سيرة ذاتية للمكان داخل الشخوص

نهى محمود تتواطأ مع بطلها في «سيرة توفيق الشهير بتوتو»

سيرة ذاتية للمكان داخل الشخوص
TT

سيرة ذاتية للمكان داخل الشخوص

سيرة ذاتية للمكان داخل الشخوص

تلعب نهى محمود في روايتها «سيرة توفيق الشهير بتوتو»، الصادرة حديثاً عن «دار بتانة»، على وتر الحارة المصرية، تقلِّب في ماضيها وعلاقات بشرها الفقراء البسطاء، وما آلت إليه أحلامهم، في واقع اضطربت فيه المعايير والقيم، حتى أصبحت الحارة كياناً عشوائياً يجب بتره وإزالته من الوجود، تحت شعارات تطوير وتجميل وجه المدينة الشائخ، الذي طفت فيه بثور الزمن، وغبار الفساد والإهمال.
ما تشير إليه الكاتبة في البداية بجملة تتناثر كلازمة نصية في نسيج الرواية، قائلة: «في الحارة التي كانت جديدة وزاهية في زمن آخر، ثم نال العجز والتراب من روحها وبيوتها، تلك البيوت القديمة غير المتناسقة، والشرفات المفتوحة على وسعها، والبشر وحكاياتهم».
نحن إذن إزاء مرثية للحارة، تجتهد الرواية في رصد ملامحها وتفاصيل حياتها، مستخدمة تقنية يتضافر فيها إيقاع «الاسكتش» الفني، لتوسيع أفق الرؤية بصرياً وزمنياً، خصوصاً في حيز مكاني ضيق ومنكفئ على ذاته، كما تلجأ إلى إيقاع التقرير الصحافي لتوثيق أحوال البشر في هذا الفضاء، وما يدور بينهم من صراعات ومشاحنات وحروب صغيرة.
تتسم لغة الرواية بواقعية قحة، حيث حكي الحارة في «عَبلِه» العشوائي، وبداهة تقاليده وأعرافه الشعبية المألوفة والمعتادة بين ناسها، فيخفون تحت قشرة هذه البداهة الرجراجة صورهم الحقيقية، ويتلاعبون فوق سطحها بكل ما يمكنهم من حيل الكذب على أنفسهم، وعلى واقعهم أيضاً. لكنهم مع ذلك يرون في بساطتها الجارية عزاءهم من القلق والخوف، وفرصة للتلذذ بفتات المباهج الصغيرة في الحياة، ودلالة على الوجود في المكان... «فهنا، كل شيء محتمل وقابل للحدوث».
ومن ثم، لسنا أمام رواية سيرة ذاتية للشخوص، محكومة بضمائر حكي معينة، وإنما سيرة ذاتية للمكان داخل الشخوص، مفتوحة بروح البداهة على فضاء شتى الضمائر، يبرز فيها اليومي في أنساق سردية متباينة، كلغة عادية متداولة في حوارات الشخوص، مشرّبة بمسحة من العامية الدارجة، وحس لا يخلو من الفكاهة والسخرية والمفارقة في بعض المواقف الخاصة، بيد أن التمثيل الأمثل لهذه اللغة حين تتحول إلى طقس، وفضاء للونس والأمل، وهو ما يتجلى على نحو لافت في حكاية «جماعة الكراسي» الذين اتخذوا من مدخل الحارة مكاناً لجلوسهم ومسامراتهم، تصفهم الرواية (في ص 32) على هذا النحو: «كانت الجلسة تجمع أربعة أو خمسة من الرجال الذين خرجوا على المعاش من وظائفهم، ومن دون اتفاق حملوا كراسي خشبية وجلسوا في تلك الرقعة، يراقبون الرائح والغادي، يلقون التحية على الجميع، يسألون الشباب عن حال أهلهم، ويبتسمون للشابات، ولسان حالهم يقول: نحن هنا للحماية».
