مسلسل «تشيرنوبل» يزيد الإقبال الشبابي على زيارة موقع الكارثة

أحد الزوار يلتقط صورا لحطام حافلة في «تشيرنوبل» - (أ.ف.ب)
أحد الزوار يلتقط صورا لحطام حافلة في «تشيرنوبل» - (أ.ف.ب)
TT

مسلسل «تشيرنوبل» يزيد الإقبال الشبابي على زيارة موقع الكارثة

أحد الزوار يلتقط صورا لحطام حافلة في «تشيرنوبل» - (أ.ف.ب)
أحد الزوار يلتقط صورا لحطام حافلة في «تشيرنوبل» - (أ.ف.ب)

ساهم مسلسل «تشيرنوبل»، الذي عرض مؤخراً، في زيادة الوعي حول الكارثة النووية الأسوأ في العالم، لكنه كذلك جذب أيضا عددا من السائحين لزيارة المنطقة الواقعة بأوكرانيا، ومنهم شباب لم يكن قد ولدوا بعد عند وقوع الكارثة.
وذكرت وكالة «بلومبيرغ» الأميركية أن منطقة «تشيرنوبل» تشهد إقبالا من الجيل الجديد، من أجل التعرف عن قرب على شواهد المأساة. وقد شهدت المنطقة ما يقارب من 150 ألف حجز لزيارة «تشيرنوبل» مع نهاية الموسم، وهو ما يعادل ضعف الزائرين لها في العام الماضي.
وألقى المسلسل، المكون من خمس حلقات وهو إنتاج مشترك جمع بين شبكتي «إتش بي أو» الأميركية و«سكاي» البريطانية، الضوء على الكارثة النووية التي صنفت كأسوأ كارثة للتسرب الإشعاعي والتلوث البيئي شهدتها البشرية.
ووقعت الكارثة التي هزت العالم بأثره في 26 أبريل (نيسان) 1986 في القسم الرابع من مفاعل محطة «تشيرنوبل» بالقرب من مدينة بريبيات في أوكرانيا، التي كانت ضمن المنظومة السوفياتية في ذلك الوقت.
ونقلت الوكالة عن فتاة تُدعى أولها كيسيلوفا (24 عاما) وتعمل مصممة غرافيك، كان والداها قد أرسلا للمساهمة في أعمال الإنقاذ والمساعدة في تطهير المنطقة من المواد الفتاكة، قولها: «والداي قالا لي إن عملهما كان دقيقا للغاية. لكني أردت أن أرى موقع المأساة وفهمها بشكل أفضل».
وزارت كيسيلوفا موقع «تشيرنوبل» ضمن قافلة سياحية لجولة في المنطقة مع 44 سائحا من أجل الحصول على صورة مقربة للموقع الذي لا يزال يضم عددا من آثار المأساة، ومعظم السياح على متن الحافلة مع كيسيلوفا جاءوا من بلدان مختلفة، مثل الهند والسويد وآيرلندا والولايات المتحدة.
وذكرت «بلومبيرغ» أن كارثة «تشيرنوبل» سيئة السمعة، تواجه خطر «التلاشي» من الذاكرة مع صعود الأجيال الجديدة، ونمو «صدمات» جديدة في أذهانهم، فالأوكرانيون يشغلهم الصراع الدائم مع روسيا، وبالنسبة لآخرين، وقد تلصق بأذهانهم كوارث أخرى مثل أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، أو تسونامي اليابان عام 2004، أو الكارثة النووية الأحدث في فوكوشيما في اليابان عام 2011.
ولسنوات، تحاول الحكومة الأوكرانية نشر الوعي وطلب المساعدة في جمع الأموال من أجل بنية جديدة في منطقة «تشيرنوبل»، والتي تم الانتهاء منها أخيراً في عام 2017، والآن تجذب «تشيرنوبل» موجة جديدة من الاهتمام، بفضل المسلسل الأميركي، وقد أظهرت إحصائيات عبر محرك البحث «غوغل» قفزة حادة في عمليات البحث عن «تشيرنوبل» في الأسابيع الأخيرة، بما في ذلك في أوكرانيا.
وقال جان هافركامب، الخبير البارز في الطاقة النووية في غرينبيس في أمستردام: «لقد نسي الناس تماماً مأساة (تشيرنوبل)، لكن المسلسل فتحه مرة أخرى وأنا سعيد جداً بهذا».
وكان الانفجار الكارثي للمفاعل قد أدى إلى إخلاء جماعي للمنطقة، وبعض القرى المحيطة بها.
وقالت أولينا جينيس، أحد المرشدين التي تعمل مع آخرين في قيادة الزائرين حول موقع تشيرنوبل: «لقد اكتشف الكثيرون الفرصة من خلال مواقع التواصل الاجتماعي أو كلمات شفهية، أو من المواقع السياحية الأوكرانية. الناس يأتون يريدون أن يتعلموا ويروا بأعينهم أن هذا جزء مهم من تاريخنا، ليس فقط بالنسبة لأوكرانيا، ولكن لكل العالم».
ومسَ مسلسل «تشيرنوبل» وتراً حساساً لدى المشاهدين، نظراً لتقديمه مزيجاً من الأحداث الحقيقية والروايات الخيالية، عندما عُرِض الربيع الحالي، وقد تذكر الناس حالة الصمت التي انتابت المسؤولين السوفيات في ذلك الوقت، بعد أن آثروا التكتم وعدم الاعتراف بالكارثة، ما أدى إلى اهتزاز ثقة الناس في قدرتهم على إبلاغهم بالحقيقة.
وعادة ما يتجه الزوار إلى بلدة بريبيات المهجورة، القريبة من محطة توليد الكهرباء التي أُخليت في غضون ساعات من الكارثة، وإلى مواقع أخرى، بما في ذلك محطة الطاقة السابقة نفسها؛ حيث تعتبر مستويات الإشعاع آمنة، لكن المنطقة المحيطة بمحطة توليد الكهرباء لا تزال غير مأهولة إلى حد كبير.



