المجلات الثقافية العربية بين الأمس واليوم

المجلات الثقافية العربية بين الأمس واليوم
TT

المجلات الثقافية العربية بين الأمس واليوم

المجلات الثقافية العربية بين الأمس واليوم

طرقتْ د. ربيعة جلطي في مقالِها «تلك المجلات الأدبية المنقرضة»، المنشور في «ثقافية الشرق الأوسط»، يوم الأربعاء 19 يونيو (حزيران) 2019، موضوعة المجلات العربية التي اندثرتْ وأسباب الاندثار، وبعض مظاهر الركود في المشهد الثّقافي العربيّ، وحسناً فعلتْ وأجادتْ، لكنَّ في الموضوع شجوناً أُخرى.
لا خلاف أنّ المجلات الثّقافية مؤشر من مؤشرات رقي المجتمعات وتقدمها، والاهتمام بها يعني الاهتمام بخلق الوعي العام الذي هو دعامة أساس من دعائم التحضر والمدنية. ولهذا يغدو وجودها دليلاً على أنّ الثقافة ليست مكملاً من مكملات الحياة العصرية، إنما هي ركن من الأركان المجتمعية، ينبغي أن يُحسب لها كلُّ الحساب.
وغياب المجلات أو عدم الاهتمام بها يعني انثلامّاً في الكيان الثقافي للمجتمع برمته، لا يمكن سدُّه ولا إصلاحه أو التعويض عنه بأي وسائل أخرى.
وهذا ما تؤكده سوسيولوجيا الثقافة وعلاقتها بالبنيات المجتمعية، التي ترى أنّ المجلات مظهر ثقافي مهم للمجتمع، ومنفذ من منافذ المعرفة التي بها يتقوى الوعي ويصبح أكثر عمقاً وتحصناً، نظراً لما تغرسه في نفوس القراء من رؤى اجتماعية وجمالية وفكرية، تجعل منهم متفاعلين ومنتجين.
ولا غرو أن المجلات الثقافية تستطيع أن تنمي المجتمع سوسيولوجياً واضعة الحلول لمشكلاته، ومشخِّصة عيوبه، ودافعة به نحو الارتقاء والتقدم، وهو ما لا تستطيعه المجلات التي تعكس أرستقراطية الثقافة ومظاهرها البراقة التي لا تهتم بالجمهور القارئ، ولذلك يظلُّ انتشارها محدداً بالنخبة.
وما يعانيه مجتمعنا العربي من الافتقار إلى المجلات الثقافية، له أسبابه، وأغلب تلك الأسباب مادية. علماً بأن الاستثمار الرمزي للثقافة هو الذي يمهد الطريق أمام الاستثمار المادي. وليس هذا القول من قبيل الطوباويات، بل هو أمر تأكد وبات من المسلمات، أدركته المجتمعات المتقدمة، واستوعبت دروسه، فجعلتْ الثقافة في مقدمة أولوياتها حتى صارت ذات شأن حقيقي يضاهي أي شأن من شؤون الحياة المادية العامة، بعكس المجتمعات الفتية والنامية والفقيرة التي ما زالت تتصور أن الثقافة ليست هي الحياة نفسها، والتي غابت عن قواميسها مقولة «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان»، لذا هي سريعة الأزمات، وفي حالة مستمرة من الاصطراع والاحتراب، وضعف الوعي الذي لا سبيل لتقويته ودعمه سوى بالثقافة.
ومن سبل نشر الثقافة الكتب والصحف اليومية والأسبوعية والدوريات المختلفة، لكن المجلات تظل في المقدمة؛ أولاً سرعة انتشارها، وثانياً وجود التنويع الذي يلائم مختلف مستويات القراء وتوجهاتهم وإمكانياتهم المادية، وثالثاً قدرتها على مواكبة التسارع في عالم الفكر، ورابعاً سهولة تسويقها وسرعة انتشارها في مختلف البلدان، وخامساً أن قراءة المجلة لا تتطلب من القارئ وقتاً طويلاً كالذي تتطلبه قراءة الكتاب.
وإذا كان الحال المثالي الذي ينبغي أن تشهده أي حياة عصرية هو صناعة مجتمع واعٍ تترسخ فيه قيم الجمال؛ فإنَّ الواقع الثقافي العربي الراهن يخالف ذلك تماماً للأسف. ليظل الحال المثالي مجرد تطلع يسكن أذهان المثقفين، وما من سبيل إلى تحقيقه، ما دمنا غير واعين لأهمية الثقافة في ترسيخ الوعي الذي به يَصنعُ الإنسان ذاته.
ولو عدنا إلى الواقع الثقافي أبان خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن العشرين، لوجدنا أن المجلات الثقافية كانت فاعلة متوفرة وتصدر بانتظام، وبموضوعات حيوية ومستجدة يكتبها أدباء ومثقفون صاروا فيما بعد من أقطاب الثقافة العربية وروادها. ومثالنا على ذلك مجلات «الأديب» و«الآداب» و«الرسالة» و«الثقافة» و«الفكر المعاصر» و«الهلال» و«الطليعة» و«فصول» و«الثقافة الأجنبية» و«المورد» و«شعر» و«حوار» و«المعرفة». وبعضها ظل محافظاً على مكانته النوعية كمجلة «فصول» و«الفكر المعاصر».
وأغلب هذه المجلات تولى إدارتها ورئاسة تحريرها مثقفون واعون وأدباء مرموقون. والمدهش أن هذه المجلات كانت تصل إلى عواصم المدن العربية في الشهر ذاته، وربما الأسبوع الذي تصدر فيه، ولذلك كان القراء يترقبون صدروها كل شهر. وبسبب الوفرة والانتظام والجدة والاحتراف، حققت هذه المجلات رواجاً كبيراً وسمعة طيبة جعلت الكتّاب يتبارون من أجل الظفر بالنشر فيها لا لشيء سوى إشاعة الثقافة.
ومنذ الثمانينيات أخذنا نشهد تراجعاً تدريجياً في واقع هذه المجلات، فلم تعد تصل إلى كل البلدان، وغابت عنها الوفرة والانتظام باستثناء القليل الذي استطاع أن يظل صامداً أمام عوامل التراجع. وفي العقدين الأخيرين من هذه الألفية أخذ بعض المتبقي من تلك المجلات يصيبه التقشف، وينال منه الركود، فتقلصت الأعداد والأحجام والأبواب، وبعضها غاب عن الصدور، كما حصل مع المجلات العراقية. ورغم ظهور مجلات جديدة رسمية وغير رسمية ورقية وإلكترونية، إلا أنها لم تستطعْ أن تسدَّ فراغ تلك المجلات الرصينة، فضلاً عن أنها لم تسلم أصلاً من التراجع الذي يعتري المشهد الثقافي العربي الراهن.
ولا يخفى أن وراء انتشار المجلات مردوداً مادياً هو بمثابة استثمار ثقافي لرأسمال رمزي، تعضد فاعليته الشبكة العنكبوتية بإمكاناتها التكنولوجية الهائلة التي إذا استثمرتْ بشكل فاعل حققت للمجلات رواجاً عند عموم القراء، ملبية حاجة الطالب والموظف والمتقاعد والشاب والطفل والمرأة.
فلماذا لا نجد مثل هذا الاستثمار الرمزي للثقافة في صورة مجلات ثقافية عربية، تجمع مثقفي الوطن العربي وأدباءه تحت مظلة معرفية واحدة؟ أهو نقصان الموارد الإبداعية والثقافية والمادية، علماً بأننا نشهد كل يوم تأسيس مجلة جامعية جديدة بترقيم دولي وإمكانيات أكاديمية ودعم مؤسساتي؟ وهل سيكون وراء قلة عدد المجلات الورقية وتزايد المجلات الإلكترونية عبء ثقافي سببه عزوف القراء عن متاحات الوسائط المتعددة التي تجعل القارئ ينفر عنها، إما لأنه لا يعرف تكنولوجيتها أو يعرفها ولكن لا يُتقنها؟
أليستْ المجلات تعبيراً عن وحدة عربية في التلقي الثقافي والتفاعل الفكري؟ ومن الذي له المصلحة في أن تنتكس المجلات العربية التي كانت بالأمس نشطة ومميزة؟ وما المانع من أن تسهم المؤسسات الرسمية المعنية بالثقافة والتعليم والمنظمات والهيئات والمراكز الثقافية غير الرسمية في الخروج من هذه الظاهرة، ووضع الحلول وإيجاد سبل حقيقية، بها تنتعش المجلات من جديد ليعود لها بهاؤها الغابر الذي عفت عليه سنون مضت؟
لا أعتقد أنَّ الأسباب سياسية أو فكرية، كما أنها ليست مادية، فلقد صدرت مجلات مصرية في وقت كان فيه هذا البلد يمر بمحنة الحرب العالمية الثانية والتحديات المصيرية التي تلتها. والأمر نفسه مع مجلات في بلدان عربية أخرى.
وإذا لم يكن السبب مادياً ولا سياسياً؛ فإنه بالتأكيد ثقافي ومعضلة المجلات معضلة ثقافية، وكثير من المجلات الموجودة اليوم لا تعنيها مسألة مخاطبة القارئ العربي، واستنهاض وعيه إزاء مشكلاته الثقافية، فضلاً عن عدم وجود خطط منهجية توحد عمليات النشر الورقي والإلكتروني لهذه المجلات، مع انقطاع التواصل بين المجلات الثقافية العامة والمجلات الجامعية المتخصصة.
من هنا يغدو مهماً العمل على إصدار مجلات تُعنى بالثقافة، تعيد للمشهد الثقافي العربي ماضيه المزدهر، وتسترد الحال والمآل الذي كانت عليهما مجلات الأمس العربية، ليكون لها شأنها في واقعنا الثقافي الذي هو بأمس الحاجة إلى مواكبة الجديد في حركة الفكر العالمي.
وليس أمام القارئ الحريص على التثقف الذي يريد أن ينجو من العمى الثقافي، الذي تسببه وسائل التواصل الاجتماعي، ويتحصن من تبعات الإعلام الموجه والمؤدلج، ويقاوم عولمة التكنولوجيا، سوى الارتكان إلى الثقافة النوعية التي تمثلها المجلات المتخصصة التي تحصن الوعي وترصنه، مزيلة حالة اللامبالاة والخدر التي يمر بها القارئ العربي اليوم.
إن ما نريده لمشهدنا الثقافي العربي هو مجلات تسير باتجاه جديد لا تكسبي، وبعلاقات عضوية مع القراء، ليست فيها برجوازية قرائية ولا أرستقراطية ثقافية، كي تكون متاحة بيسر لمختلف القراء، وقد استثمرت البعدين التقني والثقافي متمتعة بروح العصر ومعبرة عن همومنا الثقافية الذاتية والجماعية منفتحة على الآخر، بلا خشية ولا توجس. هذه أفكار عامة، وفي الذهن تصورات ورؤى أخرى لسد العوز الثقافي العربي، تحمل طابعاً حراً يزيل الحدود ويتقبل الآخر وجودياً جدلياً.
ولا ننكر هنا الدور الفكري والثقافي الفاعل الذي تقوم به بعض الجرائد والمجلات الصادرة في عواصم أوروبية. هذا الدور الذي ينعش في نفوسنا بعض الأمل في إمكانية استعادة مجلاتنا لدورها المشرِّف الذي كانت قد مارسته بالأمس.



السعودية تؤسس معهداً ملكياً للأنثروبولوجيا لتوثيق التحولات الاجتماعية ودراسة المجتمعات

يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
TT

السعودية تؤسس معهداً ملكياً للأنثروبولوجيا لتوثيق التحولات الاجتماعية ودراسة المجتمعات

يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)

يطلق «المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية» الذي أقرّ تأسيسه مجلس الوزراء السعودي، يوم الثلاثاء، مرحلة جديدة من النضج للأعمال البحثية والمعرفية المتعلقة بدراسة المجتمع السعودي وفهم تحولاته، عبر أدوات علمية رصينة.

وثمَّن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة، للقيادة السعودية، إطلاقها هذا المسار، مؤكداً أن المعهد سيمثل «راوياً موثوقاً لثقافتنا، ومنارة إلهام في دراسات فهم الإنسان». وأوضح الأمير بدر أن تأسيس المعهد يمثل منصة علمية لتوثيق التراث السعودي وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية، ما يسهم في تقديم رؤى ثقافية فاعلة تشجع التبادل الثقافي العالمي.

وتكتسب السعودية أهمية خاصة في حقل الدراسات الأنثروبولوجية والثقافية؛ نظراً لما تختزنه من عمق تاريخي وحضاري ممتد منذ قرون حتى اليوم، كما تتميز بتنوع ثقافي واجتماعي ومناطقي واسع، يتجلى في أنماط الحياة، والعادات والتقاليد، واللغة والتعبير الشفهي، فضلاً عن تجلياته في الآداب، والفنون الأدائية، والعمارة، والفنون البصرية، وفنون الطهي، والأزياء، وغيرها من الممارسات والتمثلات الثقافية التي تشكل مادة غنية للدراسة والتحليل والتوثيق.

وسيعمل المعهد على تطوير بحوث أكاديمية وتطبيقية متخصصة في الأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، بما يشمل دراسة المجتمعات المحلية، وأنماط العيش، والنظم الرمزية، والتحولات الاجتماعية، وأشكال التعبير الثقافي في المملكة العربية السعودية. كما سيعنى المعهد بتوثيق التراث الثقافي المادي وغير المادي في سياقاته الاجتماعية والتاريخية، ورصد ما يتصل به من معارف وممارسات وتمثلات وقيم، بما يضمن تقديم فهم علمي متكامل للعناصر الثقافية بوصفها جزءاً من الخبرة الإنسانية الحيّة.

كسر «العداء القديم» تجاه علم الأناسة

يرى مراقبون وأكاديميون أن هذا القرار ينهي عقوداً من التوجس تجاه علم الأنثروبولوجيا (علم الأناسة)، واعتبر الدكتور حمزة بن قبلان المزيني أن تأسيس المعهد «برهان على ما بلغناه من وعي بأهمية هذا التخصص الذي كان البعض يعاديه عداءً مفرطاً». واستحضر المزيني في حديث مع «الشرق الأوسط» نضال الأكاديميين السعوديين الأوائل، وفي مقدمتهم الدكتور سعد الصويان، الذي واجه معارضة شديدة لمحاولة تدريس هذا التخصص في الجامعات، مما اضطره للعمل «خارج الأسوار» لتقديم أبحاث أناسية مذهلة حول المجتمع السعودي.

وقال المزيني: «هنا يجب علينا أن نتذكر ما عاناه بعض الأكاديميين السعوديين من معارضة شديدة حين حاولوا إنشاء قسم في الجامعة لهذا التخصص، ويأتي الزميل الأستاذ الدكتور سعد الصويان في مقدمة هؤلاء، واضطرت المعارضة الشديدة لتدريس هذا التخصص في الجامعة الدكتور الصويان إلى أن يقوم بجهد فائق خارج أسوار الجامعة في البحث والتنقيب في جوانب مجتمعنا عن بعض المظاهر الأناسية التي تعمل تحت مستوى وعينا، وأنجز في ذلك أعمالاً رائعة».

وأكد المزيني أن المجتمع السعودي لا يزال بكراً لم يُدرس بما يكفي، وبناء عليه سيكون ميداناً غنياً للدارسين الأناسيين السعوديين. وأضاف: «الهدف من هذا التخصص المعرفة العلمية الموثوقة التي تؤدي إلى اكتشاف سمات مجتمعنا لنزداد معرفة بأنفسنا، ولا بأس باكتشاف مظاهر مجتمعنا ونفسيتنا السلبية؛ فهذا هو الطريق الصحيح لمعالجتها، بدلاً من تجاهلها أو التكتم عليها. يُضاف إلى ذلك أن تأسيس هذا المعهد يأتي برهاناً آخر على التغيرات الإيجابية الكثيرة التي تحققت في بلادنا».


أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الألمانية، أولريكه أوتينغر، إن فكرة فيلم «كونتيسة الدم»، الذي عرض في الدورة الأحدث من مهرجان برلين السينمائي، لم تولد من رغبة مباشرة في تقديم عمل عن مصاصي الدماء، بل جاءت نتيجة رحلة شخصية قامت بها في أواخر التسعينات، حين دُعيت إلى فيينا وقررت أن تسلك طريقاً طويلاً بالسيارة مروراً ببرلين وشرق ألمانيا وعدد من دول أوروبا الشرقية في طريقها إلى النمسا، وهي الرحلة التي جعلتها تشعر بأن تلك المدن القديمة تبدو وكأنها مدن منسية، تقبع خارج الزمن، بما تحمله من عمارة وتاريخ وطبقات من الذاكرة، فكانت الشرارة الأولى التي أوحت لها بفيلم عن مصاصي الدماء.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم لم يكن مشروعاً بسيطاً يمكن إنجازه بشكل اعتيادي كما يحدث مع الأفلام الأخرى نظراً لطبيعته الخاصة وما يحتاجه من تفاصيل وتجهيزات عدة، وهو أمر جعل العمل عليه مستمراً لأكثر من 27 عاماً حتى يرى النور، وهي فترة كانت كفيلة بإعادة كتابة السيناريو عدة مرات وإحداث تغيرات كبيرة، لكن مع ثبات فكرة العمل وطبيعته.

وأوضحت أن تعاونها في كتابة الحوار مع الكاتبة النمساوية الحاصلة على نوبل إلفريدي يلينيك أضاف للنصّ بعداً ثقافياً وساخراً، مشيرة إلى أنها تواصلت معها في أوائل الألفية الجديدة، وكتبت مقاطع تحمل إشارات دقيقة إلى التاريخ النمساوي والبنية الاجتماعية، لكن بعض تلك المقاطع حُذف لاحقاً بسبب ضرورة تقليص زمن الفيلم، وما بقي من مساهمتها يمنح العمل نبرة نقدية خفية، تتسلل عبر الحوار دون مباشرة.

المخرجة الألمانية أولريكه أوتينغر (الشركة المنتجة)

وفي ما يتعلق ببناء السيناريو، قالت إنها تعتمد دائماً على دفتر ضخم من الصور والرسوم والمواد البصرية التي تجمعها على مدار سنوات، وصنعت من هذه المواد لوحات قصصية استعانت بها في مناقشة مدير التصوير، فالصور كانت نقطة البداية، قبل أن تبني حكاية تقوم على تنويعات المطاردة، وفق قولها «فمصاصو الدماء يبحثون عن دم جديد، والكونتيسة تنقب في تاريخ عائلتها، والخيط الرئيسي يتمثل في البحث عن كتاب غامض يهدد وجود مجتمع مصاصي الدماء نفسه».

وأكدت أن شخصية «مصاص الدماء» جذبتها لأنها نموذج حي لكيفية تحديث الأساطير القديمة باستمرار، مع بقاء الصور ذاتها تتكرر عبر العصور، وكانت مهتمة بإعادة قراءة هذا الكائن من زاوية مختلفة، لذلك أدخلت شخصية «مصاص الدماء النباتي»، الشاب المتمرد الذي يذهب إلى العلاج النفسي في محاولة لاستعادة طبيعته، في مفارقة ساخرة مع الصورة النمطية للكائن المتعطش للدماء.