حين يعترض «فاروق» السمج، أحد سكان العمارة، ويتهمهم بانتهاك خصوصية الآخرين، والاعتداء على ملكية الحكومة، حيث يجلسون على الرصيف... يلجأون إلى استئجار محل مغلق، يتقاسمون ثمن إيجاره فيما بينهم، ويقومون بطلائه بأنفسهم وتنظيفه، وينقلون جلستهم أمامه، بل يصرون على عمل افتتاح كبير له، وهو محل فارغ لا يبيع شيئاً، وليس به سوى كراسيهم وبعض الكراكيب التي جلبوها من بيوتهم، لتمتزج رمزية الونس بروح الحارة، وحكمتها أيضاً، كفضاء إنساني للأخوة والمحبة.
تتنوع أنماط الحكي بين فصول الرواية الثمانية، وصفحاتها التي تناهز المائة، بتنوع أنماط الشخوص وهوياتهم، وما انتهت إليه مسيرة بطلها «توتو»، الشاب المريض نفسياً، ولعنة «كوكو»، فأره المتخيل الذي يسميه ويكلمه ويبث له أوجاعه وأحزانه، بعد أن تسبب الظن في وجوده داخل المصيدة في مقتل والديه. هذا الخطأ الكارثي الذي وقع فيه توتو، بعد أن استيقظ مبكراً ذات يوم، ولم يجد ثمار الطماطم الكافية لصنع طبق فطوره المفضل له ولوالديه «جبن بالطماطم»، فأخذ ثمار الطماطم المسمومة المتناثرة على الأرض حول المصيدة، ظناً منه أنها سقطت من الكيس عندما أحضرها والده. لقد أراد توتو أن يريح والدته المتعبة، ويعد الفطور بنفسه، لكنه أراحها هي ووالده إلى الأبد.
تؤجل الكاتبة «الساردة» إماطة اللثام عن حقيقة هذه الكارثة إلى الفصل الأخير في الرواية، مكتفية بعبارات هامشية من قبيل التأسي والشفقة والترحم على ما نجم عنها، ما يجعل حضور توتو يبدو متطفلاً في معظم تلك الفصول السابقة، وليس خالصاً لذاته، وإنما يتوقف على حضور أطراف أخرى، مثل «أم طارق» جارته الأرملة «الخمسينية» التي يتلصص على جسدها من شرفته المقابلة لحجرتها، بينما تطفو على السطح شخوص كثيرة تتخم الرواية، وتصيب القارئ بالتشتت والإحساس بالمتاهة أحياناً، بلا مبرر فني اللهم الوجود في الصورة، أو المشهد، خصوصاً أننا إزاء علاقات نمطية، يسودها منطق التشابه والتكرار، يفرزها المكان بتلقائية شديدة، تنعكس على شخصيته، وتؤثر في صراعات ناسه مع ذواتهم وواقعهم الاجتماعي.
نعم، قد تكون هذه الشخوص الهامشية بفقرها وجوعها وإحباطها ومخاوفها فاعلة في واقعها المادي المعيش، لكنها دون ذلك في النص، الوجود الموازي لهذا الواقع الذي تصنعه الرواية. وعلى سبيل المثال، شخصية «سيدة» الشحاذة السمينة التي اتخذت من التسول والنوم في الخرابة وسيلة للعيش، وأصبحت حارسة لها تزود عنها ضد اللصوص والبلطجية... هذه المرأة المخبولة القوية تتمتع بسطوة ما تحت قناع التسول، فالجميع يتعاطف معها بدافع إنساني، لا يخلو من خشية ما... طبيب الصيدلية يعطيها الحبوب المخدرة طواعية وبلا مقابل، و«هَوهَو» صاحب عربة سندوتشات الكبدة والسمين «حين تقف عنده، ودون أن تتكلم يملأ لها رغيفاً»... حتى أننا يمكن أن نجد صلة ما، ولو في الخلفية، بين خبلها وبين «توتو» الذي لا يخلو من الخبل أيضاً... يتوقف قلب «سيدة» عن النبض في ليلة شتوية باردة، بعد أن أعطاها محسن، الشاب النحيل تاجر المخدر الأبيض، بعض الأقراص، فيأخذها إلى بيته. وبحسب الرواية (ص22. 23) «سيجدها الناس في الصباح نائمة فوق فرشة أم عاشور (بائعة الخضراوات)، متدثرة بالغطاء الخيش، زرقاء ومغمضة العينين، وميتة».
