فيلم «مارادونا»... صعب الترويض ليس منبوذاً دائماً

يركز على السنوات العظيمة للنجم الأرجنتيني مع نادي نابولي الإيطالي

تعرض مارادونا لضغوط هائلة وإغراءات في نابولي
تعرض مارادونا لضغوط هائلة وإغراءات في نابولي
TT

فيلم «مارادونا»... صعب الترويض ليس منبوذاً دائماً

تعرض مارادونا لضغوط هائلة وإغراءات في نابولي
تعرض مارادونا لضغوط هائلة وإغراءات في نابولي

عندما جلست في السينما لمشاهدة الفيلم الوثائقي الذي أخرجه المخرج الصربي أمير كوستوريتسا عن النجم الأرجنتيني دييغو أرماندو مارادونا قبل عقد من الزمان أو نحو ذلك، كنت لا أزال أعتقد أنني أفضل النجم البرازيلي بيليه وأرى أنه الأفضل على مر العصور والأزمان في لعبة كرة القدم. فقد كان بيليه هو اللاعب الذي سيطر على تفكيري بالكامل أثناء فترة المراهقة، وهي الفترة التي عادة ما نحاول خلالها البحث عن أبطال في حياتنا ونتأثر بهم بشكل كبير. لكن الفيلم الذي أخرجه كوستوريتسا جعلني أعيد النظر في تفكيري، وجعلني أعتقد أن أولئك الذين يعتقدون أن مارادونا هو أعظم لاعب كرة قدم عبر كل العصور قد يكون لديهم الحق تماماً في ذلك.
لقد كان فيلماً مجنوناً عن حياة مجنونة، يبدأ بجملة مقتبسة من الشاعر والكاتب الأرجنتيني الشهير خورخي لويس بورخيس وينتهي بأغنية للمغني الفرنسي مانو تشاو، بينما كان هناك كثير من الأشياء الغريبة بينهما. لكن المخرج الصربي ركز في الفيلم على أجزاء كبيرة من كرة القدم بالشكل الذي أقنعني بأن مارادونا كانت لديه القدرة على تحويل مسار المباريات بالشكل الذي كان يريده، وبشكل لم يسبقه إليه أي لاعب من قبل، وأنه إذا كنا نحاول حقاً أن نصل إلى قرار بشأن من هو اللاعب الأعظم في تاريخ كرة القدم - رغم أن هذا شيء غبي، لكنه ممتع في حقيقة الأمر - فإنه يتعين علينا أن نضع في الحسبان قدرة النجم الأرجنتيني على قلب الطاولة في المباريات الكبيرة وتحويل نتيجتها في النهاية لمصلحة الفريق الذي يلعب له.
أما الفيلم الجديد الذي أخرجه المخرج البريطاني آصف كاباديا عن مارادونا، والذي تم عرضه مؤخراً، فجعلني أفكر في الأمر مرة أخرى. فقد قرر كاباديا أن يركز على فترة معينة من حياة اللاعب، وهي السنوات التي قضاها مع نادي نابولي الإيطالي، والتي تضمنت كأس العالم عام 1986 بالمكسيك عندما قاد مارادونا راقصي التانغو للحصول على لقب المونديال.
كما تطرق الفيلم لطفولة مارادونا في أحد الأحياء الفقيرة في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس وانتقاله للعب في أوروبا مع برشلونة ثم الهزيمة المريرة أمام ألمانيا الغربية في نهائي كأس العالم 1990 بإيطاليا. لكن ما حدث لمارادونا خلال الفترة بين عامي 1984 و1991، وبالتحديد عندما كان في سن يتراوح بين 23 و30 عاماً، كان هو محور التركيز الأساسي للفيلم، وقد جعل كاباديا هذه الفترة تبدو قصيرة للغاية في حقيقة الأمر.
وبصفتي أحد المعجبين بالنهج الذي يتبعه المخرج البريطاني في صناعة الأفلام الوثائقية وتطرقه إلى كل التفاصيل المهمة، فإنني أرى أن هذا الفيلم لم يكن موفقاً في بعض النقاط، حيث بدأ برحلة مجنونة بالسيارة في شوارع نابولي. ربما يمكن للبعض أن يقول إن حياة مارادونا كانت تسير بهذا الشكل، لكن لا يمكن الجزم بأن هذا كان صحيحاً تماماً. كما أن مارادونا لم يكن يلعب كرة القدم دائماً، وهو محاط بالمشاكل والأزمات، بالشكل الذي يصوره كاباديا وفريق المؤثرات الصوتية في الفيلم.
وقد استعان كوستوريتسا ببعض الشعر بينما يخرج اللاعب من سيارته ويواجه المغني مانو تشاو، الذي يميل على واجهة أحد المتاجر ويعزف على الغيتار ويغني أغنية عن حياته يقول فيها: «لو كنت مارادونا، كنت سأعيش مثله». وقد ركز كاباديا على هذه الحياة، وعلى الضغوط الهائلة والإغراءات التي تعرض لها مارادونا في نابولي، وعلى التزاحم الشديد من قبل الأشخاص الذين كانوا يحلمون بأن يلمسوه أو يلتقطوا صورة معه، أو يأخذوا قطعة منه معهم وهم يعودون إلى منازلهم!
كما أن سقوط مارادونا السريع لم يجعل عشاقه ومحبيه يتخلون عن آرائهم بأنه الأفضل في تاريخ كرة القدم على رأس قائمة تضم كلاً من بيليه وبوشكاش وألفريدو دي ستيفانو وفرانز بيكنباور وجورج بيست ويوهان كرويف وليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو. ويتميز كل لاعب من هؤلاء اللاعبين بمواصفات تميزه عن الآخرين، حيث عبر بوشكاش الستار الحديدي في أوج الحرب الباردة، في حين كان دي ستيفانو يمثل الوجود الملكي، أما بيليه فقد انتصر لفكرة الإبداع الفردي والعزف المنفرد وكان يمتع عشاق كرة القدم بمهارات فذة واستثنائية. وقد أظهر بيكنباور لنا جميعاً كيف يمكن لمدافع أن يكون محور أداء فريقه بالكامل. أما جورج بيست، الذي يعد الأقرب لمارادونا من بين كل هؤلاء، فقد كان من الصعب للغاية إيقافه داخل الملعب. وكان كرويف يملك عيناً ثاقبة تمكنه من رؤية كل شيء داخل الملعب ومهارات تمكنه من تطويع كل شيء لمصلحته ومصلحة فريقه.
والآن، لدينا النجمان اللذان يتبارزان منذ عقد كامل من الزمان ويمتعان عشاق الساحرة المستديرة في كل مكان في العالم: النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي الذي يمتعنا بمهاراته الاستثنائية في تواضع جم، في مواجهة رونالدو بغروره الأنيق الذي يضيف لمحة أخرى إلى جاذبيته ومهاراته وإمكاناته، بالشكل الذي يجعله يخطف الأنظار من جميع اللاعبين من حوله. وبالنسبة لي، أرى أن الأفضل هو رونالدو، الذي ابتكر طرقاً جديدة للتعامل مع الكرة خلال رحلته المميزة في كل من إنجلترا وإسبانيا وإيطاليا ومع منتخب البرتغال. ويمكن لأي شخص، حتى لو لم يكن يحب رونالدو، أن يرى الإمكانات الهائلة التي يمتلكها هذا اللاعب.
ويعرف رونالدو وميسي وغيرهما من هذا الجيل كل ما حدث لمارادونا، وكيف التهمته الشهرة، وقد يكون ما حدث لمارادونا هو السبب الذي يجعل النجوم الحاليين يبتعدون عن الأجواء الصاخبة. ولا يوجد لاعب من اللاعبين، الذين يحصلون الآن على ما يزيد على 250 ألف جنيه إسترليني في الأسبوع، لا يعرف كيف يحيط نفسه بكثير من «الجدران» لحماية نفسه جسدياً ونفسياً، حتى من محبيه وأنصاره.
وبعد ساعات قليلة من مشاهدة الفيلم الجديد، قرأت مقابلة في صحيفة «الغارديان» تحدث فيها فيل فودن، النجم الشاب لمانشستر يونايتد والمنتخب الإنجليزي والبالغ من العمر 19 عاماً، عن تجربته الأولى مع الشهرة، حيث قال: «الناس يراقبونك دائماً، وهذا هو ما يحدث. كنت أسير على الطريق بعد إحدى المباريات التي شاركت فيها في بداية مسيرتي وكان الناس يطلبون أن يلتقطوا بعض الصور التذكارية معي. وأدركت منذ هذه اللحظة أن الأمور ستكون صعبة». وربما يفهم فودين كلمات مارادونا المؤثرة في هذا الفيلم التي يقول فيها: «عندما تكون في الملعب، تزول الحياة، ويزول كل شيء».


