الاقتصاد اليوناني بمؤشرات كليّة «خضراء»... وسياسية واجتماعية «حمراء»

الاقتصاد اليوناني بمؤشرات كليّة «خضراء»... وسياسية واجتماعية «حمراء»

تسيبراس أنقذ اقتصاد بلاده لكن المواطنين سئموا آلام التقشف
السبت - 4 ذو القعدة 1440 هـ - 06 يوليو 2019 مـ رقم العدد [ 14830]
رغم تعافي الاقتصاد اليوناني فإن هناك غلبة لحالة من عدم الرضا على الأوضاع الاجتماعية السيئة (أ.ف.ب)

الاقتصاد اليوناني يتعافى، بعدما مرَّ بعدة أزمات وصلت إلى حد الإفلاس استوجبت تنفيذ خطط تقشف قاسية ومساعدات مالية من الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي. عاد النمو، وتراجع معدل البطالة، والحسابات العامة فائضة نسبياً مع استثناء فوائد الديون، لكن التضحيات التي طُلبت من اليونانيين قد يدفع ثمنها رئيس الوزراء ألكسيس تسيبراس في الانتخابات النيابية المقبلة.
ويقول اقتصاديون: «إذا فحصنا أبرز المؤشرات الاقتصادية، فإن النتيجة لا لبس فيها: البلاد تتعافى والمؤشرات خضراء. فالبطالة تراجعت من 26 إلى 18 في المائة، والاقتصاد الذي سجل نمواً نسبته 2 في المائة في 2018 أنهى حقبة عدة سنوات من الانكماش، وتجاوز 3 أزمات، اقتصادية ومالية وسياسية، حلّت بالبلاد خلال 8 سنوات... وفي جانب الحسابات العامة، سجل العام الماضي فائضاً أولياً نسبته 4.4 في المائة من الناتج إذا استثنينا فوائد الدين العام».
هذه النتائج سمحت لليونان العام الماضي بالخروج من تحت الوصاية المالية التي فُرِضت على البلاد من قِبَل الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي. وذلك الخروج مشروط باستمرار تحقيق فائض أولي في الموازنة نسبته 3.5 في المائة حتى عام 2022. والفائض هو الفارق بين الإيرادات والمصروفات من دون الأخذ في الاعتبار خدمة الدين العام، أي الفوائد التي تدفعها الحكومة مقابل ديونها.
ولإظهار أهمية ذلك، رفعت وكالة «موديز» للتصنيف، درجة البلاد الائتمانية، وعادت ثقة المستثمرين بالسندات اليونانية. ففي مارس (آذار) الماضي طرحت الحكومة سندات بقيمة 2.5 مليار يورو في أول إصدار سيادي لمدة 10 سنوات منذ الأزمة، فإذا بها تحصد طلبات اكتتاب قيمتها 5 أضعاف المطروح، وفي أبريل (نيسان) الماضي هبطت فوائد تلك السندات إلى أدنى مستوى من 14 سنة إلى 3.27 في المائة، بعدما كانت ارتفعت فوائد سندات العشر سنوات إلى 30 في المائة في ذروة الأزمة.
فبعد الحصول على 3 قروض ضخمة قيمتها الإجمالية 240 مليار يورو، تعهدت الحكومات المتعاقبة بتطبيق قائمة طويلة من الإجراءات التقشفية القاسية والإصلاحات الهيكلية الجذرية، وشمل ذلك حكومة ألكسيس تسيبراس الذي أدار ظهره لوعوده الانتخابية ومبادئه اليسارية، وقبل تطبيق تلك الإجراءات بعد مفاوضات شاقة وطويلة ومعقدة مع شركائه في الاتحاد الأوروبي. إذن، لم يأتِ التعافي إلا بعد ألم عميق، وفقاً لمصدر في المفوضية الأوروبية، لكن تسيبراس قد يدفع ثمن ذلك خلال الأيام المقبلة بعدما رفضه اليونانيون بقوة خلال الانتخابات الأوروبية بعكس كل التوقعات، ومنحوا أصواتهم بكثافة لحزب «الديمقراطية الجديدة» اليميني المحافظ الذي تفوق على حزب تسيبراس بنحو 10 نقاط.
وتشير استطلاعات الرأي الخاصة بالانتخابات التشريعية التي ستجري غداً (الأحد) في 7 يوليو (تموز) إلى الفارق نفسه بين الحزبين، والسؤال الذي يطرحه الاقتصاديون: لماذا تتراجع شعبية تسيبراس بعد كل الذي فعله للنهوض باليونان؟
