عشرات الضحايا في قصف مركز لاحتجاز المهاجرين بطرابلس

دعوات أوروبية وأفريقية للتحقيق... واتهامات متبادلة بين «الجيش الوطني» وحكومة السراج

مهاجرون أفارقة ناجون من القصف يتلقون العلاج في أحد مستشفيات طرابلس أمس (أ.ف.ب)
مهاجرون أفارقة ناجون من القصف يتلقون العلاج في أحد مستشفيات طرابلس أمس (أ.ف.ب)
TT

عشرات الضحايا في قصف مركز لاحتجاز المهاجرين بطرابلس

مهاجرون أفارقة ناجون من القصف يتلقون العلاج في أحد مستشفيات طرابلس أمس (أ.ف.ب)
مهاجرون أفارقة ناجون من القصف يتلقون العلاج في أحد مستشفيات طرابلس أمس (أ.ف.ب)

سقط 46 قتيلاً وأكثر من 88 جريحاً، معظمهم أفارقة، في غارة جوية استهدفت في وقت مبكر من صباح أمس، مركزاً للمهاجرين غير الشرعيين في ضاحية تاجوراء، الواقعة على بُعد نحو 15 كيلومتراً شرقي وسط العاصمة الليبية طرابلس، وعلى أثر ذلك تبادل «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر، وحكومة «الوفاق» برئاسة فائز السراج المدعومة دولياً، الاتهامات حول المسؤولية، وسط مطالب أوروبية وأفريقية بالتحقيق في الحادث.
وقال محمود الطوير، مدير مكتب الإعلام والتوثيق بجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية بضاحية تاجوراء، لـ«الشرق الأوسط»، إن عدد القتلى يفوق 46 وأكثر من 88 جريحاً، لافتاً إلى أن من بين الضحايا المنتمين إلى جنسيات أفريقية مختلفة، عدداً من المصريين والمغاربة والتونسيين.
وحسب إحصائية أولية نقلها بيان لوزارة الداخلية بحكومة السراج، أمس، عن العقيد المبروك عبد الحفيظ، الناطق الرسمي باسمها ورئيس جهاز الهجرة غير الشرعية، فقد بلغ عدد القتلى 40 قتيلاً و35 جريحاً من المهاجرين غير الشرعيين داخل مركز الإيواء، الذي يضم 120 مهاجراً من أصل 610 مهاجرين، ينتمون إلى بلدان أفريقية مختلفة.
ووفقاً لما ذكره مسؤولو الصحة بحكومة السراج فقد قُتل نحو 40 مهاجراً، وأُصيب أكثر من 70 آخرين بجروح.
وفي بيان لمجلسها الرئاسي سارعت حكومة السراج للتنديد بأشد العبارات بـ«الجريمة البشعة»، التي قالت إن «الطيران التابع لحفتر» استهدف فيها مركز إيواء المهاجرين في تاجوراء، ما أدى إلى قتل وجرح العشرات. وأضاف البيان أنّ هذا «الهجوم الجبان يعتبر بمثابة جريمة قتل جماعي، وجريمة حرب تضاف لقائمة الانتهاكات الجسيمة ضد الإنسانية التي يرتكبها حفتر»، معتبرا أنّ «هذا القصف الذي طال مركز الإيواء كان متعمّداً، ولم يكن بشكل عشوائي، بل كان باستهداف مباشر ودقيق».
كما طالبت حكومةُ السراج البعثةَ الأممية لدى ليبيا بـ«إدانة هذا العمل البربري الهمجي، وإرسال على الفور لجنة تقصّي حقائق لمعاينة الموقع، وتوثيق هذه العملية الإجرامية»، داعيةً «المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف واضح وحازم من هذه الانتهاكات المستمرة، والعمل على إيقاف هذا العدوان فوراً».
من جانبه، أدان موسى فكي محمد، رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، «بشدة» هذا الحادث، ودعا في بيان له، أمس، إلى «تحقيق مستقل لضمان محاسبة المسؤولين عن هذه الجريمة الرهيبة بحق مدنيين أبرياء».