مقالات ذات صلة

كاريك يثق في قدرته على تغيير وضع يونايتد

رياضة عالمية مايكل كاريك مدرب مانشستر يونايتد (رويترز)

كاريك يثق في قدرته على تغيير وضع يونايتد

دافع مايكل كاريك، مدرب مانشستر يونايتد المنافس في الدوري الإنجليزي الممتاز لكرة القدم، بشدة عن قيادته، الجمعة، وأقرّ بمسؤوليته عن تدهور أداء النادي.

«الشرق الأوسط» (مانشستر)
رياضة عالمية فينسن كومباني مدرب بايرن ميونيخ (أ.ف.ب)

نقل كومباني مدرب «بايرن» إلى المستشفى

ذكرت وسائل إعلام ألمانية، الجمعة، أن فينسن كومباني، مدرب بايرن ميونيخ، نُقل إلى المستشفى بعد أن شعر بتوعُّك أثناء التدريب.

«الشرق الأوسط» (ميونيخ)
رياضة عالمية الألماني فابيان هورزيلر مدرب برايتون الإنجليزي (رويترز)

هورزيلر يؤكد استمراره مع برايتون

أكد الألماني فابيان هورزيلر، المدير الفني لفريق برايتون الإنجليزي، أنه لا يزال يركز بشكل كامل على مهامه مع فريقه.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية ميكيل أرتيتا مدرب آرسنال (أ.ب)

أرتيتا: ساكا سيغيب عن مواجهة إيفرتون

قال ميكيل أرتيتا مدرب آرسنال، الجمعة، إن الجناح بوكايو ساكا سيغيب عن مباراة الفريق أمام ضيفه إيفرتون في الدوري الإنجليزي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية البرتغالي جوزيه مورينيو مدرب ريال مدريد (إ.ب.أ)

مورينيو يعود إلى مباريات قمة إسبانيا في لقاء «يعج بالوجوه الجديدة»

تُقام أكبر مباراة كرة قدم في إسبانيا، ليلة الأحد، في ملعب «كامب نو» معقل برشلونة، حيث قد يشارك ما يصل إلى 14 وجهاً جديداً في مباراة القمة لأول مرة.

«الشرق الأوسط» (مدريد)

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.