عبد الجبار داود البصري... إنجاز نقدي مبكر وتغييب شبه كامل

من أوائل من كتبوا عن حركة الحداثة الشعرية

عبد الجبار داود البصري
عبد الجبار داود البصري
TT

عبد الجبار داود البصري... إنجاز نقدي مبكر وتغييب شبه كامل

عبد الجبار داود البصري
عبد الجبار داود البصري

كم كنا حمقى نحن بعض الشعراء الشباب - سابقاً طبعاً - قبل أكثر من 20 عاماً، حين كنا نلتقي بالناقد العراقي عبد الجبار داود البصري (1930 - 2002) في المؤتمرات، ونتابع أوراقه النقدية لنخرج بانطباعاتٍ سطحية عن وعي ذلك الناقد الكبير، الذي كنا نجهل حجمه المعرفي والنقدي، فنبدأ نكيل له التهم بالتخلف وعدم مواكبة الحداثة، وبأنه ناقد انطباعي، علماً أنه كان يشخص النقاد الانطباعيين، فمثلاً كان يقول عن مارون عبود إنَّه ناقد انطباعي بامتياز، وإنَّ المنهج الانطباعي لم يتبلور في نتاج ناقد مثلما هو في نتاج مارون عبود دون منازع، ومن ثم يورد رأياً لمارون عبود حول ديوان «خفقة الطين» لبلند الحيدري يقول فيه: «الصوت صوت يعقوب وإنْ كان اللمس لمس عيسو... الرحى سورية وأمَّا الحنطة فعراقية».
كان البصري على دراية تامة بالمناهج النقدية حديثها وقديمها، وقد كتب فصلاً كاملاً عن مناهج نقد الشعر في كتابه «فضاء البيت الشعري» بمعرفة حقيقية للمؤسسين ولطبيعة معالجة النصوص من خلال تلك المناهج، وقد أسهب بالحديث عن تلك المناهج قديمها وحديثها، من كانت عربية المنشأ، أو معربة، أو مستوردة.
كان يشخص بدقة كبيرة، ويوجه نقده لتلك المناهج، مَنْ تصلح لثقافتنا، أو لا تصلح، ولكننا نحن الذين لم نقرأ شيئاً في تلك المرحلة، نظرنا لهذا الناقد الكبير بأنَّه لا يكتب إلَّا عن بعض السقطات اللغوية، فيقومها، حتى أننَّا ضحكنا كثيراً يوم كتب عن ديوان للشاعر عماد جبار، وكان أوَّل عملٍ له وعنوانه «وكانت هناك أغاني». كتب البصري مقالة ونشرها في إحدى الصحف اليومية - وكانت الكتابة في ذلك الوقت تعني الكثير بالنسبة لنا كشعراء يعني اعترافاً من النقدية العراقية حتى لو كانت شتماً - ولكننا سخرنا كأي منتفخين في العالم حين قرأنا أوَّل ملاحظة له بأنَّ العنوان فيه خطأ، حيث يجب أنْ يكون «وكانت هناك أغانٍ» وهذا هو الصحيح طبعاً.
ضحكنا وقلنا أُيُعقل في زمن البنيوية أنْ يتحدث النقاد كما يتحدث الأصمعي، أو أبو عمرو بن العلاء، كأن الناقد الذي لم يكن بنيوياً أو أسلوبياً أو تفكيكياً عليه ألا يعيش بين ظهرانينا، هذا ونحن لم نكن نعرف من البنيوية شيئا إلَّا اسمها، ومن التفكيكية إلا رسمها. هكذا كنا نردد آراءنا ونحن نقهقه بمراهقة ثقافية لا أكثر ولا أقل.
