انشقاق نجل ثانٍ للقيادي «الحمساوي» البارز حسن يوسف

اتهمها الحكومة بالتجسس لصالح إيران وتصدير الأزمة إلى الضفة الغربية

صهيب حسن يوسف متحدثاً لقناة اسرائيلية
صهيب حسن يوسف متحدثاً لقناة اسرائيلية
TT

انشقاق نجل ثانٍ للقيادي «الحمساوي» البارز حسن يوسف

صهيب حسن يوسف متحدثاً لقناة اسرائيلية
صهيب حسن يوسف متحدثاً لقناة اسرائيلية

شن صهيب يوسف نجل القيادي الكبير في حركة حماس حسن يوسف، هجوما كبيرا على الحركة التي عمل فيها لسنوات طويلة من الضفة الغربية وتركيا، قائلا بأنها فاسدة وتتجسس لصالح إيران مقابل الأموال، وترسل أطفالا للموت في الضفة الغربية بهدف تخفيف الضغوط عن قطاع غزة.
وقال صهيب في مقابلة روجت لها كثيرا شركة الأخبار الإسرائيلية، بأنه عمل داخل حماس لفترات طويلة، لكنه تركها بسبب الفساد.
وكان صهيب مسؤولا في صفوف الحركة في تركيا حتى قبل شهر واحد فقط. ولكنه قرر فجأة مغادرة الحركة مستقلا طائرة إلى شرق آسيا حيث تواصل مع صحافي إسرائيلي من القناة 12. وأكد صهيب في الحوار الذي بث مساء الأربعاء، ناقما إلى حد كبير على الحركة التي اعتبرها «مستلقية على ظهور مخدوعين»، مثل والده (الأسير في السجون الإسرائيلية). «لقد أصبحت حماس جزءا مني منذ طفولتي، لقد نشأت في حماس وعملت في الحركة، لكن عندما تعرضت للفساد تركتهم».
واتهم صهيب حركته السابقة، بإدارة «مؤسسات أمنية وعسكرية على الأراضي التركية تحت ستار مؤسسات المجتمع المدني». وقال «يستخدمون أحدث المعدات للترويج لجدول أعمال أجنبي وهذا ما أريد الكشف عنه». «الحركة تستخدم هذه المعلومات ليس لصالح الشعب الفلسطيني، فهي ترسل المعلومات الاستخباراتية إلى إيران في مقابل الدعم المالي، وحتى الأموال يتم تحويلها عبر البنوك التركية تحت ستار مؤسسات المجتمع المدني».
وأردف: «لديهم مراكز أمنية متطورة ويستخدمون معدات تنصت متطورة. يتنصتون أيضا على الأشخاص والقادة في رام الله، باستخدام أجهزة وبرامج متطورة، بعض الأشخاص خبراء في هذا المجال».
وعندما سأله المذيع الإسرائيلي فيما إذا ما كان ذلك يشمل أجهزة هواتف إسرائيلية، قال نعم، وأردف أنه لا يريد الحديث عن هذا الأمر.
وصهيب هو شقيق مصعب يوسف الذي ارتد عن الإسلام عام 2010 وانضم للعمل لصالح الشاباك الإسرائيلي وتلقبه إسرائيل بـ«الأمير الأخضر». لكن بخلاف أخيه، يقول صهيب بأنه ظل مسلما ولم يتعاون مع إسرائيل.
وظهر صهيب في مساجد في المدينة التي يعيش فيها يصلي ويقرأ القرآن ويشرح لآخرين أن مشكلة غزة هي بسبب حكم حماس وليس أي شيء آخر. وبدا صهيب متعاطفا جدا مع اليهود وتحدى حركة حماس بوجود آية في القرآن تدعو لقتل اليهود، متجاهلا طيلة مقابلته، الإشارة إلى إسرائيل بالاحتلال.
وكان مصعب شقيق صهيب وعمل أيضا في صفوف حماس، قد أعلن تحوله إلى المسيحية، في بداية أغسطس (آب) 2010 بشكل أثار دهشة الفلسطينيين وغضبهم، وتسبب بإحراج كبير لحماس وعائلة القيادي الحمساوي، ومناصري الحركة.
واحتاج الفلسطينيون وقتا ليصدقوا أن مصعب يوسف الذي ينتمي لعائلة متشددة، وأب يعتبر من قادة حماس الأوائل ومؤسسيها، في الضفة، ارتد عن الإسلام وراح يعمل لصالح إسرائيل.
