اتفاق سوداني يعيد الحكم للمدنيين... وحمدوك أقوى المرشحين لرئاسة الحكومة

مجلسا «الوزراء» و«السيادي» يمارسان سلطة التشريع في غياب «التشريعي»... ولجنة قانونية لصياغة الاتفاق تمهيداً لتوقيعه في غضون يومين... واحتفالات تعم مدن السودان

احتفالات شعبية في شوارع الخرطوم أمس... وفي الاطار حميدتي خلال مؤتمر صحافي أمس (أ.ف.ب)
احتفالات شعبية في شوارع الخرطوم أمس... وفي الاطار حميدتي خلال مؤتمر صحافي أمس (أ.ف.ب)
TT

اتفاق سوداني يعيد الحكم للمدنيين... وحمدوك أقوى المرشحين لرئاسة الحكومة

احتفالات شعبية في شوارع الخرطوم أمس... وفي الاطار حميدتي خلال مؤتمر صحافي أمس (أ.ف.ب)
احتفالات شعبية في شوارع الخرطوم أمس... وفي الاطار حميدتي خلال مؤتمر صحافي أمس (أ.ف.ب)

دخل السودان، مرحلة جديدة من تاريخه، أمس، مع إعلان المجلس العسكري الانتقالي الحاكم وقوى الحرية والتغيير، التي تقود حراك الشارع، التوصل إلى اتفاق بتقاسم السلطة، تنهي رسمياً، حالة الاحتقان الممتدة لعدة أسابيع منذ عزل الرئيس السابق عمر البشير، في 11 أبريل (نيسان) الماضي، وتمهد لحكم مدني ينهي سنوات الحرب.
فبعد يومين من المفاوضات المكثفة، أكد وسيط الاتّحاد الأفريقي محمد الحسن لبات خلال مؤتمر صحافي، عقد في الساعات الأولى من صباح أمس، أنّ المجلس العسكري وتحالف «إعلان قوى الحرّية والتغيير» اتفقا على «إقامة مجلس للسيادة بالتناوب بين العسكريين والمدنيين ولمدّة 3 سنوات قد تزيد قليلاً». كما اتفقا على «تشكيل حكومة كفاءات مستقلة»، تدير المرحلة الانتقالية. وأوضح لبات أنّ الطرفين اتفقا أيضاً على إجراء «تحقيق دقيق شفّاف وطني مستقلّ لمختلف الأحداث والوقائع العنيفة المؤسفة التي عاشتها البلاد في الأسابيع الأخيرة».
وبحسب لبات، «وافقت الأطراف أيضاً على إرجاء إقامة المجلس التشريعي والبتّ النهائي في تفصيلات تشكيله، حالما يتمّ قيام المجلس السيادي والحكومة المدنيّة»، في فترة لا تزيد على 3 أشهر.
وينتظر أن يتم التوقيع على الاتفاق بشكله الرسمي بحضور زعماء دول إقليمية ودولية، بينهم رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، وعدد من القيادات الإقليمية وممثلين من الاتحاد الأوروبي ودول الترويكا (الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج) الراعية للسلام، والأمم المتحدة، بحلول يوم الاثنين الموافق 8 يوليو (تموز) الحالي في أجواء احتفالية تم الترتيب لها.
ويتضمن المجلس السيادي من 11 عضواً مناصفة (5+5)، بالإضافة إلى شخص مدني مستقل ذي خلفية عسكرية، يتم الاتفاق عليه بين الطرفين، كما نص الاتفاق على أن يتولى المجلس العسكري فترة الرئاسة الأولى لمدة 21 شهراً بما فيها الستة أشهر الأولى التي خصصت لتحقيق السلام بالتفاوض مع الحركات المسلحة، على أن تتولى قوى الحرية والتغيير لمدة 18 شهراً من عمر الفترة الانتقالية التي ستعقبها إجراء انتخابات عامة.
وبدوره، قال نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي محمد حمدان دقلو (حميدتي) عقب التوقيع أمس، إن الاتفاق «سيكون له ما بعده، وسيكون شاملاً ولا يقصي أحداً، ويستوعب الحركات المسلحة والقوى السياسية وكل طموحات الشعب السوداني وثورته الظافرة».