الجواب لدى بعض المحللين الذين تناولوا الفارق بين المؤشرات الكلية «الخضراء» مقابل استمرار «احمرار» المؤشرات السياسية والاجتماعية، الذي يكمن في ارتفاع الضرائب والرسوم وقلة العدالة الاجتماعية. فحكومة تسيبراس فرضت على اليونانيين منذ عام 2015 أكبر نسب ضرائب على الطبقة الوسطى في تاريخ البلاد، علماً بأن تلك الحكومة رفعت عند تشكيلها شعار المحافظة على تلك الطبقة، كما أن النتائج الإيجابية «الماكرواقتصادية» لم يشعر بها عموم المواطنين الذين يعانون من المشاكل نفسها منذ سنوات، وبفعل ذلك يخشى من العودة إلى ممارسات الاقتصاد الموازي التي كانت من مسببات الأزمة، وتلك الممارسات تقوم أولاً على التهرُّب الضريبي الذي كان يحرم خزينة البلاد من 30 مليار يورو سنوياً بسبب قيام أنشطة غير مُفصَح عنها.
إلى ذلك يضيف المحللون أن الإصلاحات الاقتصادية رهنت كل أملاك الدولة، علماً بأن بعضها لم يُستكمل بعد، أي أن بعض الأسوأ لم ينتهِ بعد. وفي جانب المتقاعدين فإن الإجراءات كانت أكثر من قاسية وغير عادلة بالنسبة لكثيرين من هذه الشريحة، حتى إن المتقاعدين الجدد يجدون أنفسهم بأقل دخل تاريخي.
أما إصلاحات سوق العمل فلم تكن أقل قسوةً، ما يدفع اقتصاديين إلى وصفها بأنها خلقت جيلاً فقيراً جديداً اسمه «جيل الـ300 يورو»، في إشارة إلى المداخيل المتواضعة التي يحصل عليها الخريجون الجدد، وهذا الدخل المتدني يدفع المزيد من الشباب إلى عدم الإيمان بمستقبلهم في بلادهم ويحدوهم إلى الهجرة، حتى بلغ عدد تاركي البلاد خلال الـ8 سنوات الماضية نحو 800 ألف شاب.
لمواجهة هذه الأزمة التي تتجذر أكثر، أقدمت الحكومة في مايو (أيار) الماضي على تسهيلات قيمتها 1.4 مليار يورو تركزت في خفض ضريبة القيمة المضافة، وإعادة جدولة القروض المصرفية وتمديد فترات سدادها، ودفع بعض العلاوات للمتقاعدين. لكن المعنيين بتلك التسهيلات (لا سيما شريحة المتقاعدين) لم تقتنع بما فعلته الحكومة، لأن العلاوات المتواضعة التي حصلوا عليها لا تساوي شيئاً بنظرهم مقابل كل التضحيات التي قدموها خلال السنوات العجاف الممتدة منذ عام 2014، لا بل إن بعضهم اعتبر تلك العلاوات «فتاتاً مهيناً»، وفق تعبير محتجين نزلوا إلى الشارع للتعبير عن غضبهم.
على صعيد آخر، فإن الحكومة تواجه انتقادات بشأن إدارتها للحسابات العامة. ويقول محللون: «زاد حجم القطاع العام بعد الإقدام على التوظيف الكثيف، ولم نلاحظ قدوماً لافتاً للمستثمرين الأجانب، لا بل ترك البلاد خلال السنوات القليلة الماضية المزيد من هؤلاء بعدما قرأوا في الإصلاحات تشديداً لا يتوافق مع رؤاهم للعوائد المرجوة، علماً بأن الاستثمارات الصينية ترتفع، لكنها عبارة عن شراء أغلى ما تملك البلاد من مرافق».
لذا تشهد البلاد حالياً تقدماً للحزب المحافظ الذي يعد بخفض ضرائب الشركات وتخفيف العبء الضريبي الذي يثقل كاهل الطبقة الوسطى، ووضع حد لفقدان الثروة القومية بعدما خسر الناتج 20 في المائة من قيمته منذ عام 2008، متراجعاً من 250 مليار يورو إلى 196 ملياراً، وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي، التي تؤكد رغم ذلك أن الناتج عاد إلى النمو منذ عام 2017. ويتوقع الصندوق نمواً نسبته 2.4 في المائة في عام 2019.
وعلى صعيد الدين العام الذي كان في أساس أزمة البلاد، فإن نسبته إلى الناتج تبقى مرتفعة جداً عند 180 في المائة، وفي ميزانيات المصارف ديون مشكوك في تحصيلها نسبتها 45 في المائة، بسبب القروض العقارية التي أخذتها الأسر قبيل الأزمة ثم تعثرت في سدادها منذ ذلك الحين.


اليونان اليونان

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة