الهزيمة الثانية في إسطنبول... مأزق يهدد إردوغان وحزبه

«صفعة عثمانية» طالب أنصاره بتوجيهها للمعارضة وارتدّت إليه

الهزيمة الثانية في إسطنبول... مأزق يهدد إردوغان وحزبه
TT

الهزيمة الثانية في إسطنبول... مأزق يهدد إردوغان وحزبه

الهزيمة الثانية في إسطنبول... مأزق يهدد إردوغان وحزبه

وضعت الحرب على رئاسة بلدية إسطنبول الكبرى أوزارها... وكتب الناخبون لها نهاية مثيرة، على الرغم من أنها كانت متوقعة، كما أوحى بها سياق وترتيب الأحداث منذ الجولة الأولى للانتخابات المحلية التركية التي أجريت في 31 مارس (آذار) الماضي. يومذاك، انتهت «المعركة» بفوز بفارق ضئيل لصالح مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو يقترب من 14 ألف صوت. إلا أن هذه النتيجة لم تعجب الرئيس رجب طيب إردوغان وقادة حزبه الحاكم (العدالة والتنمية)، فترجموا اعتراضهم إلى ضغوط وحملة تشكيك أفضت، في النهاية، إلى انتزاع قرار من اللجنة العليا للانتخابات بإعادة الاقتراع على منصب رئيس البلدية فقط.
وكأن إردوغان وحزبه أرادوا خسارة بفارق يؤكد لهم أن الشعب التركي ما زال ينبض بالحياة، وأنه كما رفعهم من قبل عندما ارتدوا ثوب المظلوم، كان قادراً على أن يقول لهم «توقّفوا» عندما ارتأى أنهم يستخفون بإرادته.
يعود الفوز الساحق الذي حققه أكرم إمام أوغلو، مرشح حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض، في جولة الإعادة على رئاسة بلدية إسطنبول، يوم الأحد الماضي، إلى جملة من الأسباب. بيد أن السبب الأهم هو أن الناخبين الأتراك أرادوا أن يعبّروا عن رفضهم السطو على إرادتهم والاستهانة بها، من خلال قرار للجنة العليا للانتخابات لم يروا فيه إلا استعلاءً على إرادتهم وسلباً لها... فكان ردهم بتوسيع الفارق إلى نحو 800 ألف صوت بين إمام أوغلو ومرشح حزب العدالة والتنمية رئيس الوزراء السابق بن علي يلدريم. وإذا بـ«الصفعة العثمانية»، التي طالب إردوغان أنصار حزبه بتوجيهها إلى المعارضة في انتخابات الأحد الماضي ترتد إليه قوية مزلزلة بنتيجة لم تحدث في تاريخ الانتخابات المحلية بإسطنبول منذ إعلان الجمهورية التركية عام 1923.
فاز إمام أوغلو بنتيجة كاسحة، محققاً نسبة 54.2 في المائة مقابل 44.9 في المائة لمنافسه... وهي نتيجة قيل إنها تطوي صفحة انتخابات إسطنبول – كبرى مدن تركيا – التي تحوّلت إلى «ماراثون» شاق استمر لأكثر من 6 أشهر. لكن الحقيقة أنها فتحت صفحة جديدة في تاريخ السياسة التركية، كما عبّرت عن ذلك المعارضة وجموع المراقبين خارج تركيا.

فوز نادر
لم تخرج رئاسة بلدية إسطنبول منذ عودة الديمقراطية إلى تركيا في عهد الرئيس الراحل تورغوت أوزال في تسعينات القرن الماضي عن سيطرة أحزاب الإسلام السياسي. إذ تناوبت هذه الأحزاب على حكمها منذ عام 1994، عندما تولى الرئيس الحالي رجب طيب إردوغان هذا المنصب مترشحاً عن حزب الرفاه الإسلامي، بزعامة نجم الدين أربكان، الذي جرى حله لاحقاً.
وبعد ظهور حزب العدالة والتنمية على الساحة السياسية احتفظ هذا الحزب ببلدية إسطنبول إلى أن فقدها لصالح المعارضة يوم الأحد الماضي. والواضح أن هذا الأمر حصل بعدما وصل الناخبون إلى قناعة بأن البلاد، وليس إسطنبول فحسب في حاجة إلى «دم جديد». وأن إمام أوغلو نجح في التقاط هذه الرغبة وتقديم نفسه على أنه الأمل الذي يبحث عنه الناس للخروج من سلسلة الأزمات التي هزت تركيا في السنوات الأخيرة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، على الرغم من كونه مرشحاً لمنصب رئيس بلدية... وليس منصب رئيس الجمهورية.
قابل شعار «كل شيء سيكون جميلاً جداً»، الذي أطلقه إمام أوغلو في جولة الإعادة شغف الشارع إلى التغيير. كذلك ساعده استخدامه لغة تصالحية تقوم على احتضان الجميع وتستبعد لغة الاستقطاب والقومية والاستعلاء... التي باتت لغة النخبة الحاكمة في العدالة والتنمية، يتقدمهم رئيس الحزب رئيس الجمهورية رجب طيب إردوغان. وحقاً، وصفت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية فوز أكرم إمام أوغلو برئاسة بلدية إسطنبول للمرة الثانية بأنه «توبيخ مذهل» لإردوغان، مضيفة أن «إرغام إردوغان اللجنة العليا للانتخابات على إلغاء نتيجة الانتخابات التي أجريت مارس الماضي اتُخذ بشكل صادم وأثار غضب سكان المدينة». وتابعت، أن الخسارة الثانية فاقمت الضرر السياسي الذي لحق بإردوغان، وأن إخفاق الرئيس في الفوز بالمدينة يعبّر عن الوضع الذي وصل إليه حكمه الذي استعاض عن التكنوقراطيين وشركائه السياسيين بأفراد عائلته والمتملقين.

إخلاص للديمقراطية
من ناحية ثانية، عد عدد كبير من المراقبين نتيجة انتخاب الإعادة على رئاسة بلدية إسطنبول دليلاً على الإخلاص العميق الذي يكنّه الشعب التركي للديمقراطية. لكنهم رأوا أنها لا يمكن اعتبارها حتى الآن انتصاراً كاملاً للمعارضة، على الرغم من أنها قد تكون «بداية انهيار» حزب إردوغان.
من هذا المنطلق، لا يمكن اعتبار السبب الحقيقي لنتائج انتخابات الإعادة هو مشاعر أهالي إسطنبول تجاه إمام أوغلو، الذي نجح في الوصول إلى كل ركن في المدينة ليذكرهم بإردوغان في بداياته السياسية الأولى انطلاقاً من إسطنبول، بل قرار اللجنة العليا للانتخابات بإعادة الاقتراع... الذي أثار سخط كثرة من سكان المدينة غاضبين للغاية ودفع بعضهم إلى تغيير اتجاه تصويتهم.
هذا، ورغم وجود الكثير من أوجه القصور في تجربة تركيا الديمقراطية، مثل: غياب استقلال القضاء، وضعف المجتمع المدني، وتدجين وسائل الإعلام لتكون صوتاً في أغلبها للحزب الحاكم، وتنامي الانتهازية في جوانبها بسبب بحث غالبية العاملين فيها عن المصلحة الذاتية وتحاشي الصدام مع السلطة، يظلّ إيمان الأتراك بفكرة صندوق الاقتراع وأخذه على محمل الجد دائماً هو الوجه الناصع لهذه التجربة. ولذا؛ يمكن اعتبار نتيجة انتخابات الإعادة في إسطنبول، بشكل أساسي، عقوبة على محاولة تجاوز صندوق الاقتراع.
حتى داخل حزب العدالة والتنمية، كانت هذه الفكرة حاضرة بقوة من جانب قيادات الحزب التاريخية البارزة ومؤسسيه، مثل الرئيس السابق عبد الله غل، ورئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو، اللذين شجبا قرار اللجنة العليا للانتخابات، في خطوة أظهرت بذور الشقاق بين الرفاق في حزب العدالة والتنمية. ومعلوم أنه في الأنظمة الديمقراطية الراسخة، يجري الترحيب بمثل هذا النقد الذاتي بين الأعضاء في الحزب الواحد وينظر إليه على أنه أمر طبيعي وحيوي، لكن في نظام تركيا الذي يحكمه حزب العدالة والتنمية يعد هذا النقد أشبه بالانقلاب أو التمرّد، على رئيس الحزب الذي حرص طوال مسيرته منذ عام 2001 وحتى الآن على إظهاره بمظهر الحزب المتماسك.
وهذه المشكلة ليست قاصرة على حزب العدالة والتنمية، فحسب، بل هي أيضاً مشكلة كل أحزاب تركيا، حيث لا يمكن التسامح مع نقد الأوضاع في الحزب أو تجاوز سلطة الرئيس، وهنا يكون الحل الطبيعي الخروج وتشكيل حزب جديد أو الانضمام إلى حزب منافس.

تشرذم حزب إردوغان
لعل من الأسباب التي لم ينتبه إليها كثيرون، والتي قد تحمل إجابة عن السؤال المُلحّ حول الزيادة الكبيرة في فارق الأصوات بين أكرم إمام أوغلو وبن علي يلدريم غير غضب الناخبين من محاولات سرقة إرادتهم، ذلك التشرذم في حزب العدالة والتنمية الحاكم نفسه. فهذا الحزب يفتقد رموز الوحدة منذ جولة الانتخابات المحلية الأولى في 31 مارس الماضي، حين خسر الحزب الحاكم وشريكه في «تحالف الشعب»، حزب «الحركة القومية»، الانتخابات في 4 من أكبر مدن البلاد بينها إسطنبول وأنقرة.
وبعدها، انخرطت الأوساط السياسية والإعلامية داخل تركيا وخارجها في تحليل الجدل الدائر بين إردوغان وغل وداود أوغلو، ولا سيما، سعي الأخيرين إلى تأسيس حزبين سياسيين جديدين سيكونان منافسين بالطبع لحزبهما الأصلي. وتردد أن عبد الله غل سيشكل حزبه بالتعاون مع علي باباجان، نائب رئيس الوزراء السابق، الذي نُسب إليه ما تحقق من نجاحات اقتصادية في المراحل الأولى لحزب العدالة والتنمية.
عند هذه النقطة استشعر إردوغان خطر بوادر الانقسامات الخطيرة التي بدأت تظهر بالفعل على الحزب الحاكم. وتجسّد ذلك في خطابه الاسترضائي بعد الانتخابات المحلية. إلا أن قرار إلغاء انتخابات بلدية إسطنبول نسف كل الفرص، وقد يكون الثمن الفادح الذي سيدفعه إردوغان قريباً – كما يرى بعض المحللين – هو تفكك حزبه إلى 3 أحزاب. إذ باتت المقولة الأكثر رواجاً في تركيا الآن، وخارجها أيضاً، أن إسطنبول التي دفعت بإردوغان إلى القمة هي التي ستنزله منها.

تماسك المعارضة
في المقابل، من أهم الأسباب لما تحقق في إسطنبول هو تماسك المعارضة وحفاظها على بنية «تحالف الأمة» بين حزبي الشعب الجمهوري و«الجيد»، ونجاح التحالف في جذب الأحزاب الأخرى وفي مقدمتها حزب الشعوب الديمقراطي (مؤيد للأكراد). فالملاحظ أن معظم الأكراد الذين يعيشون في إسطنبول اختاروا التصويت لصالح المعارضة، ليس لأن المعارضة كانت تعنى بهم، بل لأنهم فقدوا كل آمالهم في حزب العدالة والتنمية.
وللعلم، حاول إردوغان خلال الأيام التي سبقت انتخابات بلدية إسطنبول تشتيت أصوات الأكراد، وكسب تأييد قسم منهم. وعمل على الاستعانة بطريقة غير مباشرة بالزعيم الكردي عبد الله أوجلان - المعتقل في سجن إيمرالي مدى الحياة، منذ عام 1999، ونقل رسالة على لسانه من قبل أكاديمي كردي زاره في سجنه، وطلب من أنصاره التزام الحياد في الانتخابات. وتحدث إردوغان شخصياً، وكذلك وسائل إعلام رسمية عن رسالة مزعومة وجهها الزعيم التاريخي لحزب العمال الكردستاني، أوجلان، من سجنه داعياً فيها أنصار حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد، إلى الحياد.
لكن الحزب ندّد بـ«مناورة تقوم بها السلطات وتهدف إلى تقسيم الناخبين». ودعا، كما فعل في مارس الماضي، إلى التصويت لإمام أوغلو، واستجاب الناخبون الأكراد لدعوة الرئيس المشارك لحزب الشعوب الديمقراطي - السجين أيضاً - بالتصويت لمرشح المعارضة.
وبالتالي، أكد الأكراد في إسطنبول أنهم الرقم الصعب في الانتخابات التركية، وأنهم لا ينخدعون بمناورات السياسيين، كما ضربوا مثلاً ديمقراطياً مهماً على قدرتهم على الاختيار، من دون السماح باللعب على وتر ما يوصف بأنه تقديس لأقوال وآراء أوجلان.
وحقاً، من النتائج المهمة التي تمخّضت عنها الانتخابات في إسطنبول هي أن المعارضة التركية برهنت على قدرتها على القفز فوق انقساماتها وحشد قواها في الوقت المناسب من أجل تحقيق أهدافها. واستطاعت من خلال حشد أنصارها وتنظيم لاحتفالات جماهيرية واسعة في شوارع إسطنبول إظهار الإمكانات الكبيرة التي تتمتع بها. وأنها كما كسبت إسطنبول فإنها يمكن أن تكسب تركيا كلها... وهذا ما عبّرت عنه رئيسة حزب «الجيّد» ميرال أكشنار عندما قالت عقب الانتخابات في إسطنبول إن نتيجة انتخابات إسطنبول «تشكل صفحة جديدة في تركيا وإنه لا شيء سيعود إلى ما كان عليه من قبل».

