ليست مهتمة بأصحاب الأعمال الكبار في البلاد، الأمر الذي يعني أنهم قد يبدأون في البحث عن فرص في دول أخرى».
بجانب ذلك، تشير البيانات التي جرى الحصول عليها من مصلحة الجمارك عن السنوات القليلة الماضية أن معدلات حوادث تهريب الذهب في تزايد، ما يعني أن هذا سيزيد «السلوك السلبي».

ازدهار البنية التحتية والصناعات المتجددة
سعياً لتحسين مستوى الربط البري عبر الطرق، من المقرر أن تنفق الحكومة 11.7 مليار دولار على هذا الأمر. أيضاً، ستحتاج البنية التحتية للسكك الحديدية إلى 730 مليار دولار ما بين عامي 2019 و2030. كما دعت الحكومة الاستثمارات الأجنبية لاتخاذ طريق الشراكات العامة - الخاصة، نحو تحقيق تنمية أسرع وتوصيل الركاب وخدمات الشحن.
ومن أجل تعزيز النمو الاقتصادي وشعار «صُنع في الهند»، ستطلق الحكومة خطة لدعوة شركات عالمية عبر مناقصة شفافة لبناء مصانع تصنيعية ضخمة بمجالات تكنولوجية متقدمة، مثل أشباه الموصّلات والخلايا الشمسية وبطاريات الليثيوم لتخزين الطاقة وخادمات الكومبيوتر، مع منحها إعفاءات ضريبية على العائدات المرتبطة بالاستثمارات ومزايا ضريبية أخرى غير مباشرة.



«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.