السفر و{غواية الجميل}... انعكاسات أدبية

على مدار التاريخ كان هناك مسافرون يتخلون عن بطاقة العودة

السفر و{غواية الجميل}... انعكاسات أدبية
TT

السفر و{غواية الجميل}... انعكاسات أدبية

السفر و{غواية الجميل}... انعكاسات أدبية

يحتاج المسافر إلى ساقين قويتين تحملانه وذراعين قويتين تجران الحقيبة، ومعدة قوية تستجيب لنزواته، لكنه يحتاج إلى عينين أكثر من كل شيء.
العين هي أول وأقوى مداخل الدهشة؛ لذلك أفكر بفاقدي البصر وحظوظهم من السعادة في السفر.
التنافس المحموم أوجد «سياحة المكفوفين» التي تتضمن وسائل الراحة والانتقال وإرشادا سياحيا خاصًا، يوفر إمكانية اللمس ويبتكر طرقًا مختلفة للشرح تمنح الأعمى تصورا أقرب إلى الحقيقة لتمثال أو معبد. لكن هذه الجهود التجارية المأجورة تبقى قليلة الجدوى؛ فغياب العينين لا يعوضه إلا الحب.
في كتابها «معك» تنقل سوزان مقتطفا من رسالة لطه حسين يبثها فيها أشواقه، عندما اضطرت للسفر بطفليها وبقي في مصر لمدة ثلاثة أشهر من عام 1921: «قبِّلي الطفلين وحدِّثيهما عني كثيرًا؛ فذلك يروق لي. وعندما تروق لك البيرينيه أو يروق لك أي مشهد آخر ففكِّري بي بهدوء وجذل. فكِّري أنني إلى جانبك وأنني أرى بعينيكِ وأنني أعاني كل ما تعانينه».
وهي، من جهتها، كانت قد اعتادت خلال 58 عاما من حياتهما المشتركة أن عينيها لهما معا: «وأمُرُّ أمام مقهى الكاردينال حيث كنا ننظر إلى زخرفته، وأتخيل إعجابنا وحماسنا».
في بداية النوفيلا التي كتبها توماس مان عام 1911 نتعرف على آشنباخ، الكاتب المجيد، الذي حاز لقب النبالة بفضل أعماله الأدبية الكبيرة، وقد أراد أن يسافر لأسبوعين أو ثلاثة إلى البندقية؛ لتجديد نشاطه إذ استشعر في نفسه مللا وخفوت همة، فإذا به يلقى موته بسبب تحديقة.
في لحظات انتظار عشاء أول يوم لوصوله، جلس آشنباخ ببهو الفندق، طافت نظرته المتلصصة على الآخرين وتوقفت على أسرة بولندية: ثلاث فتيات بين الخامسة عشرة والسابعة عشرة ومراهق في نحو الرابعة عشرة مع مربية. وعندما أعلن رئيس النُدل أن العشاء جاهز، بدأ النزلاء يأكلون إلا أن الفتيات والفتى البولنديين ظلوا حول طاولتهم حتى جاءت الأم. لم يأبه آشنباخ بالعشاء، ولا بالنساء الخمس أو بغيرهن، بل وقع ضحية جمال الصبي تادزيو، موقنا بأنه لم يعرف طوال حياته مثالاً في الطبيعة أو الفن يضاهي كماله. ذلك الكمال سيسلبه حريته وينال من مكانته.
الغموض سبب من أهم أسباب عشقنا للسفر، وبالمصادفة هو أهم ركائز الأدب العظيم، وأحد أهم سمات الجميل بشكل عام. وقد اجتمعت لـ«الموت في البندقية» كل عوامل الغموض الممكنة التي جعلت الرواية تتخطى قرنا من الزمان بكامل عظمتها.
جمال تادزيو ينبع من استعصائه على الوصف، كأن الغموض والكمال اسمان لشيء واحد، حيث لا ارتواء أو راحة تقود إلى انتهاء الشغف. ولكن علينا أن ننتبه إلى أن آشنباخ، ربما يكون الوحيد الذي رأى في جمال تادزيو ذلك الكمال المُذل، فتقدير الجميل يدخل فيه كثير من العوامل، من النظرة الذاتية إلى السياق الزماني والمكاني الذي التقت فيه العين الناظرة بالموضوع الذي تحدق به.