بدوره، رأى الاتحاد الأوروبي في بيان مشترك لفيديريكا موغيريني، الممثلة العليا للأمن والسياسة الخارجية للاتحاد، ومسؤولين آخرين أن هذا الهجوم «يشكّل دلالة إضافية على الكلفة البشرية الباهظة للصراع الدائر في ليبيا، ويسلط الضوء على هشاشة وضع المهاجرين العالقين في هذا البلد، والذين وجدوا أنفسهم أسرى دوامة العنف».
وأعلن الاتحاد الأوروبي أنه ينضم إلى دعوة الأمم المتحدة إلى «وجوب إجراء تحقيق فوري في الهجوم وتقديم المسؤولين عنه إلى العدالة».
من جهتها، اعتبرت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا أن «هذا القصف يرقى بوضوح إلى مستوى جريمة حرب». داعيةً المجتمع الدولي إلى إدانة هذه الجريمة و«تطبيق العقوبات الملائمة» على من قام بهذا الهجوم الدموي.
وفي إيطاليا اتهم ماتيو سالفيني، نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية الإيطالي، أمس، «قوات الجيش الوطني بالمسؤولية عن هذا القصف»، ونقلت عنه وكالة «أكي» الإيطالية للأنباء قوله في مؤتمر صحافي، أمس، إن «المسؤولية تقع على عاتق المشير حفتر».
من جهته، عبّر مارتن ريونلدز، سفير بريطانيا لدى ليبيا، عن صدمته من خبر الهجوم على المركز، واعتبر في تغريدة له، أمس، أن التصعيد «سوف يزيد ببساطة في تدمير ليبيا».
وانضم مارتن إلى وزارة الخارجية الإيطالية في مطالبة كل الأطراف بـ«وقف الاقتتال والبدء في الحوار»، حيث دعا الطرفين إلى «الإغلاق الفوري لمراكز التوقيف القريبة من الجبهة، وإخراج جميع المدنيين، بمن فيهم المهاجرون، إلى أماكن آمنة».
في سياق ذلك، أعربت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عن «قلقها العميق» إزاء المعلومات الواردة عن استهداف مركز تاجوراء لاحتجاز المهاجرين بغارات جوية، و«مقتل لاجئين ومهاجرين».
كما أدان الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، وفرنسا، أمس، الغارة الجوية التي تعرض لها مركز إيواء المهاجرين في بلدة تاجوراء. ولم تتبنّ أي جهة هذه الغارة التي وقعت بعد يوم واحد فقط من إعلان «الجيش الوطني» أنه سيبدأ توجيه ضربات جوية مكثفة إلى أهداف في طرابلس بعد «استنفاد كل الوسائل التقليدية» للحرب.
في المقابل، قال المركز الإعلامي لغرفة عمليات «الكرامة»، التابع للجيش الوطني، إنه عقب ما وصفها بالضربة الجوية الدقيقة لمخازن الذخيرة بمعسكر الضمان، قامت الميليشيات المسلحة بقصف مقر الهجرة غير الشرعية بالهاون.
واعتبر في بيان له أن القصف يستهدف كالعادة البحث عن ذريعة لصنع رأي عام، وقال مخاطباً الميليشيات: «الصور بالأقمار (الصناعية) ونوع التفجير وزاويته في انتظار إثبات جرائمكم».
ونفت الغرفة نفياً قاطعاً محاولة ترويج حكومة السراج لاستهداف سلاح الجو بالجيش الوطني لمركز إيواء المهاجرين، واتهمت في المقابل «ميليشيات وعصابات الإخوان باستغلالهم بكل الأساليب والوسائل في أعمال حربية، وإجبارهم على تعبئة مخازن السلاح، ووصلت حتى تجنيدهم مقابل أموال، وإجبارهم على القتال أو بامتيازات أخرى، واستغلالهم في الحرب كدروع بشرية».
ونفى مسؤول في «الجيش الوطني» أن تكون قواته استهدفت مركز الاحتجاز، وقال إن ميليشيات متحالفة مع حكومة السراج قصفت المركز، بعد أن نفّذ «الجيش الوطني» ضربة جوية دقيقة أصابت معسكراً.



مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.