«وردة الأنموروك»... رواية تستعيد الإبادة الجماعية للأرمن

الناجون توزّعوا بين المنافي العربية والأوروبية

«وردة الأنموروك»... رواية تستعيد الإبادة الجماعية للأرمن
TT

«وردة الأنموروك»... رواية تستعيد الإبادة الجماعية للأرمن

«وردة الأنموروك»... رواية تستعيد الإبادة الجماعية للأرمن

صدرت عن دار «الأهلية» بعمّان رواية «وردة الأنموروك»، للروائي عوّاد علي، وقد ذيّلها بعنوان فرعي، هو «سنة الأرمن»، في إشارة واضحة إلى مجازر الأرمن التي وقعت عام 1915، وما تلاها من عمليات الإبعاد والتهجير القسري، حيث توزّع الناجون بين المنافي العربية والأوروبية، وقد اتخذ بعضهم من بغداد وبقية المدن العراقية ملاذاً آمناً لهم، يرممون فيه خساراتهم الكبيرة، ويبدأون خطواتهم الأولى في تحقيق أحلامهم التي تكتظ بها أذهانهم الإبداعية المتوهجة.
تبدأ أحداث الرواية زمنياً بافتتاح كنيسة شهداء الأرمن في دير الزور في شتاء 1991، لكنّ الساردة تعود إلى سنة الإبادة (عام 1915)، وتذهب أبعد من هذا التاريخ، لتغطي جانباً من حياة أبويها وارتان وتامار، أو تلمح ببعض الإشارات والإيماءات إلى حياة جدها هوانيس. أما الأمكنة، فهي كثيرة لكنها قدر تعلّق الأمر بالشخصيات الرئيسية. فهي تبدأ من بلدة سِيفان، وتمر ببحيرة «وان»، وديار بكر، وألبيرة، والموصل، ثم تنتقل منها إلى كركوك، حتى تصل إلى بغداد في خاتمة المطاف. أما الشخصيات الثانوية، فتمر بمدن تركية، وتتجه صوب دير الزور والحسكة، وتتوزع إلى لبنان وفلسطين، ثم تعود إلى العراق. وهناك مَنْ ينطلق من بغداد إلى الهند، ومنها إلى باريس، ثم يعود إلى العراق ثانية، مثل سارة خاتون التي ألهبت قلب الوالي العثماني ناظم باشا، وهربت منه بشقّ الأنفس، تاركة إيّاه يتخبّط بمشاعره المُتصابية.
يتكئ عوّاد علي في معظم رواياته على التقنية الميتاسردية. وفي «وردة الأنموروك» هناك دفتر مذكّرات نسيتهُ لوسين، حينما ذهبتْ إلى الموصل عام 1953 لزيارة مربيتها المريضة جوري الشمّرية التي تعدّها بمثابة أمها الثانية، وحينما توافيها المنية بعد شهرين تحضر لوسين العزاء، لكنها لم تجد الدفتر، فتحزن لضياعه كثيراً. وبما أنّ الأنساق السردية لهذه الرواية تنطوي على مفارقات كثيرة، فإن سلطانة، ابنة جوري، تفاجئها بأنها تحتفظ بدفتر المذكّرات في بيت حفيدها هاشم في حلب، وتعدها بأن تجلبه في المرة المقبلة. غير أنّ لوسين التي جاوزت التسعين عاماً كانت تخشى من عبث الأقدار، فأرسلت ابنها صوغومون. وفي اليوم الثاني، عاد متأبطاً هذه المدوّنة الروحية التي وثّقت الأحداث بعين سينمائية تكشف المحجوب، وتعرّي الأشياء المسكوت عنها زمناً طويلاً. لا تستطيع راوية النص، وكائنته السيرية في الوقت ذاته، أن تقرأ المذكرات بسبب بصرها الكليل، فتُوكل المهمة إلى صوغومون الذي سيقرأ لها كل يوم فصلاً كاملاً. وهكذا، صارت تستعيد الأحداث كما لو أنها تعيشها مُجدداً، ولكن بواسطة راوٍ آخر، في محاولة للتنويع السردي، وتعددية الأصوات، خصوصاً أن هناك رواة آخرين يسردون قصة نجاتهم من موت محقق في قافلة الإبعاد، مثل صديقتها مريم وأمها كلاديس وسواهما من الشخصيات الكثيرة التي تؤثث المتن السردي المُدوّن بلغة مكثّفة شديدة الدلالة.
ولكي يُذكِّرنا عوّاد علي بنكهة المكان الأول، يتوقف عند بعض العوائل والشخصيات التي تنتمي إلى قوميات وأديان أخرى، مثل راؤول الذي يعتمر «الكيباه» دائماً، وزوجته شوشانة، وبناته الثلاث سارة وراشيل واستير، أو العجوز كاجال التي تُطعّم النص السردي بمروياتها الخرافية التي تعْلق بالذاكرة لطرافة معلوماتها الناجمة عن شطحات المخيّلة الشعبية.