من المؤكد أن البندقية شهدت في ذات وقت عطلة آشنباخ كثيرا من حالات الشغف لنساء برجال ورجال بنساء، وربما كان هناك فيتشي يجلس بجوار آشنباخ ولم يفتنه تادزيو، بل فتنته قدم من أقدام شقيقات تادزيو أو إصبع أمه أو جوربها أو مشد خصر يبدو تحت الملابس التي رآها آشنباخ كئيبة. ربما كانت هناك حالات شغف بمبان أو مطاعم، أو تحف وأدوات مائدة حقيقية أو زائفة، وربما حالات شغف بطحالب وزهور صغيرة عائمة. السفر يعد بكل تلك الألوان من الشغف غير القاتل.
لا يمكننا أن نرى في تعلق آشنباخ بتادزيو قصة شغف مثلي، ونطمئن ببساطة لهذا التفسير.
ليس بوسعنا أن نرى فيه شيخاً منحرفًا يلاحق الصبي، كما لا يمكننا أن نضع نظرات وإيماءات تادزيو في خانة البراءة باطمئنان؛ فبعض نظراته وإيماءاته صاخبة. لكننا لا نشرع في إدانة الشر الذي يمارسه تادزيو ضد آشنباخ حتى يبدو لنا غافلاً عن الشر الذي ينطوي عليه جماله، ثم لا نلبث أن نتأكد من وعيه بسلطته على الآخرين، وسعادته بالسيطرة عليهم والتلاعب بعواطفهم. للولد سلطة في المطلق، يمارسها على أمه وأختيه ومربيته، ما يجعلنا نميل إلى الاقتناع بأنه يراقب آشنباخ ويستمتع بنظراته، بل ويبادله التحديق، ثم يبدو لنا في لحظة أخرى وكأنه يجهل وجود آشنباخ!
الأذى متأصل في الجمال دون إرادة منه، يكمن بالتحديد في قوة غموضه. الموضوع الجميل له عين ترد على متأمله بتحديقة. ليس تادزيو الحي هو فقط القادر على التحديق بآشنباخ. التمثال الجميل الصامت يرد هجمة نظرتنا، نتوهم أمامه أنه يرى نقصنا.
في نوفيلا «تونيو كروجر» التي كتبها قبل «الموت في البندقية» بعشر سنوات، يشير توماس مان بوضوح أكثر إلى الشعور بالضعف الذي ينتابنا في مواجهة الجميل، البطل تونيو كروجر يؤيد كاتبا آخر هو «الروائي إدلبرت» التقى به في الشارع وتحدثا عرضا عن كراهيتهما لفصل الربيع، الروائي الأكبر سنًا يعتبره شهرًا للتشوش وتفاهة الأفكار، بينما يضع تونيو يده على سر كراهيته للفصل الجميل: «إنني أخجل منه، أخجل من طبيعته النقية وشبابه المنتصر». تونيو كروجر، الذي ذهب في رحلة إلى الشمال متوقفا في الدنمارك ثم السويد، هو نفسه آشنباخ الذي ذهب إلى البندقية بعد أن تقدم في السن.
في منتجع سويدي، على البحر الأدرياتيكي، يفاجأ كروجر بأنه في مواجهة هانس هانزن مع ماجدالينا فيرمين، الأول كان كروجر يميل إليه ميلاً غامضًا عندما كان في الثانية عشرة، والثانية أبدت إعجابها بكروجر في السادسة عشرة لكنه لم يعرها اهتماما، لأن مشاعره الصامتة كانت متعلقة بفتاة أخرى. في النزل السويدي كان الآخران مندمجين في المتعة، عبرته نظراتهما دون أن يجود عليه أحدهما بإيماءة تدل على أنه كان يوما يعرفه؛ فعاد إلى غرفته كسيرا!