آنذاك تحدث صهيب نفسه لـ«الشرق الأوسط» من رام الله، وقال بأنهم «مصدومون أكثر من الجميع». ولم يخف «نحن نعاني من ضغط المجتمع ونعاني من ضغوط العائلة أيضا... أنت تعرف موقف المجتمع من هكذا قضايا... هناك أسئلة متكررة، والاتصالات أتعبتنا... نحتسب هذه الضغوط عند الله».
في ذلك الوقت قال صهيب «لا نريد أن نتخلى عنه أبدا». ولم يهاجم صهيب قناعات شقيقه القاسية ضد حماس واتهاماته لها بالفساد، واكتفى بالقول «إن لديه قناعات سياسية وقد أخبرنا بها وما نقله عن حماس في السجن كان صحيحا، لكنه ليس مبررا ليتحدث للإعلام حوله».
واليوم يجاهر صهيب نفسه بقناعات أكثر قسوة ضد حماس. ويقول بأن مسألة أخيه الذي قضى بحسب إسرائيل عشر سنوات عميلا لجهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) في ذروة الهجمات في الانتفاضة الثانية، بصفته الساعد الأيمن لوالده، لم تؤثر عليه. وأضاف: «على عكس شقيقي، أنا لا أعمل مع إسرائيل، ولم أخن يوما [حماس]، لقد كنت مخلصا لهم». وأوضح أنه خضع للتحقيق بعد خيانة شقيقه، وتبين أنه ليس له أي صلة بإسرائيل، ولذلك سُمح له بمواصلة العمل مع حماس.
قال صهيب إن أكثر الجوانب التي شعر فيها بخيبة أمل من الحركة التي تتخذ من غزة مقرا لها، إن أنشطتها تهدف فقط إلى نشر سلطتها إلى الضفة الغربية.
وأوضح أيضا أن هيكل الحركة في تركيا يُستخدم لتجنيد أشخاص، بما في ذلك أطفال، في الضفة الغربية، لتنفيذ هجمات ضد إسرائيليين. وأضاف في حواره التلفزيوني الإسرائيلي، أن الهدف من الهجمات في الضفة الغربية هو قتل المدنيين، وليس المقاومة ولا القدس وليس لتحرير أرض فلسطين، ولا حتى لأنهم يكرهون اليهود. إنهم يقومون بإرسال هؤلاء الأبرياء لأنهم يريدون تصدير الأزمة [من غزة] إلى الضفة الغربية»، واصفا ذلك بأعمال مشبوهة.
وفي محاولة لتوضيح موقفه أكثر، يشرح صهيب كيف «أن دوافعه وطنية، ويفسر كيف ازداد غضبا من فساد قادة حماس الذين يعيشون حياة رفاهية في تركيا في الوقت الذي يعاني فيه سكان غزة». وتحدث الشاب الهارب عن دهشته «من مستوى معيشتهم الباذخ». وأضاف «يأكلون في أفضل المطاعم ويعيشون في أغنى المناطق التركية، بينما تعيش عائلة واحدة في غزة بمبلغ 100 دولار شهرياً، وهم يقدمون ما يعادل 100 دولار بقشيشا لنادل المطعم». ولم يتردد صهيب في وصف حماس بـ«منظمة إرهابية خطرة».
وبشكل متوقع، لم تعقب حماس على اتهامات صهيب، مفضلة الصمت. وبخلاف أخيه لن تستطيع العائلة التبرؤ منه بسبب «موقف سياسي» و«انتقادات» و«دعوته والده إلى الاستقالة من حماس».
يدرك صهيب ذلك ويقول بأن علاقته بوالده جيدة وأنه يخشى على مشاعره، لكنه مضطر لتوضيح الحقيقة.
قال أيضا بأنه تعرض للتهديد بالقتل من قبل حماس لكنه ليس خائفا منهم.
وأردف «إذا أرادت حماس أن تحولني إلى شهيد، فعندئذ سأكون شهيداً، ليس غريبا عليهم القتل وأنا أفضّل أن أكون الضحية على أن أكون ظالما».
لقد هوجم صهيب بشكل مكثف من قبل الفلسطينيين، وهوجمت حماس أيضا من قبل معارضيها، غير أن والده الأسير في السجون الإسرائيلية حصل على تعاطف كبير.
خلال المقابلة، كرر يوسف أن لا مشكلة له مع اليهود، ثم قام بشراء جوز الهند لمحاوره وقال له: «أنتم أهل الكتاب ونحن مسلمون، ونحن لا نشعر بالعداوة تجاهكم. بصحتك».



