إردوغان يفتح مواجهة مبكرة مع غُل وباباجان قبل إعلان حزبهما الجديد

حملة لـ «الجيش الإلكتروني» واتهامات بالارتباط بغولن

اعتبر مراقبون أن «الحملة الإلكترونية» لحزب إردوغان ضد غل تعكس مدى خوفه من دعمه باباجان في تأسيس حزبه الجديد الذي سيحدث فارقاً كبيراً على الساحة السياسية (رويترز)
اعتبر مراقبون أن «الحملة الإلكترونية» لحزب إردوغان ضد غل تعكس مدى خوفه من دعمه باباجان في تأسيس حزبه الجديد الذي سيحدث فارقاً كبيراً على الساحة السياسية (رويترز)
TT

إردوغان يفتح مواجهة مبكرة مع غُل وباباجان قبل إعلان حزبهما الجديد

اعتبر مراقبون أن «الحملة الإلكترونية» لحزب إردوغان ضد غل تعكس مدى خوفه من دعمه باباجان في تأسيس حزبه الجديد الذي سيحدث فارقاً كبيراً على الساحة السياسية (رويترز)
اعتبر مراقبون أن «الحملة الإلكترونية» لحزب إردوغان ضد غل تعكس مدى خوفه من دعمه باباجان في تأسيس حزبه الجديد الذي سيحدث فارقاً كبيراً على الساحة السياسية (رويترز)

