آلاف المسيحيين العراقيين ينتظرون فرصة اللجوء إلى فرنسا

آلاف المسيحيين العراقيين ينتظرون فرصة اللجوء إلى فرنسا

باريس تسعى للعودة إلى الواجهة في المنطقة عبر بوابة بغداد
السبت - 19 ذو القعدة 1435 هـ - 13 سبتمبر 2014 مـ

بعد مرور 11 عاما على رفضها اتباع خطى واشنطن ولندن في اجتياح العراق، تسعى فرنسا الآن للعودة إلى الواجهة في المنطقة، من خلال هذا البلد الذي يحارب تنظيم «داعش» المتطرف، أكان على الصعيد الدبلوماسي، أو في إطار تحرك عسكري.
وقبل 3 أيام من انعقاد مؤتمر دولي في باريس حول «السلام والأمن في العراق»، زار فرنسوا هولاند بغداد وكردستان ليعبر «للسلطات العراقية عن دعم فرنسا في محاربة إرهابيي (داعش)».
وفرنسا التي زودت المقاتلين الأكراد بالأسلحة لمواجهة هذا التنظيم، وترسل مساعدة إنسانية إلى اللاجئين المسيحيين والإيزيديين في شمال البلاد، تقوم بعودة لافتة إلى العراق الذي ربطتها به علاقات تاريخية قوية، لكنها غامضة، في ظل نظام صدام حسين الذي أطاح به الاجتياح الأميركي البريطاني في عام 2003.
ويبدو أن الدعم الفرنسي يطمئن القلقين في المنطقة وخارجها من تدخل عسكري أميركي بدأ منذ الثامن من أغسطس (آب) بضربات على مواقع تنظيم «داعش».
ويذكر كريم إميل بيطار، الباحث في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية، بأن «الدبلوماسية الفرنسية اعتمدت موقفا صائبا في 2002 - 2003 برفضها الانخراط في الحرب وبتوقعها نتائج التدخل: جعل البلاد معسكر تدريب لـ(القاعدة) في حين كان هذا التنظيم غائبا عنها قبل سقوط نظام صدام حسين».
وخلافا للولايات المتحدة تبدي باريس حرصها على الحصول على شرعية قانونية دولية مع مباركة السلطات العراقية والأمم المتحدة. وفي هذا السياق، أقر دوني بوشار من المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية بأنه «لا شيء يمكن أن يحدث في العراق من دون موافقة إيران. فالشيعة الحاكمون في بغداد قريبون جدا من طهران، كما أنهم متهمون بتهميش السنة مع ما ينطوي عليه ذلك من خطر دفعهم للانضمام إلى المقاتلين المتطرفين».
وأوضح وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس الأربعاء الماضي، أن فرنسا ستشارك «إن اقتضت الضرورة» في تحرك عسكري جوي في العراق. ولفت مسؤول فرنسي طلب عدم الكشف عن اسمه إلى أن «مثل هذه المشاركة يجب أن تكون فعالة ومحددة الهدف. وينبغي الاحتفاظ بجانب من الاستقلالية. لا نريد أن نكون بمثابة متعهد ثانوي للأميركيين».
وترفض باريس في الوقت الحاضر اتباع الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي توعد بـ«تدمير» تنظيم «داعش» وهدد بضربه ليس في العراق، بل وأيضا في سوريا، حيث ظهر هذا التنظيم المتطرف في إطار الحرب الدائرة بين المقاتلين المعارضين ونظام الرئيس بشار الأسد.
واعتبر المسؤول الفرنسي أنها «ليست الأزمات نفسها. ويجب عدم الخلط بين المشكلتين حتى وإن كان تنظيم (داعش) موجودا في البلدين».
ولم يغب عن بال الدبلوماسيين الفرنسيين أن ـباريس كانت قبل عام رأس الحربة للقيام بتوجيه ضربات جوية على سوريا آنذاك ضد نظام بشار الأسد، لكنها اضطرت لإعادة النظر في اللحظة الأخيرة في مخططاتها عندما تراجعت الولايات المتحدة عن تلك العملية.
وتخشى فرنسا أن يؤدي توجيه ضربات إلى تنظيم «داعش» إلى تعزيز النظام السوري عسكريا على الأرض ويعطي مزيدا من الشرعية لبشار الأسد الذي تصفه باريس بأبشع الأوصاف منذ سنوات عدة.
وقال دبلوماسي فرنسي: «إننا عضو دائم في مجلس الأمن الدولي ولدينا مسؤوليات في هذا الإطار. إن مصلحتنا الوطنية، وأمننا القومي على المحك، ولذلك نتدخل. لا يجوز أن نسمح بقيام معقل إسلامي على مسافة 5 ساعات طيران من باريس».
كذلك أشارت باريس أيضا إلى المهمة التاريخية لحماية الأقليات المسيحية.