العليمي يدعو إلى «اغتنام التحولات» لاستعادة الدولة اليمنية

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو إلى «اغتنام التحولات» لاستعادة الدولة اليمنية

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد محمد العليمي مواطنيه إلى استثمار ما وصفه بالتحولات الجديدة التي تشهدها البلاد، والانحياز إلى منطق الدولة وتغليب استحقاقات المستقبل، في خطاب بمناسبة حلول شهر رمضان حمل رسائل داخلية وخارجية بشأن مسار الصراع ومستقبل التسوية في اليمن.

وقال العليمي إن المرحلة الحالية تمثّل لحظة مفصلية بين سنوات من الصراع وبداية مسار لاستعادة التوازن السياسي والمؤسسي، مؤكداً أن الهدف يتمثل في بناء دولة «تتسع للجميع، وتحمي الحقوق، وتصون الكرامة، وتفتح أبواب الأمل أمام الأجيال المقبلة».

وجاء الخطاب في سياق تحركات سياسية واقتصادية تسعى الحكومة الجديدة من خلالها إلى تعزيز حضور مؤسسات الدولة في المناطق الخاضعة لها، بالتوازي مع جهود تقودها السعودية لإعادة تنشيط المسار السياسي واحتواء الفوضى التي تسبب بها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في المحافظات الجنوبية والشرقية.

العليمي كثف لقاءاته على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ركز العليمي في خطابه الذي ألقاه بالنيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد الشيخ تركي الوادعي على توصيف المواجهة مع الجماعة الحوثية بعدّها صراعاً حول طبيعة الدولة وليس مجرد مواجهة عسكرية، قائلاً إن المعركة «ليست فقط مع مشروع انقلاب مسلح، بل مع كل ما يهدد فكرة الدولة»، في إشارة إلى الفوضى والسلاح خارج المؤسسات الرسمية واستنزاف الموارد العامة.

استعادة صنعاء

اتهم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني قوى الانقلاب الحوثية بمحاولة تحويل الدولة إلى كيان ميليشياوي واختزال الوطن في جماعة واحدة، مؤكداً أن اليمنيين واجهوا خلال السنوات الماضية مشاريع عنف سعت لفرض واقع سياسي قائم على القوة خارج القانون.

وفي رسالة موجهة إلى السكان في مناطق سيطرة الحوثيين، شدد العليمي على أن الدولة «لن تتخلى عن مواطنيها في كل شبر من هذا الوطن»، مؤكداً أن استعادة صنعاء ستظل هدفاً مركزياً للمشروع الوطني، مهما طال أمد الصراع.

كما دعا إلى تهدئة الخطاب السياسي ونبذ التحريض داخل معسكر الشرعية، ورأى أن نجاح المرحلة المقبلة يتطلب توحيد الجبهة الداخلية والتركيز على ما وصفه بالمعركة الوطنية الكبرى لاستعادة مؤسسات الدولة.

جانب من لقاء العليمي في ميونيخ مع وزير الخارجية الألماني (سبأ)

وأبرز خطاب العليمي البعد الاقتصادي بوصفه محوراً أساسياً للاستقرار، حيث عبّر عن ثقته بالحكومة الجديدة برئاسة شائع الزنداني، مشيراً إلى أنها مطالبة باتخاذ خطوات عملية لتعزيز هيبة الدولة وضبط الموارد العامة.

وأكد أن الإصلاحات الاقتصادية تمثل مساراً إلزامياً رغم صعوبته، لأن الاستقرار المعيشي والخدمي - بما يشمل انتظام الرواتب وحماية العملة الوطنية وتحسين الخدمات - يعد جزءاً من معركة استعادة مؤسسات الدولة.

وأشار إلى تحسن نسبي في انتظام عمل المؤسسات والخدمات خلال الأسابيع الأخيرة، وقال إن هذه التطورات ما تزال في بدايتها لكنها تمثل فرصة سياسية نادرة «لا يرحم التاريخ من يفرّط بها».

القضية الجنوبية والدعم السعودي

جدد العليمي التأكيد على الاعتراف بالقضية الجنوبية بعدّها جزءاً أساسياً من أي تسوية سياسية شاملة، داعياً إلى حوار شامل برعاية سعودية يضم مختلف المكونات ويؤسس لشراكة سياسية «لا غالب فيها ولا مغلوب».

وتطرق خطاب العليمي إلى الدور الإقليمي، مشيداً بالدعم السعودي، واصفاً العلاقة مع الرياض بأنها شراكة استراتيجية ترتبط بالأمن والجغرافيا والمصير المشترك، وليست تحالفاً مؤقتاً.

وأشار إلى جهود الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد محمد بن سلمان ووزير الدفاع خالد بن سلمان في دعم استقرار اليمن، مشيراً إلى أن هذا الدعم يفتح نافذة للانتقال من إدارة الحرب إلى إعادة الإعمار والتنمية.

كما أعلن توجيهات بالإفراج عن السجناء الذين استوفوا الشروط القانونية — باستثناء القضايا الخطيرة — وإغلاق السجون غير الشرعية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الثقة بمؤسسات العدالة.

واختتم العليمي خطابه بالدعوة إلى تعزيز التكافل الاجتماعي خلال رمضان، وحث القطاع الخاص ورجال الأعمال على دعم الأسر المتضررة، مؤكداً أن المجتمعات التي تتماسك اجتماعياً تكون أكثر قدرة على تجاوز الأزمات.


فرحة رمضانية مسلوبة في مناطق السيطرة الحوثية

سكان صنعاء يستقبلون رمضان وسط اتساع رقعة الفقر وتدهور المعيشة (إ.ب.أ)
سكان صنعاء يستقبلون رمضان وسط اتساع رقعة الفقر وتدهور المعيشة (إ.ب.أ)
TT

فرحة رمضانية مسلوبة في مناطق السيطرة الحوثية

سكان صنعاء يستقبلون رمضان وسط اتساع رقعة الفقر وتدهور المعيشة (إ.ب.أ)
سكان صنعاء يستقبلون رمضان وسط اتساع رقعة الفقر وتدهور المعيشة (إ.ب.أ)

حلّ شهر رمضان هذا العام ثقيلاً على ملايين اليمنيين القاطنين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية والإنسانية والأمنية لتصنع واقعاً معيشياً هو الأقسى منذ سنوات، فبدلاً من أن يكون الشهر موسماً للسكينة والتكافل الاجتماعي، بات لدى كثير من الأسر مرادفاً للقلق والخوف والمزيد من الجوع.

وتكشف مظاهر الحياة اليومية في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة عن حجم التحول القاسي الذي أصاب المجتمع اليمني، إذ لم تعد الأسواق تعكس أجواء الاستعداد المعتادة للشهر الكريم، بل تبدو الحركة التجارية محدودة، نتيجة تآكل القدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات غير مسبوقة.

وتشهد الأسواق مع حلول رمضان ارتفاعات حادة ومفاجئة في أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية، الأمر الذي وضع معظم السكان أمام معادلة صعبة بين الاحتياجات الأساسية والدخل شبه المعدوم.

ويؤكد مواطنون أن استقبال الشهر الكريم لم يعد مرتبطاً بالتحضيرات والبهجة كما في السابق، بل أصبح موسماً للضغوط النفسية والقلق المستمر.

سوق شعبية وسط العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء (الشرق الأوسط)

وتقول أم محمد، وهي أم لأربعة أطفال تسكن أحد الأحياء الشعبية جنوب صنعاء، إن رمضان فقد معناه بالنسبة لعائلتها، بعدما كانت المساعدات الغذائية والنقدية تساعدهم سابقاً على تجاوز الظروف الصعبة، أما اليوم، فتكتفي الأسرة بوجبات بسيطة لا تتجاوز الخبز والشاي، في محاولة للصمود أمام واقع اقتصادي قاسٍ.

ولا تختلف معاناة الموظفين الحكوميين كثيراً، إذ يؤكد عبد الله، وهو موظف في القطاع التربوي، أن انقطاع الرواتب منذ سنوات جعل آلاف العائلات عاجزة عن تلبية أبسط متطلبات الحياة. ويضيف أن استمرار فرض الالتزامات المالية والجبايات رغم غياب الرواتب فاقم الأعباء، محولاً رمضان من موسم للعبادة والطمأنينة إلى فترة اختبار يومي للبقاء.

هذا الواقع أدى إلى تراجع واضح في مظاهر الحياة الاجتماعية المرتبطة بالشهر الفضيل، مثل الولائم العائلية وتبادل الزيارات، حيث باتت الأولوية لدى الأسر تتركز على تأمين وجبة الإفطار فقط.

الجبايات والقيود

لا تقتصر الأزمة على السكان فحسب، بل تمتد إلى التجار وأصحاب المشاريع الصغيرة الذين يواجهون ضغوطاً مالية متزايدة نتيجة فرض جبايات متعددة بمسميات مختلفة. ويقول أبو ياسر، وهو صاحب متجر في صنعاء، إن التجار يجدون أنفسهم مضطرين لرفع الأسعار لتغطية التكاليف الإضافية، ما ينعكس مباشرة على المستهلك الذي يتحمل العبء الأكبر.

ويتهم عاملون في المجال الإنساني الجماعة الحوثية بالمساهمة في تعميق الأزمة الاقتصادية عبر فرض رسوم غير قانونية على الأنشطة التجارية، الأمر الذي يؤدي إلى تضخم الأسعار وتقليص حركة السوق.

باعة ومارة في إحدى أسواق صنعاء (الشرق الأوسط)

كما يشيرون إلى أن القيود المفروضة على المبادرات الخيرية والتطوعية في رمضان حدّت من قدرة المجتمع على تعويض جزء من النقص الغذائي عبر التكافل الاجتماعي.

وترافق هذه الضغوط الاقتصادية إجراءات أمنية مشددة، حيث تتزايد الرقابة على الأنشطة المجتمعية والخيرية، ما خلق بيئة من الخوف والحذر لدى السكان والمتطوعين، وأضعف شبكات الدعم التقليدية التي كانت تلعب دوراً مهماً خلال شهر رمضان.

اليمن ضمن بؤر الجوع

تتزامن هذه الظروف القاسية في مناطق سيطرة الحوثيين مع تحذيرات دولية متصاعدة بشأن الوضع الإنساني، إذ كشف تقرير عالمي حديث أن اليمن بات ضمن 10 دول تواجه أسوأ أزمات الجوع في العالم خلال العام الحالي، مع معاناة أكثر من نصف السكان من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وبحسب تقرير «منظمة العمل ضد الجوع» حول بؤر الجوع لعام 2026، يتركز اثنان من كل ثلاثة أشخاص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد عالمياً في 10 دول فقط، من بينها اليمن الذي يحتل المرتبة السادسة، حيث يعاني نحو 16.7 مليون شخص من نقص حاد في الغذاء.

يمنيات يتجمعن لطلب المساعدة من أحد المتاجر في صنعاء (الشرق الأوسط)

وتعكس هذه الأرقام حجم التدهور الذي وصل إليه الوضع الإنساني، إذ لم تعد المعاناة مقتصرة على الفئات الأشد فقراً، بل امتدت إلى شرائح واسعة من الطبقة المتوسطة التي فقدت مصادر دخلها نتيجة الحرب والانهيار الاقتصادي المستمر.

كما تشير تقارير إغاثية إلى تزايد مظاهر الفقر في الشوارع، مع ارتفاع أعداد المتسولين وانتشار الباعة المتجولين من النساء والأطفال، في مشهد يعكس عمق الأزمة الاجتماعية التي تعيشها البلاد.

ومع غياب حلول سياسية واقتصادية قريبة، يخشى اليمنيون أن يتحول رمضان هذا العام إلى محطة جديدة من المعاناة الممتدة، حيث تتراكم الأزمات دون بوادر انفراج حقيقية، بينما يبقى المواطن البسيط الحلقة الأضعف في صراع طويل أنهك المجتمع وأفقده كثيراً من مقومات الحياة الكريمة.


استنفار حوثي لمواجهة الموظفين المطالبين بصرف الرواتب

عناصر حوثيون خلال تجمع لهم أمام مبنى السفارة الأميركية في صنعاء (رويترز)
عناصر حوثيون خلال تجمع لهم أمام مبنى السفارة الأميركية في صنعاء (رويترز)
TT

استنفار حوثي لمواجهة الموظفين المطالبين بصرف الرواتب

عناصر حوثيون خلال تجمع لهم أمام مبنى السفارة الأميركية في صنعاء (رويترز)
عناصر حوثيون خلال تجمع لهم أمام مبنى السفارة الأميركية في صنعاء (رويترز)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن حالة غير مسبوقة من التوتر الاجتماعي والاقتصادي، مع اتساع رقعة الجوع وازدياد الاحتقان الشعبي بالتزامن مع شهر رمضان، في ظل استمرار توقف رواتب عشرات الآلاف من الموظفين الحكوميين للعام التاسع على التوالي.

وتقول مصادر محلية وسكان قدموا حديثاً إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً إن الجماعة رفعت من مستوى الاستنفار الأمني والإعلامي لمواجهة تصاعد المطالب الشعبية بصرف المرتبات، في مؤشر يعكس مخاوف متنامية من انفجار شعبي محتمل.

وحسب إفادات السكان، فإن الأزمة المعيشية بلغت مستويات حرجة نتيجة انهيار القدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، إضافة إلى تراجع الأنشطة الإنسانية عقب اقتحام مكاتب منظمات دولية ونهب أصولها، ما أدى إلى تقليص المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

ويؤكد شهود عيان أن المزاج العام في المدن الخاضعة لسيطرة الحوثيين تغيّر بشكل ملحوظ، إذ أصبح المواطنون أكثر جرأة في التعبير عن غضبهم وانتقادهم العلني للسلطات، سواء في الأسواق أو وسائل النقل أو التجمعات العامة، وهو أمر لم يكن مألوفاً خلال السنوات الماضية بسبب القبضة الأمنية المشددة.

الحوثيون قطعوا رواتب عشرات الآلاف من الموظفين منذ تسعة أعوام (إعلام محلي)

وزادت حالة الاحتقان عقب تصريحات منسوبة لوزير المالية في حكومة الحوثيين غير المعترف بها، عبد الجبار الجرموزي، دعا فيها الموظفين المطالبين برواتبهم إلى التوجه للتحالف الداعم للحكومة الشرعية للحصول عليها، قائلاً إن «من يخلق المعدوم هو الله».

