كيف يبني الكاتب عالمه الروائي؟

مبدعون مصريون يتحدثون عن الزمان والمكان والتجربة في نتاجاتهم

إبراهيم عبد المجيد  -  مصطفى نصر  -  منير عتيبة  -  صفاء النجار
إبراهيم عبد المجيد - مصطفى نصر - منير عتيبة - صفاء النجار
TT

كيف يبني الكاتب عالمه الروائي؟

إبراهيم عبد المجيد  -  مصطفى نصر  -  منير عتيبة  -  صفاء النجار
إبراهيم عبد المجيد - مصطفى نصر - منير عتيبة - صفاء النجار

كيف يبني الكاتب عالمه الروائي والقصصي، ما هي العناصر الأساسية التي يستفيد منها، ويبلور من خلالها رؤيته لذاته ولواقعه والعالم من حوله، ثم كيف تعمّق الخبرة والتجربة هذا العالم، وتجعله دائم التجدد والعطاء؟
في هذا التحقيق آراء عدد من الأدباء عن طبيعة بناء نصهم الإبداعي، وكيف تتحول المعرفة الإنسانية داخله إلى معرفة مبدعة.
- إبراهيم عبد المجيد: المكان صانع الشخصيات
لكل رواية بناؤها الخاص الدال على أسلوب الكاتب، ويأتي تنوع التشييد من أسباب عدة، أولها، زمن الرواية ومكانها، وثانيها الشخصيات وتشابكها مع الأحداث الآنية للرواية أو الماضية أو اللاحقة لها؛ وذلك لأن الكاتب كل ما يكتبه مفعول به أكثر من أنه فاعل فيما يخص الشخصيات، وتحدد معرفته بتاريخ الأدب موقعه. قياساً على ما سبق وعلى سبيل المثال، تصف الرواية الكلاسيكية المكان بدقة شديدة جداً لاستحضار هوية المكان وروحه ليكون واضحاً تماماً بأبعاده المادية والمعنوية، بينما تتعامل الرواية الرومانتيكية مع المكان على حسب حالة الشخصيات أو البطل الذي يراه جميلاً أو قبيحاً على حسب حالته النفسية، أما الرواية الواقعية الجديدة التي ظهرت في أوروبا في الستينات والسبعينات فجعلت المكان له وجود مستقل تماماً عن الشخصيات وميّزته عنها وفحصته أدبياً بالأساليب التي جعلته الأهم من الشخوص. حينما قرأت ذلك في الروايات العالمية والدراسات شعرت بشيء مختلف، ألا وهو قدرة المكان في إنتاج الشخصيات وصناعتها وتحديد لغتها وسلوكها وتصرفاتها، فالشخصية الروائية الجالسة في قطار تحدد طرازه الخارجي الموحي بزمن نشأته تختلف عن شخصية أخرى تمشي مثلاً في الصحراء على كل المستويات؛ اللغة وأسلوب التحدث، وأيضاً حينما تفكر.
ويذكر أن الكاتب بعدما يلمّ بتاريخ الرواية وفنونها يمتلك الشجاعة التي تحرضه على أن يبني عالمه الخاص في أعماله الأدبية بأساليب متعددة تتجاوز صرامة الواقع بحاضره والماضي بسلطته والمستقبل بغموضه، وأنا فعلت ذلك في كل رواياتي؛ فروايتي «بيت الياسمين» هي رواية كوميدية في الأساس وتحمل بين ثناياها الكثير من السخرية، لكن كل فصل من فصولها العشرة جعلت له مقدمة قصيرة أو حكاية تراجيدية، بحيث يكون أمام القارئ تناقض أو تفاعل ما، وتركت للنقاد التفسير، قاصداً بهذا الأسلوب أن أكتب عالماً أوسع من عدد صفحات الرواية، وقد نالت الرواية إعجاباً كبيراً من النقاد والقراء على حد السواء. لقد اختلف البناء الروائي حينما قررت كتابة عمل أدبي تاريخي، حيث عكفت لسنوات كثيرة في دراسة الزمن الواقعة، أحداثه في الحرب العالمية الثانية والصحراء الغربية والإسكندرية حتى أبني الرواية بناءً صادقاً، وكل ما أتحدث عنه يكون في زمنه مجسداً. ومن المهم هنا أن أشير إلى أن ما يحيط الكاتب من ثقافات وفنون وعلوم هو مفيد ويؤثر في الكتابة بشكل أو بآخر.
- مصطفى نصر: المهم كيف تكتب
أغلب الوقت تطاردني أشياء مجهولة، تدفعني للكتابة، وكان توفيق الحكيم يصفها بالمرأة الحامل، لا بد لها أن تلد. قد تلد وهي راكبة الترام أو في الشارع، فلا يشغلني موضوع الرواية، وإنما الذي يشغلني أكثر، هو الشكل الذي سأحكي به حكايتي، فالقصة هي... كيف تكتب؟ لذا؛ أنتقل من مرحلة إلى أخرى. وحيث أعيش في عالم «ألف ليلة وليلة» مثلاً، يطاردني الشكل المكتوب به الليالي، فأكتب رواية «ليالي غربال»... أفكر طيلة الوقت في علم النفس، أبحث عن الدوافع المؤدية للفعل، وأعشق فن الموسيقى والسينما، والتاريخ الحديث.
تجربتي الإنسانية تعذبني دائماً، أخافها، أجيد الكتابة عن الآخرين، لكن عني صعب جداً، عندما مات ابني الشاب عام 95، توقع البعض أني سأكتب عن ذلك، لكنني لم أفعل، فقد عشت معذباً لفترة طويلة، مندهشاً لأن الناس لم تتغير، بينما تغير كل شيء فيّ، يحرضني البعض لكي أكتب سيرة ذاتية، فلا أعدهم بشيء، فكيف سأحكي عن موت أمي في طفولتي فجأة، وعن معاناتي بسبب موتها، وعن أحداث قاسية مررت بها. كان صديقي محمود قاسم يقابلني كل يوم – قبل أن ينتقل إلى القاهرة - ويعرف التفاصيل الصغيرة لعلاقة لي مع زميلة في العمل، ما زال محمود مندهشاً، كيف لم أكتبها حتى الآن.
- منير عتيبة: النص يكتب ذاته
عملية الإبداع معقدة للغاية، يتحكم فيها الوعي بمقدار واللاوعي بمقدار آخر، ففي مرحلة التحضير للعمل يكون الوعي هو المسيطر، وكذلك في مرحلة المراجعة قبل الدفع بالعمل للنشر، لكن في مرحلة الكتابة نفسها يكون للاوعي دور كبير، حيث يفاجأ الكاتب نفسه بالكثير مما يكتبه ولم يكن مخططاً له، البعض يظن هذا نتيجة «الإلهام»، لكني لا أؤمن بالإلهام بالمعنى الرومانسي القديم، وفي الوقت ذاته لا أنكر أن النص يكتب ذاته؛ لذلك أرى الكاتب الذي تشغله الكتابة بجدية يحرص على أن يمتلئ لا وعيه بكل ما يخدم كتابته، بالقراءة والمشاهدة والسماع والمناقشة والملاحظة والتفكير والشعور، وغيرها من العناصر. من الصعب تحديد أو وصف كيفية بناء النص الأدبي؛ لأن كل نص هو حالة مستقلة بظروفها الخاصة وظروف الكاتب عند كتابتها، مثلاً أنا كتبت رواية «أسد القفقاس» في أقل من شهر بعد عملية بحث تاريخي لمدة ستة أشهر، في حين كتبت رواية «موجيتوس» في خمس سنوات، بل إن لي قصة لا تتجاوز ثلاث صفحات كتبتها في ثلاث سنوات.
أحرص على أن تظل الفكرة في ذهني أطول مدة ممكنة قبل الشروع في الكتابة، ثم أتركها تكتب نفسها على الورق من دون تدخل مني ولا قيود. وغالباً ما يشغلني «كيف» أعرض الفكرة بقدر ربما يفوق «ماذا» سأقول من خلالها؛ لأني أؤمن أن الكيفية هي التي تحدد جودة العمل، وأن العمل الجيدة قادر على توصيل الكثير من الأفكار التي يمكن ألا تخطر ببال الكاتب ذاته؛ لذلك أحرص قدر الإمكان أن يكون بناء العمل مناسباً لفكرته، وأن يقدم شكلاً مختلفاً إن لم يكن جديداً أو مدهشاً في كل مرة. العلوم الإنسانية وبالأساس علم الاجتماع وعلم النفس والفلسفة والتاريخ، إضافة إلى الأدب الشعبي والتصوف، وعلم الإدارة كلها مؤثرات عميقة جداً في شخصيتي وفي إبداعي، فهذه العلوم تمنح المعرفة بالذات وبالإنسان عبر التاريخ وعبر الحكايات وعبر علاقاته النفسية والمجتمعية، وهي معرفة ضرورية لمن يكتب أدباً، فالأدب بالأساس هو محاولة لمعرفة أكثر عن الإنسان.
- صفاء النجار: العالم بصفته إشكالية
يحاول الروائي في إبداعه احتواء العالم الخارجي في إطاره العام وتفصيلاته الصغيرة، أو تقديم عالم تخيلي موازٍ له قوانينه وآلياته. وفي الحالتين ينتقي أحداثاً وشخوصاً تتفاعل مع هذا العالم للوصول إلى رؤية معينة. وقد كرست الكتابة الجديدة لمفاهيم التجريب، وتشابك الواقع والحل، وتداخل الأزمنة، وكسر النمطية، وتفتيت الشخوص والأحداث»، فالكاتب يمارس تجربته ولا يعرف هويتها اﻷخيرة، ولا يستطيع أن يتنبأ بنهايتها، المهم أن يكون قادراً على تقديم عالم روائي متماسك فنياً.
عندما أبدأ في بناء عالم روائي، أحاول أولاً تحديد قوانينه العامة والقواعد التي تحكمه وطبيعة العلاقات بين شخوصه، ومدى توافق أو تنافر هذه الشخوص مع القواعد العامة للعالم، وأطرح في ذهني أسئلة عن تأثير هذا العالم على شخوصه، وما يترتب عليه من تحالفات وصراعات. وفي سياق الخبرة، أشير هنا إلى مصطلح «العلوم الإنسانية» إلى كل ما يتعلق بالأنشطة البشرية مثل علوم التاريخ، اللغات، الفلسفة، الاجتماع، الإعلام والاتصال، وكلها تستهدف توسيع وتنوير معرفة الإنسان بوجوده، وعلاقته بالكائنات والأنظمة الأخرى، وتطوير الأعمال الفنية للحفاظ على التعبير عن الفكر الإنساني. وما يميز العلوم الإنسانية عن العلوم البحتة والتطبيقية هو قدرتها على التشكيك والمساءلة وهز وتقويض المسلمات الاجتماعية والسياسية والدينية، حيث تنزع عنها السلطة والقداسة. وعندما تكون لدى الكاتب مرجعية إنسانية فهو يقدم في أعماله تساؤلات ويطرح إشكاليات مجتمعية وتاريخية أكثر مما يقدم إجابات وأطروحات جاهزة للعالم. وهذا يفيد القارئ ويجعله شريكاً في العملية الإبداعية وليس مجرد متلقٍ سلبي للنص.



مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
TT

مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)

أعلن رئيس وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» جاريد آيزكمان، السبت، أن إطلاق مهمة «أرتيميس 2» لن يكون ممكناً في مارس (آذار)، بسبب مشكلات تقنية في الصاروخ الذي سينقل رواداً في رحلة حول القمر للمرة الأولى منذ أكثر من 50 عاماً.

وأوضح آيزكمان أن فرق «ناسا» رصدت هذه المشكلات ليلاً، وهي عبارة عن خلل في تدفق الهيليوم في إحدى طبقات الصاروخ.

وأشار في منشور عبر منصة «إكس» إلى أن الأعطال التي تسببت في ذلك، «أيّاً كانت»، ستجبر الوكالة على إعادة الصاروخ إلى مبنى التجميع «ما سيجعل نافذة الإطلاق المقررة في مارس مستبعدة».

وسبق للوكالة أن أعلنت أنها تخطط لإطلاق المهمة اعتباراً من 6 مارس، بعدما أجرت للصاروخ اختباراً شاملاً في ظروف حقيقية بدا للوهلة الأولى ناجحاً.

شعار وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» (رويترز)

لكنّ إدارة الوكالة أوضحت أن المهندسين سيحتاجون إلى أيام عدة لتحليل البيانات المتعلقة بهذا الاختبار، وأن من الضروري إجراء مناورات أخرى وعمليات تَحقُّق.

وستكون هذه المهمة التي تنطلق من قاعدة كاب كانافيرال في ولاية فلوريدا وتستمر نحو عشرة أيام أول رحلة مأهولة حول القمر منذ أكثر من 50 عاماً.

وكانت «ناسا» حددت خمس نوافذ إطلاق ممكنة في مارس، وأعلنت أيضاً ست فترات محتملة أخرى للإطلاق في أبريل.


اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
TT

اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)

بعد يومين من الجدل المصاحب لنشر شهادات نسائية عبر حسابات موثّقة على «فيسبوك» ضد مؤلف مسلسل «فخر الدلتا»، قررت الشركة المنتجة للمسلسل حذف اسم المؤلف «مؤقتاً» من شارة العمل.

ومنذ بدء عرض المسلسل، الذي يقوم ببطولته «اليوتيوبر» أحمد رمزي في تجربته الدرامية الأولى، تحدثت فتاة عن تعرضها للتحرش من المؤلف خلال عملهما معاً قبل سنوات عدة، مشيرة إلى أنه حاول لاحقاً الاعتذار عما بدر منه، لكنها لم تقبل اعتذاره.

ورافق هذه الشهادة عدد من التدوينات الأخرى كتبتها فتيات عملن مع المؤلف الشاب في أماكن عمل سابقة، غير أن أيّاً منهن لم تعلن لجوءها إلى القضاء أو تقديم بلاغات رسمية ضده. كما تضمنت الشهادات تعليقات من فتيات أخريات تحدثن عن تعرضهن لوقائع مماثلة، في حين التزم المؤلف الصمت، وأغلق حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأصدرت الشركة المنتجة للمسلسل بياناً، الجمعة، أكدت فيه اطلاعها على التدوينات المنشورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أنها، مع أخذ الاتهامات على محمل الجد، قررت إزالة اسمه من شارة العمل «مؤقتاً» لحين التحقق من صحة ما يُتداول، واتخاذ الإجراءات المناسبة بناءً على ما تسفر عنه نتائج التحقيق.

فريق عمل المسلسل (الملصق الترويجي للعمل - الشركة المنتجة)

المسلسل، الذي يشارك في بطولته انتصار وكمال أبو رية، إلى جانب أحمد عصام السيد، ويخرجه هادي بسيوني، تدور أحداثه في إطار اجتماعي حول شاب يعيش في دلتا مصر، وينتقل إلى القاهرة لتحقيق حلمه بالعمل في مجال الإعلانات. ويتكوّن العمل من 30 حلقة، ولا يزال تصويره جارياً.

وعدّ الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين قرار الشركة المنتجة «مخالفاً لقاعدة أساسية في القانون، وهي أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، معتبراً أن الإجراء جاء استباقياً قبل التحقيق في الوقائع المذكورة. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «رد الفعل اتخذ طابع الاستجابة الإعلامية لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي بهدف تجنب دعوات مقاطعة مشاهدة العمل».

وتابع أن «حذف اسم المؤلف من شارة العمل لا يعد الإجراء المناسب في مثل هذه الحالات لعدة أسباب، في مقدمتها أن العمل من تأليفه، وحقه الأدبي يقتضي نسبته إليه. أما الاتهامات التي يواجهها، ففي حال ثبوتها يجب أن تتم محاسبته قانونياً عبر تحقيقات رسمية، وليس عبر إصدار أحكام مسبقة من مواقع التواصل دون جهات تحقيق مستقلة».

ويرى الناقد الفني خالد محمود الرأي نفسه؛ إذ أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «بيان الشركة يعكس استجابة لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً أن المسلسل يمثل التجربة الدرامية الأولى لبطله، وبالتالي هناك مساعٍ لتجنب أي عثرات قد تؤثر في متابعة العمل، الذي تكلف مالياً، ولا يزال يُعرض في بداية السباق الرمضاني».

ووصف مسألة حذف الاسم بأنها «تصرف غير مبرر» و«لا يتناسب مع طبيعة الاتهامات التي يواجهها، والتي يُفترض أن تكون محل نظر أقسام الشرطة وتحقيقات النيابة»، على حد تعبيره، مستبعداً عدول الشركة عن قرارها أو الإعلان عن نتائج التحقيقات قريباً، في ظل أن جهة الإنتاج ليست مسؤولة أساساً عن التحقيق في وقائع حدثت قبل التعاقد مع المؤلف، ومع أشخاص لا تربطها بهم أي صلة.


دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
TT

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ، مشيرة إلى أن الفكرة راودتها منذ أكثر من خمسة أعوام، لكنها اعتادت أن تكتب أكثر من سيناريو في الوقت نفسه، ثم تترك لكل مشروع فرصته في النضج، إلى أن تتوافر ظروف إنتاجية مناسبة.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها في البداية كانت تتصور أن الفيلم سيُنفَّذ سريعاً، إلا أن مسألة التمويل لم تكن سهلة، فتأجل المشروع أكثر من مرة، وتغير المنتجون، وتداخلت انشغالاتها بين التلفزيون والسينما، مشيرة إلى أنها قدمت خلال تلك الفترة أعمالاً مختلفة، من بينها مشاريع تلفزيونية بميزانيات كبيرة، لكنها لم تتخلَّ عن حلم إنجاز هذا الفيلم، الذي ظل بالنسبة إليها مشروعاً شخصياً وإنسانياً في المقام الأول.

عرض الفيلم في افتتاح برنامج البانوراما بالمهرجان (إدارة برلين السينمائي)

وعرض الفيلم للمرة الأولى في افتتاح برنامج «البانوراما» ضمن فعاليات النسخة 76 من مهرجان «برلين السينمائي الدولي» في دورته الـ76 وهو من بطولة الفنانة الفلسطينية هيام عباس والممثل السوداني أمين بن رشيد، وتدور أحداثه حول قصة حب تجمع بين أرملة فلسطينية وشاب سوداني يجتمعان في بيروت، ويواجهان مشاكل كثيرة في حياتهما.

ميزانية ضعيفة

تقول المخرجة اللبنانية إن «التحول الحقيقي لخروج الفيلم للنور حدث عندما عُرض عليها تنفيذ الفيلم بميزانية متواضعة لا تتجاوز 600 أو 700 ألف يورو، وهو رقم ضئيل بمعايير الإنتاج الأوروبي»، مشيرة إلى أن «البعض ربما يرى في ذلك عائقاً، لكنها رأت فيه فرصة للحرية، لأن ضعف الميزانية يعني غياب الضغط التجاري، وعدم الخضوع لمنطق شباك التذاكر، فالسينما، بالنسبة إليها، ليست سباق أرقام، بل مساحة بحث وتجريب، بجانب خبرتها السابقة في إنجاز أعمال بميزانية ضخمة وأخرى بميزانيات محدودة».

وأوضحت أن ميلها إلى التجريب يعود إلى اشتغالها في مجال «الفيديو آرت»، حيث اعتادت التفكير بالصورة بوصفها مادة قابلة لإعادة الاكتشاف، مشيرة إلى أن ما كان يشغلها في «لمن يجرؤ» لم يكن الموضوع وحده، بل الطريقة التي يمكن أن تُروى بها الحكاية، وكيف يمكن تحويل الظروف الصعبة إلى خيار جمالي مختلف.