وكان عدة آلاف من المسيحيين العراقيين تقدموا بطلبات من أجل اللجوء إلى فرنسا، بعدما شجعهم على هذه الخطوة إعلان باريس إعطاء الأولوية لاستقبال الأقليات المضطهدة من تنظيم «داعش»، غير أن الطريق للخروج من العراق قد يكون طويلا.
وأعلن الرئيس الفرنسي، أمس (الجمعة)، من أربيل، إقامة «جسر إنساني فعلي» للاجئين العراقيين الذين يرغبون في مغادرة بلادهم. وقال هولاند في مؤتمر صحافي بعاصمة إقليم كردستان العراق: «سنواصل مع أوروبا مساعدتنا للاجئين. سنقيم جسرا إنسانيا فعليا، وسنتعامل أيضا مع الحالات الأكثر إيلاما لعائلات تربطها علاقات بفرنسا، وتريد المجيء لوقت معين للجوء لدى أقربائها».
وفي القنصلية الفرنسية العامة في أربيل تتوالى المقابلات مع طالبي اللجوء. لكن يستحيل معرفة كم من الملفات ستجري معالجته، ولا على أساس أي معايير، فالقنصل أو مستشاروه ليس لديهم متسع من الوقت للرد على الأسئلة.
وتشير تقديرات جمعية مساعدة الأقليات في الشرق إلى أن نحو 10 آلاف مسيحي عراقي قدموا ملفات إلى القنصلية في أربيل منذ بدء هجوم تنظيم «داعش» في العراق، قبل 3 أشهر.
وقد استولى هذا التنظيم «الجهادي» الناشط أيضا في سوريا المجاورة على مناطق كاملة في العراق، خاصة الموصل ثاني مدنها التي يقطنها عدد كبير من المسيحيين أو قره قوش، مما دفع عشرات آلاف الأشخاص للهرب.
وتفيد شهادات لاجئين بأن مقاتلي التنظيم المتطرف أجبروا المسيحيين على الخيار بين اعتناق الإسلام ودفع الجزية، وهددوهم بقتل عائلاتهم.
وأمام هذا الوضع، أعلنت الحكومة الفرنسية أواخر يوليو (تموز) عزمها تشجيع استقبال الأقليات المضطهدة.
وفي الوقت الحاضر، استقبل نحو 50 مسيحيا عراقيا فقط في فرنسا، بحسب جمعية مساعدة الأقليات في الشرق، التي طالبت، أثناء مؤتمر صحافي في مجلس الشيوخ، بتسريع العملية.
لكن بعض الجمعيات تشكك حتى في رغبة الحكومة الفرنسية في استضافة هؤلاء النازحين. وعبرت ايف شهشهاني المسؤولة عن برامج اللجوء في الجمعية المسيحية لمكافحة التعذيب، في اتصال هاتفي بالوكالة الفرنسية، عن خشيتها من «مفعول الإعلان». وقالت: «إننا سعداء لـ40 شخصا الذين استقبلوا أمام الكاميرات قبل بضعة أسابيع (من قبل وزير الخارجية لوران فابيوس) لكن لم نر منذ ذلك الحين كثيرين آخرين».
وعدّ فرج بونوا كامورا من منظمة الإخوة غير الحكومية في العراق أن فرنسا لن تتمكن في مطلق الأحوال من «استقبال 10 آلاف لاجئ».
وبعد أن أشار إلى أن «عشرات آلاف العوائل غادرت منازلها»، دعا إلى «تكثيف المساعدة الإنسانية بغية أن يتمكن هؤلاء الأشخاص من العودة إلى قراهم قبل الشتاء».
لكن مسألة إبعاد المسيحيين تبقى موضوعا حساسا. ورغم دعوة كثير من الجمعيات والسياسيين الفرنسيين، في اليسار أو المعارضة، إلى مساعدة الأقليات المسيحية، فإن تصور العراق خاليا من مسيحييه أمر مثير للقلق، لا سيما أن عدد العراقيين المسيحيين في العراق تراجع بشكل كبير منذ الاجتياح الأميركي في 2003 وأعمال العنف الدموية التي تلت الغزو.
فقبل عام 2003، كان أكثر من مليون مسيحي يعيشون في البلاد، أكثر من 600 ألف منهم في العاصمة بغداد، و60 ألفا في الموصل، لكن أيضا في مدينة كركوك النفطية (شمال) وفي مدينة البصرة جنوبا. غير أن عددهم انخفض إلى حد كبير، ولم يكن سوى نحو 400 ألف أواخر يوليو في جميع الأراضي العراقية.
وعبر مسؤولون في جمعيات خيرية عن مخاوفهم من أن يخدم إخلاء البلاد من المسيحيين مصلحة «الجهاديين» الذين يقومون بعملية «تطهير إثني وديني» في المناطق التي يستولون عليها، بحسب الأمم المتحدة.
وفي منتصف أغسطس (آب)، أكد وزير الداخلية الفرنسي برنار كازنوف على رغبة فرنسا أولا بالعمل، من أجل أن تتمكن الأقليات من مواصلة العيش في العراق.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة