فيلم «ذيب» عن المقاومة ضد الحكم العثماني يقدم صورة بدوية غير مسبوقة

وستيرن أردني يطوف العالم ويقطف استحسانا وجوائز

فيلم «ذيب» عن المقاومة ضد الحكم العثماني يقدم صورة بدوية غير مسبوقة
TT

فيلم «ذيب» عن المقاومة ضد الحكم العثماني يقدم صورة بدوية غير مسبوقة

فيلم «ذيب» عن المقاومة ضد الحكم العثماني يقدم صورة بدوية غير مسبوقة

هناك ما هو مشترك بين الوستيرن الأميركي والساموراي الياباني والفارس البدوي: الثلاثة يذودون عن النفس والعدالة ضمن تقاليد وتعاليم خاصّـة بكل منهم. لكن في حين أن هناك آلافا من أفلام الوستيرن ومئات من أفلام الساموراي، فيما لا توجد أفلام بدوية إلا بمقدار حفنة من الأعمال تم إنتاجها في مصر ولبنان (على نسيج «عنتر وعبلة» و«بدوية في باريس»). هذه الأعمال ذات بداوة مصطنعة ومن البعد عن الحقيقة بمكان بحيث سقطت عنها البداوة تلقائيا لتنضم إلى أفلام المغامرات أو أفلام الكوميديا.
إذن، إليكم الفيلم البدوي الأول: «ذيب» ليس الأول فقط من حيث إنه واقعي التصوير والشخصيات والبيئة ذاتها، بل هو الأول الذي يشبه، من دون تدخل من صانعيه، فيلم الوستيرن الأميركي: فهناك الشخصيات البسيطة تبعا لتكوينها الثقافي والاجتماعي، والموقع الصحراوي والحكاية المدفونة بين رمال ذلك الموقع وعند صخوره وتحت أزيز معاركه.
بطله هو أيضا يدافع عما يراه صوابا ولو من دون أن ينطلق من أي فهم قانوني لذلك. الأحداث تقع في فترة الاحتلال العثماني سنة 1916، تلك الفترة التي كانت تصلح، لو كانت سينمانا ذات زخم وتنوّع حقيقي، لأن تكون مرتع «أفلام وستيرن» مثالية توظف ذلك التشابه بينها وبين الأفلام الوطنية الأخرى في السينما الأميركية وتلك اليابانية. وهي الفترة التي نتج عنها، غالبا، بضعة أفلام سورية سابقة («بقايا صور» لنبيل المالح و«اليازرلي» لقيس الزبيدي) والكثير من المسلسلات التلفزيونية المصرية والسورية. لكن لم يسبق لها أن تعاملت وأحداث تقع في الصحراء الأردنية على أطراف الحجاز في تلك الفترة التي لم يتم تغطيتها سينمائيا بما يكفي. ديفيد لين فتح البؤرة واسعة عليها في «لورنس العرب» سنة 1962 لكن الفيلم لم يكن إنتاجا عربيا وما هو عربي يمكن الارتياب بأمره على أي حال من زاوية الأحداث المساقة.

* ثقافات
بقيام المخرج الأردني الشاب ناجي أبو نوار بوضع أحداث فيلمه في العام 1916 دلف تلقائيا تحت سماء المعارضة العربية للاحتلال التركي في تلك الآونة. أو كما يقول لنا في مقابلة جرت في فينسيا قبل فوز المخرج بجائزة أفضل إخراج في قسم «آفاق» وقبل انتقاله وفيلمه إلى تورونتو حيث قوبل باستحسان مماثل: «أحببت هذه الفترة المحددة لكون الثورة العربية ضد العثمانيين منحت للفيلم التبرير للبحث عن ملامح مشتركة مع أفلام الوستيرن الأميركية الكبيرة مثل أفلام جون فورد وسام بكنباه».
على صحة هذا المنظور، إلا أن الغطاء السياسي المتوفّـر لا يقل أهمية. صحيح أن الفيلم يملك المواصفات البيئية والمكانية والشخصيات اللازمة لمثل هذا التشابه، لكنه صحيح أيضا أنه في قلب الحكاية تكمن النظرة الممانعة لتلك الحقبة التي شهدت فيها البلاد العربية في الشرق الأوسط ذلك الصراع بين ثقافتين ومنهجي حياة: الثقافة العربية وضمنها الثقافة البدوية والثقافة العثمانية التي حكمت بقوّة السلاح.
ومصدر هذه النظرة هو السيناريو الذي وضعه المخرج بنفسه والذي يتضمّـن حكاية صندوق غامض يلحظه بطل الفيلم ذيب (جاسر عيد) عندما يصل مجنّـد بريطاني إلى مضرب القبيلة باحثا ومترجمه عن دليل يقودهما إلى نقطة محددة في قلب الصحراء. الدليل هو الأخ الكبير لذيب، حسين (حسين سلامة) الذي ينطلق وصاحباه. ذيب لا يستطيع فراق أخيه فينطلق بدوره في أثر المجموعة حتى يلحق بها. مرتان يحاول الصبي النبيه معرفة محتوى ذلك الصندوق. وفي المرتين ينهره الضابط البريطاني (جاك فوكس) عن ذلك.
لاحقا، في نهايات الفيلم يكتشف حقيقته فهو صندوق تفجير يدوي تحتاجه المقاومة العربية في أعمالها العسكرية ضد العثمانيين. خلال الأحداث الفاصلة بين بدايات الفيلم ونهاياته، يغير قراصنة الصحراء على المجموعة ويبيدون الرجال الثلاثة وبينهم شقيق ذيب الذي ينجح قبل مقتله في قتل المهاجمين وإصابة زعيمهم بجرح بالغ.
من هنا يدلف الفيلم لنحو نصف ساعة في تمحيص علاقة حذر بين المصاب الذي يستولي على الصندوق وذيب الذي يضطر لإسعافه مقابل بقائه على قيد الحياة. هذا قبل أن يكتشف أن الرجل يريد بيع الصندوق إلى المقاومة العربية ليس ذودا بل تجارة وأن شقيقه دفع ثمن هذا العمل من دون طائل.

* إجادة
في حديثنا، تكلم المخرج عن مصاعب تحقيق الفيلم من أكثر من زاوية عددها لنا: «كان الإنتاج برمّـته صعبا. هذا كان المشروع الثالث أو الرابع الذي حاولت تحقيقه وتقدمت به إلى عدة شركات في بريطانيا وفي العالم العربي. في البداية أخذت معونة تطوير من صندوق سند (صندوق الدعم الذي أنشأه مهرجان أبوظبي السينمائي قبل سنوات والذي وفر مساعدة قيمة للكثير من المشاريع العربية الصغيرة والهائمة).
أبو نوّار يعرف تماما ما يريد تحقيقه كما يدرك مراكز اللقاءات بين فيلمه هذا وأفلام الساموراي والوستيرن لذلك قال في حديثه هذا ثم ردد في أحاديث أخرى له: «ترعرعت على أفلام أكيرا كوروساوا (صاحب «الساموراي السبعة») وجون فورد («الباحثون» و«عربة» وعشرات الأفلام الأخرى) وسام بكنباه («بات غاريت وبيلي ذ كِـد» و«الزمرة المتوحّـشة») لكنني لم أكن أريد أن أقلّـد بل كان يكفيني أن أستمد من واقع البيئة البدوية معالمها لأجد نفسي أحقق أفلاما تتشابه وأفلام المخرجين المذكورين ولو في سماتها العامّـة».
شيء من «كلاب من قش» لسام بكنباه في فيلم أبو نوّار «ذيب»، ولو أن ذلك الفيلم من بطولة دستين هوفمن وسوزان جورج ليس وستيرن. هذا الشيء هو الهجوم الذي يقوم به أفراد العصابة ليلا على ذيب وشقيقه حسن مطلقين صرخات وأصوات ترهيب (مثله في فيلم باكنباه الحصار الذي يفرضه الأشرار على منزل هوفمن وزوجته).
على صعيد سينمائي بحت: «ذيب» هو فيلم صور صحيحة في أجوائها وفي معالمها وفي نقل الطبيعة كما هي بألوان مضبوطة وبتفاعل واقعي مع شروط الحياة الصحراوية. لا ينوي أبو نوّار، وليس بحاجة إلى، أن يُـضيف شيئا على ذلك بل يكتفي بتصوير الواقع كما هو وبتحريك ممثليه، غير المحترفين في بعض الحالات، على نحو طبيعي. الناتج، وبسبب من مزج ذلك كلّـه بحكاية صراع بين صبي ضد الصحراء وضد الإنسان معا، عمل جيّـد ولافت. فني بما يكفي وجماهيري من دون تنازل.

* فوز آخر للسينما الأردنية

* من حيث الجوائز الدولية، ينضم «ذيب» إلى بضعة أفلام أردنية نالت جوائز عالمية بدأت بفيلم نديم مطالقة «كابتن أبو رائد» الذي حقق جائزة «أفضل فيلم أول» في مهرجان دوربن في جنوب أفريقيا وجائزة (المخرج جون شليسنجر) في مهرجان «بالم سبرينغز» الأميركي وجائزة أفضل مخرج في مهرجان سياتل الدولي وجائزة الجمهور في مهرجان صندانس عدا جائزة المهر العربي في مهرجان دبي السينمائي سنة 2007. أفلام أردنية أخرى نالت جوائز عالمية: «إعادة تكوين» لمحمود المساد (من مهرجاني سان سابستيان وصندانس): «الجمعة الأخيرة» ليحيى العبد الله (من دبي، فريبورغ وسان سيباستيان) و«مدن ترانزيت» لمحمد حشكي (دبي).



حميد بن عمرة: السينما هي كل شيء عدا المنطق

بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
TT

حميد بن عمرة: السينما هي كل شيء عدا المنطق

بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف

تنطلق ما بين 3 و17 مايو (أيار)، عروض أفلام للمخرج حميد بن عمرة في بلد ولادته الجزائر، التي غادرها قبل عقود إلى فرنسا حيث يعيش ويعمل مستقلاً ومثابراً.

من يشاهد أفلامه يكتشف أن كل فيلم فريد في نوعه وطريقة تناوله، وهذا يتضمّن ما يقدمه الفيلم وكيفية تقديمه. البراعة في أفلامه (ومنها «هواجس الممثل المنفرد بنفسه»، 2015، و«حزام»، 2016، و«كوكيو: موسم حصاد الأفلام»، 2023) تكمن في شغله على حرية التناول، منتقلاً بين ما يختاره من مشاهد ولقطات على نحو مغاير تماماً عما يعمد إليه آخرون من جيله أو ما قبله. لذا، فإن أفلامه خارج التصنيف وطريقته في تنفيذها ليست مطلقاً تقليدية.

التالي مقابلة معه تتضمن إيضاحاً شاملاً لمنهجه بمناسبة الاحتفاء الذي سيشهده في بلد مولده.

من «كيوكو: موسم حصاد الأحلام»

اخترع لغتك

> ما الذي يعنيه لك عرض أفلامك في الجزائر على هذا النحو الاحتفائي؟

- الرجوع إلى الجزائر فضيلة، ولقاء المشاهد الجزائري فريضة. يصادف كل ذلك مجيء البابا إلى الجزائر ويتزامن مع انفتاح البلاد على العالم بشكل أكبر. إنها فرصة ثمينة للتواصل مع جمهور أعتقده جاهزاً اليوم أكثر من أي وقت مضى لاكتشاف الجديد.

> قبل عروض أفلامك في الجزائر شاركت في مهرجانات عدة، لكن هل تعتبر العروض الجزائرية احتفاءً بك؟

- أنا من يحتفي بالجمهور الذي كان شاهداً على عرض فيلمي الأول سنة 1981، كما أحتفي بمدير السينماتيك، الأستاذ بوجمعة كارش، الذي كان سنداً وداعماً. سأحتفي بشاشات الجزائر التي تحوَّلت في بعض المدن إلى كفن للأفلام. سأحتفي بعيون المشاهدين 24 مرة في الثانية، لأن قاعدة السينما بيتي، وأنا الذي أستقبل الجمهور على شاشتي.

> من الصعب وضع أفلامك في خانات تقليدية. بل من غير الممكن. كيف تقوم أنت بتصنيفها؟

- في الأمور الإدارية، ولضرورة الترتيب، يتفنن الموظف في وضع كل ملف في مكانه الصحيح لتسهيل الاطلاع عليه. في السينما، العارف بماهية هذا الفن لا يحتاج إلى خانة كبوصلة. من يعرف السينما يستطيع الارتقاء إلى مصاف قراءة حرية السرد، التي ليست عفوية وعشوائية، وإنما حرية تبتكر منطقها. هيتشكوك يقول: «اخترع لغتك، فقط أعطني أبجديتك كي أقرأ». هناك فرق بين الأسلوب المتفرد وتلصيق اللقطات ببعضها. التفسير للقرآن وللعلوم، لكن السينما لا تُفسَّر لأنها دوام الأسئلة البصرية. سينما «ڤيرتوف» والموجة السوفياتية لم تكن صامتة، وإنما غير ناطقة. أبيات المتنبي تُسمع لمن به صمم، ويراها الأعمى. التفسير للأطفال، وللمبتدئين، ولغير العارف بأدغال السينما.

آسيا غمرة من فيلم «حزام»

سينما جميلة

> تناولت أفلامك، مثل «هواجس الممثل المنفرد بنفسه» و«حزام» و«كوكيو: موسم حصاد الأحلام»، قضايا اجتماعية وشخصية، لكنها ليست أفلام قضايا كما ليست أفلاماً تسجيلية. ما هو تعريفك لذلك؟- ليس هناك تعريف دائم وثابت، بل المعرفة بوزن كل لقطة. كل لقطة لها عيار وعمر. لقطات تذوب في المشهد وأخرى تُحنّط. السينما إلمام بمعارف شتى تُصقل لترويض العين وشحذها كي تنتقي للمشاهد نافذة جديدة تفتح فكره وذوقه. أفلامي بها قضية واحدة هي السينما.

إنه الفن الوحيد الذي لا يحتاج إلى مضمون كي يوجد. ما يستفز ويغري ويثير ويصدم في السينما ليس المواضيع، وإنما فسيفساء اللقطات واتزانها في فضاء خارج عن معايير الهندسة المنطقية. السينما هي كل شيء عدا المنطق، لكني أضفت إلى منطق دزيغا ڤيرتوف السردي بلاغة اللغة العربية بأسلوبها السهل الممتنع. طرّزت إطاري بمجهريات الزخرفة المغاربية، وحصَّنت المشاهد بإيقاع الموشح الأندلسي.

> ما هي السينما الجميلة بالنسبة إليك؟

- الجمال في البساطة دائماً، وليس في الاستعراض. طريقة المشي بالنسبة للمرأة أكثر إثارة من جسد مفتول الأعضاء، وخط العاشق أجمل للعشيقة من خطاط محترف، وتدبير الأم لابنها أدق من استراتيجيات لاعب الشطرنج. السينما الجميلة هي تلك التي لا «تستخف» بالمشاهد ولا تتعالى عليه. المعرفة تختلف عن الخبرة، وذاكرة الشعوب تختلف عن ذاكرة الحكومات. أنا أصوّر بالحدس بوصفي شاهداً عن جيله، وليس بتراكمية القواعد. لا أرى المكان وإنما تفاصيله وأهميته التاريخية. لا أهرول نحو الوجه بقدر ما أتوقف عند بشرته. أذكر كل لقطة صورتها منذ 45 سنة. أفهم حين يقول كاسباروف إنه يتذكر كل منازلاته. الذاكرة المرئية تقودني إلى المكان والوجه بتأنٍ، لأن هاجسي الأول هو انتقاء ما بدا لي رفيعاً ونادراً لرسم صورة لحياة تفرز كل يوم لحظات فذة بين الأسلاك الشائكة.

«أفلامي بها قضية واحدة هي السينما؛ الفن الوحيد الذي لا يحتاج إلى مضمون ليوجد»

حميد بن عمرة

> من هم المخرجون الأحب إليك؟ وهل تأثرت بهم؟

- أحب من أعرف والتقي به فعلاً. هناك أسماء ضخمة وأخرى بالوزن نفسه لكنها خارج سلطة النت الخبيثة. أحببت رضوان الكاشف لأنني صورته وتبادلنا الرؤى، وأحب مجدي أحمد علي القريب جداً إلى جزائريتي. أحب نيكيتا ميخالكوف الذي التقيت به حين كنت رئيس لجنة التحكيم بمهرجان مالطا 2019، وكان العراب الحامي والضامن للمهرجان، ولأنني شاهدت كل أفلامه. أحب جورج شمشوم، وبهج حجيج، وناصر خمير، وسعد الشرايبي، وفريدة بليازيد، وإبراهيم تساقي، وبلقاسم حجاج، كما أحب سليمان سيسي، وهايلي غريما، ولاري كلارك. البصمة الشخصية تأتي من الممارسة والبحث المستمر، وليس من النقل المباشر أو المتستر.

> كيف تمكَّنت من تحقيق فيلمك الأول «من أجل حياة أفضل» سنة 1981؟ من هو صاحب الفضل في ذلك؟

- صوَّرت ذلك الفيلم في حي شعبي فقير وكادح، دون أي سند من أي مسؤول، عدا أم ادَّخرت من مصروف البيت مبلغاً غامرت به كي يشتري ابنها أول كاميرا عام 1978. هذه الأم المجاهدة التي وقفت في وجه الاستعمار لم تتراجع أمام حلم ابنها. هي التي أخرجت للجزائر ابناً ورث منها غريزة المثابرة إلى آخر نفس.


شاشة الناقد: 3 أفلام تسجيلية من مهرجان «ڤيزيون دو ريل»

 من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
TT

شاشة الناقد: 3 أفلام تسجيلية من مهرجان «ڤيزيون دو ريل»

 من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)

ALEA JACARANDAS

★★★1/2

إخراج:‫ حسن فرحاني‬

الجزائر | وثائقي (2026)

عن أب ومدينة وتاريخ

فاز فيلم «أليا جاكارانداس» (Alea Jacarandas) بجائزة لجنة التحكيم لأفضل فيلم في مهرجان «ڤيزيون دو ريل» الذي اختتمت فعالياته في 26 أبريل (نيسان). حظي الفيلم باستقبال جيد، ويرجع ذلك جزئياً إلى نجاح المخرج نفسه في عام 2019 بفيلمه الوثائقي الرائع «143 شارع الصحراء»، الذي رصد حياة امرأة تعيش وحدها وتدير دكاناً على الطريق السريع خارج المدينة، عاكسةً من خلال ذلك عزلة المكان والحياة.

فيلم فرحاني الجديد يختلف بشكل شبه كامل عن السابق. إنه رحلة في حياة والد المخرج، أمزيان فرحاني، ليس فيلم نوستالجي تقليدي، بل سجل لملاحظات وذكريات الأب حول المدينة، كيف كانت وكيف أصبحت، عن شوارعها وأناسها وأشجار الجاكارندا الجميلة التي لم يبق منها إلا القليل. الفيلم لا ينطوي على نقد لاذع، لكنه مشبع بالحنان تجاه الماضي، ممثلاً في الأب. هناك انسجام واضح بين الأب والمدينة؛ كلاهما يحمل تاريخه ويمضي.

من ميزات الفيلم أن المخرج لم يعتمد على النهج النستالجي، بل اتبع مبدأ البحث في ذاكرة الأب، معتمداً على ذكرياته وآرائه، دون اللجوء إلى وثائق رسمية. ونفاجأ، إن لم نكن على علم مسبق، بإعلان وفاة الأب في نشرة الأخبار قبيل نهاية الفيلم. الفيلم ناطق بالفرنسية ربما لأغراض تسويقية، لكن كان من الممكن أن يكون أكثر قرباً من حياة الشخصيات الواقعية لو تم تصويره بالعربية.

DENTRO ★★★

إخراج:‫ إلسا أميل‬

إيطاليا/ فرنسا | تسجيلي (2026)

خيال السجين يطلقه خارج القضبان

تقع أحداث هذا الفيلم داخل سجن في مقاطعة توسكاني الجميلة، وهو عن مخرج وكاتب مسرحي اسمه أرمانو بونزو يعيش مع سواه في ذلك السجن، وينجز معهم مسرحيات تُقدم فيه. يوحي الفيلم أن بونزو دخل السجن لهذه الغاية طواعية، لكنه لا يتوقف كثيراً عند شرح هذه الخلفية.

من «دنترو» (ڤيزيون دو ريل)

يتحدث بونزو إلى الممثلين عن ضرورة استخدام الخيال كوسيلة لممارسة الحرية، إذ يمكن للسجين من خلاله الخروج من السجن ذهنياً، عبر قراءة النص المسرحي وفهمه. وقد يحتاج بعض السجناء إلى تدريبات ذهنية لتحقيق هذا الهدف، لكنَّ كثيرين منهم ينجحون في فهم الدلالات ويجدون في توجيهاته ملاذاً وقوة نفسية. في الوقت نفسه، تركز المخرجة على جهد بونزو لتحريك الثابت وتغيير الواقع قدر المستطاع، ونراه يتحدث إلى نفسه بصوت عالٍ، يكتب ويفكر ويمارس ما كان يمكنه القيام به خارج السجن طوال الوقت.

FROM DAWN TO DAWN

★★★

إخراج:‫ كجيسي صوفيا يا تشن‬

إسبانيا/ فرنسا | تسجيلي (2026)

الفيلم الفائز بذهبية «ڤيزيون دو ريل»

لا تسعى المخرجة يا تشن إلى تقديم نظرة تعاطفية أو توجيه نقد لأي طرف في عرضها لمصير الجيل الثاني من المهاجرين الصينيين في مدينة برشلونة.

«من فجر لفجر» (ڤيزيون دو ريل)

ما تقدمه هو سرد عن شقيقها، أ. ون، الذي كان يطمح لتحقيق حلمه في العيش في خطر. وفق ما تكشفه المخرجة، كان شقيقها معجباً بحياة أفراد العصابات وانضم إلى واحدة منها، ولاحقاً أدار نادي قمار غير مرخّص في شقة تحت الأرض، ثم دخل السجن. وبعد أن أنهى مدة عقوبته، افتتح مطعماً.

التوليف عدو أسلوب المخرجة؛ فهي تريد منح شخصية شقيقها وكل شخصية الوقت الكافي لتقديم نفسها، حتى على حساب إيقاع الفيلم ووحدته.