وأشارت إلى أن الكونتيسة وخادمتها تمثلان في المقابل ذروة الإغواء والقوة، بينما تحاول «قوى النظام» من أطباء نفسيين وشرطة وباحثين في مصاصي الدماء القبض عليهم، غير أن خوفهم نفسه هو ما يسمح بوجودهم، مؤكدة أن طبيعة الفيلم الباروكية، واعتماده على مواقع تاريخية وديكورات معقدة وأزياء استثنائية، جعلته عملاً مكلفاً بطبيعته، وهو ما أبطأ خروجه للنور.

وأوضحت أولريكه أوتينغر أنها خلال وجودها في فيينا بدأت تبحث عن مواقع تحمل طابعاً غرائبياً وتاريخياً في آن واحد، مثل برج الحمقى الذي كان من أقدم المصحات النفسية في أوروبا وتحول إلى متحف، إضافة إلى الأنفاق السرية والمناجم والمواقع المرتبطة بتاريخ مضطرب، وهو ما عزّز لديها فكرة العبور بين الماضي والحاضر داخل حكاية واحدة، مؤكدة أن السفر والمكان يشكلان دائماً مصدر إلهامها الأساسي، وأعمالها تتحرك غالباً على خطوط التماس بين التحولات السياسية والاقتصادية الكبرى وما تخلقه من مخاوف وأوهام بالخلاص.

صناع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأكدت أن اللون الأحمر يسيطر على الفيلم بوصفه محوراً بصرياً، مشيرة إلى أنه «يظهر في المخمل والحرير والشموع والسلالم الرخامية حتى تفاصيل الطعام، فالأحمر ظهر ليس رمزاً مباشراً للدم فقط، بل طاقة جمالية تخلق توتراً دائماً بين الغواية والخطر».

وأكدت أوتينغر أنها منذ البداية كانت ترى في النجمة الفرنسية إيزابيل أوبير تجسيداً مثالياً لشخصية «الكونتيسة»، وأنها ناقشت المشروع معها على مدى ما يقرب من 20 عاماً، وأبدت حماسة واضحة، لكن تعثر التمويل كان يؤجل التنفيذ في كل مرة، إلى أن توفرت الميزانية أخيراً فانضمت فوراً إلى فريق العمل، مؤكدة أن الدور مختلف جذرياً عن الأدوار النفسية المعقدة التي اشتهرت بها أوبير، فـ«الكونتيسة» في الأحداث ليست شخصية تحليلية تُشرح دوافعها، بل تمثل حضوراً أيقونياً طاغياً، متسلطاً، يفرض نفسه بالصمت والهيبة.

وأوضحت أن «الفيلم يتنقل لغوياً بين الألمانية والفرنسية، في انعكاس لحياة تعبر الحدود الثقافية»، مؤكدة أن «أوبير عملت على تحسين لغتها الألمانية، فيما تعلمت الممثلة بيرجيت مينيشماير الفرنسية، ليصبح الحوار انتقالاً طبيعياً بين لغتين لا تفصل بينهما حدود صارمة»، معتبرة أن تمسك فريق العمل وحماسهم للتجربة جعلاها تتجاوز صعوبات عدة، أهمها إكمال التصوير في 30 يوماً فقط.


جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
TT

جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

خطف خبر إحالة الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي إلى محكمة الجنايات، الاهتمام في مصر، على خلفية قضية تعود لعام 2025 تضمنت اتهامات بـ«السرقة بالإكراه»، وتصدر اسم الفنانة «الترند» على «غوغل» و«إكس» بمصر، الأربعاء، خصوصاً بعد إصدارها بياناً عبر ممثلها القانوني تطالب فيه بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف».