«الجمل عبر العصور»... يجيب بلوحاته عن كل التساؤلات

جانب من المعرض (الشرق الأوسط)
جانب من المعرض (الشرق الأوسط)
TT

«الجمل عبر العصور»... يجيب بلوحاته عن كل التساؤلات

جانب من المعرض (الشرق الأوسط)
جانب من المعرض (الشرق الأوسط)

يجيب معرض «الجمل عبر العصور»، الذي تستضيفه مدينة جدة غرب السعودية، عن كل التساؤلات لفهم هذا المخلوق وعلاقته الوطيدة بقاطني الجزيرة العربية في كل مفاصل الحياة منذ القدم، وكيف شكّل ثقافتهم في الإقامة والتّرحال، بل تجاوز ذلك في القيمة، فتساوى مع الماء في الوجود والحياة.

الأمير فيصل بن عبد الله والأمير سعود بن جلوي خلال افتتاح المعرض (الشرق الأوسط)

ويخبر المعرض، الذي يُنظَّم في «مركز الملك عبد العزيز الثقافي»، عبر مائة لوحة وصورة، ونقوش اكتُشفت في جبال السعودية وعلى الصخور، عن مراحل الجمل وتآلفه مع سكان الجزيرة الذين اعتمدوا عليه في جميع أعمالهم. كما يُخبر عن قيمته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لدى أولئك الذين يمتلكون أعداداً كبيرة منه سابقاً وحاضراً. وهذا الامتلاك لا يقف عند حدود المفاخرة؛ بل يُلامس حدود العشق والعلاقة الوطيدة بين المالك وإبله.

الجمل كان حاضراً في كل تفاصيل حياة سكان الجزيرة (الشرق الأوسط)

وتكشف جولة داخل المعرض، الذي انطلق الثلاثاء تحت رعاية الأمير خالد الفيصل مستشار خادم الحرمين الشريفين أمير منطقة مكة المكرمة؛ وافتتحه نيابة عنه الأمير سعود بن عبد الله بن جلوي، محافظ جدة؛ بحضور الأمير فيصل بن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، رئيس مجلس أمناء شركة «ليان الثقافية»؛ وأمين محافظة جدة صالح التركي، عن تناغم المعروض من اللوحات والمجسّمات، وتقاطع الفنون الثلاثة: الرسم بمساراته، والتصوير الفوتوغرافي والأفلام، والمجسمات، لتصبح النُّسخة الثالثة من معرض «الجمل عبر العصور» مصدراً يُعتمد عليه لفهم تاريخ الجمل وارتباطه بالإنسان في الجزيرة العربية.

لوحة فنية متكاملة تحكي في جزئياتها عن الجمل وأهميته (الشرق الأوسط)

وفي لحظة، وأنت تتجوّل في ممرات المعرض، تعود بك عجلة الزمن إلى ما قبل ميلاد النبي عيسى عليه السلام، لتُشاهد صورة لعملة معدنية للملك الحارث الرابع؛ تاسع ملوك مملكة الأنباط في جنوب بلاد الشام، راكعاً أمام الجمل، مما يرمز إلى ارتباطه بالتجارة، وهي شهادة على الرّخاء الاقتصادي في تلك الحقبة. تُكمل جولتك فتقع عيناك على ختمِ العقيق المصنوع في العهد الساساني مع الجمل خلال القرنين الثالث والسابع.