وتتمحور تيمة الرواية على فكرتي النفي والإبعاد، لكنّ قصص الحُب تمنح قارئها فرصة لالتقاط الأنفاس. فما إن يصدر الفرمان الهمايوني الذي ينصّ على مغادرة الأرمن مدينة سِيفان، وترك ممتلكاتهم التي ستؤول إلى الحكومة العثمانية، حتى تبدأ المحنة الحقيقية للشعب الأرمني، الذي ستكون عائلة لوسين أنموذجاً مُصغراً له، خصوصاً أن «الدولة العليّة» قد وصفت الأرمن بـ«السرطان الذي يجب استئصاله»، وأنّ شعار حملة السلطان عبد الحميد يقول بصريح العبارة: «افعلوا بالأرمن ما تشاءون»! لأنه يعتقد أنّ التطهير العِرقي هو أفضل طريقة لقيام دولة طورانية نقيّة خالية من المنغِّصات واختلاط الأعراق. أما التهمة الرئيسية المُوجهة للأرمن فهي الخيانة، والانضمام لحزب التحالف (الطاشناق) والتمرد المسلح لمصلحة روسيا.
يلتقي آرشاك في عرس أخته، أنوشكا بلوسين، ويقع في حبها، ويقدّم لها «وردة الأنموروك»، بوصفها «فاكهة العاطفة»، لكن هذه القصة العاطفية لم تكتمل، لأنه يسقط مضرجاً بدمائه وهو يقاوم الطورانيين، بينما تُساق أسرتها بالكامل، باستثناء جدتها الطاعنة في السن، مع قافلة المُبعدين إلى المجهول. تضم العائلة خمسة أفراد، وهم: الأب وارتان، والأم تامار، والأبناء الثلاثة آرام ولوسين وشقيقتها الصغرى زاروهي، وقد وشمت الأم أسماءهم على معاصمهم كي يتعرف بعضهم على بعض إن فرقتهم الأقدار. وبما أنّ لوسين جميلة جداً، فقد كان عليها أن تقص شعرها، وترتدي جلباباً قديماً لآرام، وتضع لثاماً على وجهها، كي تستر أنوثتها الطاغية، وتُبعد عنها شبح الاغتصاب. ولم يتبّع عوّاد علي نسقاً خطياً في سرد المذكرات، وإنما كان يعود إلى قصص جانبية لأسرة لوسين، منها قصة التحاق وارتان بالثوار، وفراره إلى مدينة ماردين (السورية آنذاك)، وعودته إلى سِيفان صحبة آبوش، وفقدانه لنوبار، شقيق القس ميناس الذي كان يُعذبه الدرك وهو مقيّد اليدين. وفي الطريق، تنهار الأم تامار، فيقبّلها الأب وارتان على جبينها، ويبدأ بتلاوة تعاويذ الانتقال السرمدي، وهو مساعد شمّاس فلا غرابة أن يقول: «الربّ أعطى، والربّ أخذ». يفقد آرام السيطرة على أعصابه حينما يرشقه الأطفال بالحجارة فيشتمهم بالأرمنية، مما يدفع أحد الجنود لأن يضربه بالهراوة عدة ضربات قاسية أفضت به إلى الإغماء. وحينما استشاط الأب غضباً، وبصق على العريف، سدّد هذا الأخير بندقيته وأرداه قتيلاً في الحال، ثم صوّبها على آرام ووضع حداً لحياته. وفي مدينة ألبيرة، باع الدرك شقيقتها زاروهي إلى قطّاع الطرق. أما الراوية لوسين، فقد حملها رقيب متوحش، وقذف بها إلى النهر، لكن الحاج لقمان وابنه آزاد أنقذاها من الغرق، واصطحباها إلى المنزل، غير أنّ خشية الحاج من تفتيش الجندرمة دفعته لأن يضمها إلى جماعة من غجر «الدومر» الذين يتكفلون بإيصالها إلى السيدة جوري الشمرية في ولاية الموصل.
لا تنتهي المذكرات عند هذا الحدّ، حيث تنتقل لوسين إلى كركوك، وتتعرف على أرمين، وتقترن به، وما إن تنجب منه أول طفل حتى تسمّيه صوغومون، تيمناً بالطالب الأرمني الذي اغتال الصدر الأعظم طلعت باشا في برلين. وتكشف الأصوات السردية المتعددة عن الفظائع التي ارتكبها الجندرمة العثمانيون والعصابات المبثوثة في مختلف أرجاء السلطنة، وثمة تقارير أميركية توثق الجرائم التي ارتكبها الاتحاديون بحق الأرمن، ومحاولة طمس معالمهم الثقافية. أما السحل والقتل والخوزقة، وبقر البطون، والرمي من الأماكن الشاهقة، والاغتصاب، ودفن الأحياء في مقابر جماعية، فهي ظواهر عادية ومألوفة يرويها الناجون وكأنها عمليات ممنهجة يتبعها الجندرمة العثمانيون الذين نجحوا في قتل أكثر من مليون ضحية أرمنية، لكنهم ظلوا «أحياءً في قضيتهم» التي يعدّها الكثيرون إبادة جماعية مروّعة، بينما ترفض الحكومات التركية المتعاقبة هذا التوصيف، وتؤكد أنهم سقطوا نتيجة للحرب الأهلية، ولم يكونوا ضحية إبادة ممنهجة.
وهذه الرواية هي الثانية المكرسة لمجزرة الأرمن بعد «الطيور العمياء»، للروائية الآشورية ليلى قصراني.



حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل
TT

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات تدعو للتأمل.

هذا ما تؤكده الفنانة التشكيلية والباحثة سماء يحيى في كتابها «العروسة في الفن والحياة»، الصادر أخيراً عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» ضمن سلسلة «آفاق الفن التشكيلي»، لافتة إلى أن الدُمى كانت توضع في حقب زمنية سابقة في قبور الأطفال الصغار، وكأنها تبعد عنهم الوحشة، وهو ما يعكس قوة حضورها في الثقافة الشعبية.

تشير المؤلفة إلى أن «العروسة» هي تشكيل نحتي يُصنع على هيئة إنسان أو حيوان بحجم صغير وخامات مختلفة لأغراض اللعب أو لأغراض تزينيية وطقسية وفنية، وتعد واحدة من أقدم التشكيلات النحتية التي صنعها الإنسان، ويعود تاريخها في رأي بعض الباحثين إلى ما قبل ظهور الحضارة.

ومن الواضح أن افتتان الإنسان الأول بالجسد وخيالاته الأولى في التجسيد جعله يحاول تقريب صور الطبيعة لكي تشبه شكله وأشكال مخلوقات أخرى مألوفة لديه ليخلق في مخيلته اعتقاداً بأنه يستطيع أن يقترب منها أو يقوم بطقس ليتقي شرها، فكانت هناك عرائس لموسم الحصاد في بداية عصر الزراعة والأمطار وأخرى لجلب الرزق والصيد في المجتمعات الرعوية، كذلك عرائس منحوتة كتمائم وآلهة صُنعت من القش والعظم وعرائس لأغراض الخصوبة والإنجاب.