وكلك شخصية الشيخ حسن، الذي طرد السكان من عقار قديم يملكه، وبني عليه عمارة من عشرة أدوار، وزاوية صغيرة للصلاة بالدور الأرضي، حتى يبارك الله في بيته وتجارته، لكنه مع ذلك لم يستطع أن يستر أخته العانس بالزواج، بعد أن خصص لها شقة بالدور الأخير، فتقع في براثن شاب يشترط أن تكتب الشقة باسمه، ثم يتزوجها لليلة واحدة ويطلقها.
يفرض الوجود الموازي حساسية ما في التعامل مع منطقة الظل وكائناتها، فدائما ما تذبل وتنطفئ هذه الكائنات، بل يتم التخلص منها، تحت وهم أنها أصبحت عبئاً على الوجود الأصلي. لكن الأمر ليس كذلك خصوصاً في الإبداع، فهناك شخوص في الظل وجودهم لو تمت تنميته والتعامل معه بعمق وحساسية سينتقلون تلقائياً إلى فضاء الوجود الأصلي، وربما يصبحون أبطالاً. لذلك كان يمكن - برأيي - أن تظل «سيدة» حية، كعين أخرى في المشهد، ترصده وتراقبه من تحت قناع التسول، كراوٍ ضمني، يعضد من حركة السارد الرئيسي، وكان يمكن أن يمتد وجود الشيخ حسن، ولا ينحسر فقط في الفصل الثاني، خصوصاً أنه يمثل رمزية هدامة سالبة لتراث الحارة.
تتعاطف الكاتبة الساردة مع بطلها في واقعة السم الكارثية إلى حد التواطؤ، وتموه عليه، فلا تطرح مجرد علامة استفهام حولها، أو حتى تساؤل عابر، تاركة هذه الفجوة الإنسانية تراوح أمام عين القارئ بين حتمية القدر وحتمية الخطأ، وكأنهما ركنا جريمة ارتكبتها الصدفة، بينما موت شخوص آخرين بطرائق شديدة العبث في الرواية يصبح أمراً عادياً وحمولة زائدة عليها.
إذن... لماذا لم يأكل توتو بطل الرواية من طبق الجبن وهو المفضل لديه؟ لماذا لم يذقه ووضعه لوالديه على الطاولة، ثم انسحب مطمئناً إلى حجرته؟ توتو النهم إلى الأكل بشراهة بشعة، الذي أنفق كل ميراثه من والديه في إشباع هذا النهم، وقطع شوطاً في التعليم حتى المرحلة الثانوية، وأصبح مثاراً للتهكم والسخرية، فهو لا يعمل، ويكره الخروج من البيت، وكان ذروة هذه السخرية إصرار أمه على تزويجه ربما ينعدل حاله، وينتهي مارثون البحث عن زوجة له بفضيحة أخلاقية، بعد أن طلب توتو من أهل العروس والضيوف إخلاء الحجرة ليتحدث مع عروسه على نحو خاص، ثم تصرخ العروس، ويفاجأ الجميع به خالعاً بنطاله. وفي المقهى، ينهال عليه «صديق»، ابن خالة أمه المُكلف بمهمة تزويجه، محطماً زجاج النرجيلة على رأسه، ما استدعي نقله إلى المشفى... لقد طفح به الكيل من ألاعيبه البلهاء، وكاد يفقد في ظلها حياته الزوجية الهادئة.
نحن إذن أمام بطل مجرم، يمتلك إرادة واعية بما يفعل، تكشف عنها مواقفه وذائقته فيما يأكل ويشرب، ويمتلك وعياً بجسده وتؤرقه رغباته الحسية، لكن للحرية حدوداً في التعاطف، لذلك صعب أن أتقبل هذه الفجوة في لعبة روائية مغموسة بكليتها في الواقع، لكنها لم تستطع أن تمارس شكلاً من أشكال القطيعة معه، فظلت حبيسة مصيدة وهمية، صنعتها ذاكرة مضطربة في الداخل والخارج معاً.