هذه هي عزلة توماس مان نفسه، وهذه هي رؤيته التي يلح عليها: «لا نُحدِّق بالجميل إلا ونصبح أكثر وعيا بعيوبنا».
النظرة المرتدة اللاهية لتادزيو كنظرة تمثال هي التي جعلت آشنباخ يدرك كم هو عجوز ومتداع؛ فيعمد إلى الخضاب كي يداري شيخوخته، رغم أننا رأينا اشمئزازه طوال رحلته على السفينة من مسن مخضب وصفه بـ«الشاب المزيف».
أقدم آشنباخ على فعل استنكره من غيره قبل عدة صفحات، ولم يقنعه هذا التزييف بأنه صار بحال أفضل، بل أحس بإذلال أكبر في مواجهة فتوة الصبي، وفي كل مرة يؤجل الرحيل عن المدينة، تحرفا لنظرة قادمة يعوض فيها خسارة التحديقة السابقة، هكذا عاش أيامه مسلوب الإرادة، حتى إنه لم يقو على اتخاذ قرار بالمغادرة بعد أن علم بتفشي الكوليرا، وبقي حتى غمره زحفها.
على مدار التاريخ كان هناك مسافرون يتخلون عن بطاقة العودة، لأنهم وقعوا في غواية الجميل بمكان ذهبوا إليه ولم يقدروا على مغادرته. المصريون يسمون القاهرة «الندَّاهة» في تفسير أسطوري لسحرها. في المدينة جنية تنادي الغرباء. حامد بطل قصة يوسف إدريس «النداهة» لم يشعر بإذلال أقل، لكنه استطاع أن يعود إلى قريته، لم يستسلم كما استسلم آشنباخ. التي استسلمت هي فتحية زوجته. هي صنو آشنباخ.
بعض تفسيرات «الموت في البندقية» تلقي باستسلام آشنباخ للموت على تشاؤمية وسوداوية توماس مان اللتين استمدهما من إعجابه بشوبنهاور ونيتشه. يوسف إدريس أبعد ما يكون عن تشاؤمية شوبنهاور وسوداوية نيتشه الساخرة، لكنه جعل فتحية زوجة البواب تستسلم لضياعها. كانت تدرك أن الأفندي زير النساء يترصدها، وكانت تفهم طبيعته بوصفه صيادا شرها، ولم تكن مولعة به أو بوسامته، ورأت في ذهنها السيناريو الذي حدث معظمه: «إنها ستستجيب لمطارداته، وإن حامد سيفاجئهما في السرير ويقتلها». ومع ذلك مضت بعدمية في الاستسلام له، وأثناء لقائهما المرتجل السريع، يتلامس خداهما فتدرك كم هو ناعم وطيب الرائحة. لم يقتلها حامد كما رأت في خيالاتها، اعتزم العودة بأسرته إلى قريته. لملم متاعهما القليل، واصطحبها إلى محطة القطار عند الفجر ليفر بها من المدينة، لكنها كانت قد حدَّقت بوجه الأفندي. غافلت زوجها وهربت وسط الزحام.
الطلاب المصريون الذين كانوا يذهبون إلى أوروبا في عطلات الصيف سبعينات القرن العشرين، بعضهم أخذتهم ندَّاهات باريس وروما، فلم يعودوا لاستكمال دراستهم، لكنهم نالوا مصائر أفضل من مصير آشنباخ. أصبحوا أصحاب أعمال. التقيت كثيرا منهم، وهم يرون القاهرة الندَّاهة في أحلامهم فلا يستطيعون تلبية النداء ويعيشون على أسى الحنين الخالص.
هناك نصيحة للدفاع عن النفس، اقترحها توماس مان في «تونيو كروجر» ألا نتعمق في النظر للأشياء إلى الحد الذي يجعلها محزنة، لكن نصيحة الفتى تونيو، لم تنفع الشيخ آشنباخ، للأسف!
ربما، علينا أن نحسد الشغوفين بالتقاط الصور أثناء رحلاتهم؛ هؤلاء المحظوظون تتلقى عين الكاميرا، نيابة عنهم، نظرة الجمال المرتدة المدمرة.