يواجه الرئيس التركي السابق عبد الله غل ونائب رئيس الوزراء الأسبق علي باباجان، حرباً حامية يشنها الجيش الإلكتروني لحزب العدالة والتنمية الحاكم بعد الإعلان عن تأسيسهما حزباً جديداً برئاسة باباجان ودعم من غل. وهاجم المدونون الذين يعملون لصالح الحزب الحاكم غل، بضراوة، ونشروا صورة له مع رئيس بلدية إسطنبول الجديد أكرم إمام أوغلو، الذي فاز برئاسة البلدية عن تحالف «الأمة» المعارض الذي يضم حزبي الشعب الجمهوري و«الجيد» واتهموه بنكران الجميل وطعن رفيقه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان. وذكّر المدونون غل ببدايات تأسيس حزب العدالة والتنمية الحاكم، معتبرين أنه إذا لم يكن إردوغان دعمه في البدايات ما كان له أي ظهور على الساحة السياسية الآن. والمعروف أن غل كان من القياديين البارزين في أحزاب نجم الدين أركان، التي انتسب لها إردوغان أيضاً، قبل انشقاقهما عن حزب الفضيلة مع 61 آخرين من أعضائه وتأسيسهم حزب العدالة والتنمية، وكان غل نائباً في البرلمان، وترأس الحكومة الأولى لحزب العدالة والتنمية حتى تم رفع حظر ممارسة العمل السياسي عن إردوغان، حيث سلمه رئاسة الحكومة وتولى حقيبة الخارجية.
وانطلقت الحملة ضد غل بعد أن هاجمه إردوغان عقب موقفه من إعادة انتخابات إسطنبول بعد فوز إمام أوغلو بها، وادعائه أنه «لم يكن من مؤسسي العدالة والتنمية»، وذلك بعد أن سبق ورفع اسمه من قائمة مؤسسي الحزب بعد انتهاء فترة رئاسته للبلاد عام 2014، وهو ما أثار التساؤلات وقتها عن الخلافات بين رفيقي الدرب.
وتعرض مدونو حزب إردوغان أيضاً إلى زوجة الرئيس السابق «خير النساء غل»، مدعين أن إردوغان كان دائماً إلى جانب أسرته، وأنه سانده وقت أزمة رفض التحاق زوجته بالجامعة بسبب ارتدائها الحجاب.
كانت خير النساء غل تقدمت بشكوى إلى محكمة حقوق الإنسان الأوروبية ضد سلبها حقها في الالتحاق بالجامعة، لكنها سحبتها عقب تولي زوجها منصب وزير الخارجية.
وقبل انتهاء فترة غل في رئاسة الجمهورية عام 2014 كانت «خير النساء» عبرت عن استيائها لعدد من الصحافيين من الطريقة التي بات يتعامل بها إردوغان، الذي كان رئيساً للوزراء، مع زوجها، وكانت هذه أول بادرة على حقيقة وجود خلاف بين غل وإردوغان.
في ذلك الوقت، كان قد جرى تعديل الدستور لتغيير طريقة انتخاب رئيس الجمهورية، حيث تم تغيير فترة الرئاسة من 7 سنوات لمرة واحدة إلى 5 سنوات مع جواز الترشيح لمرة ثانية، وجعل انتخاب رئيس الجمهورية بالاقتراع المباشر بدلاً عن انتخابه في البرلمان، وذلك في التعديلات الدستورية التي أجريت عام 2012، ووقتها تصدى إردوغان لمنع غل من الترشح لفترة رئاسية جديدة بعد تغيير القانون مع أنه كان يحق له ذلك، بل وعمد إلى تغيير نظام الحكم عام 2017 من النظام البرلماني إلى الرئاسي لتوسيع صلاحيات الرئيس وإلغاء منصب رئيس الوزراء ولفتح الطريق لتوليه الرئاسية حتى العام 2029. وكشفت وسائل الإعلام التركية عن ضغوط وتهديدات تعرض لها غل عندما أراد الترشح للانتخابات الرئاسية المبكرة عام 2018 عندما طالب حزب السعادة بالدفع به مرشحاً، لكن غل طلب أن يتم التوافق بين أحزاب المعارضة على مرشح واحد وقال إنه إذا حدث ذلك فقد يقبل الترشح.
واعتبر مراقبون، أن «الحملة الإلكترونية» لحزب إردوغان ضد غل تعكس مدى خوفه من دعمه باباجان في تأسيس حزبه الجديد الذي يعتبرون أنه سيحدث فارقاً كبيراً على الساحة السياسية، وسيصبح بمثابة تهديد مباشر لحزب العدالة والتنمية.
وإذا كان ظهور أكرم إمام أوغلو وجهاً جديداً على الساحة السياسية تسبب في زلزال انتخابي في إسطنبول، أعطى مؤشراً على أفول حقبة حزب العدالة والتنمية، فإن غل وكذلك رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو كانا سباقين إلى قراءة الموقف عندما رفضا صراحة الانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي. ويتمتع علي باباجان بمؤهلات ومميزات تفوق كثيراً أكرم إمام أوغلو، رئيس بلدية إسطنبول الجديد، وسيكون حضوره في المشهد السياسي أكثر تأثيراً بحكم خبرته في إدارة أهم الملفات في الدولة (الاقتصاد والسياسة الخارجية) في عدد من حكومات العدالة والتنمية الذي كان أحد مؤسسيه. ويتوقع الكثير من المراقبين أن حزب باباجان المدعوم من غل ستكون له الغلبة في مستقبل البلاد السياسي، كما تسود حالة من الترقب الشديد لموعد الإعلان عن تأسيس الحزب. وقالت الكاتبة في صحيفة «خبر تورك»، ناجيهان التشي، إنه تم الاستقرار بالفعل على اسم الحزب الجديد، وإن الحديث دار أولاً حول اسم «الحرية والعدالة»، أو «الحرية والرفاه»، لكن باباجان طالب بالابتعاد عن أي تشابه في الاسم مع حزب العدالة والتنمية أو حزب الرفاه الإسلامي الذي أسسه نجم الدين أربكان، فتم اقتراح اسم «الحرية والقانون»، وهو اسم رأت الأوساط القريبة من باباجان الأنسب لفلسفته السياسية وللمطالب الاجتماعية الحالية للشعب التركي.
وأضافت أن الحديث في البداية كان يدور عن إعلان تأسيس الحزب في سبتمبر (أيلول) المقبل، لكن تم الاتفاق على إطلاقه في يوليو (تموز) الحالي. وسيكون الرئيس السابق عبد الله غل هو «الموجه للسياسي الطموح، وسيقدم الدعم اللازم له، في حين سيبقى خلف الستار».
ولأن باباجان (مواليد 1967) بات هو العنوان الأبرز في الصحافة التركية، والأجنبية أيضاً، فإنه لم يسلم من الاتهامات والهجوم. وذهب مدونو العدالة والتنمية بعيداً في اتهاماتهم؛ إذ حاولوا اتهامه بالارتباط بحركة الخدمة التابعة للداعية فتح الله غولن، حليف إردوغان الأقرب سابقا وخصمه الحالي بعد اتهامه بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا في 15 يوليو 2016، بل وتطور الأمر إلى قيام موظف سابق بمستشارية خزانة الدولة التركية، يدعى علي شفيك، بتحريك دعوى قضائية اتهم فيها باباجان بالانتماء إلى حركة غولن. وقال مقدم الشكوى: إن «باباجان أثناء توليه حقائب الاقتصاد (2009 - 2011)، ساعد (جماعة غولن الإرهابية) عن قصد وعلم في عمليات تعيين عناصرها بمناصب حساسة داخل مستشارية الخزانة، وكذلك في تنفيذ مؤامرة التجسس العسكري في إزمير».
ويدرك الجميع في تركيا أن باباجان لا يمكن أن تتم ملاحقته بهذه التهمة، التي أصبحت مثل الجرس الذي يعلق في رقبة أي معارض سياسي؛ لأن اتهامه يعني اتهاماً لإردوغان وحزبه الذي لا يزال باباجان أحد أعضائه المؤسسين. وبقدر ما تعكس هذه التحركات والحملات قلق إردوغان وحزبه من تحرك غل - باباجان، فإنها تؤكد أن الطريق ستكون شاقة وليست سهلة، وأن الأمر يحتاج إلى عزم كبير في مواجهة خصم عنيد يمتلك في يده جميع إمكانات الدولة مثل إردوغان.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».