الهزيمة الثانية في إسطنبول... مأزق يهدد إردوغان وحزبه

«صفعة عثمانية» طالب أنصاره بتوجيهها للمعارضة وارتدّت إليه

الهزيمة الثانية في إسطنبول... مأزق يهدد إردوغان وحزبه
TT

الهزيمة الثانية في إسطنبول... مأزق يهدد إردوغان وحزبه

الهزيمة الثانية في إسطنبول... مأزق يهدد إردوغان وحزبه

وضعت الحرب على رئاسة بلدية إسطنبول الكبرى أوزارها... وكتب الناخبون لها نهاية مثيرة، على الرغم من أنها كانت متوقعة، كما أوحى بها سياق وترتيب الأحداث منذ الجولة الأولى للانتخابات المحلية التركية التي أجريت في 31 مارس (آذار) الماضي. يومذاك، انتهت «المعركة» بفوز بفارق ضئيل لصالح مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو يقترب من 14 ألف صوت. إلا أن هذه النتيجة لم تعجب الرئيس رجب طيب إردوغان وقادة حزبه الحاكم (العدالة والتنمية)، فترجموا اعتراضهم إلى ضغوط وحملة تشكيك أفضت، في النهاية، إلى انتزاع قرار من اللجنة العليا للانتخابات بإعادة الاقتراع على منصب رئيس البلدية فقط.
وكأن إردوغان وحزبه أرادوا خسارة بفارق يؤكد لهم أن الشعب التركي ما زال ينبض بالحياة، وأنه كما رفعهم من قبل عندما ارتدوا ثوب المظلوم، كان قادراً على أن يقول لهم «توقّفوا» عندما ارتأى أنهم يستخفون بإرادته.
يعود الفوز الساحق الذي حققه أكرم إمام أوغلو، مرشح حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض، في جولة الإعادة على رئاسة بلدية إسطنبول، يوم الأحد الماضي، إلى جملة من الأسباب. بيد أن السبب الأهم هو أن الناخبين الأتراك أرادوا أن يعبّروا عن رفضهم السطو على إرادتهم والاستهانة بها، من خلال قرار للجنة العليا للانتخابات لم يروا فيه إلا استعلاءً على إرادتهم وسلباً لها... فكان ردهم بتوسيع الفارق إلى نحو 800 ألف صوت بين إمام أوغلو ومرشح حزب العدالة والتنمية رئيس الوزراء السابق بن علي يلدريم. وإذا بـ«الصفعة العثمانية»، التي طالب إردوغان أنصار حزبه بتوجيهها إلى المعارضة في انتخابات الأحد الماضي ترتد إليه قوية مزلزلة بنتيجة لم تحدث في تاريخ الانتخابات المحلية بإسطنبول منذ إعلان الجمهورية التركية عام 1923.
فاز إمام أوغلو بنتيجة كاسحة، محققاً نسبة 54.2 في المائة مقابل 44.9 في المائة لمنافسه... وهي نتيجة قيل إنها تطوي صفحة انتخابات إسطنبول – كبرى مدن تركيا – التي تحوّلت إلى «ماراثون» شاق استمر لأكثر من 6 أشهر. لكن الحقيقة أنها فتحت صفحة جديدة في تاريخ السياسة التركية، كما عبّرت عن ذلك المعارضة وجموع المراقبين خارج تركيا.

فوز نادر
لم تخرج رئاسة بلدية إسطنبول منذ عودة الديمقراطية إلى تركيا في عهد الرئيس الراحل تورغوت أوزال في تسعينات القرن الماضي عن سيطرة أحزاب الإسلام السياسي. إذ تناوبت هذه الأحزاب على حكمها منذ عام 1994، عندما تولى الرئيس الحالي رجب طيب إردوغان هذا المنصب مترشحاً عن حزب الرفاه الإسلامي، بزعامة نجم الدين أربكان، الذي جرى حله لاحقاً.
وبعد ظهور حزب العدالة والتنمية على الساحة السياسية احتفظ هذا الحزب ببلدية إسطنبول إلى أن فقدها لصالح المعارضة يوم الأحد الماضي. والواضح أن هذا الأمر حصل بعدما وصل الناخبون إلى قناعة بأن البلاد، وليس إسطنبول فحسب في حاجة إلى «دم جديد». وأن إمام أوغلو نجح في التقاط هذه الرغبة وتقديم نفسه على أنه الأمل الذي يبحث عنه الناس للخروج من سلسلة الأزمات التي هزت تركيا في السنوات الأخيرة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، على الرغم من كونه مرشحاً لمنصب رئيس بلدية... وليس منصب رئيس الجمهورية.
قابل شعار «كل شيء سيكون جميلاً جداً»، الذي أطلقه إمام أوغلو في جولة الإعادة شغف الشارع إلى التغيير. كذلك ساعده استخدامه لغة تصالحية تقوم على احتضان الجميع وتستبعد لغة الاستقطاب والقومية والاستعلاء... التي باتت لغة النخبة الحاكمة في العدالة والتنمية، يتقدمهم رئيس الحزب رئيس الجمهورية رجب طيب إردوغان. وحقاً، وصفت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية فوز أكرم إمام أوغلو برئاسة بلدية إسطنبول للمرة الثانية بأنه «توبيخ مذهل» لإردوغان، مضيفة أن «إرغام إردوغان اللجنة العليا للانتخابات على إلغاء نتيجة الانتخابات التي أجريت مارس الماضي اتُخذ بشكل صادم وأثار غضب سكان المدينة». وتابعت، أن الخسارة الثانية فاقمت الضرر السياسي الذي لحق بإردوغان، وأن إخفاق الرئيس في الفوز بالمدينة يعبّر عن الوضع الذي وصل إليه حكمه الذي استعاض عن التكنوقراطيين وشركائه السياسيين بأفراد عائلته والمتملقين.

إخلاص للديمقراطية
من ناحية ثانية، عد عدد كبير من المراقبين نتيجة انتخاب الإعادة على رئاسة بلدية إسطنبول دليلاً على الإخلاص العميق الذي يكنّه الشعب التركي للديمقراطية. لكنهم رأوا أنها لا يمكن اعتبارها حتى الآن انتصاراً كاملاً للمعارضة، على الرغم من أنها قد تكون «بداية انهيار» حزب إردوغان.
من هذا المنطلق، لا يمكن اعتبار السبب الحقيقي لنتائج انتخابات الإعادة هو مشاعر أهالي إسطنبول تجاه إمام أوغلو، الذي نجح في الوصول إلى كل ركن في المدينة ليذكرهم بإردوغان في بداياته السياسية الأولى انطلاقاً من إسطنبول، بل قرار اللجنة العليا للانتخابات بإعادة الاقتراع... الذي أثار سخط كثرة من سكان المدينة غاضبين للغاية ودفع بعضهم إلى تغيير اتجاه تصويتهم.
هذا، ورغم وجود الكثير من أوجه القصور في تجربة تركيا الديمقراطية، مثل: غياب استقلال القضاء، وضعف المجتمع المدني، وتدجين وسائل الإعلام لتكون صوتاً في أغلبها للحزب الحاكم، وتنامي الانتهازية في جوانبها بسبب بحث غالبية العاملين فيها عن المصلحة الذاتية وتحاشي الصدام مع السلطة، يظلّ إيمان الأتراك بفكرة صندوق الاقتراع وأخذه على محمل الجد دائماً هو الوجه الناصع لهذه التجربة. ولذا؛ يمكن اعتبار نتيجة انتخابات الإعادة في إسطنبول، بشكل أساسي، عقوبة على محاولة تجاوز صندوق الاقتراع.
حتى داخل حزب العدالة والتنمية، كانت هذه الفكرة حاضرة بقوة من جانب قيادات الحزب التاريخية البارزة ومؤسسيه، مثل الرئيس السابق عبد الله غل، ورئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو، اللذين شجبا قرار اللجنة العليا للانتخابات، في خطوة أظهرت بذور الشقاق بين الرفاق في حزب العدالة والتنمية. ومعلوم أنه في الأنظمة الديمقراطية الراسخة، يجري الترحيب بمثل هذا النقد الذاتي بين الأعضاء في الحزب الواحد وينظر إليه على أنه أمر طبيعي وحيوي، لكن في نظام تركيا الذي يحكمه حزب العدالة والتنمية يعد هذا النقد أشبه بالانقلاب أو التمرّد، على رئيس الحزب الذي حرص طوال مسيرته منذ عام 2001 وحتى الآن على إظهاره بمظهر الحزب المتماسك.
وهذه المشكلة ليست قاصرة على حزب العدالة والتنمية، فحسب، بل هي أيضاً مشكلة كل أحزاب تركيا، حيث لا يمكن التسامح مع نقد الأوضاع في الحزب أو تجاوز سلطة الرئيس، وهنا يكون الحل الطبيعي الخروج وتشكيل حزب جديد أو الانضمام إلى حزب منافس.

تشرذم حزب إردوغان
لعل من الأسباب التي لم ينتبه إليها كثيرون، والتي قد تحمل إجابة عن السؤال المُلحّ حول الزيادة الكبيرة في فارق الأصوات بين أكرم إمام أوغلو وبن علي يلدريم غير غضب الناخبين من محاولات سرقة إرادتهم، ذلك التشرذم في حزب العدالة والتنمية الحاكم نفسه. فهذا الحزب يفتقد رموز الوحدة منذ جولة الانتخابات المحلية الأولى في 31 مارس الماضي، حين خسر الحزب الحاكم وشريكه في «تحالف الشعب»، حزب «الحركة القومية»، الانتخابات في 4 من أكبر مدن البلاد بينها إسطنبول وأنقرة.
وبعدها، انخرطت الأوساط السياسية والإعلامية داخل تركيا وخارجها في تحليل الجدل الدائر بين إردوغان وغل وداود أوغلو، ولا سيما، سعي الأخيرين إلى تأسيس حزبين سياسيين جديدين سيكونان منافسين بالطبع لحزبهما الأصلي. وتردد أن عبد الله غل سيشكل حزبه بالتعاون مع علي باباجان، نائب رئيس الوزراء السابق، الذي نُسب إليه ما تحقق من نجاحات اقتصادية في المراحل الأولى لحزب العدالة والتنمية.
عند هذه النقطة استشعر إردوغان خطر بوادر الانقسامات الخطيرة التي بدأت تظهر بالفعل على الحزب الحاكم. وتجسّد ذلك في خطابه الاسترضائي بعد الانتخابات المحلية. إلا أن قرار إلغاء انتخابات بلدية إسطنبول نسف كل الفرص، وقد يكون الثمن الفادح الذي سيدفعه إردوغان قريباً – كما يرى بعض المحللين – هو تفكك حزبه إلى 3 أحزاب. إذ باتت المقولة الأكثر رواجاً في تركيا الآن، وخارجها أيضاً، أن إسطنبول التي دفعت بإردوغان إلى القمة هي التي ستنزله منها.

تماسك المعارضة
في المقابل، من أهم الأسباب لما تحقق في إسطنبول هو تماسك المعارضة وحفاظها على بنية «تحالف الأمة» بين حزبي الشعب الجمهوري و«الجيد»، ونجاح التحالف في جذب الأحزاب الأخرى وفي مقدمتها حزب الشعوب الديمقراطي (مؤيد للأكراد). فالملاحظ أن معظم الأكراد الذين يعيشون في إسطنبول اختاروا التصويت لصالح المعارضة، ليس لأن المعارضة كانت تعنى بهم، بل لأنهم فقدوا كل آمالهم في حزب العدالة والتنمية.
وللعلم، حاول إردوغان خلال الأيام التي سبقت انتخابات بلدية إسطنبول تشتيت أصوات الأكراد، وكسب تأييد قسم منهم. وعمل على الاستعانة بطريقة غير مباشرة بالزعيم الكردي عبد الله أوجلان - المعتقل في سجن إيمرالي مدى الحياة، منذ عام 1999، ونقل رسالة على لسانه من قبل أكاديمي كردي زاره في سجنه، وطلب من أنصاره التزام الحياد في الانتخابات. وتحدث إردوغان شخصياً، وكذلك وسائل إعلام رسمية عن رسالة مزعومة وجهها الزعيم التاريخي لحزب العمال الكردستاني، أوجلان، من سجنه داعياً فيها أنصار حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد، إلى الحياد.
لكن الحزب ندّد بـ«مناورة تقوم بها السلطات وتهدف إلى تقسيم الناخبين». ودعا، كما فعل في مارس الماضي، إلى التصويت لإمام أوغلو، واستجاب الناخبون الأكراد لدعوة الرئيس المشارك لحزب الشعوب الديمقراطي - السجين أيضاً - بالتصويت لمرشح المعارضة.
وبالتالي، أكد الأكراد في إسطنبول أنهم الرقم الصعب في الانتخابات التركية، وأنهم لا ينخدعون بمناورات السياسيين، كما ضربوا مثلاً ديمقراطياً مهماً على قدرتهم على الاختيار، من دون السماح باللعب على وتر ما يوصف بأنه تقديس لأقوال وآراء أوجلان.
وحقاً، من النتائج المهمة التي تمخّضت عنها الانتخابات في إسطنبول هي أن المعارضة التركية برهنت على قدرتها على القفز فوق انقساماتها وحشد قواها في الوقت المناسب من أجل تحقيق أهدافها. واستطاعت من خلال حشد أنصارها وتنظيم لاحتفالات جماهيرية واسعة في شوارع إسطنبول إظهار الإمكانات الكبيرة التي تتمتع بها. وأنها كما كسبت إسطنبول فإنها يمكن أن تكسب تركيا كلها... وهذا ما عبّرت عنه رئيسة حزب «الجيّد» ميرال أكشنار عندما قالت عقب الانتخابات في إسطنبول إن نتيجة انتخابات إسطنبول «تشكل صفحة جديدة في تركيا وإنه لا شيء سيعود إلى ما كان عليه من قبل».

البحث عن مخرج في خضم المشاكل
> رويداً رويداً تقترب تركيا من مشاكل ضخمة قد تتسبب في اضطرابات اقتصادية وسياسية واسعة. فهناك الكثير من المشاكل العاجلة كالعقوبات الأميركية المحتملة بسبب شراء الصواريخ الروسية «إس - 400»، والصراع على الموارد الطبيعية لشرق البحر المتوسط، وملف سوريا، والاضطراب الإقليمي على مستوى الشرق الأوسط، والعلاقة المتوترة مع الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى تدهور الوضع الاقتصادي لتركيا الذي يتأثر بشدة بهذه القضايا.
صحيح أنه بعث إردوغان برسالة تصالحية عقب الهزيمة الثانية في إسطنبول عبر «تويتر» قال فيها، بعد تهنئته لإمام أوغلو: «سنواصل معالجة جميع قضايا تركيا الداخلية والخارجية بعناية». وبدا واضحاً أن إردوغان يسعى عقب الهزيمة القاسية في إسطنبول، إلى تحويل الأنظار إلى قضايا السياسة الخارجية من خلال الحديث عن رحلة حاسمة سيقوم بها إلى آسيا قريباً، تشمل زيارة الصين بعد «قمة مجموعة العشرين» في اليابان، تعقبها جولة أوروبية.
ولكن السؤال الذي يشغل الساحة السياسية في تركيا حالياً هو ما إذا كان إردوغان سيواصل أسلوبه القديم في التعامل مع المشاكل من خلال إجراء تغييرات شكلية في حزبه وحكومته... أم سيحاول أن يوضح للأتراك أنه تلقى الدروس واستوعبها؟
والأهم من ذلك، هل سيكون قادراً على تحديد مهمة جديدة لحزبه... أم سيفقد السيطرة وينهار الحزب؟
يجمع المراقبون على أن رفض إردوغان الاعتراف بالهزيمة في انتخابات إسطنبول الأولى بنهاية مارس يقوّض حكم القانون في وقت يعاني الاقتصاد التركي كثيراً. لقد بدا أن إردوغان لا يأبه كثيراً لما يقال في هذا الموضوع قائلاً: «كما كنا في الماضي، سنظل نعمل نحو تحقيق أهدافنا لعام 2023 من دون تقديم تنازلات بالنسبة للديمقراطية، وحكم القانون، وسلام واستقرار بلادنا تمشياً مع مبادئ تحالف الشعب». وفي هذا إشارة واضحة إلى استمرار التحالف مع حزب «الحركة القومية».
وهو التحالف الذي يحتاج إليه للاحتفاظ بالسلطة حتى الاحتفال عام 2023 بمرور 100 سنة على تأسيس الجمهورية التركية، وهو التحالف نفسه الذي تسبب في خسائر للعدالة والتنمية منها تراجع شعبيته وخسارته للمدن الكبرى.
وبحسب أنتوني سكينر، مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسسة «فيريسك مابلكروفت» لتحليل المخاطر، سيتابع إردوغان عن كثب الشعور السائد في صفوف حزب العدالة والتنمية وحليفه حزب «الحركة القومية»، لكن مساحة المناورة أقل لديه الآن مقارنة بالسنوات الماضية. وأضاف سكينر: «لقد تحول إمام أوغلو إلى قائد وطني ملهم، وسيواجه إردوغان مهمة صعبة لتحييده من دون تحويله إلى شهيد والتسبب عن غير قصد في زيادة شعبيته».

سيناريوهات محتملة بعد نتيجة إسطنبول
> يتداول المحللون الأتراك، ومنهم دنيز زيرك، السيناريوهات المحتملة في تركيا بعد خسارة إسطنبول التي يراها أكثر بكثير من مجرد خسارة السيطرة على أكبر مدن البلاد ومركز الثقل الاقتصادي فيها. فمنصب رئيس بلدية إسطنبول كان نقطة انطلاق مسيرة العمل السياسي لإردوغان، على اعتبار أن خسارة إسطنبول، التي يقطنها نحو خُمس سكان تركيا - الذي يصل إلى 82 مليون نسمة - يضعف أيضاً موقف حزب العدالة والتنمية في الوصول إلى مصدر رئيسي للدعم والتمويل. ووفقاً لبعض التقديرات، فإن المدينة تستوعب رُبع إجمالي الاستثمارات العامة وتمثل ثلث اقتصاد تركيا الذي يبلغ حجمه 748 مليار دولار أميركي.
وطرح زيرك سؤالاً عن احتمالات توجه تركيا إلى انتخابات مبكرة في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة، مشيراً إلى أن «القناعة في حزب العدالة والتنمية أنه لا يزال يسيطر على مفاصل البلاد... وأنه، حتى في إسطنبول، بإمكانه عرقلة إمام أوغلو في إدارة بلدية إسطنبول في ظل أن غالبية أعضاء مجلس البلدية ينتمون إلى العدالة والتنمية». وأشار إلى أن إردوغان، ومعه حليفه دولت بهشلي، رئيس حزب «الحركة القومية»، «يستبعدان خيار الانتخابات المبكرة، ويعتقدان أنه سيكون الأسوأ الآن، ولا سيما أن البلاد مرشحة للاستقرار بعيداً عن الانتخابات لمدة تزيد على 4 سنوات».
في المقابل، رأى زيرك إلى أنه مهمة إمام أوغلو في إسطنبول لن تكون سهلة على الإطلاق، بل أمامه الكثير من العراقيل على الرغم من رسائل التهاني وإبداء الاستعداد للتعاون معه، مشيراً إلى أن هذه «الكلمات والمجاملات الرسمية يمكن أن تتحول إلى العكس بين ليلة وضحاها».
وتتداول الأروقة «سيناريوهات» أخرى حول انحدار حزب العدالة والتنمية إلى مزيد من الضعف والتفكك، وبالتالي، عجز الحكومة عن السيطرة على الوضع الاقتصادي الذي يؤرق المواطنين، والذي قد تنجح الحكومة في استغلاله للدفع باتجاه الانتخابات المبكرة والمطالبة بإلغاء النظام الرئاسي الذي وسّع صلاحيات إردوغان وركّز جميع السلطات في يديه.
وبالفعل، وجَّه كمال كليتشدار أوغلو، رئيس حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، دعوة صريحة إلى الأحزاب السياسية في البلاد للعمل معاً من أجل إلغاء النظام الرئاسي والعودة إلى النظام البرلماني. وقال كليتشدار أوغلو، في كلمة أمام البرلمان الثلاثاء الماضي «علينا العمل معا لإلغاء نظام الرجل الواحد، الذي يكفل للرئيس رجب طيب إردوغان جمع كل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في يده، كي نؤسس نظاماً ديمقراطياً قوياً».
ولفت كليتشدار أوغلو إلى أن سكان إسطنبول جميعاً، وهم 16 مليون شخص، «كتبوا ملحمة ديمقراطية عظيمة في انتخابات رئاسة بلدية المدينة»، ما اعتبر، من جانب المراقبين، دعوة للأحزاب السياسية للبناء على النجاح الذي تحقق في إسطنبول من أجل إنهاء هيمنة إردوغان وحزبه على مقاليد السلطة في البلاد.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.