وقد أثارت هذه التصريحات موجة واسعة من السخرية والاستياء على مواقع التواصل الاجتماعي، وعدّها ناشطون دليلاً على عجز السلطات عن معالجة الأزمة الاقتصادية.

ويرى حقوقيون أن استمرار قطع الرواتب، بالتزامن مع تصاعد الأعباء المعيشية، خلق حالة من الإحباط الجماعي، خصوصاً لدى الموظفين الذين فقدوا مصدر دخلهم الرئيسي منذ سنوات، ما دفع كثيرين إلى الاعتماد على المساعدات أو الأعمال الهامشية لتأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرهم.

نظام رواتب غير متكافئ

وفق مصادر وظيفية وحقوقية، قامت سلطات الحوثيين بإعادة تصنيف الموظفين إلى ثلاث فئات متفاوتة الامتيازات. وتشمل الفئة الأولى القيادات الحوثية والعاملين ضمن الأجهزة الأمنية والمؤسسات التابعة للجماعة، حيث يحصلون على رواتب كاملة ومزايا شهرية. أما الفئة الثانية فتتقاضى نصف راتب، بينما تحصل الفئة الثالثة على ربع راتب فقط، في حين حُرم عدد كبير من الموظفين من أي مستحقات مالية.

في المقابل، يشتكي السكان من استمرار فرض الضرائب والزكوات والرسوم المختلفة دون مقابل خدمي ملموس. فالكهرباء، على سبيل المثال، تُشترى بأسعار مرتفعة من شركات خاصة أو عبر شبكات تجارية، بينما يعاني قطاع المياه والخدمات الطبية من تدهور واسع، ما يضاعف الأعباء المالية على الأسر.

رقعة الجوع تسيطر على أجزاء واسعة من مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

ويؤكد سكان أن الجبايات باتت تضم معظم الأنشطة الاقتصادية، بما في ذلك الباعة المتجولون وصغار التجار، الأمر الذي أدى إلى إنهاك الفئات الأكثر هشاشة اقتصادياً. ويرى مراقبون أن هذا التناقض بين تحصيل الإيرادات وغياب الخدمات أسهم في تعميق الشعور بالظلم الاجتماعي وزيادة السخط الشعبي.

استنفار أمني

بالتوازي مع تصاعد المطالب المعيشية، أفادت مصادر سياسية في صنعاء بأن الجماعة كثفت تحركاتها الأمنية، ونفذت استعراضات مسلحة في عدد من المدن باستخدام عربات مدرعة، في محاولة لإظهار السيطرة وردع أي تحركات احتجاجية محتملة.

كما تحدثت المصادر عن توترات مع شخصيات قبلية بارزة، بعد نشر عناصر أمنية في محيط منزل الشيخ حمير الأحمر، أحد أبرز مشايخ قبيلة حاشد، إضافة إلى حوادث احتكاك مع شخصيات اجتماعية، في خطوة عدها مراقبون محاولة لتحويل الأنظار بعيداً عن الأزمة الاقتصادية المتفاقمة.

جبايات الحوثيين أنهكت حتى الباعة المتجولين (إعلام محلي)

ويقول محمد، وهو طبيب في صنعاء، إن الإيرادات تُجبى من قطاعات متعددة تشمل الاتصالات والجمارك والضرائب والزكاة والخدمات الصحية وحتى تحويلات المنظمات الإنسانية، بمليارات الريالات سنوياً، بينما يواجه المواطن الذي انقطع راتبه سلسلة طويلة من الرسوم المفروضة. ويضيف: «النتيجة أن الناس تكافح يومياً من أجل تأمين لقمة العيش، فيما تتسع طوابير المحتاجين في الشوارع».

ويرى محللون أن استمرار هذا الوضع دون حلول اقتصادية حقيقية قد يدفع نحو مزيد من الاحتقان الاجتماعي، خصوصاً مع حلول شهر رمضان الذي ترتفع فيه النفقات المعيشية، ما يجعل الأزمة الإنسانية أكثر تعقيداً.