منتدى أصيلة يناقش «عبء الديمقراطية الثقيل» في العالم

سميرة رجب خلال منتدى أصيلة (الشرق الأوسط)
سميرة رجب خلال منتدى أصيلة (الشرق الأوسط)
TT

منتدى أصيلة يناقش «عبء الديمقراطية الثقيل» في العالم

سميرة رجب خلال منتدى أصيلة (الشرق الأوسط)
سميرة رجب خلال منتدى أصيلة (الشرق الأوسط)

بعنوان مثير ومستفز: «عبء الديمقراطية الثقيل، أين الخلاص؟»، تناوب أكثر من 20 باحثاً وخبيراً من القارات الأربع، جلهم وزراء خارجية سابقون ودبلوماسيون، على الحديث خلال الندوة الافتتاحية لجامعة المعتمد بن عباد الموازية لمنتدى أصيلة الـ41.
وعلى مدى يومين شرح المشاركون أزمة الديمقراطية، سواء في مهدها بأوروبا وأميركا، أم في محاولات الانتقال الديمقراطي المتنوعة بالبلدان النامية في أفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية، وقدموا اقتراحات لتجاوز الأزمة شكّلت موضوع نقاش ساخن وسط الجمهور المشارك والذي ضم مسؤولين ومثقفين ومفكرين من مختلف أنحاء العالم.
وقالت سميرة رجب، المبعوثة الخاصة للديوان الملكي في البحرين، ووزيرة الإعلام السابقة، إن الديمقراطية الليبرالية أصبحت تترنح تحت مظاهر انعدام العدالة والمساواة والتفاوتات الاجتماعية في مجتمعات الدول الغربية نفسها، والتي أنتجت الديمقراطية ونظّرت لها، مشيرة إلى أنه في المنطقة العربية فإن الديمقراطية تبدو كعبء ثقيل بسبب الإصرار على محاولة فرضها من الخارج على بيئة مختلفة تماماً عن البيئة التي أفرزتها. وقالت رجب: «نحن نضحك على أنفسنا عندما نقول إننا نمارس الديمقراطية في مجتمعاتنا، أو إننا بدأنا في التحول نحو الديمقراطية. بل هناك من يقول إننا وصلنا إلى مراحل متقدمة من الديمقراطية في بعض المجتمعات العربية». وأضافت «من وجهة نظري، الديمقراطية عبارة عن آيديولوجية سياسية واقتصادية أوروبية، ارتبطت نشأتها في أوروبا بصراعات سياسية واجتماعية وسياقات تاريخية وثقافية وسياسية خاصة، ولا يمكننا كعرب أن نلبس هذا الرداء الوافد علينا لأنه ليس على مقاسنا».
وأوضحت أنها ليست ضد الديمقراطية كقيم كونية ومبادئ عامة، ولكنها ضد فرض تفسير معين للديمقراطية ووجهة نظر خاصة. وأضافت أن حكم الشعب للشعب ليس هدف الديمقراطية، بل هو أداة من أدواتها.
أما نبيل فهمي، وزير خارجية مصر سابقاً، فرأى أن «الديمقراطية تتعرض لتحديات ومشاكل في مختلف دول العالم بصرف النظر عن آليات تطبيقها ودرجة الديمقراطية الموجودة». وأشار إلى أن الآلية الديمقراطية في الدول الصناعية الكبرى مكنت في السنوات الماضية من انتخاب شخصيات غير تقليدية ومثيرة للجدل، إضافة إلى تنامي التيارات الشعبوية واليمينية المتطرفة في غرب أوروبا. وأضاف أن هذا التطور يعكس «أنه حتى في الأنظمة الديمقراطية هناك شعور لدى جزء مهم من المجتمع أنه غير ممثل بالشكل المطلوب، وبالتالي فإنه حتى في الأنظمة الديمقراطية هناك غضبة شعبية وشعور بعدم نجاح المنظومة الديمقراطية في تمثيلهم».
ورأى دانييل ميتوف، وزير خارجية بلغاريا الأسبق، أن الديمقراطية تعني وضع قواعد لتأطير ممارسة السلطة وعدم تركها للسلوكيات الغريزية للإنسان، وبالتالي وضع حدود لتركيز السلطة والثروة وإخضاعها للرغبات الفردية. وقال إن مكافحة الفساد في الانتخابات يجب أن تكون في صلب الآلية الديمقراطية.
بدوره، قال صالح القلاب، وزير الإعلام الأردني الأسبق إن «الديمقراطية الموجودة في الكثير من الدول الغربية لا تعبر عن إرادة الشعوب الأوروبية أو الغربية بصفة عامة» بسبب تحكم المال في الانتخابات. وأضاف أن الكثير من السياسيين ينفقون الملايين من أجل الوصول إلى سدة الرئاسة. كما أشار إلى تراجع الأحزاب وانحسارها. وبخصوص المنطقة العربية، قال القلاب إن الربيع العربي ولّد في البداية تفاؤلاً بإمكانية الاستجابة لمطالب الشعوب العربية، غير أن المظاهرات السلمية واجهت في بعض البلدان قمعا شديدا، ما أدى إلى تعريض شعوب للمذابح وتمزيق بلدان، الشيء الذي أفسح المجال لتدخل قوى خارجية.
وركز شبلي تلحمي، أستاذ كرسي أنور السادات بجامعة ماريلاند الأميركية، على الارتباط الوثيق بين الديمقراطية الليبرالية والرأسمالية، مشيراً إلى أن سبب ما تعانيه الديمقراطية اليوم ناتج عن أزمة الرأسمالية نتيجة هول الفجوة الاجتماعية المتزايدة بين الفقراء والأغنياء. وقال إن الشباب الأميركي يواجه اليوم المصير الغامض والطريق المسدودة مع نهاية الحلم الأميركي، وضغط تمويل الانتخابات التي تحولت إلى مزاد، وابتعاد النخبة عن السكان. أما كوا حسن، من مكتب الشرق والغرب في بروكسل، فرأى أن الأفكار السياسية الكبيرة انتهت مع نهاية الحرب الباردة، ولم تتبلور بعدها أفكار لتوحيد الصفوف حول إشكاليات مثل الفقر وتغير المناخ والعدالة الاجتماعية ومحاربة الإرهاب.
أما ماريا أوجينا بريزويلا دي أفيلا، وزيرة العلاقات الدولية السابقة بالسلفادور، فركزت في تدخلها على الجانب المتعلق بالمرأة وإشراكها باعتباره مؤشراً للديمقراطية. وأوضحت أن 20 دولة فقط وصلت فيها حصة النساء في البرلمان إلى 30 في المائة، معتبرة أن تمكين المرأة في مجال العدالة وحقوق الإنسان يعد من أهم تحديات المجتمعات الديمقراطية.
من جانبه، قال إريك ديريك، قاض بالمحكمة الدستورية البلجيكية، ووزير خارجية سابق، إن الإحساس الذي عبر عنه البعض بأن الديمقراطية مهددة وعلى وشك الانهيار في أوروبا، إحساس خاطئ. وأشار إلى أن نسبة المشاركة في الانتخابات الأخيرة للبرلمان الأوروبي كانت مرتفعة أكثر من الدورات السابقة.
ورغم كل التعثرات والاختلالات تبقى الديمقراطية هي النظام الأفضل بالنسبة لحسين شعبان، نائب رئيس «أونور» جامعة اللاعنف وحقوق الإنسان في بيروت، لكنها بحاجة إلى تطوير والاستجابة لحاجيات الناس. وقال شعبان: «لا توجد ديمقراطية بلا مشاكل. فالديمقراطية هي إدارة المشاكل وحلها في إطار إدارة التنوع بين الناس والدولة والمجتمع، وبين المجتمع والسلطة السياسية».
أما الباحث الموريتاني ومنسق الندوة، عبد الله ولد باه، فرأى أن نشوة تمدد الديمقراطية بعد انتهاء الحرب الباردة تركت مكانها للقلق حول أزمة الديمقراطية ومأزقها، ليس فقط في الساحات التي تعرف انتقالاً ديمقراطياً متعثرا، ولكن في مهدها بالدول الغربية. وقال: «نحن أمام رهانين، الأول هو هذا الانفصام المتزايد بين الجانب المعياري القيمي في الديمقراطية المتعلق بالمنظومة الليبرالية، والجانب الإجرائي المسطري في الديمقراطية الذي هو جانب الانتخابات وجانب المنافسة السياسية المقنن. أما الانفصام الثاني فهو بين شكل التنظيم السياسي الذي بلوره الفكر الديمقراطي وأعني الأحزاب السياسية والمؤسسات الدستورية الحاضنة للتعددية، ومن جهة أخرى أشكال النظام الاجتماعي القائم».

ورأى برنار مومبي، وزير خارجية تنزانيا السابق، أن مشكلة الانتقال الديمقراطي في أفريقيا ناتجة عن سيطرة المنظومات العسكرية على السلطة، إما بشكل مباشر وإما عبر خلق كيانات مدنية تتحكم من خلالها على دواليب السلطة. غير أنه تساءل عن جدوى الديمقراطية إذا كانت نسبة السكان التي تصوت على الرئيس ضئيلة جداً.
بدوره تساءل السفير مصطفى نعمان، وكيل وزارة الخارجية اليمنية الأسبق، عن مصدر الديمقراطية في المنطقة العربية: «هل جاءت كحاجة داخلية أم للحصول على رضا المجتمع الدولي والحصول على مساعدات؟».
ولفت الباحث المصري محمد مصطفى كمال إلى أن سياق التطورات التكنولوجية أصبح يفرض مراجعة الديمقراطية النيابية وأخذ الديمقراطية الرقمية بالاعتبار، لأن المواطن أصبح يشعر أنه لا يحتاج من يمثله وأن بإمكانه الوصول مباشرة إلى التعبير عن نفسه المشاركة في صنع القرار.
وفي السياق ذاته، شدد خورخي أباركا ديل كاربيو، سفير البيرو السابق في الرباط، على القول إن على الديمقراطية أن تتكيف مع المستجدات التي تعرفها المجتمعات.
ورأى تاج الدين الحسيني، الباحث المغربي في العلاقات الدولية، أن «الديمقراطية باعتبارها حكم الشعب بالشعب للشعب، تعني أن الشعب يحكم نفسه، ليس بصورة مباشرة ولكن من خلال ممثلين عنه، وأن على هؤلاء الممثلين ألا يتجاوزوا صلاحياتهم وأن يمارسوا الحكم لمصلحة أولئك الذين قاموا باختيارهم».



هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

أعلنت نقابة «الموسيقيين» المصرية في بيان صحافي، الخميس، تحسن الحالة الصحية للفنان هاني شاكر خلال الأيام الماضية بعد تلقيه رعاية طبية دقيقة على يد أطباء مختصين، فيما يستعد لاستكمال علاجه في فرنسا.

وقالت النقابة إن «شاكر سيتوجه خلال الساعات المقبلة إلى فرنسا لاستكمال بعض الفحوصات الطبية، والاطمئنان بشكل كامل على حالته الصحية، وذلك وفقاً لتوصيات الفريق الطبي المعالج».

وخلال الساعات القليلة الماضية انتشرت شائعات تفيد بوفاة هاني شاكر، وجاء اسمه ضمن قائمة الأكثر بحثاً على موقع «غوغل»، الخميس في مصر، بعدما كتب عدد من المشاهير في الوسط الفني بمصر خبر الوفاة على حساباتهم بالسوشيال ميديا، ومعاودة حذفه ونفيه فيما بعد.

ونفى حساب يحمل اسم «أعضاء نقابه المهن الموسيقية المصرية»، على موقع «فيسبوك»، خبر وفاة هاني شاكر، وكتب: «لا صحة على الإطلاق لما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن وفاة الفنان هاني شاكر، وأنه ما زال على قيد الحياة ويتلقى العلاج حالياً»، مضيفاً: «نرجو من الجميع تحري الدقة قبل نشر أو تداول أي أخبار غير مؤكدة، وعدم الانسياق وراء الشائعات».

وبدوره، أكد الشاعر الغنائي والناقد الموسيقى المصري فوزي إبراهيم أن «هاني شاكر بخير وحالته الصحية في تحسن مستمر»، موضحاً أن «مسألة سفره للاستشفاء والنقاهة وليس للعلاج»، حسب تأكيد الفنانة نادية مصطفى.

تحسن حالة هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

واستنكر فوزي إبراهيم، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، «الأخبار المغلوطة والشائعات السيئة التي انتشرت عنه»، معرباً عن أسفه لما يتم تداوله، وعدم احترام رغبة أسرته في عدم الكلام وسط انشغالهم بحالته.

وتساءل فوزي إبراهيم: «هل من الطبيعي أن تصدر الأسرة بيانات صحافية تخصه وسط انشغالهم بحالته الصحية؟، لذلك لا بد أن يحترم الناس رغبتهم، وعدم الانسياق وراء ما يتردد، طالما لم يتم نشر أي بيانات رسمية من قبلهم».

مصدر مقرب من الفنان هاني شاكر أوضح أن «حالته في تحسن مستمر، بعد تعرضه لإجهاد شديد نتيجة إجراء عملية وقف نزيف القولون»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «سفره لفرنسا سيكون خلال يومين».