مسلسل «صحاب الأرض» الرمضاني يثير غضباً في إسرائيل

جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
TT

مسلسل «صحاب الأرض» الرمضاني يثير غضباً في إسرائيل

جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)

وسط توتر مستمر بين القاهرة وتل أبيب، أثار مسلسل «صحاب الأرض» الذي يُعرض على بعض القنوات المصرية خلال شهر رمضان، غضباً في إسرائيل.

ويرصد «صحاب الأرض» المعاناة الإنسانية التي عاشها الشعب الفلسطيني تحت الحصار، في ظل الحرب على قطاع غزة في أعقاب السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ويتناول قصص شخصيات تعيش تحت وطأة القصف والدمار.

وبينما أشارت «هيئة البث الإسرائيلية» إلى أن «المسلسل يتناول الحرب في غزة بأسلوب يبتعد عن إظهار إسرائيل بصورة إيجابية»، عدّت «القناة 12» الإسرائيلية أن إنتاج «صحاب الأرض» وبثه على القنوات المصرية «يُنظر إليهما في إسرائيل على أنهما خطوة سياسية مدروسة».


حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
TT

حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)

فجّر مقطع مصور لحادث اعتداء رجل أعمال مصري على فرد أمن غضباً على مواقع التواصل الاجتماعي، وأدّى إلى تجديد وتأليب الفروق الطبقية في مصر، خصوصاً بعد إلقاء القبض على رجل الأعمال وانتشار الفيديو الخاص بالواقعة بشكل كبير وما يتضمنه من ألفاظ غير لائقة.

وانتصر «الترند» لفرد الأمن الذي تعرض للاعتداء، حيث أصبحت كلمة «فرد أمن» في صدارة قوائم البحث على «إكس» بمصر، الجمعة. وتعددت الصفحات التي نشرت الواقعة، مبينة أنها تحمل نوعاً من العنف والتنمر من رجل الأعمال الذي يسكن في المجمع السكني الراقي، وفرد الأمن الذي تلقى الضربات دون ردّ.

وكانت وزارة الداخلية أعلنت أنه قد تم ضبط أحد الأشخاص «صاحب مصنع» بعد تداول مقطع فيديو يظهر فيه الشخص بأحد التجمعات السكنية في التجمع الخامس، شرق القاهرة، يتعدى على فرد أمن بالضرب، وعلى أحد الجيران بالسبّ، وهو ما برّره المتهم بأنه فعل ذلك متضرراً من فرد الأمن لعدم قيامه بعمله ومعترضاً على تدخل أحد السكان. وتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقّه وتولت النيابة التحقيق.

واعتبر عدد من مستخدمي وسائل التواصل ما حدث من المعتدي يشير إلى استغلال التفاوت الطبقي بينه وبين فرد الأمن، وظهر العديد من التعليقات الرافضة لما قام به، حتى تساءل البعض عن اسم المصنع الذي يمتلكه هذا الشخص ليتم مقاطعة منتجاته، وبالفعل دعا عدد من مستخدمي «السوشيال ميديا» لمقاطعة مصنع الشخص المعتدي.

وترجع أستاذة علم الاجتماع السياسي، الدكتورة هدى زكريا، هذه الواقعة إلى ما تسميه «ثقافة الكمبوند»، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «مع تآكل الطبقة الوسطى التي كانت سائدة وكاسحة وتفرض قيمها وأخلاقها في المجتمع المصري، تسرب بعض أفرادها إلى الطبقات الدنيا الفقيرة التي لا حول لها ولا قوة، وصعد القليل من أبنائها لطبقات الأثرياء الجدد، ولكن وفق أعمال لا علاقة لها بالإنتاج، بقدر ما ترتبط بالسمسرة والتجارة والتربح من العملة وأنشطة أخرى ربما محظورة، لتتكون لدينا طبقة من الأثرياء الجدد مسيطرة طبقياً ولكنها ساقطة أخلاقياً».