نجد أيضاً أن الإنسان الأول صنع تشكيلات من خامات البيئة المحلية مثل الطين والبوص والأخشاب في محاولة لتجسيد الآباء الراحلين الأعزاء على نحو يجعله قادراً على أن يتواصل معهم ويحدثهم بما يجول في خاطره. حتى في الطقوس السحرية والإيذاء، كانت صناعة دمية على شكل العدو أمراً شائعاً في عصور ما قبل التاريخ، حيث تخلق الدمى نوعاً من التواصل الحسي والحركي مع البيئة وتفتح المجال للخيال ونمو العقل لدى الأطفال، فالظروف البيئية في العصر الحجري على سبيل المثال كانت من العوامل المهمة التي قامت حولها طائفة من العقائد والطقوس القديمة.

حرف وصناعات

تلفت سماء إلى أنه ترتب على ذلك قيام مجموعة من الحرف والصناعات والفنون لنجد أن الطقوس الدينية أو السحرية اتخذت من تلك الحرف وسيلة لحفظ هذا التراث الإنساني من الضياع، بل ربما كانت ضماناً لارتقاء تلك الحرف والصناعات.

عُثر على العديد من نماذج الدمى في العصور الأولى المبكرة للحضارة المصرية القديمة، لا سيما في كل من «نقادة» و«البداري»، كما وُجدت بأحجام وخامات وأشكال منوعة في سيبيريا ووسط آسيا والبلطيق، وابتُكرت في أشكال مختلفة بملابس أو من دون، وألبست حلياً تشبه تلك التي يستخدمها أهل المنطقة ولُوّنت في بعض الأحيان مثل الدمى السومرية الملونة، كما وُجدت منها نماذج فرعونية مكسوة بالذهب والمطعمة بالملابس.

ومع هذا التاريخ العظيم الثري من استخدام العرائس والدمى في التعبير الفني والثقافي والمجتمعي في مصر، فإن المؤلفة تلاحظ أن النظر إلى «العروسة» كعنصر مهم من الممكن الاستفادة منه في الفن التشكيلي المصري الحديث بكل مجالاته، وهذا لم يلق العناية الكافية من الفنانين التشكيليين المصريين المعاصرين.

وبينما اقتصرت أغلبية الأعمال التشكيلية المعاصرة في مصر على «تيمة عروس المولد» في أعمال نحتية وتصويرية، لم يهتم إلا قليلون باستخدام مفاهيم وتشكيلات أخرى لدمى مصرية لها خصوصية متفردة واستلهامها في تطوير أساليب وأعمال فنية ذات فرادة، وفي الوقت نفسه يقبل على مشاهدتها الجمهور العادي لأنها ليست غريبة على ثقافته وذائقته، وإن كان هذا لا ينفي قيام بعض التشكيليين بمحاولات رائدة في هذا السياق مثل جمال السجيني، وعبد الغني الشال، وممدوح عمار، ومصطفى الرزاز، وفرغلي عبد الحفيظ، ورمزي مصطفى، وعصمت داوستاشي، وحلمي التوني.

أشهر النماذج

تعد «دمية فرن الخبز» أشهر عروس في منازل المصريين الذين كانوا حتى وقت قريب يصنعون الخبز في منازلهم، من وجه بحري حتى أقاصي الصعيد، وهى تُصنع من قطعة صغيرة من العجين، وتخلطها الأمهات والجدات بالسمن وبعض السكر، ثم يشكلها الأطفال على هيئة دمى بدائية قريبة الشبه جداً بتلك التي شُكلّت في عصور فرعونية قديمة تعود إلى ما قبل الأسرات.

تخرج «عروسة الخبيز» وقد نضجت بنار الفرن فيفرح بها الصغار ويلهون بها قبل أن يأكلوها في طقس بسيط يحمل معاني البهجة والاحتفال، وربما كان متوارثاً من أعياد ومناسبات سحيقة لا يُعرف عنها شيء الآن.

أما ثاني الدمى المهمة في الحياة الاجتماعية المصرية فهي «عروس القمح»، أو باللهجة الشعبية «عروس الغلة»، التي تُصنع من سنابل القمح الخضراء المضفرة في تركيبة تشبه علامة «العنخ» أو «مفتاح الحياة» المصري القديم، التي تعلّق على أبواب المنازل وفوق النوافذ للاحتفال وجلباً للخير.

وكانت الدمية تُقدم ومعها وعاء من القمح كقربان للإلهة «رنتوتت» في مصر القديمة كنوع من الشكر لها على بركة الحصاد، وهى الآن تُصنّع وتباع في أعياد «شم النسيم» ويطلق عليها «مشط الفريك» وتعلق على الشرفات والعتبات.

وتذكر سماء أنه من أشهر الدمى الشعبية في هذا السياق «خيال المآتة» وهي تشكيل يوضع في الحقول الزراعية لتخويف الطيور يتكون من خشبتين متصالبتين، ويصنع لهما رأس من القماش أو يلبس قبعة من القش، وقديماً كان يُصنع لها رأس مخيف من الطين ويطلق عليه لقب «أبو خف».

أيضاً توجد دمية الحسد الورقية الشهيرة التي تُقص من ورقة على شكل إنساني، ثم تخرم بالإبرة الغشيمة التي ليس لها عين ثقباً باسم كل من تحوم حوله الشكوك في أنه حاسد أو يحمل شراً، ثم تُحرق في موقد صغير مع بخور الحسد ولبان وشبّة، ثم يخطو المحسود فوق الموقد سبع مرات ويقال إنه تظهر في رماد الدمية وجوه الحساد.

وهناك كذلك «عروسة الخماسين» المصنوعة من القش وورق الشجر، التي يصنعها الأطفال أيام رياح الخماسين في أرياف الدلتا ويُلبسونها جلباباً قديماً مثل «خيال المآتة»، ثم يزفونها ليلاً على عرصة فرن حديدية بمركب في النهر، ومع مطلع الفجر يأخذونها للشاطئ ويشعلون فيها النار ثم يقفزون في الماء وهم يغنون: «عروسة الخماسين... سنة بيضة على الفلاحين».


الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري
TT

الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والحاصلة على جائزة الدولة التقديرية العام الماضي. ويسعى الكتاب لمقاربة صورة الشخصية القبطية على مدار عقود طويلة، ولدى أجيال مختلفة من الأدباء، ويتَّخذ من ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 مرحلةً مفصليةً في تحولات تمثيل هذه الشخصية في الأعمال الروائية.

يبدأ الكتاب بمقدِّمة مقتضبة كتبها الروائي المصري نعيم صبري، ثم مقدمة المؤلفة التي تشرح فيها تاريخ اهتمامها بالموضوع، بدءاً من دراسة مطولة نشرتها في إحدى المجلات في عام 1999، ثم عودتها مؤخراً لهذه الدراسة وتحويلها إلى كتاب، ومحاولتها رصد وتحليل معظم الأعمال الروائية التي تقدم الشخصية القبطية عقب 2011، وما حدث في تقديمها من اختلاف بين روايات القرن الماضي وروايات ما بعد الثورة.

يتكوَّن الكتاب من 3 فصول رئيسية، الأول نظري بعنوان «الشخصية القبطية بين تاريخين»، تشير فيه إلى أنَّ هناك اهتماماً كبيراً منذ يناير 2011 بالكتابة عن الأقباط، وأن أبرز أهداف هذا الاهتمام هو محاولة النفاذ إلى داخل المجتمع القبطي، وجعل الأقباط يعبِّرون عن أنفسهم، بدلاً من الكتابة عنهم وعن مجتمعهم من خارجهم. وكذلك إعادة قراءة تاريخ بعض الشخصيات القبطية الأكثر خلافية، فضلاً عن توثيق وإضاءة المساحات غير المعروفة في حياة الأقباط.

الفصل الثاني بعنوان «الشخصية القبطية في الأدب المصري قبل ثورة يناير 2011»، وتتوقَّف فيه عند عدد كبير من الروايات، ومنها روايات لنجيب محفوظ ويحيى حقي، ويوسف إدريس، وإدوار الخراط، وإبراهيم عبد المجيد، وبهاء طاهر، وسلوى بكر، ونعيم صبري، ونبيل نعوم، وغيرهم. وتخلص من خلال دراسات هذه الروايات إلى 17 نقطة تلخص خصائص تقديم الشخصية، ومنها خلو تلك الأعمال من خصائص شكلية ينفرد بها الأقباط، كما تخلو من صفات ذاتية تلازمهم، كما كانت الشخصية القبطية تتخلل مختلف أنحاء الوطن وسائر الأعمال والمهن، كما تتخلل رقائق النسيج الاجتماعي المصري في الواقع، وتتضافر مع خيوطه في جديلة واحدة.