عربيد تقول إن العنصرية باتت ظاهرة عالمية (إدارة مهرجان برلين)

وأضافت أن «الفيلم كان من المقرر تصويره في لبنان، لكن التصعيد العسكري واندلاع الحرب غيّرا كل الخطط، وجعلها تشعر بخوف حقيقي على البلد، وعلى العائلة والأصدقاء، لكنها في الوقت نفسه أحست بمسؤولية تجاه المكان»، لافتة إلى أن «الفكرة لم تعد مجرد إنجاز فيلم، بل توثيق صورة لبنان قبل أن تتغير أو تختفي، ولذلك رفضت اقتراحات تصوير العمل في فرنسا بديكورات تحاكي بيروت.

وأوضحت أنها قررت إرسال فريق تصوير إلى لبنان لتوثيق الشوارع والبيوت خالية من الناس، ثم أعادت تركيب هذه الصور داخل استوديو قرب باريس باستخدام تقنية الإسقاط الخلفي، مع جعل الممثلين يؤدون أدوارهم أمام هذه الصور، في مساحة محدودة لا تتجاوز بضعة أمتار، بينما توحي الصورة بأنهم يتحركون في شوارع بيروت أو داخل منازلها، مؤكدة أن هذا الحل لم يكن مجرد بديل تقني، بل أصبح جزءاً من هوية الفيلم، ومن إحساسه بالتوتر والانتظار.

تألق هيام عباس

وتوقفت عربيد عند علاقتها ببطلة العمل الممثلة الفلسطينية هيام عباس، مشيرة إلى أن تعاونهما يعود إلى أواخر التسعينات في فيلمها القصير الأول، قبل أن تتباعد مساراتهما المهنية، مؤكدة أن فكرة العمل مجدداً مع عباس ظلت تراودها، لأنها ترى فيها ممثلة ذات حساسية عالية وقدرة كبيرة على التعبير بالصمت بقدر التعبير بالكلمات.

وأضافت أن شخصية «سوزان» في الفيلم احتاجت إلى ممثلة تستطيع نقل المشاعر عبر نظرة أو ارتجافة بسيطة في الوجه، وهو ما وجدته في هيام عباس، لافتة إلى «أن العلاقة بين بطلي الفيلم تقوم على تناقض واضح، سواء في الخلفية الاجتماعية أو الثقافية، لكنها رأت في هذا التناقض جوهر الحكاية».

المخرجة اللبنانية دانيال عربيد (إدارة مهرجان برلين)

وأوضحت أن الفكرة مستوحاة جزئياً من أعمال سينمائية قديمة تناولت علاقة بين شخصين مختلفين جذرياً، لكنها أعادت صياغتها في سياق معاصر، بحيث يصبح التباين مدخلاً لفهم إنساني أعمق.

وعن اختيار أمين بن الرشيد، قالت إنها تعرّفت إليه عبر اختبارات أداء قبل سنوات، ورأت فيه صدقاً وحضوراً يناسبان الدور وأجرت بروفات مكثفة جمعته مع هيام عباس، لاختبار الكيمياء بينهما، لأن الثقة التي نشأت داخل فريق العمل كانت عنصراً أساسياً في نجاح التجربة، خصوصاً أن التصوير تم في ظروف غير تقليدية.

وأكدت عربيد أن الفيلم، وإن بدا للبعض نقداً للمجتمع اللبناني، فإنه في جوهره يتناول مسألة أوسع تتعلق بالعنصرية والخوف من الآخر، بالإضافة إلى أن العنصرية ليست حكراً على بلد بعينه، بل هي ظاهرة عالمية، مشيرة إلى أنها تعيش بين لبنان وفرنسا، وهذه الحركة بين البلدين تمنحها مسافة تأمل تسمح لها بطرح الأسئلة من دون الانحياز الكامل إلى جهة واحدة.