ومن المفارقات الجميلة أن المعرض يقام بمنطقة «أبرق الرغامة» شرق مدينة جدة، التي كانت ممراً تاريخياً لطريق القوافل المتّجهة من جدة إلى مكة المكرمة. وزادت شهرة الموقع ومخزونه التاريخي بعد أن عسكر على أرضه الملك عبد العزيز - رحمه الله - مع رجاله للدخول إلى جدة في شهر جمادى الآخرة - ديسمبر (كانون الأول) من عام 1952، مما يُضيف للمعرض بُعداً تاريخياً آخر.

عملة معدنية تعود إلى عهد الملك الحارث الرابع راكعاً أمام الجمل (الشرق الأوسط)

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، قال الأمير فيصل بن عبد الله، رئيس مجلس أمناء شركة «ليان الثقافية»: «للشركة رسالة تتمثّل في توصيل الثقافة والأصالة والتاريخ، التي يجهلها كثيرون، ويشكّل الجمل جزءاً من هذا التاريخ، و(ليان) لديها مشروعات أخرى تنبع جميعها من الأصالة وربط الأصل بالعصر»، لافتاً إلى أن هناك فيلماً وثائقياً يتحدّث عن أهداف الشركة.

ولم يستبعد الأمير فيصل أن يسافر المعرض إلى مدن عالمية عدّة لتوصيل الرسالة، كما لم يستبعد مشاركة مزيد من الفنانين، موضحاً أن المعرض مفتوح للمشاركات من جميع الفنانين المحليين والدوليين، مشدّداً على أن «ليان» تبني لمفهوم واسع وشامل.

نقوش تدلّ على أهمية الجمل منذ القدم (الشرق الأوسط)

وفي السياق، تحدّث محمد آل صبيح، مدير «جمعية الثقافة والفنون» في جدة، لـ«الشرق الأوسط» عن أهمية المعرض قائلاً: «له وقعٌ خاصٌ لدى السعوديين؛ لأهميته التاريخية في الرمز والتّراث»، موضحاً أن المعرض تنظّمه شركة «ليان الثقافية» بالشراكة مع «جمعية الثقافة والفنون» و«أمانة جدة»، ويحتوي أكثر من مائة عملٍ فنيّ بمقاييس عالمية، ويتنوع بمشاركة فنانين من داخل المملكة وخارجها.

وأضاف آل صبيح: «يُعلَن خلال المعرض عن نتائج (جائزة ضياء عزيز ضياء)، وهذا مما يميّزه» وتابع أن «هذه الجائزة أقيمت بمناسبة (عام الإبل)، وشارك فيها نحو 400 عمل فني، ورُشّح خلالها 38 عملاً للفوز بالجوائز، وتبلغ قيمتها مائة ألف ريالٍ؛ منها 50 ألفاً لصاحب المركز الأول».

الختم الساساني مع الجمل من القرنين الثالث والسابع (الشرق الأوسط)

وبالعودة إلى تاريخ الجمل، فهو محفور في ثقافة العرب وإرثهم، ولطالما تغنّوا به شعراً ونثراً، بل تجاوز الجمل ذلك ليكون مصدراً للحكمة والأمثال لديهم؛ ومنها: «لا ناقة لي في الأمر ولا جمل»، وهو دلالة على أن قائله لا يرغب في الدخول بموضوع لا يهمّه. كما قالت العرب: «جاءوا على بكرة أبيهم» وهو مثل يضربه العرب للدلالة على مجيء القوم مجتمعين؛ لأن البِكرة، كما يُقال، معناها الفتيّة من إناث الإبل. كذلك: «ما هكذا تُورَد الإبل» ويُضرب هذا المثل لمن يُقوم بمهمة دون حذق أو إتقان.

زائرة تتأمل لوحات تحكي تاريخ الجمل (الشرق الأوسط)

وذُكرت الإبل والجمال في «القرآن الكريم» أكثر من مرة لتوضيح أهميتها وقيمتها، كما في قوله: «أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ» (سورة الغاشية - 17). وكذلك: «وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ» (سورة النحل - 6)... وجميع الآيات تُدلّل على عظمة الخالق، وكيف لهذا المخلوق القدرة على توفير جميع احتياجات الإنسان من طعام وماء، والتنقل لمسافات طويلة، وتحت أصعب الظروف.