النقطة الأخيرة، ضمن النقاط الـ17، تتصل بالبُعدَين الوطني والقومي للشخصية القبطية، وموقف الأقباط من العروبة. وتشير المؤلفة إلى أنَّ «الأقباط ليست لهم مشكلة مع العروبة، بل يجدون أنفسهم في إطارها، ولا يحسنون التعبير عن ذواتهم إلا بلسانها». وتشير إلى مواقف الأقباط الواضحة «من القضايا القومية عموماً، ومن القضية القومية المركزية، أو الصراع العربي - الإسرائيلي خصوصاً، وكيف تفاعلت الشخصيات القبطية بكل عمق مع تطورات هذا الصراع».

الفصل الثالث «الشخصية القبطية في الأدب المصري بعد ثورة 2011»، قراءة في 28 رواية قدَّمت هذه الشخصية عقب الثورة. وتُخصِّص الكاتبة مقالاً منفرداً عن كل رواية، وتخلص من هذه القراءات إلى ظهور نزعة واضحة للتمرُّد على السلطة الأبوية للكنيسة بعد الثورة، رغم أنَّ نوازع هذا التمرد على السلطة البطريركية كانت موجودة قبل هذا التاريخ، لكن الفرق في المساحة التي أخذت تتمدَّد فيها روح التمرُّد بعد الثورة.


هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
TT

هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس

ليس مؤلماً في موت الفلاسفة أن أجسادهم ترحل؛ بل أن أفكارهم تُستدعى في لحظة الوداع لتُحاكم على ضوء العالم الذي خلَّفوه وراءهم. هكذا يغادر عالمنا يورغن هابرماس، آخر حرّاس الحداثة الكبار، في وقت يبدو فيه العقل الذي دافع عنه طويلاً عاجزاً عن تسمية المذبحة في غزة، والحوار الذي بشّر به ضيقاً عن احتواء صراخ الضحايا. فماذا يبقى من «العقلانية التواصلية» حين تتكلم القنابل، ويختار المفكّر أن يختار ذاكرة أوروبا على كونية الإنسان؟

مات الفيلسوف الألماني في اللحظة التي كان فيها إرثه أحوج ما يكون إلى محكمة، لا إلى تأبين. فالرجل الذي أمضى عمره يدافع عن المجال العام، وعن حق البشر في بلوغ الحقيقة عبر الحوار الحر، انتهى في لحظة غزة إلى لغة تضيق بالحقيقة، وتضع للضحايا سقفاً أخلاقياً لا يجوز لهم تجاوزه. لذلك يأتي رحيله بوصفه لحظة كاشفة لمصير تقليد فلسفي كامل: تقليدٍ أراد إنقاذ الحداثة، ثم وجد نفسه عاجزاً عن إنقاذ إنسانها المستعمَر من العمى الأوروبي القديم.

توفي هابرماس -حسبما أعلن ناشره- السبت الماضي، 14 مارس (آذار) 2026، مخلِّفاً وراءه إرثاً فكرياً ضخماً هيمن على الساحة الفلسفية والاجتماعية الغربيّة أكثر من ستة عقود، أهّله ليكون الوريث الأبرز لمدرسة فرانكفورت النقدية، والشخصية التي حاولت ترميم مشروع التنوير الأوروبي، وإعادة الثقة في العقلانية بعد الفظائع التي شهدها القرن العشرين.

وُلد عام 1929 في مدينة دوسلدورف، وعاش طفولته في ظل صعود النازية، وهي التجربة التي شكّلت وعيه السياسي المبكر. وقد عانى من تشوه خلقي في الحنك (الشفة الأرنبية)، ما سبب له صعوبات في النطق، ربطها متابعوه باهتمامه العميق لاحقاً بمفهوم «التواصل» واللغة. تلقى تعليمه في جامعات بون وغوتينغن وزيوريخ، وعمل مساعداً للفيلسوف تيودور أدورنو في معهد البحوث الاجتماعية بفرانكفورت.