وفي السياق، ردت الفنانة نادية مصطفى عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، على ما يتم تداوله من شائعات تفيد بأن سفر هاني شاكر للخارج كان بسبب فشل الأطباء في علاجه داخل مصر، مؤكدة أنها «تواصلت مع زوجته السيدة نهلة، التي نفت هذه الأخبار».

وحسب منشور نادية مصطفى، فقد وصفت زوجة هاني شاكر، «ما قام به الأطباء المصريون بأنه (معجزة طبية)؛ نظراً لخطورة الحالة، كما وجهت الشكر لوزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، ولكل الأطباء القائمين على علاجه، وللعاملين بالمستشفى على ما بذلوه من جهد ورعاية فائقة».

وأوضحت زوجة هاني شاكر أن «قرار السفر للخارج جاء لاستكمال مرحلة الاستشفاء والعلاج والنقاهة، بعد تحسن حالته الصحية».

شاكر يستعد للسفر إلى فرنسا لاستكمال رحلة العلاج (حسابه على موقع فيسبوك)

وكان هاني شاكر قد أجرى قبل أيام جراحة لاستئصال جزء من القولون بعد إصابته بنزيف حاد، وقام بزيارته بالمستشفى وزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، كما طمأنت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، في بيان رسمي قبل أيام، الجمهور على صحته، مؤكدة أنه «قيمة فنية كبيرة تمثل جزءاً من تاريخ الغناء المصري الأصيل، وأن حضوره وإبداعه أثريا المشهد الفني المصري وألهما أجيالاً من الفنانين والموسيقيين».

بدأ هاني شاكر، والملقب بـ«أمير الغناء العربي»، مسيرته الفنية مطلع سبعينات القرن الماضي، وقدم بعض التجارب التمثيلية السينمائية في بداية مشواره من بينها فيلما «عايشين للحب»، و«هذا أحبه وهذا أريده»، كما أصدر هاني شاكر خلال مشواره الذي تعدى الـ50 عاماً أغنيات وألبومات غنائية عدة، وشارك في حفلات غنائية بالداخل والخارج، كما شغل منصب «نقيب الموسيقيين»، في مصر.


فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
TT

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

لم تستطع الحرب المشتعلة على أرض لبنان وجواره إسكات المسحراتي في مناطق لبنانية عدّة. فهو لا يزال يتنقل بين الأحياء موقظاً الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، ويحافظ بذلك على موروث ثقافي يضفي البهجة، إذ يجوب الشوارع منادياً سكانها بأسمائهم. كما ينشد المسحراتي أهازيج دينية؛ «يا أهل الله قوموا تسحروا»، أو «يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة». أما عبارته المشهورة «يا نايم وحِّد الدايم» فينتظر سماعها الكبار كما الصغار. ينهضون من أسرّتهم عائلات وأفراداً للتجمّع حول مائدة السحور وتأدية صلاة الفجر.

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية.

وكما في مدينتَي طرابلس وبيروت، فإن صيدا وجوارها تتمسّك بهذه الرمزية للشهر الكريم. صحيح أنّ قلة لا يزالون يمارسون هذه المهنة، وإنما بعضهم يحافظ على تأديتها منذ عشرات السنوات. بعضهم ورثها أباً عن جدّ، وبعضهم الآخر رأى فيها أسلوب عبادة من نوع آخر. فمن خلالها يخدم القوم ويحضّهم على ممارسة تقاليد ثقافية ودينية كي لا تؤول إلى زوال.

يرافقه فريق من العازفين والمنشدين في جولاته (محمد الغزاوي)

ويشير المسحراتي محمد الغزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ رمضان هذه السنة حمل تحدّيات كثيرة. ويوضح: «بدأتُ في ممارسة عملي كما في كلّ موسم بهدوء وسكينة. ولكن اندلاع الحرب بدَّل في وجهاتنا زملائي وأنا. لم تعد جولاتنا تقتصر على زيارة أحياء معيّنة، بل توسَّعت لتشمل مراكز إيواء في صيدا وجوارها».

ويخبر بأنّ هذه المراكز تطلبه بالاسم لكونه من أقدم المسحراتية في المنطقة، إذ يحبّ الجميع صوته ويُعجَبون بأسلوبه في إنشاد الأهازيج.

ويتابع: «ثمة نحو 10 مراكز إيواء نعمل على تلبية طلبات النازحين إليها، نزورهم ونبلسم جراحهم كي لا يشعروا بالغربة. وفي مناطق أخرى اضطررنا إلى إضافة أحياء جديدة نتجوّل فيها نظراً إلى اتساع رقعة السكان في أرجاء المدينة».