ولكن بعد مرور هذه السنوات، ومتابعتي ملف النقد العراقي من خلال الدراسة الأكاديمية، والكتابة عن لغة النقد الحديث في العراق، وجدتُ أنَّ الناقد عبد الجبار داود البصري هو من أكثر النقاد نفاذاً وإشعاعاً ومعرفة ومتابعة لكل ما هو جديد، ولكنَّه للأسف لم يحظَ بالمكانة التي يستحقها عراقياً وعربياً، ذلك أنَّ البصري هو من أوائل من كتب عن حركة الحداثة الشعرية «قصيدة الشعر الحر» وكتاباه المعروفان كانا رائدين على المستوى النقدي؛ فالأول كان «بدر شاكر السياب: رائد الشعر الحر» 1966، والثاني كان «نازك الملائكة: الشعر والمنظومة» 1971. كما أنَّه من النقاد الأوائل الذين التفتوا للشعر الحديث، فكان كتابه المعروف «مقال في الشعر العراقي الحديث» 1968.
فضلاً عن رؤيته حول فكرة المنهج التكاملي الذي يدعو فيه إلى الأخذ من المناهج جميعاً، وإنَّه لا حدود واضحة تعزل المناهج عن بعضها، فكان كتابه «الأدب التكاملي» 1970.
وهذا يعني أنَّ البصري يمتلك وعياً مبكراً، حيث رافق نشأة الحداثة الشعرية، وكتب عنها، في وقت كانت الكتابة عنها أشبه بالمغامرة بوصفها حركة جديدة لم يُلتفت إليها كثيراً، ولم تتكرس بعد في الوجدان الثقافي العربي، وأنَّ شعراءها لمَّا ينجزوا بعد مشروعهم الحداثي، كما أنَّ البصري لاحق بدأب وحب معظم ما كان يُكتب، حيث كتب عن معظم الإصدارات الشعرية من دواوين كانت تطبع في تلك الفترة، وحتى القصائد التي كانت تُنشر في الصحف والمجلات، كما كان يُكلَّف بقراءة النصوص في بعض المجلات التي تنشر فيها تلك النصوص، فضلاً عن قراءاته النقدية في المؤتمرات والمهرجانات، فقد كان يكتب في كل تلك الحالات، وهي ظاهرة تكاد تختفي الآن، إذ يُصدر المئات من الشعراء دواوينهم الشعرية، ولكن النقاد بمنأى عن تلك الأعمال، فهم - أي معظم النقاد المعاصرين -لا يكلفون أنفسهم بقراءتها ونقدها والبحث عن تجارب جديدة، فالكسل النقدي أجلسهم عند دكة الرواد من الأدباء ولم تمتد ملاعقهم النقدية للأجيال التي تنشطر وتتوالد وتختلف وتتصارع مع الذين سبقوهم، لذلك يأخذ الشعراء في مراحل متعددة دور النقاد فيبدأون ينظرون ويكتبون ويتبادلون الأدوار مع النقاد ليصلوا إلى مرحلة الاستغناء النقدي عن دورهم المهم.
ولكن البصري هو أحد تلك الأسماء التي نزعم أنها تقف في طليعة الأسماء العراقية التي أسهمت بصناعة الفكر والمعرفة في البلد، وبالأخص عراق ما بعد الحرب العالمية الثانية، وبالتحديد في الربع الأخير من القرن العشرين، وتُعد كتاباته منطقة وسطى ما بين النقاد الانطباعيين والنقاد النصيين الذي بدأوا يشتغلون على المصطلح والمفهوم، وقتلوا الشاعر وأباه لينفردوا بالنص الشعري، معتبرين إياه بنية مغلقة لا علاقة لها بكاتبها، فالبصري أزعم أنه حلقة الوصل، وهذه الحلقة نابعة من لغة البصري النقدية ومن رؤيته في الوقت نفسه، ذلك أن نصه النقدي حافل باللغة الاستعارية التي تجنح للانطباعية، ولكنه في الوقت نفسه تجد نصه النقدي حافلاً باللغة الواصفة والموضوعية، التي تختفي «أنا» الناقد كثيراً في محطاتها ودهاليزها.