بسنت شوقي: التنوّع خيار محسوب بين «إفراج» و«الكينج»

بسنت شوقي في أحد أدوارها (صفحتها في «فيسبوك»)
بسنت شوقي في أحد أدوارها (صفحتها في «فيسبوك»)
TT

بسنت شوقي: التنوّع خيار محسوب بين «إفراج» و«الكينج»

بسنت شوقي في أحد أدوارها (صفحتها في «فيسبوك»)
بسنت شوقي في أحد أدوارها (صفحتها في «فيسبوك»)

قالت الممثلة المصرية بسنت شوقي إنّ ظهورها في مسلسل «إفراج» جاء بعد ترشيح من المخرج أحمد خالد موسى، الذي تواصل معها وشرح ملامح شخصية «وفاء»، مؤكدة أنها انجذبت إلى الدور لما يحمله من اختلاف وتحدٍّ تمثيلي، وابتعاده عن الأدوار التي قدَّمتها سابقاً.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «محدودية مساحة الدور في الحلقات الأولى لم تجعلني أتردَّد في قبوله، لحماستي وإعجابي بالفكرة، فضلاً عن مشاركة عمرو سعد الذي تربطني به صداقة، ورغبتي في العمل مع المخرج وشركة الإنتاج».

وأوضحت أنها تعاملت مع شخصية «وفاء» بجدّية في التحضير، وحرصت على البحث عن نماذج قريبة منها في الواقع، مُستعينة بمحتوى مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً «تيك توك»، لاستلهام تفاصيل تتعلَّق بطريقة الكلام والحركة والمظهر، إلى جانب جلسات نقاش مع المخرج وزملائها، خصوصاً أحمد عبد الحميد، مؤكدة أنّ ذلك ساعدها في الوصول إلى شكل أكثر واقعية للشخصية.

شاركت بسنت شوقي في عملَين خلال رمضان الماضي (صفحتها في «فيسبوك»)

وأضافت أنّ التحدّي الأكبر كان تحقيق التوازن بين اختلاف الشخصية عنها وإقناع الجمهور بها، لأنّ الأصعب هو ألا تبدو «مصطنعة» أو «كارتونية»، وهو ما حرصت عليه طوال التصوير، «سعياً إلى تقديم أداء صادق وقريب من الناس»، وفق قولها.

وعن مشاركتها في مسلسل «الكينج» مع محمد إمام، عبَّرت عن سعادتها بردود الفعل، مشيرة إلى أنها قدَّمت شخصية «مريم الصياد»، وعملت مع المخرجة شيرين عادل على التحضير المُسبق، ممّا سهَّل كثيراً من التفاصيل.

وأضافت أنّ تعاونها مع محمد إمام وشيرين عادل جاء بعد محاولات سابقة لم تكتمل، مؤكدة أنّ «النص كان من أهم أسباب الموافقة، لما يحمله من عالم مختلف وشخصيات متعدّدة، إلى جانب الرغبة في الوصول إلى فئة جديدة من الجمهور».

وتطرَّقت إلى النقاشات مع المخرجة بشأن تحوّلات «مريم الصياد» وكيفية توظيف ذكائها وعلاقاتها، خصوصاً مع تطوّر الأحداث، مشيرة إلى حرصها على الإلمام بتفاصيل الشخصية تدريجياً في كلّ مشهد.

وأكدت أنّ «الشخصيات غير النمطية ذات الأبعاد النفسية قد تبدو تصرّفاتها غير مفهومة في البداية، لكنّ دوافعها تتكشَّف تدريجياً، ممّا يفرض دراسة كلّ مشهد وتقديمه بشكل واضح ومتدرّج».

بسنت شوقي ومحمد إمام في كواليس تصوير «الكينج» (صفحة محمد إمام في «فيسبوك»)

وأضافت أنها ركزت على بناء تفاصيل الشخصية، من طريقة الكلام والحركة إلى نبرة الصوت، لأنّ هذه العناصر تُعزّز إقناع الجمهور، خصوصاً عندما تختلف الشخصية عن طبيعة الممثل، مشيرة إلى أنّ التحدّي الأبرز كان تحقيق التوازن بين قوة الشخصية وجانبها الإنساني، بما يجعل التحوّلات منطقية ومقنعة.

من هنا، أكدت وجود تحدّيات تقنية، منها مَشاهد ركوب الخيل التي تطلّبت تدريباً مكثفاً لعدم ممارستها منذ سنوات، مشيرة إلى أهمية هذه التفاصيل في تعزيز صدقية العمل، لا سيما أنّ مشهد ركوب الخيل كان أول ظهور لها في الأحداث.

وعن وجود عدد كبير من النجوم، قالت إنّ ذلك خلق حالة من الدعم المتبادَل، وانعكس إيجاباً على أجواء التصوير التي اتَّسمت بالهدوء والتنظيم رغم ضخامة الإنتاج.

وأضافت أنّ تقديم عملَين مختلَفين في موسم واحد منحها فرصة الظهور بأكثر من شكل، مشيرةً إلى أنّ ذلك خطوة مهمّة في مسيرتها الفنّية.

وعن مشروعاتها المقبلة، أكدت بسنت شوقي أنها تنتظر عرض فيلم «إذما»، الذي تشارك فيه مع أحمد داود، والمقرَّر إطلاقه قريباً في دور العرض السينمائية.


غمر الجسم 5 دقائق في الماء البارد يحسّن الحالة النفسية

الغمر في المياه الباردة من الممارسات المحببة بين الرياضيين (جامعة تورونتو متروبوليتان)
الغمر في المياه الباردة من الممارسات المحببة بين الرياضيين (جامعة تورونتو متروبوليتان)
TT

غمر الجسم 5 دقائق في الماء البارد يحسّن الحالة النفسية

الغمر في المياه الباردة من الممارسات المحببة بين الرياضيين (جامعة تورونتو متروبوليتان)
الغمر في المياه الباردة من الممارسات المحببة بين الرياضيين (جامعة تورونتو متروبوليتان)

كشفت دراسة بريطانية أن غمر الجسم في المياه الباردة لمدة خمس دقائق فقط يمكن أن يُحدث تحسناً ملحوظاً في الحالة النفسية، ما يوفر وسيلة سريعة وبسيطة لتعزيز المزاج.

وأوضح الباحثون من جامعة تشيتشستر أن التأثير الإيجابي لا يعتمد على مدة الغمر بقدر ما يعتمد على التعرض نفسه، ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «Lifestyle Medicine».

ويُعد الغمر في المياه الباردة من الممارسات التي اكتسبت شعبية واسعة في السنوات الأخيرة، خصوصاً بين الرياضيين ومحبي أنماط الحياة الصحية.

ويقوم هذا النوع من الممارسات على تعريض الجسم لمياه منخفضة الحرارة لفترة قصيرة، بهدف تنشيط الدورة الدموية وتحفيز استجابة الجسم الطبيعية للبرودة.

ويُعتقد أن التعرض للبرودة يؤدي إلى إفراز هرمونات مثل الإندورفين والأدرينالين، ما يمنح شعوراً بالانتعاش وزيادة اليقظة، كما يُستخدم أحياناً لتقليل الالتهابات وتسريع التعافي بعد المجهود البدني.

وشملت التجربة 121 مشاركاً من الشباب الذين يعانون من انخفاض المزاج، وجميعهم يتمتعون بلياقة بدنية جيدة، وخضعوا لاختبار الغمر في مياه البحر عند درجة حرارة 13.6 درجة مئوية.

وأُجريت التجربة على شاطئ «ويست ويترينغ» في بريطانيا، دون أن يكون لدى المشاركين أي خبرة سابقة في السباحة بالمياه الباردة.

وقام المشاركون بتقييم حالتهم المزاجية قبل أسبوع من التجربة، ثم أعادوا التقييم فور الانتهاء من الغمر في الماء البارد.

وأظهرت النتائج تحسناً واضحاً في مؤشرات المزاج لدى جميع المشاركين، بغض النظر عن مدة البقاء في الماء، مع تسجيل الغمر لمدة خمس دقائق نتائج قريبة جداً من الغمر لمدة 20 دقيقة.

وأشار الباحثون إلى أن هذه النتائج تشير إلى إمكان استخدام الغمر القصير في المياه الباردة بوصفه وسيلة فعّالة وسريعة لدعم الصحة النفسية، خصوصاً لدى الأشخاص النشطين بدنياً، كما يمكن أن تشجع المزيد من الأفراد على تجربة هذه الممارسة نظراً لسهولة تطبيقها وقِصر مدتها.

وأضافوا أن الغمر القصير يمكن أن يكون خياراً عملياً لتحسين الحالة النفسية، حتى للأشخاص الذين لا يفضلون أو لا يستطيعون الوصول إلى العلاجات التقليدية بسهولة.