وأشارت إلى أن «التجمعات السكنية الجديدة خلقت نوعاً من العزلة الاجتماعية لطبقة الأثرياء الجدد، فأصبحوا يرون أنفسهم فوق كل الطبقات، وتسربت إليهم أمراض العزلة التي أنتجت كمية جرائم لا يمكن تخيلها»، على حد تعبيرها.

ووصفت المشهد الذي ظهر في الفيديو بأنه «مخيف»، مضيفة أن «العنف الجسدي غير مبرر، والمجال العام له قانونه، فحين يتحول شخص ثري إلى هذا الطائر الجارح الذي يعتدي بالضرب والسبّ على آخرين بهذا الشكل، كل هذا يدعونا للتساؤل: ماذا حدث لثقافة الكمبوند؟».

وفيما عدّ الخبير القانوني، هيثم عمر، أن «قوانين العقوبات على مر التاريخ منذ إنشائها حرصت على تشديد العقوبة على كل من يتعدى على من هم تحت يده، سواء أهل أو عمال». مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «سبب تشديد العقوبة يرجع إلى أن المعتدي غالباً يستغل ولايته عليهم وحاجتهم للعمل أو سيطرته عليهم، فيعاقب القانون كل من له سيطرة، لكونه أصلاً مصدر الأمان، وليس مصدر الرهبة والاعتداء، فالعقوبة تكون مغلظة». أشارت تعليقات كثيرة إلى التفاوت الطبقي الذي فجّرته الواقعة، وعدم ردّ فرد الأمن على الاعتداء، لكونه من طبقة أقل من المعتدي، وطالبه كثير من المستخدمين بعدم التنازل، فيما برزت أخبار تفيد بأن الشركة مالكة المجمع التجاري لن تتخلى عن فرد الأمن، وستدعمه حتى يحصل على حقّه.

وترى المتخصصة في علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن ما يحدث من وقائع تشي بتفاوتات طبقية في المجتمع يجب أن نضعها في حجمها الصحيح. وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «التفاوت الطبقي الحقيقي كان موجوداً في الماضي، وقامت ثورة يوليو (تموز) لتقضي على هذا التفاوت الطبقي بين الباشاوات وعامة الشعب، الآن لا يوجد فارق بين شخص وآخر طبقياً إلا بمجهوده وبناء مستقبله، وإن كانت هناك مجتمعات من الأثرياء، فلا يجوز أن يتعدى أحدهم على عامل بسيط. وإذا فعل فالقانون يحسم بينهما، كما أن الرأي العام والتوجه العام سيتعاطف مع الشخص الفقير الذي تعرض للظلم أو للتنمر أو العنف».

وأشارت خضر صالح إلى أن التفاوت الطبقي ليس مبرراً للعنف، ولكن «هناك كثيراً من الخروق الاجتماعية التي تحدث تقليداً للدراما وما فيها من عنف وبلطجة، وهو ما ينعكس سلوكيات في الشارع».


السيرة الهلالية والتنورة والأراجوز... نجوم ليالي رمضان في مصر

جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
TT

السيرة الهلالية والتنورة والأراجوز... نجوم ليالي رمضان في مصر

جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)

تحتل عروض السيرة الهلالية والأراجوز وخيال الظل والتنورة، والفنون الشعبية عموماً، مكانة خاصة في حفلات ليالي رمضان التي تنظمها وزارة الثقافة عبر مواقعها وهيئاتها المتنوعة، وإن كانت الوزارة أعلنت برنامج احتفاليات رمضان لهذا العام متضمناً العديد من الأنشطة والفعاليات التي وصل عددها لما يزيد على 4 آلاف فعالية في المواقع الثقافية بكل محافظات مصر، فقد ظلت عروض السيرة الهلالية والعرائس التقليدية والفنون الشعبية لها نصيبها الوافر من هذه الفعاليات.