ورغم خلو لغة البصري النقدية من حزمة المصطلحات والمفاهيم التي شابت رؤوسنا ولم نفهمها، فإنه لم يكن إنشائياً، فالموضوع الذي يعالجه نقدياً يوصله بأقل كلفة من المصطلحات، دون أنْ يشقَّ على القارئ، ويشعره بالتعالي المفاهيمي، ويغلق النص عليه، أو كما يقول الدكتور مالك المطلبي وعبد الرحمن طهمازي حين كتبا كتاباً نقدياً عن محمد خضير عنوانه «مرآة السرد»، كانا يقولان - في المقدمة - إننا سنكرُّ على المتلقي بأدواتنا الغليظة، وهذه مشكلة كبيرة فما ذنب المتلقي لكي تكرّوا عليه بأدوات غليظة؟ وغير مفهومة إطلاقاً.
البصري لم يكن من هذا النوع، بل هو صاحب لغة كما يصفها البعض بأنها حميمة مأنوسة لا تتعالى على قارئها، كما أنَّها لا تنزل إلى السفح، فمثلاً حين يتحدث البصري عن وظائف البيت الشعري يقول: «ووظائف البيت الشعري لا تختلف عن وظيفة أي بيتٍ آخر مبني بالقصب أو الخشب، بالآجر والكلس، بالسمنت والحديد، فالمعروف أن دور السكن تقوم بوظائف كثيرة أبرزها 4: الإيواء، والخزن، والترفيه، واتقاء الأخطار، ومن وظائف البيت الشعري أنْ يؤوي كل من يلجأ إليه، فلقد آوى قيساً وليلى، وجميلاً وبثينة، وعنترة وعبلة... ومن وظائف البيت الشعري الخزن والحفظ... فلقد حفظ هذا البيت تقاليد العرب ومآثرهم، وأيامهم ومعاركهم»... إنَّ من خلال هذه اللغة العالية والبسيطة - في الوقت نفسه - تتضح البوصلة النقدية التي يتجه نحوها البصري دون تكلف، أو معاضلة في الرؤية، أو اللغة النقدية التي تسيل بحب وود.
ظلَّ البصري وفيَّاً لمهمة النقد الأدبي، ومتابعاً بحرص الحركة الثقافية أيام التسعينات، تلك الأيام التي أتذكر فيها البصري في سنواته العشر الأخيرة، حيث بدأ يدبُّ دبيباً في مشيه، ولكنَّ لسانَه بقي حادَّاً في قراءة النصوص ونقدها.
أتذكر البصري هذه اللحظات وسط مجموعة من الأوهام النقدية التي غصنا في أوحالها، ووسط تعالٍ أجوف للنقدية العربية، أسهم بانفصال النص عن مجتمعه، ووضع حائطٍ عالٍ لا يمكن النظر من خلاله لأرواح النصوص التي شرَّحها النقاد بكل برود بسكاكين التشريح النقدية، دون أنْ نستمتع برفيف تلك النصوص، ولا نتذوق حلاوة سهر الليالي لهؤلاء الشعراء، فقد أماتوهم جميعاً وعزلوا النصوص عنهم، ومنعوا من إصدار الأحكام على تلك النصوص، هل هي جيدة؟ أم عكس ذلك؟ وأظن أنَّ بغياب الحكم النقدي غاب كثير من القيم النقدية، وانطوى تحت عباءة الحداثة من لا يستطيع أنْ يقول جملة مفيدة واحدة.
أتذكر البصري الآن حيث الغياب أو التغييب شبه الكامل لجهوده النقدية، ذلك أنَّه لم يُذكرْ لا بندوة مخصصة له، ولا يُذكر اسمُه في محافل النقد، أو المهرجانات التي كان أحد عرَّابيها المهمين، ولا حتى في مجلة «الأقلام» التي رأس تحريرها لمدة طويلة، ولا حتى في مقال نقدي، ما الذي يحصل أيُّها النقاد؟



السعودية تتقدم 10 مراتب في تقرير السعادة العالمي

تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)
تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)
TT

السعودية تتقدم 10 مراتب في تقرير السعادة العالمي

تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)
تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)

حقَّقت السعودية تقدماً لافتاً في تقرير السعادة العالمي لعام 2026، إذ جاءت في المرتبة الـ22 عالمياً من بين 147 دولة، بتقدم 10 مراتب عن ترتيبها العام الماضي، وبدرجة تقييم بلغت 6.817 من 10 على مقياس تقييم الحياة.

ويصدر هذا التقرير السنوي عن مركز أبحاث الرفاهية في جامعة أكسفورد بالتعاون مع مؤسسة «غالوب» الدولية بالتزامن مع اليوم العالمي للسعادة في 20 مارس (آذار).

ويعتمد التقرير على استطلاعات رأي تشمل أكثر من 140 دولة، تقيس مستوى رضا الأفراد عن حياتهم وفق عدة عوامل رئيسية، أبرزها: الناتج المحلي الإجمالي للفرد، والدعم الاجتماعي، ومتوسط العمر الصحي المتوقع، والحرية في اتخاذ القرارات، والكرم، ومستوى مكافحة الفساد.

وتؤكد النتيجة نجاح الجهود المبذولة ضمن «رؤية السعودية 2030»، لا سيما عبر «برنامج جودة الحياة» الذي يعتمد هذا التقرير كأحد المؤشرات المرجعية له.

وتجاوزت مساهمة قطاعات جودة الحياة في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد 20.5 مليار دولار، وجذبت ما يزيد عن 5.8 مليارات دولار في الاستثمارات غير الحكومية، كما عزَّزت الصادرات غير النفطية بأكثر من 5.6 مليارات دولار.

ويعكس التقدم المطرد في ترتيب السعودية الأثر الإيجابي للتحولات الشاملة التي شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة، حيث أسهمت في تعزيز أنماط الحياة الصحية بالمجتمع، وبناء منظومة متكاملة ترتكز على الإنسان وتُعزِّز رفاهيته.

وجاء ترتيب السعودية في التقرير متقدماً على عدة دول كبرى، إذ حلّت في مرتبة أعلى من الولايات المتحدة التي جاءت في المركز الـ23، وكندا الـ25، والمملكة المتحدة الـ29، فيما تصدرت فنلندا القائمة للعام التاسع على التوالي، تلتها آيسلندا والدنمارك.


«مصر للطيران» تتهم صناع «السلم والثعبان 2» بـ«الإساءة»

شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)
شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)
TT

«مصر للطيران» تتهم صناع «السلم والثعبان 2» بـ«الإساءة»

شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)
شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)

انتقدت شركة «مصر للطيران»، الناقل الوطني بمصر، مشهداً بفيلم «السلم والثعبان 2»، الذي انطلق عرضه مؤخراً عبر إحدى المنصات الإلكترونية، على خلفية ظهور بطلي العمل عمرو يوسف وأسماء جلال بملابس الشركة، في مشهد اعتبرته الشركة «غير لائق» ويمس «الصورة المشرفة المتأصلة لأطقم الركب الطائر في ذهن الجمهور»؛ بحسب بيان صدر (الاثنين).

واتهمت الشركة صناع الفيلم بـ«الإساءة لصورتها الذهنية وقيمتها المعنوية والانتقاص من مكانتها في مصر والعالم تحت دعوى الإبداع»، مؤكدة وقوفها بقوة «لحماية الحقوق المعنوية والأدبية للعاملين بالشركة ضد أي تشويه متعمد أو غير متعمد لصورتهم».

وتدور أحداث الفيلم - الذي حمل اسم «السلم والثعبان... لعب عيال» - ما بين الحب وطموحات الواقع، فيعيد طرح أسئلة الهوية والعاطفة من خلال قصة «أحمد»، الذي يقوم بدوره عمرو يوسف، المعماري المُبدع الذي يسعى لإعادة اكتشاف ذاته، و«ملك» التي تقوم بدورها أسماء جلال، رائدة الأعمال الطموحة التي تحاول الموازنة بين نجاحها المهني وحنينها العاطفي.

وشددت «مصر للطيران» على الاحتفاظ بحقها في «اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال استخدام الزي الرسمي المعتمد لأطقم الضيافة الجوية الخاص بالشركة وعلامتها التجارية المسجلة ضمن أحداث العمل دون الحصول على موافقة مسبقة من الجهات المختصة بالشركة، بالإضافة إلى الضرر الواقع بسبب استخدامها في (مشهد مسيء وغير لائق)»، بحسب البيان.

في السياق، أعلن طيار مصري يدعى أحمد فتح الله عبر حسابه على «فيسبوك» عن تقديم بلاغ للنائب العام ضد صناع الفيلم بتهمة «الإساءة للطيران»، مؤكداً أن تحركه جاء بدافع احترامه لمهنة الطيران ولكل من يعمل بها باعتبارها «من المهن التي لا يمكن السخرية منها».

المخرج طارق العريان خلال تحضيرات التصوير (الشركة المنتجة)

وعرض الجزء الثاني من «السلم والثعبان – لعب عيال» بعد 25 عاماً من عرض الجزء الأول، وهو من بطولة عمرو يوسف وأسماء جلال وظافر العابدين، ومن إخراج طارق العريان، وحقق إيرادات كبيرة مع عرضه بالصالات في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وعلق الناقد الفني طارق الشناوي على الأزمة قائلاً إن «هناك حالة من التربص تجاه الأعمال الفنية خلال الفترة الأخيرة، وهذا المناخ يؤثر سلباً على حرية الإبداع»، مضيفاً أن «فقدان روح الدعاية والتفاعل الطبيعي مع الفن يعني خسارة جزء مهم من مقومات الحياة الثقافية».

وأضاف أن المشهد محل الجدل لا يتجاوز كونه «إيفيه» أو نكتة درامية قد تعجب البعض وقد لا تلقى قبولاً لدى آخرين، لكنه لا يحمل أي إساءة حقيقية أو تجاوز يستدعي هذا التصعيد، مشيراً إلى أن «الأزمة الحالية تعكس مشكلة أكبر بكثير من مجرد الاعتراض على مشهد داخل فيلم».

وأكد أن الأصوات المعترضة غالباً ما تكون الأعلى، لكنها لا تعبر بالضرورة عن الرأي العام، فتضخيم ردود الفعل أصبح ظاهرة متكررة، لافتاً إلى أن «بعض المهن، ومن بينها الطيارون وأطقم الضيافة، من المفترض أن يكون لديهم قدر من تقبل روح الدعابة، خاصة في إطار الأعمال الفنية التي تقوم بالأساس على الخيال والمعالجة الدرامية».

عمرو يوسف وأسماء جلال في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

واعتبر الناقد الفني أحمد سعد الدين أن تحركات «مصر للطيران» وغضب الطيارين «أمر غير مبرر»، مؤكداً أن «الفيلم لا يحمل أي إساءة، سواء للشركة أو للطيارين على حد سواء، لأنه يقدم مشهداً في إطار كوميدي، ومُوظف درامياً داخل الأحداث».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «ما يحدث من تصعيد يعكس حالة الاحتقان التي أصبحت موجودة لدى العديد من أصحاب المهن المختلفة الذين يعترضوا على ظهور نماذج سلبية أو أي مشاهد قد تكون محل تعليق على مواقع التواصل الاجتماعي»، مشيراً إلى أن «هذا الأمر يحمّل الأفلام السينمائية أكثر مما ينبغي ويجب عدم التعامل معها بهذا المنظور».

صناع الفيلم خلال العرض الخاص (الشركة المنتجة)

وأوضح أنه بالمنطق نفسه فإن العاملين بمجال الطيران كان يتوجب عليهم المطالبة بوقف عرض فيلم «مطاردة غرامية» الذي جمع بين فؤاد المهندس وشويكار في ستينات القرن الماضي وظهر خلاله البطل في وظيفة «مراقب جوي» متعدد العلاقات النسائية وتؤثر علاقته النسائية على عمله بشكل واضح يكاد يؤدي لحدوث كوارث في الحركة الجوية، لكن الواقع يشير إلى أن «الفيلم الذي قدمت أحداثه في معالجة مسرحية أيضاً يعد من كلاسيكيات السينما المصرية ومن الأفلام الكوميدية الناجحة، وصور بالفعل داخل مطار القاهرة آنذاك».


فيلم «إيجي بست» يستعيد حكاية أشهر مواقع القرصنة المصرية

أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)
أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)
TT

فيلم «إيجي بست» يستعيد حكاية أشهر مواقع القرصنة المصرية

أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)
أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)

يستعيد فيلم «إيجي بست» قصة أحد أشهر مواقع القرصنة على الأفلام -عنوان الفيلم نفسه- الذي مثّل نافذة مهمة لأجيال من الشباب لمشاهدة أحدث الأفلام والمسلسلات العربية والأجنبية مجاناً عبر الإنترنت، وقد حقق الموقع انتشاراً عربياً واسعاً، ونجح في استقطاب نحو 13.5 مليار زائر، محققاً أرباحاً تخطت 100 مليون دولار، وقد عرض نحو 2500 فيلم عربي وأجنبي، منذ تأسيسه عام 2009، وحتى إغلاقه في 2019، حسب أرقام أوردها صناع الفيلم في نهاية أحداثه.

الفيلم الذي بدأ عرضه ضمن أفلام موسم عيد الفطر يتسم بروح شبابية ويجمع اثنين من نجوم السينما الشباب، وهما: أحمد مالك وسلمى أبو ضيف، بمشاركة مطرب الراب مروان بابلو في أول أعماله ممثلاً، إلى جانب كل من ميشال ميلاد، وأحمد عبد الحميد، وأحمد الرافعي، وحنان يوسف.

وأخرج الفيلم مروان عبد المنعم في أول أعماله الطويلة، وإنتاج طارق نصر الذي عَدّ الفيلم عملاً شبابياً يعبّر عن طموحات جيل بأكمله ويناقش مرحلة محورية في تطور العصر الرقمي في مصر، مسلطاً الضوء على الصراع بين الشغف والمسؤولية في إطار إنساني يناقش الصداقة والحب، مثلما ذكر في تصريحات صحافية. وحقّق «إيجي بست» خلال أيام عيد الفطر إيرادات لافتة بلغت نحو 21 مليون جنيه (الدولار الأميركي يعادل 52.5 جنيه مصري) ليحتل المركز الثاني بعد فيلم «برشامة».

مروان بابلو وأحمد مالك وسلمى أبو ضيف على ملصق الفيلم (الشركة المنتجة)

وعبر دراما مستوحاة من وقائع حقيقية تنطلق أحداث الفيلم من زقاق صغير بحي المرج (شرق القاهرة)، حيث يجمع الشغف بالأفلام بين الصديقين «محمد شوقي» الذي يؤدي دوره أحمد مالك، وصديقه «صابر» الذي يؤديه مروان بابلو، لا يستطيع شوقي شراء تذكرتَي سينما لمشاهدة فيلم مع «أنوار» بائعة محل الملابس التي يحبها ويتطلّع إلى الزواج منها وتؤديها سلمى أبو ضيف، ويكتفي بتذكرة واحدة لها، لكنها تلقي له بالتذكرة ويحصل عليها «صابر» الذي يضع كاميرا خلسة لنسخ الفيلم.

ومن هنا تبدأ رحلتهما في عمل موقع لمشاهدة الأفلام مجاناً، معتمداً على ما يحققه من إيرادات الإعلانات، ليحقق الموقع صدى واسعاً بين الجمهور، ويبدو مثل المصباح السحري الذي يجد فيه محبو الأفلام كل ما يحلمون به، وتنهال عليهم الأموال ويتغير حالهم. وحَلّ الفنان أحمد فهمي ضيف شرف في الفيلم مؤدياً دور المنتج الذي يسعى للتعاون مع مؤسسي الموقع، في حين ترددت موسيقى شارة برنامج «نادي السينما» بما تمثله من «نوستالجيا» على خلفية بعض المشاهد لتعبّر عن تعلق كبير بالفن السابع.

وعلى الرغم من جماهيريته الواسعة لأنه أحد أهم مطربي الراب، فإن الفيلم يخلو من غناء مروان بابلو ويعتمد على غناء مطربي الراب أبيوسف، والفنان شوقي، والفنان موند، بالإضافة إلى أغنية «2 في 1» لهادي معمر وطارق الشيخ. وقد أصدر صناع الفيلم «ميني ألبوم» الذي طُرح تزامناً مع عرض العمل.

عرض مجاني

وأقام فريق العمل عرضاً مجانياً للجمهور ليلة أول أيام عيد الفطر في سينما «ميامي» بالقاهرة، حضره طاقم الفيلم، وقال المؤلف أحمد حسني لـ«الشرق الأوسط» إنهم أقاموا مسابقة عبر مواقع «السوشيال ميديا»، وقد شهد العرض نحو 800 شاب وفتاة، مؤكداً أن «مستوى تقييمات الجمهور للفيلم جيدة جداً، وأنها تجتذب جمهوراً جديداً كل يوم».

وكشف أحمد حسني عن أن فكرة الفيلم نبعت من رغبته هو والمخرج مروان عبد المنعم في تقديم فيلم عن شباب نجحوا في الإقدام على تجربة كبيرة بإمكانات محدودة، وأنهم وجدوا في «إيجي بست» تجربة مهمة، لأنهم أنفسهم تأثروا بها وشاهدوا أفلاماً كثيرة من خلالها زادت من تعلقهم بالسينما.

وأشار إلى أن الفيلم لا يروي سيرة هذا المشروع من البداية إلى النهاية، بل يختار منه ما يؤكد فكرته. وأضاف: «كان هدفي يتركز على مخاطبة من يشاهدون الأفلام بشكل غير قانوني وما يمثله ذلك من حرمانية وخسائر لصناعة السينما من خلال عمل درامي يتعرض للقرصنة، لكن بشكل غير مباشر»، مرجعاً التعاطف مع أبطاله إلى «أنهم لم يشعروا أنهم كانوا يقومون بعمل غير قانوني».

وحول تقديم مروان بابلو ممثلاً بالفيلم دون غناء، يقول حسني: «أردنا أن تكون التجربة تمثيلاً فقط، حتى لا نكسر إيهام المتفرج».

صورة جماعية لطاقم الفيلم بحضور الفنان عصام عمر الذي شارك منتجاً تنفيذياً به (الشرق الأوسط)

وعدّ الناقد طارق الشناوي فيلم «إيجي بست» عملاً عصرياً مأخوذاً من حالة عاشها شباب هذا الزمن، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «لقد راهنت عليه قبل أن أشاهده من خلال أبطاله وفكرته المأخوذة من حياة دافعي التذكرة؛ إذ إن 80 في المائة من جمهور السينما هم هذا الجيل الذي كان يشاهد (إيجي بست)، وأنه تأكد بعد مشاهدة الفيلم من صحة رهانه»، لافتاً إلى أنه «من الأفلام التي تحقق تراكماً نوعياً في الإيرادات».

وتابع قائلاً: «براعة الفيلم في أنه لا يُشعر المشاهد أن هناك سيناريو مكتوباً، ولا أن هناك حبكة درامية، وإنما حالة مأخوذة من الحياة دون تدخل درامي، وقد عاش صناعه الحالة، كما عاش أبطاله هذا الإحساس في أدائهم، في فيلم لا يتورع عن تقديم لحظات ضعفهم، فلم يقدم شخصيات مثالية، بل قدم بشراً لديهم لحظات ضعف قد تكون هي مصدر قوتهم».

ولفت الشناوي إلى أن «مروان بابلو لديه تلقائية وحضور أمام الكاميرا، وهو اختيار ذكي»، مشيراً إلى أن «مالك وسلمى من أكثر الفنانين عصرية في فن (الأداء الهامس) الذي يعتمد على أقل قدر من الانفعال، وأن المخرج مروان عبد المنعم قدم تجربة ناضجة في أول أفلامه، وقد حافظ على تلقائية ممثليه»، مشيداً بـ«مشاهد المواجهة بين بابلو ومالك وسلمى».