وأحالت جهات التحقيق القضية رقم 6553 لسنة 2025 جنايات قصر النيل، والمقيدة برقم 1434 لسنة 2025 كلي وسط القاهرة إلى محكمة الجنايات لاتهام الفنانة و4 آخرين بارتكاب سرقة بالإكراه والتسبب في إصابة سيدة بإصابات بالغة، وتحددت أولى جلسات المحاكمة في 26 مارس (آذار) الجاري، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

ونشر العديد من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي تعليقاً على الواقعة، وكتب الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن على صفحته بـ«فيسبوك» أن «ما وصلني من معلومات يرجع الواقعة لأكثر من عامين، حيث كانت الفنانة شريكة بالإيجار في استوديو يضم أكثر من فنان في مجالات تصميم الحلي والفنون بشكل عام».

مضيفاً أنه «خلال فض الشراكة وخروج المستأجرين، حدث خلاف بين إحدى المستأجرات وصاحبة المكان تطور إلى مشاجرة أصيبت فيها والدة صاحبة الاستوديو، ما أدى لتحريك بلاغ تطور إلى دعوى قضائية من جانب صاحبة المكان ضد كل المستأجرين الحاضرين للواقعة ومن بينهم جيهان».

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

وقال عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط»: «هذه القضية تعكس عدم تناول بعض المواقع الصحافية لقضايا معينة بما يناسب حجم الموضوع، فقد تم تضخيم الأمر وهذا ثمن الشهرة؛ لأن القضية تعود للفترة التي سبقت شهرة الفنانة، لدرجة أن اسمها في المحاضر غير مطابق لاسمها الفني، والقضية حالياً في يد القضاء ويجب أن تتعامل الصحافة مع هذه القضايا بتوازن وليس على أساس شهرة المتهم».

وأصدرت الفنانة جيهان الشماشرجي بياناً عبر مستشارها القانوني، تطالب فيه وسائل الإعلام بـ«تحري الدقة فيما ينشر عن إحالتها للمحاكمة، مع التأكيد على أن قرار الإحالة الصادر عن النيابة جاء على خلفية نزاع بين أطراف أخرى يتعلق بشركة تجارية وخلافات نشبت بينهم، وأن اسمها جاء في القضية ضمن اتهام شائع مع عدة أطراف أخرى، وأنها ليست طرفاً في النزاع التجاري محل الخلاف».

وأشار البيان إلى أن «نشر قرار الإحالة لا يعني ثبوت الاتهام، والكلمة الأخيرة تبقى للقضاء بعد نظر الدعوى». وطالب بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف، إلى حين صدور حكم القضاء المصري في القضية».

جيهان الشماشرجي في مسلسل «بطل العالم» (صفحتها على فيسبوك)

وقال الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، إن «القضية التي تواجهها جيهان الشماشرجي ترجع إلى نحو 3 سنوات حين كانت تعمل في تصميم الإكسسوارات، وفي النهاية حدث خلاف، والنيابة وجهت اتهاماً لها وأحيلت مع آخرين للجنايات».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «القضية أخذت بعداً إعلامياً آخر يضخمها بسبب نجومية جيهان الشماشرجي، بعد أن أصبحت فنانة معروفة، ولا نستطيع التحدث في قضية ما زال ينظرها القضاء، خصوصاً أن جيهان الشماشرجي امتثلت لهذا الوضع وذهبت لإجراء مناظرة، وما زالت الدعوى منظورة»، لكن وفق سعد الدين «تظل هذه القضية مرتبطة بشهرة الفنانة، ولو كانت وقعت بين شخصين عاديين لم يكن أحد ليسمع بها».

وشاركت جيهان الشماشرجي في العديد من الأعمال الدرامية والسينمائية في الفترة الأخيرة من بينها مسلسلا «إخواتي» و«بطل العالم»، وفيلما «أحمد وأحمد» و«علشان خاطر جليلة» الذي أعلنت عن الانتهاء من تصويره قبل أيام، وفي الموسم الرمضاني الحالي تشارك في المسلسل الإذاعي «المتر براءة». وشاركت من قبل في مسلسلي «جودر: ألف ليلة وليلة» و«الحشاشين».