ورغم الفوائد المحتملة، شدد الباحثون على ضرورة توخي الحذر، خصوصاً لدى المبتدئين أو الأشخاص الذين يعانون من مشكلات صحية أو أمراض قلبية، إذ قد يسبب التعرض المفاجئ للبرودة صدمة للجسم إذا لم يتم بشكل تدريجي وآمن.


إليزابيث راسموسن: نشأتي قرب الدائرة القطبية جعلت السماء جزءاً من هويتي

عرض الفيلم في النسخة الماضية من «مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم في النسخة الماضية من «مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية» (الشركة المنتجة)
TT

إليزابيث راسموسن: نشأتي قرب الدائرة القطبية جعلت السماء جزءاً من هويتي

عرض الفيلم في النسخة الماضية من «مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم في النسخة الماضية من «مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية» (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة النرويجية، إليزابيث راسموسن، إن الشرارة الأولى للفيلم الوثائقي «نحن غبار النجوم» جاءت من قصة بدت لها في البداية أقرب إلى الحكايات الخيالية، عندما سمعت عن رجل يعثر على غبار النجوم فوق أسطح المنازل؛ وهو ما أثار فضولها، حيث لامس هذا الاكتشاف إحساساً قديماً بارتباطها بالنجوم منذ طفولتها، لكونها نشأت في بيئة قريبة من الدائرة القطبية، «حيث السماء الواسعة والليل الطويل يفتحان باب التأمل في الكون»، وفق قولها.

وأضافت راسموسن لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الارتباط لم يكن فقط شعورياً، بل دعمته أساطير تتحدث عن أن الحياة جاءت من الفضاء؛ وهو ما جعلني أتعامل مع الفكرة في البداية كحكاية رمزية، قبل أن أكتشف تدريجياً أن لها أساساً علمياً».

ينتمي فيلم «نحن غبار النجوم» إلى السينما الوثائقية النرويجية، وعُرض للمرة الأولى ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «كوبنهاغن الدولي للأفلام الوثائقية»، ويقدم الفيلم حكاية تبدو غير مألوفة، لكنها تستند إلى اكتشاف علمي حقيقي، عبر تتبع رحلة الموسيقي النرويجي جون لارسن، الذي يذهب عكس التيار العلمي التقليدي، ويبحث عن غبار النجوم – تلك الجزيئات الكونية الدقيقة التي تعود إلى نشأة النظام الشمسي – ليس في الفضاء أو الصحاري النائية، بل في المدن وعلى أسطح المنازل.

تبدأ قصة الفيلم الذي استمر العمل عليه 10 سنوات، وفق المخرجة، من فرضية جريئة قوبلت في البداية بالسخرية والرفض من قِبل المجتمع العلمي، لكن إصرار لارسن يدفعه إلى تطوير طريقة مبتكرة لتمييز النيازك الدقيقة وسط الشوائب الأرضية، ومع مرور الوقت، تتحول رحلته من محاولة فردية هامشية إلى اكتشاف يحظى باعتراف علماء بارزين، بل ويصل إلى مؤسسات كبرى مثل «ناسا»، ليعيد طرح سؤال جوهري: «هل يمكن أن تكون آثار نشأة الكون موجودة حولنا في أكثر الأماكن المألوفة؟».

المخرجة النرويجية استغرقها الفيلم 10 سنوات (الشركة المنتجة)

بالتوازي مع هذا الخط العلمي، تنسج المخرجة إليزابيث راسموسن مساراً شخصياً موازياً، تستعيد فيه جذورها. ومن خلال المزج بين البحث العلمي والبعد الروحي، وبين الصور المجهرية المدهشة والمؤثرات البصرية، يتحول الفيلم تأملاً بصرياً وفلسفياً في علاقة الإنسان بالكون.

تقول راسموسن إنها عندما تواصلت مع جون لارسن، أخبرها بأن غبار النجوم ليس مجرد فكرة شاعرية، بل مادة حقيقية أسهمت في تكوين الحياة على الأرض؛ وهو ما دفعها إلى التعمق في المشروع، عادَّة أن اللحظة الفاصلة بالنسبة لها كانت عندما شاهدت الصور الملتقطة لهذه الجزيئات الدقيقة، ووجدتها شديدة الجمال على المستوى البصري؛ ما منحها يقيناً بأن هذه القصة ليست فقط علمية، بل سينمائية أيضاً.

وأضافت: «الجمع بين الجمال البصري لفكرة غير مرئية تقريباً، وبين بعدها الفلسفي، منح الفيلم طاقة خاصة جعلتني أشعر بأنه مشروع يستحق سنوات من العمل»، لافتة إلى أن رحلة إنتاج الفيلم كانت طويلة ومعقدة، حيث استغرقت نحو عشر سنوات من العمل المتواصل، مرت خلالها بمراحل عدة.

وأكدت أن نظام الدعم في النرويج يوفر تمويلاً عاماً مهماً، لكنه يتطلب وقتاً طويلاً ولا يغطي كل احتياجات المشروع؛ ما اضطرها إلى البحث عن تمويل خاص لتغطية جزء من الميزانية، بل والعمل في وظائف أخرى خلال فترة التطوير لتأمين استمرارية المشروع.

حصل الفيلم على تمويل من عدة جهات (الشركة المنتجة)

وأوضحت أن «دخول شركاء إنتاج من الدنمارك، وبيع حقوق عرض الفيلم لمحطات تلفزيونية، كانا من الخطوات الحاسمة في استكمال التمويل، إلى جانب حصول الفيلم في مراحله الأخيرة على دعم من جهة علمية؛ ما ساعد بشكل كبير في تطوير المؤثرات البصرية، خصوصاً أن الفيلم يعتمد على تقديم عوالم غير مرئية للعين المجردة، ويحتاج إلى دقة علمية عالية في تمثيلها».

وأكدت إليزابيث أن التحدي الأكبر لم يكن فقط في الجانب الإنتاجي، بل في طبيعة الموضوع نفسه؛ لأن الفكرة التي يدور حولها الفيلم كانت محل تشكيك من قِبل عدد من العلماء في البداية، وهو ما جعل الوصول إلى «حقيقة علمية» أمراً معقداً، لافتة إلى أن الاستمرار في البحث رغم هذا الرفض كان أحد أصعب جوانب الرحلة، لكنه في الوقت نفسه كان ما يمنح القصة قوتها الإنسانية.

وقالت إن «التصوير في بداياته كان بسيطاً ومحدود الإمكانات، حيث كنت أعمل بمفردي، أحمل معدات التصوير وأحاول بناء علاقة مع الشخصيات وفهم العالم الذي أدخله؛ لذا كانت بعض المواقف صعبة على المستوى التقني، خصوصاً في ظروف الطقس القاسية، أو في محاولة تجسيد أفكار مجردة مثل سقوط جزيئات من الفضاء، وهو ما تم تطويره لاحقاً باستخدام تقنيات المؤثرات البصرية».

وأكدت المخرجة النرويجية أن العمل مع مديري تصوير محترفين في مراحل لاحقة ساعد في رفع المستوى البصري للفيلم، لكنه خلق في الوقت نفسه تحدياً في ترجمة رؤيتها الداخلية إلى صور ملموسة، لا سيما عندما يتعلق الأمر بمشاهد تخيلية تحتاج إلى توازن دقيق بين الواقعية والخيال، مشيرة إلى أن هذه التحديات كانت جزءاً أساسياً من تشكيل لغة الفيلم البصرية.

وأوضحت أن «مرحلة المونتاج كانت من أكثر المراحل تعقيداً؛ نظراً لوجود مادة مصورة تمتد لعشر سنوات، ما تطلب إعادة بناء القصة من جديد»، مؤكدة أن أحد أهم القرارات التي اتخذتها كان الالتزام بالصدق، حتى لو تطلب ذلك حذف مشاهد تم تصويرها بعناية، لكنها لم تكن تعبر بشكل حقيقي عن الأحداث.

وقالت إليزابيث راسموسن إن «بعض اللقطات التي تم تصويرها في البدايات بكاميرات بسيطة كانت تحمل قيمة عاطفية كبيرة؛ وهو ما دفعني إلى الاحتفاظ بها رغم ضعف جودتها التقنية، لأن الإحساس بالصدق كان أهم من الكمال البصري».