البحث عن مخرج في خضم المشاكل
> رويداً رويداً تقترب تركيا من مشاكل ضخمة قد تتسبب في اضطرابات اقتصادية وسياسية واسعة. فهناك الكثير من المشاكل العاجلة كالعقوبات الأميركية المحتملة بسبب شراء الصواريخ الروسية «إس - 400»، والصراع على الموارد الطبيعية لشرق البحر المتوسط، وملف سوريا، والاضطراب الإقليمي على مستوى الشرق الأوسط، والعلاقة المتوترة مع الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى تدهور الوضع الاقتصادي لتركيا الذي يتأثر بشدة بهذه القضايا.
صحيح أنه بعث إردوغان برسالة تصالحية عقب الهزيمة الثانية في إسطنبول عبر «تويتر» قال فيها، بعد تهنئته لإمام أوغلو: «سنواصل معالجة جميع قضايا تركيا الداخلية والخارجية بعناية». وبدا واضحاً أن إردوغان يسعى عقب الهزيمة القاسية في إسطنبول، إلى تحويل الأنظار إلى قضايا السياسة الخارجية من خلال الحديث عن رحلة حاسمة سيقوم بها إلى آسيا قريباً، تشمل زيارة الصين بعد «قمة مجموعة العشرين» في اليابان، تعقبها جولة أوروبية.
ولكن السؤال الذي يشغل الساحة السياسية في تركيا حالياً هو ما إذا كان إردوغان سيواصل أسلوبه القديم في التعامل مع المشاكل من خلال إجراء تغييرات شكلية في حزبه وحكومته... أم سيحاول أن يوضح للأتراك أنه تلقى الدروس واستوعبها؟
والأهم من ذلك، هل سيكون قادراً على تحديد مهمة جديدة لحزبه... أم سيفقد السيطرة وينهار الحزب؟
يجمع المراقبون على أن رفض إردوغان الاعتراف بالهزيمة في انتخابات إسطنبول الأولى بنهاية مارس يقوّض حكم القانون في وقت يعاني الاقتصاد التركي كثيراً. لقد بدا أن إردوغان لا يأبه كثيراً لما يقال في هذا الموضوع قائلاً: «كما كنا في الماضي، سنظل نعمل نحو تحقيق أهدافنا لعام 2023 من دون تقديم تنازلات بالنسبة للديمقراطية، وحكم القانون، وسلام واستقرار بلادنا تمشياً مع مبادئ تحالف الشعب». وفي هذا إشارة واضحة إلى استمرار التحالف مع حزب «الحركة القومية».
وهو التحالف الذي يحتاج إليه للاحتفاظ بالسلطة حتى الاحتفال عام 2023 بمرور 100 سنة على تأسيس الجمهورية التركية، وهو التحالف نفسه الذي تسبب في خسائر للعدالة والتنمية منها تراجع شعبيته وخسارته للمدن الكبرى.
وبحسب أنتوني سكينر، مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسسة «فيريسك مابلكروفت» لتحليل المخاطر، سيتابع إردوغان عن كثب الشعور السائد في صفوف حزب العدالة والتنمية وحليفه حزب «الحركة القومية»، لكن مساحة المناورة أقل لديه الآن مقارنة بالسنوات الماضية. وأضاف سكينر: «لقد تحول إمام أوغلو إلى قائد وطني ملهم، وسيواجه إردوغان مهمة صعبة لتحييده من دون تحويله إلى شهيد والتسبب عن غير قصد في زيادة شعبيته».

سيناريوهات محتملة بعد نتيجة إسطنبول
> يتداول المحللون الأتراك، ومنهم دنيز زيرك، السيناريوهات المحتملة في تركيا بعد خسارة إسطنبول التي يراها أكثر بكثير من مجرد خسارة السيطرة على أكبر مدن البلاد ومركز الثقل الاقتصادي فيها. فمنصب رئيس بلدية إسطنبول كان نقطة انطلاق مسيرة العمل السياسي لإردوغان، على اعتبار أن خسارة إسطنبول، التي يقطنها نحو خُمس سكان تركيا - الذي يصل إلى 82 مليون نسمة - يضعف أيضاً موقف حزب العدالة والتنمية في الوصول إلى مصدر رئيسي للدعم والتمويل. ووفقاً لبعض التقديرات، فإن المدينة تستوعب رُبع إجمالي الاستثمارات العامة وتمثل ثلث اقتصاد تركيا الذي يبلغ حجمه 748 مليار دولار أميركي.
وطرح زيرك سؤالاً عن احتمالات توجه تركيا إلى انتخابات مبكرة في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة، مشيراً إلى أن «القناعة في حزب العدالة والتنمية أنه لا يزال يسيطر على مفاصل البلاد... وأنه، حتى في إسطنبول، بإمكانه عرقلة إمام أوغلو في إدارة بلدية إسطنبول في ظل أن غالبية أعضاء مجلس البلدية ينتمون إلى العدالة والتنمية». وأشار إلى أن إردوغان، ومعه حليفه دولت بهشلي، رئيس حزب «الحركة القومية»، «يستبعدان خيار الانتخابات المبكرة، ويعتقدان أنه سيكون الأسوأ الآن، ولا سيما أن البلاد مرشحة للاستقرار بعيداً عن الانتخابات لمدة تزيد على 4 سنوات».
في المقابل، رأى زيرك إلى أنه مهمة إمام أوغلو في إسطنبول لن تكون سهلة على الإطلاق، بل أمامه الكثير من العراقيل على الرغم من رسائل التهاني وإبداء الاستعداد للتعاون معه، مشيراً إلى أن هذه «الكلمات والمجاملات الرسمية يمكن أن تتحول إلى العكس بين ليلة وضحاها».
وتتداول الأروقة «سيناريوهات» أخرى حول انحدار حزب العدالة والتنمية إلى مزيد من الضعف والتفكك، وبالتالي، عجز الحكومة عن السيطرة على الوضع الاقتصادي الذي يؤرق المواطنين، والذي قد تنجح الحكومة في استغلاله للدفع باتجاه الانتخابات المبكرة والمطالبة بإلغاء النظام الرئاسي الذي وسّع صلاحيات إردوغان وركّز جميع السلطات في يديه.
وبالفعل، وجَّه كمال كليتشدار أوغلو، رئيس حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، دعوة صريحة إلى الأحزاب السياسية في البلاد للعمل معاً من أجل إلغاء النظام الرئاسي والعودة إلى النظام البرلماني. وقال كليتشدار أوغلو، في كلمة أمام البرلمان الثلاثاء الماضي «علينا العمل معا لإلغاء نظام الرجل الواحد، الذي يكفل للرئيس رجب طيب إردوغان جمع كل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في يده، كي نؤسس نظاماً ديمقراطياً قوياً».
ولفت كليتشدار أوغلو إلى أن سكان إسطنبول جميعاً، وهم 16 مليون شخص، «كتبوا ملحمة ديمقراطية عظيمة في انتخابات رئاسة بلدية المدينة»، ما اعتبر، من جانب المراقبين، دعوة للأحزاب السياسية للبناء على النجاح الذي تحقق في إسطنبول من أجل إنهاء هيمنة إردوغان وحزبه على مقاليد السلطة في البلاد.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.