وشكر حميدتي جهود الوسيطين الأفريقي والإثيوبي، في تقريب وجهات النظر والروح الطيبة التي تحلت بها قوى إعلان الحرية والتغيير، وأثنى على دور الوسطاء الوطنيين وجهود سفراء الدول العربية، وأميركا وبريطانيا التي أسهمت في التوصل إلى الاتفاق.
وأوضح عضو وفد التفاوض عمر الدقير أن الاتفاق يفتح الطريق لتشكيل مؤسسات السلطة الانتقالية، وتنفيذ برامج الإصلاح الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والاهتمام بقضية السلام.
وأبدى الدقير أمله بأن يكون الاتفاق «بداية لعهد جديد تسوده الوحدة والوعي والإرادة الجماعية، ولتحقيق أحلام الشعب السوداني وإسكات صوت البندقية إلى الأبد وتحقيق المصالح الوطنية».
وفور الإعلان عن التوصل إلى اتفاق، خرجت حشود من السودانيين المبتهجين إلى شوارع الخرطوم، والمدن الأخرى، هاتفين «حكم مدني»، في حين لم يكن هناك وجود للقوات الأمنية في الشوارع. وكانت الحشود تضرب على علب معدنية وزجاجات مياه بلاستيكية أثناء مسيرتهم في الشوارع الرئيسية في العاصمة، مرددين شعارات ثورية.
وحددت قوى إعلان الحرية والتغيير، أمس، موعد تسمية رئيس الوزراء وأعضاء مجلس السيادة، مباشرة إثر توقيع الاتفاق مع المجلس العسكري الانتقالي بعد الصياغة القانونية في غضون الساعات المقبلة، وأوضحت أن صلاحيات مجلس السيادة تتمثل في إجازة واعتماد قرارات مجلس الوزراء التي سيتم تفصيلها في وثيقة الاتفاقية النهائية، وأن مجلس الوزراء والمجلس مجتمعين سيكوّنان مجلساً تشريعياً مؤقتاً لحين تسمية المجلس التشريعي خلال 3 أشهر من تاريخ توقيع الاتفاق.
وقال متحدثون باسم تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير في مؤتمر صحافي أمس، إن الأطراف اتفقوا على مواعيد أقصاها 48 ساعة، تقوم خلالها لجنة قانونية مشتركة بتكييف الصياغة القانونية وإحكامها قبل توقيعه.
وأوضح القيادي بالحرية والتغيير مدني عباس مدني للصحافيين، أن رئيس الوزراء وممثلي التحالف سيتم إعلانهم مباشرة عقب مراسم توقيع الاتفاق مع العسكري، في حفل كبير يتم ترتيبه الأسبوع الحالي. وأضاف: «نرتب لاحتفال كبير بمناسبة توقيع الاتفاق، يحضره رؤساء دول شقيقة وصديقة، وضامنين إقليميين دوليين، خلال الأسبوع الحالي».
من جهته، قال المتحدث باسم التحالف خالد عمر يوسف، إن قوى إعلان الحرية والتغيير وافقت على تكوين لجنة تحقيق وطنية مستقلة، تتولى مهام التحقيق في الجرائم التي ارتكبت أثناء فض الاعتصام وما بعدها، وتتكون من مجموعة من القانونيين السودانيين ذوي الكفاءة والنزاهة يحظون بالقبول.
وبدورها، أوضحت المتحدثة ميرفت حمد النيل، أن تكوين لجنة التحقيق، لا يلغي حق أسر الضحايا والشهداء، في التقاضي أمام القضاء. وتابعت: «قتل المحتجين السلميين جريمة حق عام تستدعي التحقيق فيها، دون إلغاء الحق الخاص لذوي الضحايا».
ووجهت قوى الحرية والتغيير نداء للحركات المسلحة للقيام بدورها في حماية الثورة، وتحقيق مطالب الشعب، ونوهت بحقها في «التشكيك» فيما تم الاتفاق عليه، وقال مدني عباس: «الاتفاق ليس الثورة، بل بداية لها وخطوة أولى لتحقيق مطالبها».
وتابع: «الضمانات التي تحمي الثورة وأهدافها، هي الشعب السوداني، ومثلما خرج لإسقاط نظام البشير، يمكن أن يخرج مرات ومرات لتصحيح مسار الثورة»، بالإضافة إلى الضمانات الإقليمية والدولية.
وأوضحت ميرفت حمد النيل، أن المجلس العسكري تعهد بتنفيذ مطالب «إعادة الثقة»، والممثلة في إعادة خدمة الإنترنت، وإتاحة الحريات العامة، وإعادة نشر القوات العسكرية خارج المناطق المدنية، خلال الأيام المقبلة، وأن الأمر يخضع لترتيبات فنية.
وأعلنت الحرية والتغيير عن مواصلة جداولها «المعهودة»، بيد أنها قررت تحويلها إلى مواكب احتفائية بما أنجزه الشعب السوداني، ودعت لجان الأحياء للعمل على توحيد الصفوف، وإحياء عمل اللجان، والاستعداد لمواجهة قوى الثورة المضادة.
وقال خالد عمر إن المرحلة الانتقالية ليست نهاية للصعاب التي يواجهها السودان، بل بداية لمواجهتها باعتبارها خطوة أولى، و«إن نقل السلطة للمدنيين لا يعني نجاح الثورة».
ونفى عمر أن تكون المرحلة الانتقالية، مرحلة للانتقام من الآخرين، بقوله: «نحن لا نحمل أي أجندة إقصائية، ونمد أيادينا لجميع السودانيين، للوصول إلى مصالحة وطنية شاملة، وإلى العبور بالبلاد».
واعترف عمر بأن الاتفاق الذي تم توقيعه أمس (الجمعة)، لم يخاطب كل القضايا، واقتصر على تحديد مستويات السلطة الانتقالية، معلناً ترتيبات لحضور توقيع الاتفاق.
ووجه عمر باسم تحالفه شكراً للوساطة الأفريقية - الإثيوبية، والدول الصديقة والشقيقة العربية والأفريقية ودول العالم، لدورها في تيسير الوصول إلى اتفاق تسليم السلطة لحكومة مدنية.
من جهته، قال القيادي بقوى الحرية والتغيير منذر أبو المعالي، إن الترشيحات لمجلس السيادة لم تحسم بعد ولا تزال قيد النقاش، ومن أهم محددات اختيار الممثلين، مراعاة «التمثيل المتوازن للأقاليم والمرأة»، وإن اللجنة المنوط بها اختيار الأسماء للإجازة لم تكتمل بعد.
وتوقع أبو المعالي في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن تحدث تغييرات في الأسماء المرشحة مسبقاً، لمراعاة تمثيل المرأة والأقباط. وأضاف: «تحديد 5 ممثلين لقوى الحرية والتغيير، كما جاء في الاتفاق يحتاج إلى مزيد من المشاورات، والتوافق بين الكتل المكونة للتحالف».
وبحسب أبو المعالي، فإن أكثر المرشحين حظوظاً لتولي رئاسة الوزراء في الحكومة الانتقالية هو الخبير الاقتصادي الذي يشغل منصب القائم بأعمال الأمين التنفيذي للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا عبد الله حمدوك. وتابع: «بعد الاتفاق على رئاسة الوزراء، يتم ترشيح 3 أسماء أو أكثر للوزارة المحددة، ويترك اختيار أحدهم لرئيس الوزراء».
ومن ناحيته، قال القيادي في قوى الحرية والتغيير، عضو وفد التفاوض بابكر فيصل لـ«الشرق الأوسط»، إن نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي محمد حمدان حميدتي لعب دوراً حاسماً في الوصول إلى اتفاق، وطلب من الحاضرين ما أطلق عليه «تبييض النية للاستمرار في الشراكة من أجل الوطن». وتابع: «دفعت المخاوف والمخاطر التي يمكن أن تواجه البلاد، الطرفين للتوافق والوصول إلى اتفاق».
وأكد فيصل أن جلسات التفاوض التي استمرت ليومين، كانت شفافة وصريحة، أكد خلالها الطرفان على إعادة بناء الثقة، وإنشاء شراكة حقيقية بعيدة عن المشاكسات التي يمكن أن تفشل الفترة الانتقالية.



إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
TT

إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)

ذكرت مصادر أمنية أن الدفاعات الجوية أسقطت طائرة مسيرة بالقرب ‌من ‌مقر ​إقامة ‌مسعود ⁠بارزاني، ​رئيس الحزب ⁠الديمقراطي الكردستاني في العراق، في أربيل.
وقالت ⁠مصادر أمنية لـ«رويترز» أمس السبت، ​إن ‌هجوما ‌بطائرة مسيرة استهدف منزل رئيس إقليم ‌كردستان العراق في واقعة تأتي ⁠في ⁠ظل استمرار تصاعد التوتر في شمال العراق.

وشهدت أربيل ليل السبت، نشاطاً مكثفاً للطائرات المسيّرة وعمليات اعتراض استمرَّت لساعات، حيث تمَّ إسقاط عدد من المسيَّرات في أثناء محاولتها استهداف القنصلية الأميركية وقواعد قريبة منها.

ونقل مراسلو وكالة أنباء «أسوشييتد برس» من المنطقة أصوات انفجارات متواصلة وقوية، مشيرين إلى رصد مسيّرة واحدة على الأقل تتجه نحو المنشآت الأميركية، في يوم شهد هجمات هي الأكثر ضراوة منذ اندلاع الحرب. وتواصل الميليشيات الموالية لإيران في العراق تصعيد هجماتها بالمسيّرات والصواريخ ضد القواعد الأميركية، ومن بينها تلك الموجودة في أربيل.

وأدانت واشنطن، في بيان، ما أسمتها «الهجمات الإرهابية الدنيئة» التي نفَّذتها الجماعات المسلحة الموالية لإيران، مؤكدة أنَّ الضربات التي استهدفت مقر رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في وقت سابق من يوم السبت، تمثل «اعتداء صريحاً على سيادة العراق واستقراره ووحدته».

وأسفر الهجوم عن أضرار مادية فقط، دون تسجيل إصابات، حيث كان المقر خالياً من الأشخاص لحظة استهدافه بالقصف.

إلى ذلك، أفادت مصادر أمنية ووسائل إعلام عراقية بأن مدناً ومناطق متفرقة من العراق تعرَّضت خلال الساعات الماضية، وصباح اليوم (الأحد) لهجمات بالطيران المسيّر والصواريخ.

وذكرت المصادر أن أحد مقار «الحشد الشعبي» في محافظة صلاح الدين تعرَّض لقصف بطائرة مسيّرة، وشوهدت سحب الدخان تغطي سماء المنطقة صباح اليوم، كما تعرَّض مطار الحليوة في أطراف قضاء طوز خرماتو، الذي يضم مقرات «للحشد الشعبي» بين محافظتَي كركوك وصلاح الدين لقصف بمسيّرة.

وأوضحت أن أحد مقار اللواء 41 لـ«الحشد الشعبي» في مدينة الموصل بمحافظة نينوى تعرَّض لهجوم بطائرة مسيّرة أميركية شمال بغداد.

وأعلنت خلية الإعلام الأمني في قيادة العمليات المشتركة العراقية، فجر اليوم، سقوط طائرة مسيّرة بشارع 42 في ساحة الواثق بحي الكرادة، دون وقوع إصابات.


العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.