فإلى جانب الاحتفاء بفن الإنشاد الذي يستعيد التراث الصوفي ضمن فعاليات برنامج صندوق التنمية الثقافية، من خلال حفلات يحييها عدد من أبرز المنشدين، من بينهم الشيخ محمود التهامي، إلى جانب الشيخ إيهاب يونس، والمنشد مصطفى جمال، يقدم الصندوق عروضاً تعكس ثراء المشهد الثقافي المصري، من بينها عروض فرقة التنورة التراثية، والفنون الشعبية، والسيرة الهلالية، وعروض الأراجوز، وخيال الظل، وفق بيان لوزارة الثقافة.

كما تواصل هيئة قصور الثقافة استضافتها عروض السيرة الهلالية خلال شهر رمضان بالحديقة الثقافية في حي السيدة زينب (وسط القاهرة) ضمن برنامج «راوي من بلدنا» للسيرة الهلالية لفرقتَي محمد عزت وعز الدين نصر الدين، وتقديم الشاعر مسعود شومان.

كما يحتفي قصر ثقافة روض الفرج بعروض السيرة الهلالية لفرقة الفنان فتحي سليمان، بالإضافة إلى فعاليات معارض لنتاج الورش الحرفية والفنية، وورش الحرف اليدوية والفنية للشباب والعمال والقرية ورواد القصور المتخصصة والمرأة، فضلاً عن أنشطة أطلس المأثورات الشعبية.

ويرى الباحث في التراث الشعبي بأكاديمية الفنون المصرية، الدكتور عبد الكريم الحجراوي، أن «هذه الفعاليات السنوية التي تواكب شهر رمضان تعد ثابتة، وتحتفي بالعديد من الفنون الأصيلة التي تكاد تتعرض للاندثار»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «شهر رمضان له خصوصيته لدى الأسر المصرية التي تحب الخروج والسهر خلال ليالي رمضان، ومن ثم الاستمتاع بالحفلات المتنوعة التي تقدم مجاناً للجمهور في مواقع مختلفة».

عروض الأراجوز تقدم في شهر رمضان (ملتقى الأراجوز)

كما تشهد العديد من المواقع الثقافية مثل «بيت السحيمي» و«قبة الغوري» العديد من العروض الرمضانية لفرقة التنورة وفرق الفنون الشعبية، فضلاً عن فرق متخصصة في فن الأراجوز، وخيال الظل، بالإضافة إلى عروض العرائس وعروض فرقة رضا للفنون الشعبية والفرقة القومية للفنون الشعبية.

وأشار المتخصص في التراث الشعبي بأكاديمية الفنون إلى أن الاهتمام بتقديم فنون شعبية وأدائية بعينها مثل السيرة الهلالية والتنورة، يحافظ على الهوية المصرية فيما يتعلق بهذه الفنون، موضحاً أن «السيرة الهلالية تكاد تكون اختفت في مصر ما عدا رقعة جغرافية محدودة جداً في الصعيد بين سوهاج وقنا، ولم تعد موجودة بشكل دوري أو ثابت إلا من خلال احتفاليات رمضان. ومن المهم أن يتعرف الناس على هذا الفن من خلال ليالي رمضان، وكذلك أيضاً (عروض) التنورة والأراجوز كانت موجودة في وقت ماضٍ، ولكنها تقارب على الاختفاء، ومن ثم تقوم هذه الفعاليات الرمضانية السنوية باستعادة هذه الفنون وتقديمها للجمهور والأجيال الجديدة».

ويستضيف برنامج صندوق التنمية الثقافية خلال رمضان حفلات للفنان وجيه عزيز، تشهد على عودته بعد فترة غياب طويلة، ويستضيف كذلك حفلاً للفنانة منال محي الدين، إحدى أبرز التجارب الموسيقية المصرية التي نجحت في تقديم آلة «الهارب» ضمن السياق الموسيقي العربي، عبر مشروع فني يمزج بين الدراسة الأكاديمية والروح الشرقية، كنموذج للتجديد الموسيقي القائم على الحفاظ على الهوية، والانفتاح على آفاق تعبيرية جديدة.