الشخصيات تتراوح بين جيلين: المهاجرون الأوائل والجدد. المشاهد تتضمن حوارات مطوّلة، لكنها تعكس رغبة المخرجة في التعريف بكل شخصية ومشاعرها، مع الحفاظ على موقف حيادي ناعم وعاطفي. ومع ذلك، كان بالإمكان تحسين العمل عبر ممارسة قدر أكبر من التحكم الفني.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«مايكل» يستعيد «ملك البوب»... ويترك الجمهور في منتصف الحكاية

من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
TT

«مايكل» يستعيد «ملك البوب»... ويترك الجمهور في منتصف الحكاية

من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)

قبل دقائق من بدء العرض، تمتلئ صالة السينما تدريجياً، وتختفي المقاعد الشاغرة واحداً تلو الآخر، فيما يتردد اسم مايكل جاكسون في أحاديث جانبية بين الحضور... هذا المشهد يتكرر هذه الأيام داخل صالات السينما في السعودية وغيرها حول العالم، حيث يحظى الفيلم بإقبال لافت، مع حجوزات تنقضي بسرعة وحضور واضح من فئة الشباب، ليعود اسم «ملك البوب» إلى الواجهة، بعد أكثر من 15 عاماً على رحيله، بوصفه أيقونة موسيقية تستعيد حضورها عبر الفن السابع، وتفتح باباً جديداً لقراءة سيرته سينمائياً.

عالمياً، تصدّر «مايكل» شباك التذاكر الأميركي، متفوقاً على بقية الأفلام، بعدما نجح فيلم السيرة الذاتية في حجز المركز الأول بجدارة بين إيرادات يوم الجمعة الماضي. فالفيلم، الذي يأتي من إخراج أنطوان فوكوا، حقق 39.5 مليون دولار في يوم افتتاحه من مئات صالات العرض في أميركا الشمالية. وتعوّل شركة «لاينزغيت» كثيراً على نجاحه في تحقيق عوائد كبيرة، خصوصاً أن ميزانيته الإنتاجية بلغت 155 مليون دولار، وهي تكلفة مرتفعة تأثرت بأسعار حقوق الموسيقى ومشاهد الحفلات الضخمة. وتُظهر الأيام الأولى للفيلم نجاحاً كبيراً حول العالم، رغم أن الحكاية تبدو مبتورة، فلا يصل الفيلم إلى أعلى الأجزاء إثارة وتوتراً في حياة مايكل، ليفاجأ الجمهور بتصاعد إيقاع الفيلم بقوة، ثم انتهائه «بغتة» بعبارة «القصة مستمرة».

البوستر الرسمي للفيلم

من البدايات القاسية إلى صناعة الأسطورة

يبدأ الفيلم في منزل عائلة جاكسون عام 1966، حيث يفرض الأب جو تدريبات قاسية على أبنائه، في مشهد أقرب إلى الانضباط العسكري، سعياً إلى تحقيق «الحلم الأميركي»، وهو يردد على أولاده: «في الحياة إما أن نكون فائزين وإما خاسرين»، ويُظهر الفيلم بوضوح قسوة الأب، بما في ذلك تعنيفه مايكل؛ مما يشكّل جانباً أساسياً في تكوين شخصيته.

ثم ينتقل العمل إلى عام 1978، حين يبدأ مايكل التعاون مع المنتج كوينسي جونز، في خطوة مفصلية نحو ألبوم «أوف ذا وول»، ويعرض الفيلم تحوّل شخصيته، بما في ذلك انعزاله وتعلقه بعالمه الخاص، قبل أن يتخذ قراره الحاسم بالاستقلال عن والده، تمهيداً لصناعة عمله الأسطوري «ثريلر».

من هنا، يركز الفيلم على العلاقة بين مايكل ووالده المتسلّط جوزيف جاكسون، الذي يجسده كولمان دومينغو. ويؤدي الدور الرئيسي ابن شقيق جاكسون؛ جعفر جاكسون، فيما يشارك في البطولة كل من: نيا لونغ بدور «كاثرين جاكسون»، وتري هورتون بدور «مارلون جاكسون»، ورايان هيل بدور «تيتو جاكسون»، إضافة إلى جوزيف ديفيد جونز بدور «جاكي جاكسون»، وجمال هندرسون بدور «جيرمين جاكسون».

ويبدو الفيلم أشبه باحتفالية بنجومية «ملك البوب»، الذي بدأ طفلاً يغني مع إخوته في الستينات من العقد الماضي، وصولاً إلى نجوميته الكبيرة في الثمانينات وتحوّله ظاهرةً عالمية، دون تناول المنعطفات الصادمة التي مر بها جاكسون. ورغم أنه شخصية معقّدة ومتعددة الأبعاد، فإن الفيلم يقدّمه بصورة مسطّحة. وعندما لا يكون على المسرح أو في الاستوديو، يظهر جاكسون مبتسماً طيلة الوقت؛ يشاهد التلفاز مع والدته، ويزور الأطفال المرضى، ويقتني الحيوانات الغريبة.

يأتي ذلك نتيجة تدخلات عائلة جاكسون التي تناولها الإعلام لفترات مضت؛ مما دفع بالمنتجين إلى استبعاد كثير من القصص الحساسة في حياته. وخضع الفيلم لإعادة تصوير واسعة استمرت 22 يوماً، بعد حذف «فصله» الثالث بالكامل بسبب قيود قانونية؛ مما دفع إلى تأجيل طرح الفيلم كثيراً، حتى عُرض مؤخراً، في خطوة هدفت أيضاً إلى تجنّب أي تأثير سلبي محتمل على أدائه في شباك التذاكر.

احتفالية موسيقية ونهاية مفتوحة

ورغم أن الفيلم يبدو تقليدياً في سرده، فإنه يخفي داخله حساً إنسانياً حميمياً، مع استعراض أبرز محطات مايكل الغنائية، من «دونت ستوب تِل يو غِت إناف»، إلى أدائه الأسطوري لـ«بيلي جين». ويتوقف الفيلم في منتصف الرحلة، بعد أن يعلن مايكل أمام حشد جماهيري كبير انفصاله عن جولات إخوته الغنائية ضمن فرقة «جاكسون5»، ثم وقوفه على مسرح ضخم استعداداً للغناء، لينتهي الفيلم بعبارة «القصة مستمرة»؛ مما فتح باب التكهنات بشأن احتمالية إنتاج جزء ثان.

كما يختار الفيلم مساراً محدداً في تناول الشخصية فنياً، حيث يركّز على الجوانب التي تعزز صورة النجم بوصفه موهبة استثنائية وصاحب تأثير عالمي واسع. ويشكّل أداء جعفر جاكسون أحد أبرز عناصر الجذب في الفيلم، حيث ينجح في استحضار تفاصيل دقيقة من شخصية مايكل، سواء في الرقصات والصوت الهادئ والحضور على المسرح.

وإجمالاً، يؤكد الفيلم حقيقة لا جدال فيها، بأن مايكل جاكسون كان عبقرياً موسيقياً ويمتلك رؤية واضحة لمسيرته؛ بداية من صعوده منذ طفولته بموهبته اللافتة وحضوره الكاريزمي، ووصولاً إلى مرحلة نضجه الفني، حيث طوّر إحساساً دقيقاً بما يناسبه من أعمال، وكيفية تقديمها، سواء في الأداء المسرحي والفيديوهات الموسيقية.

ويبدو فيلم «مايكل» أقرب إلى تجربة جماهيرية متكاملة، تجمع بين الحنين، والمتعة البصرية، والإيقاع السريع، بما يفسر حجم الإقبال في صالات السينما، وتصفيق بعضهم بحرارة خلال الفيلم، حيث يجد المشاهد نفسه أمام عمل يستعيد ذاكرة فنية مشتركة، يعيد تقديمها ضمن قالب حديث يناسب جيل اليوم.