يمارس محمد مهنته على الأصول، يرافقه بعض العازفين على الطبل والرق لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الصائمين. وفي ظلّ ارتفاع سعر الوقود، آثر القيام بجولاته سيراً: «أضطر أحياناً للمشي كيلومترات. في الماضي القريب كنتُ أقود سيارتي وأركنها في أقرب مكان من الحيّ الذي أنوي زيارته. كبرت أعداد البيوت والسكان وما عدتُ قادراً على زيارة 5 أحياء مشياً مرّة واحدة. حالياً عدتُ إلى التجوّل بين هذه الأحياء سيراً، وأستخدم زواريب وطرقاً نسمّيها (قادومية) لاختصار المسافات بينها. كما أنّ سنّي لم تعد تسمح بقطع مسافات طويلة. لذلك أستخدم اليوم دراجتي النارية للقيام بجولاتي الطويلة».

يسير في الشوارع والأزقة منادياً «يا نايم وحّد الدايم» (محمد الغزاوي)

ويؤكد أنه لا يزال ينادي سكان الأحياء التي يزورها بأسمائهم: «أتوقف عند كلّ عمارة ومنزل منادياً السكان، فأنا أعرفهم جميعاً. وفي حال مصادفتي بيوتاً يسكنها أناس جدد آخذ على عاتقي التعرُّف إليهم لأضيفهم إلى لائحتي. والجميل أنّ السكان يستيقظون ويلوّحون لي من شرفات منازلهم تفاعلاً معي».

وعن سبب ممارسته هذه المهنة، يجيب: «في أحد الأيام، سمعتُ أحد المسحراتية يطرق على التنك لإيقاظ المؤمنين. استفزني الموضوع لأن التنك لا يليق بقيمة الشهر الكريم. تقدّمت إلى دار الأوقاف في صيدا وطلبت ترخيصاً يسمح لي بممارسة المهنة. وعندما سألوني مستفسرين عن الأسباب التي تدفعني للقيام بهذه المهمّة شرحت لهم وجهة نظري، مؤكداً أنني أرغب في ممارستها على الأصول وبما يرضي رب العالمين».


المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» ضمن المسابقة الرسمية لم تأتِ من لحظة إلهام واحدة، أو من مشروع مخطط له مسبقاً، بل تشكلت تدريجياً عبر سنوات من التفكير والتجارب الشخصية، فالبداية الحقيقية كانت بعد مشاركته في جنازة والده في غينيا بيساو، وهي تجربة وصفها بأنها كانت مؤثرة وعميقة إلى درجة أنه شعر بأن فيها مادة إنسانية تستحق أن تتحول إلى فيلم، حتى لو لم يكن يعرف آنذاك الشكل الذي يمكن أن يأخذه هذا المشروع.

وأضاف غوميز لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الفكرة ظلت لفترة طويلة مجرد إحساس أو رغبة مبهمة في تحويل تجربة شخصية إلى عمل سينمائي، قبل أن تتضح معالمها لاحقاً، فبعد فترة من الزمن حضر حفل زفاف داخل محيطه العائلي، وهناك بدأ يرى العلاقة الخفية بين طقوس الفرح وطقوس الفقدان؛ لأن الجمع بين هذين الحدثين منحه الإطار الدرامي الذي كان يبحث عنه، لكونهما يمثلان لحظتين حاسمتين في حياة أي عائلة.

جنازة في غينيا بيساو

وأشار إلى أن الفيلم يتنقل بين زفاف يقام في فرنسا ومراسم جنازة تقام في قرية بغينيا بيساو، وهذا الانتقال بين مكانين مختلفين يعكس حركة دائرية للحياة؛ لأن الفكرة بالنسبة له كانت أن يرى المشاهد كيف تتجاور النهاية والبداية في اللحظة نفسها، وكيف يمكن للموت أن يفتح باباً للتفكير في المستقبل بقدر ما يستدعي الماضي بكل ما يحمله من ذكريات.

المخرج السنغالي - الفرنسي آلين غوميز (الشركة المنتجة)

وأوضح أن العمل يتناول أيضاً تجربة أبناء المهاجرين الذين نشأوا بعيداً عن أوطان آبائهم، فكثيراً من هؤلاء يصلون إلى مرحلة من العمر يصبحون فيها مسؤولين عن نقل تاريخ العائلة إلى الجيل التالي، رغم أنهم في الواقع لا يعرفون الكثير عن ذلك التاريخ، وهذا الانقطاع في المعرفة يخلق شعوراً غامضاً بالنقص؛ لأن هناك دائماً قصصاً ناقصة أو مفقودة داخل الذاكرة العائلية.

