منتدى دولي شرق الفرات لبحث مستقبل المنطقة بعد هزيمة «داعش»

قيادي في «المجلس الوطني الكردي» يدعو إلى «اللامركزية السياسية» ضمن وحدة سوريا

افتتاح المنتدى الدولي شرق سوريا أمس (الشرق الأوسط)
افتتاح المنتدى الدولي شرق سوريا أمس (الشرق الأوسط)
TT

منتدى دولي شرق الفرات لبحث مستقبل المنطقة بعد هزيمة «داعش»

افتتاح المنتدى الدولي شرق سوريا أمس (الشرق الأوسط)
افتتاح المنتدى الدولي شرق سوريا أمس (الشرق الأوسط)

انطلقت في مدينة عامودا شمال شرقي سوريا فعاليات «المنتدى الدولي حول داعش» بمشاركة باحثين أجانب وعرب لبحث مستقل شرق الفرات بعد هزيمة التنظيم عسكرياً، في وقت دعا معارض كردي من تكتل آخر إلى «لا مركزية» في البلاد.
ويشارك في المنتدى الذي نظمه «مركز روج آفا للدراسات الاستراتيجية» ويستغرق ثلاثة أيام، أكثر من 125 ضيفاً من الأكاديميين والباحثين والسياسيين من 15 دولة، منها الولايات المتحدة ودول أوروبية وعربية. وأعلن منظمون أنهم حرصوا على «مشاركة كافة أبناء الشعب السوري في هذا المنتدى كي نظهر ما فعله (داعش) بشعوب المنطقة وبشكل خاص الشعب الكردي».
وبحسب «مركز روج آفا» (غرب كردستان)، يهدف المنتدى لـ«تسليط الضوء على الجرائم التي ارتكبها تنظيم (داعش) الإرهابي بحق الإنسانيّة والمرأة والبيئة والأماكن التاريخية، عبر تقديم تقارير ووثائق مدعّمة بالصور والفيديوهات ودراسة جميع جوانب إرهاب (داعش) بشكل موضوعي لمعالجة تداعياته»، إضافة إلى «كيفية التعامل مع عناصر تنظيم (داعش)، (المقاتلين المحليين والأجانب) وعوائلهم وفق القوانين والمواثيق الدولية ومصير تنظيم (داعش) بعد انتهائه عسكرياً وجغرافياً، والإجراءات الوقائية لمنع ظهوره مجدداً». ويتناول المحاضرون السيناريوهات السياسية المطروحة لإدارة المنطقة ما بعد انتهاء «داعش» جغرافياً وعسكرياً.
على صعيد آخر، قال المعارض الكردي فيصل يوسف المنسق العام لـ«حركة الإصلاح» الكردي لـ«الشرق الأوسط» في القامشلي: «للمجلس الوطني الكردي ممثلون في اللجنة الدستورية منذ بداية طرح تشكيلها، وتم اختيار السيد حواس عكيد من الائتلاف المعارض، والسيد كاميران حاجو ممثلاً عن المجلس الكردي ككيان كردي معارض».
وتشكّل المجلس الوطني الكردي المعارض في أكتوبر (تشرين الأول) 2011. برعاية من رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني، ويضم تيارات وأحزاباً سياسية وشخصيات مستقلة، ويطالب الاعتراف الدستوري بالهوية القومية الكردية، وبـالشعب الكردي الذي يعيش على أرضه التاريخية، ويدعو إلى تحقيق اللامركزية السياسية في الحكم في سياق وحدة الأراضي السورية، وعدم التمييز القومي والديني والطائفي.
وجرت محاولات للتفاوض بين «المجلس الوطني» و«مجلس سوريا الديمقراطية» الجناح السياسي لـ«قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من التحالف الدولي. وتعارض أنقرة مشاركة «مجلس سوريا» في العملية السياسية واللجنة الدستورية.
وإذا باشرت اللجنة الدستورية عملها، «سنعمل على تثبيت حقوق الشعب الكردي دستورياً، واعتبار سوريا دولة ديمقراطية متعددة الأديان والقوميات»، بحسب فيصل يوسف والذي يشغل عضو الهيئة الرئاسية للمجلس الكردي، مضيفاً: «نتطلع أن تكون سوريا المستقبلية دولة اتحادية علمانية تضمن حقوق الشعب الكردي وباقي المكونات، وإيجاد حل عادل للقضية الكردية باعتبارها وحدة جغرافية سياسية موحدة».
وتقول الأحزاب السياسية الكردية إنّ نسبتهم تشكل نحو 12 في المائة من التعداد السكاني العام (23 مليون نسمة قبل 2011)، عانوا على مدى عقود طويلة من التهميش والتمييز القومي، وصل ذروته في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي عندما منعوا من التحدث بلغتهم الأم في الدوائر والمؤسسات الرسمية.
وبعد اندلاع حركة الاحتجاجات المناهضة لنظام الحكم في سوريا ربيع 2011، اختار المجلس الكردي العمل والانضمام إلى صفوف «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة»، وممثل في «هيئة التفاوض العليا»، ويرى السياسي الكردي فيصل يوسف أنهم حركة سياسية معارضة، «وندعو إلى نظام ديمقراطي تعددي لا مركزي، وإيجاد حل عادل للقضية الكردية، ونعمل من خلال حلفائنا لتثبيت حقوق شعبنا»، وطالب الجهات الدولية والقوى الفاعلة بالشأن السوري، «بالضغط على النظام الحاكم للقبول بحل سياسي لوضع حد للوضع القائم في البلاد عبر تطبيق القرارات الدولية وبشكل خاص القرار 2254».
ويدعو المجلس الكردي إلى إلغاء السياسات والقوانين العنصرية المطبّقة على الأكراد بما في ذلك حظر استخدام اللغة الكردية وإنشاء المدارس الكردية، وتعويض المتضررين الذين انتزعت أراضيهم ضمن مشروع الحزام العربي بعد سيطرة حزب البعث على السلطة بداية سبعينيات القرن الماضي.
وتتوزع الجماعات السياسية الكردية بين 3 أطر رئيسية منقسمة؛ أولها: «حركة المجتمع الديمقراطي»، ويعد حزب الاتحاد الديمقراطي السوري أحد أبرز الأحزاب الذي أعلن الإدارة الذاتية بداية 2014. وتعد «وحدات حماية الشعب» الكردية جناحه العسكري.
أما الإطار الثاني فيتمثل بـ«المجلس الوطني الكردي» المُعلن نهاية 2011، ويعمل في الائتلاف الوطني السوري المعارض وعضواً في الهيئة العليا للتفاوض المعارضة، ويمثل سياسياً قوة «بيشمركة روج آفا»، فيما يشكل «التحالف الوطني الكردي» الإطار الثالث ويتألف من أحزاب وقوى سياسية مقربة من الإدارة الذاتية وشاركت في انتخاباتها المحلية، بينما يعمل الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي بزعامة عبد الحميد درويش خارج هذه الأطر.
إلا أن هذه الجماعات السياسية تشكو من خلافات بينية، وتوسط مسعود البرزاني لحلها وعقد اجتماعين في مدينة أربيل واجتماع ثالث في مدينة دهوك عقد في شهر أكتوبر 2014، ووقعوا 3 اتفاقيات نصت على إدارة المنطقة الكردية تشاركياً مناصفة بين المجلس الكردي وحزب الاتحاد الديمقراطي، وتأسست «الهيئة الكردية العليا» لهذا الغرض لكن المجلس جمّد عضويته في هذه المرجعية السياسية المشتركة في مارس (آذار) 2015. متهماً حزب الاتحاد بعدم تطبيق الاتفاقيات والانفراد بالسلطة. ونقل يوسف التزام المجلس الكردي بجميع اتفاقياته مع «حركة المجتمع الديمقراطي»، «لكن الأخيرة لم تلزم بتطبيق الاتفاقيات، ورغم الخلافات القائمة يجب تجاوزها، والبدء بخطوات حقيقية واتخاذ إجراءات لبناء الثقة وعلى رأسها إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين المحتجزين في سجون إدارة حزب الاتحاد، وإفساح المجال للنشاط السياسي والإعلامي، وحرية افتتاح المكاتب والمقرات الحزبية، ونرى أنّ اتفاقية دهوك الأخيرة تشكل أرضية مناسبة لوحدة الموقف الكردي والعمل المشترك»، على حد تعبيره.
ويسعى التحالف الدولي المناهض لتنظيم «داعش» عبر مبعوث الرئيس الأميركي ويليام روباك، والسفير الفرنسي الخاص بالملف السوري فرنسوا سينيمو، تقريب وجهات النظر وحل الخلافات العالقة بين قطبي الحركة الكردية السورية، وطرحت فرنسا مبادرة لوحد الصف الكردية.
وعن موقفهم من المبادرة الفرنسية، قال يوسف: «رحبنا بالمبادرة، سيما وأنّ فرنسا هي دولة صديقة للشعب الكردي، تبلغنا المبادرة من الجهات الفرنسية الرسمية»، وتنص المبادرة على أهمية التزام جميع الأطراف بالقرارات الدولية ذات الصلة بحل الأزمة السورية، وتعزيز إجراءات بناء الثقة بين «المجلس الكردي» و«حركة المجتمع الديمقراطي» وإدارتها، والمشاركة في العملية السياسية، وفي ختام حديثه شدّد يوسف: «طالما دعا المجلس للعمل المشترك وضرورة توحيد الصف الكردي؛ فالمبادرة الفرنسية تصب في ذات المساعي، لوحدة العمل الإداري وتشكيل مرجعية سياسية، والدفاع بشكل مشترك عن المناطق الكردية في مواجهة الإرهاب».



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.