تمثل أعمال هابرماس -وخصوصاً «نظرية الفعل التواصلي» و«التحول البنيوي للمجال العام»- محاولات جادة لصياغة ديمقراطية تقوم على مبدأ الحوار الحر، فطرح فكرة أن المجتمعات الحديثة تعاني من «استعمار العالم المعيش» أي تغلغل منطق الربح المادي والآليات الإدارية الجافة إلى تفاصيل حياتنا اليومية وقيمنا الأخلاقية؛ فيتم تنحية «الحوار»، وإبراز «المال» و«السلطة» كوسائل وحيدة للتنظيم. وبدلاً من أن يتفاهم البشر حول غاياتهم المشتركة، تُحيلهم البيروقراطية إلى مجرد «زبائن»، وتُحوّلهم الرأسمالية إلى «مستهلكين»، ما يؤدي إلى تآكل الروابط الاجتماعية وفقدان المعنى. ونظّر بأن الخلاص يكمن في استعادة الإنسان لقدرته على التفاهم العقلاني، وبناء سد منيع من «الديمقراطية التداولية» يحمي المساحات الإنسانية من طغيان الأنظمة البيروقراطية والرأسمالية.

ارتبط اسمه بالماركسية منذ بداياته في مدرسة فرانكفورت، ولكنه قدم قراءة نقدية وتعديلية واسعة للماركسية التقليدية. فبينما ركّز ماركس على «العمل» و«قوى الإنتاج» كمحرك للتاريخ، رأى هابرماس أن ذلك يغفل جانباً حيوياً هو «التفاعل اللغوي» أو «التواصل»، وزعم أن التحرر الإنساني لا يتحقق فقط عبر تغيير علاقات الملكية أو السيطرة على الطبيعة؛ بل عبر تحرير اللغة من الزيف والإكراه. وقد خلص إلى أن «دولة الرفاهية» في الغرب استطاعت امتصاص حدة الصراع الطبقي الماركسي التقليدي، ما يوجب نقل المعركة إلى «المجال العام» لضمان شرعية ديمقراطية حقيقية. في هذا السياق، كان يسمي نفسه «ماركسياً» من حيث الالتزام بالتحرر ونقد الرأسمالية المتأخرة، ولكنه يرفض الحتمية الاقتصادية، ويفضل عليها ما أطلق عليها وصف «العقلانية التواصلية».

تمحورت فلسفته حول مفهوم «العقلانية التواصلية» هذا، مفرقاً بين نوعين من العقلانية: «العقلانية الأداتية» التي تهتم بالوسائل لتحقيق الأهداف والسيطرة، و«العقلانية التواصلية» التي تهدف إلى الوصول إلى تفاهم مشترك. ويُنسب إليه ابتكار مفهوم «المجال العام»، أي تلك الفضاءات التي يلتقي فيها الأفراد كمواطنين لمناقشة القضايا العامة بحرية، معتبراً أن الديمقراطية الحقيقية تعتمد على جودة هذا النقاش وقدرة «الحجة الأفضل» على الإقناع دون استخدام القوة. كما طوّر «أخلاقيات الخطاب»، وهي القواعد التي تجعل الحوار عادلاً، مثل حق الجميع في المشاركة، وصدق المتحدثين، وخلو النقاش من الضغوط الخارجية.

مثلت علاقته بالفلاسفة المعاصرين صراعاً بين «بقاء الحداثة» و«ما بعد الحداثة». في مواجهة ميشيل فوكو، انتقد هابرماس اختزال كل شيء في «علاقات القوة»، وأصر على وجود معايير عقلانية كونية يمكن الاحتكام إليها، متهماً الفيلسوف الفرنسي الراحل بأنه يقدم تشريحاً للسلطة يفتقر إلى معيار أخلاقي للتغيير.

أما في سجاله مع جاك دريدا، فقد انتقد «التفكيك» الذي قد يؤدي إلى العدمية، مفضلاً بناء جسور التفاهم. وبالنسبة لجان فرنسوا ليوتار، رفض هابرماس فكرة «نهاية السرديات الكبرى»، معتبراً الحداثة «مشروعاً لم يكتمل» يحتاج إلى مواصلة العمل بدلاً من التخلي عنه. وفي مقارنته مع حنا أرنت، يتفق معها لناحية أهمية الفعل السياسي في الفضاء العام، ولكنه يضيف إليها شروطاً تداولية وقانونية أكثر صرامة.

يأتي غيابه في وقت يشهد فيه إرثه الفكري هزة عنيفة بسبب مواقفه السياسية الأخيرة تجاه الحرب في غزة؛ إذ كان قد أصدر بياناً بعنوان «مبادئ التضامن» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، دافع فيه عن رد الفعل العسكري الإسرائيلي، وصوره «مبرراً من حيث المبدأ». هذا الموقف أثار موجة عارمة من النقد؛ حيث رأى كثيرون في هذا البيان «احتراقاً» لكامل مشروعه الفلسفي.

يجد النقاد -ومن بينهم أساتذة من المدرسة النقدية نفسها- أن هابرماس خان أهم مبادئه في هذا الموقف. فالفيلسوف الذي قضى حياته يبشر بـ«الكونية» الإنسانية، سقط في فخ «الخصوصية» الألمانية، بعد أن ربط التضامن مع الدولة العبرية بالهوية الديمقراطية الألمانية، وضرورة التكفير عن «الهولوكوست»، ما اعتبره بعض المفكرين نوعاً من عمى «المركزية الأوروبية» التي ترى ضحايا «الهولوكوست» وتعمى عن ضحايا الاستعمار والاحتلال.

وبينما طالب في كتبه بفتح المجال العام لكل الأصوات، يرى منتقدوه أنه ساهم في إغلاق هذا المجال في ألمانيا. فالبيان الذي أصدره حاول وضع حدود لما يجوز قوله، معتبراً أن توجيه تهمة الإبادة الجماعية لإسرائيل يمثل «انزلاقاً في المعايير»، في تناقض تام مع فكرته عن «الحوار غير المشروط»؛ إذ وضع قيوداً مسبقة على البحث عن الحقيقة؛ خصوصاً مع تحرك القانون الدولي ومحكمة العدل الدولية للنظر في هذه التهم بجدية.

تجلّت في موقفه أزمة فلسفية تتعلق بتعريف «الآخر»، واتهمه باحثون بأنه يميز بين «الآخر الأقرب» (الأوروبي أو الذي يشبهه) وبين «الآخر الأقصى» (الفلسطيني أو غير الأوروبي). إن تواصلية هابرماس التي يفترض أن تكون عالمية، بدت في لحظة غزة وكأنها حوار حصري بين الأوروبيين حول مآسيهم الخاصة، مع تجاهل تام للمعاناة الفلسطينية والظلم التاريخي الواقع عليهم.

أدى هذا الموقف إلى شعور تلاميذه في العالم العربي والجنوب العالمي بالخذلان. فإذا كان الفيلسوف الذي يُنظر إليه كحارس للقيم الديمقراطية والكرامة الإنسانية يعجز عن مد هذه القيم لتشمل شعباً يرزح تحت القصف والحصار، فإن مصداقية «الكونية الأوروبية» برمتها تصبح محل شك. ووصف البعض هذا التحول بأنه «إفلاس أخلاقي» للفلسفة الغربية؛ حيث يتم التضحية بالعقل النقدي لصالح الحسابات السياسية وسياقات «الشعور بالذنب» المحلية.

يمضي يورغن هابرماس تاركاً خلفه مفارقة كبرى؛ فبينما تظل أدواته التحليلية عن المجال العام والفعل التواصلي ضرورية لفهم أعطاب المجتمعات الرأسمالية المعاصرة، فإن تطبيقه الشخصي لهذه الأدوات في لحظة الحقيقة التاريخية كشف عن فجوة عميقة بين النظرية والممارسة. وسيبقى في ذاكرة الفكر بوصفه الفيلسوف الذي حاول بناء عالم من الحوار، ولكنه تعثر في فهم لغة الألم خارج حدود قارته، فاحترقت فلسفته في أتون غزة قبل أن يوارى الثرى.