ولفت غوميز إلى أن «كثيراً من تلك القصص بقي غير مروي؛ لأن الأحداث المرتبطة بها كانت مؤلمة أو صادمة، خصوصاً تلك التي تعود إلى فترات الاستعمار أو الحروب أو الهجرة القسرية، فبعض الآباء يختارون الصمت بدافع حماية أبنائهم من الألم، لكن هذا الصمت قد يترك فراغاً في فهم الأجيال الجديدة لهويتها، وهو ما حاول الفيلم الاقتراب منه بطريقة إنسانية هادئة».

ويؤكد المخرج أن فكرة «الانتقال» أو «التوريث» كانت حاضرة بقوة أثناء العمل على الفيلم، لكنه لم يكن يقصد بها فقط نقل التقاليد أو العادات، بل نقل التجارب والذاكرة أيضاً، موضحاً أن العائلات غالباً ما تعيد اكتشاف نفسها في اللحظات التي تجتمع فيها، مثل حفلات الزفاف أو الجنازات، حيث يظهر بوضوح كيف يرتبط الماضي بالحاضر، وكيف تتشكل القرارات التي ستؤثر في المستقبل.

وأوضح أن تلك المناسبات العائلية تكشف أيضاً مرور الزمن بطريقة لا يمكن تجاهلها؛ لأن الأطفال الذين كانوا صغاراً يصبحون شباباً، في حين يختفي الكبار الذين كانوا يمثلون ذاكرة العائلة، مؤكداً أن رحيل هؤلاء يعني في كثير من الأحيان ضياع جزء من القصص التي لم تُحكَ بعد، وهو ما يجعل الجيل التالي مسؤولاً عن محاولة استعادة ما يمكن استعادته من تلك الذاكرة.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

ووفق غوميز، فإن الفيلم يحمل أيضاً تحية إلى جيل كامل من المهاجرين الذين اضطروا إلى بدء حياتهم من الصفر في بلدان جديدة، فهؤلاء الأشخاص لم يكن لديهم نموذج واضح يحتذون به، بل كانوا مضطرين إلى ابتكار طرقهم الخاصة للعيش والتعبير عن أنفسهم داخل مجتمعات مختلفة، وهو ما جعل تجربتهم مليئة بالصعوبات، لكنها أيضاً مليئة بالإبداع.

الحياة في المهجر

وأضاف أن هذا الجيل تمكن رغم كل التحديات من بناء حياة جديدة لأبنائه، وهو ما يستحق التقدير والاعتراف، فهناك شعور عميق بالفخر تجاه هؤلاء الأشخاص الذين استطاعوا تحويل تجربة الهجرة الصعبة إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل، وهو ما حاول الفيلم أن يعكسه من خلال قصص شخصياته.

وأشار غوميز إلى أن أحد أهدافه الأساسية كان تقديم صورة مختلفة عن المجتمعات الأفريقية وأبناء الشتات الأفريقي؛ لأن السينما كثيراً ما قدمت هذه المجتمعات من منظور خارجي، وهو ما أدى إلى ظهور صور نمطية لا تعكس الواقع الحقيقي لحياة الناس؛ لذا أراد من خلال الفيلم أن يمنح الشخصيات فرصة لتقديم نفسها كما تريد أن تُرى.

الفيلم نال إشادات نقدية مع عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأوضح أن هذا الهدف كان حاضراً منذ المراحل الأولى للعمل؛ لأن الفيلم بالنسبة له ليس مجرد قصة تُروى، بل مساحة يمكن للناس من خلالها التعبير عن أنفسهم، معتبراً أن «داو» صُمم ليكون تجربة جماعية؛ إذ يشارك الأشخاص الذين يظهرون فيه في صياغة جزء من المعنى الذي يقدمه الفيلم.

وتحدث غوميز عن عملية اختيار الممثلين، مؤكداً أنها كانت جزءاً أساسياً من بناء الفيلم نفسه، فاللقاءات الأولى مع المشاركين لم تكن اختبارات أداء تقليدية، بل كانت محادثات طويلة ومحاولات للتعرف على الأشخاص بشكل حقيقي؛ لأن الهدف كان بناء علاقة إنسانية بينهم قبل بدء التصوير.