المجلات الثقافية العربية بين الأمس واليوم

المجلات الثقافية العربية بين الأمس واليوم
TT

المجلات الثقافية العربية بين الأمس واليوم

المجلات الثقافية العربية بين الأمس واليوم

طرقتْ د. ربيعة جلطي في مقالِها «تلك المجلات الأدبية المنقرضة»، المنشور في «ثقافية الشرق الأوسط»، يوم الأربعاء 19 يونيو (حزيران) 2019، موضوعة المجلات العربية التي اندثرتْ وأسباب الاندثار، وبعض مظاهر الركود في المشهد الثّقافي العربيّ، وحسناً فعلتْ وأجادتْ، لكنَّ في الموضوع شجوناً أُخرى.
لا خلاف أنّ المجلات الثّقافية مؤشر من مؤشرات رقي المجتمعات وتقدمها، والاهتمام بها يعني الاهتمام بخلق الوعي العام الذي هو دعامة أساس من دعائم التحضر والمدنية. ولهذا يغدو وجودها دليلاً على أنّ الثقافة ليست مكملاً من مكملات الحياة العصرية، إنما هي ركن من الأركان المجتمعية، ينبغي أن يُحسب لها كلُّ الحساب.
وغياب المجلات أو عدم الاهتمام بها يعني انثلامّاً في الكيان الثقافي للمجتمع برمته، لا يمكن سدُّه ولا إصلاحه أو التعويض عنه بأي وسائل أخرى.
وهذا ما تؤكده سوسيولوجيا الثقافة وعلاقتها بالبنيات المجتمعية، التي ترى أنّ المجلات مظهر ثقافي مهم للمجتمع، ومنفذ من منافذ المعرفة التي بها يتقوى الوعي ويصبح أكثر عمقاً وتحصناً، نظراً لما تغرسه في نفوس القراء من رؤى اجتماعية وجمالية وفكرية، تجعل منهم متفاعلين ومنتجين.
ولا غرو أن المجلات الثقافية تستطيع أن تنمي المجتمع سوسيولوجياً واضعة الحلول لمشكلاته، ومشخِّصة عيوبه، ودافعة به نحو الارتقاء والتقدم، وهو ما لا تستطيعه المجلات التي تعكس أرستقراطية الثقافة ومظاهرها البراقة التي لا تهتم بالجمهور القارئ، ولذلك يظلُّ انتشارها محدداً بالنخبة.
وما يعانيه مجتمعنا العربي من الافتقار إلى المجلات الثقافية، له أسبابه، وأغلب تلك الأسباب مادية. علماً بأن الاستثمار الرمزي للثقافة هو الذي يمهد الطريق أمام الاستثمار المادي. وليس هذا القول من قبيل الطوباويات، بل هو أمر تأكد وبات من المسلمات، أدركته المجتمعات المتقدمة، واستوعبت دروسه، فجعلتْ الثقافة في مقدمة أولوياتها حتى صارت ذات شأن حقيقي يضاهي أي شأن من شؤون الحياة المادية العامة، بعكس المجتمعات الفتية والنامية والفقيرة التي ما زالت تتصور أن الثقافة ليست هي الحياة نفسها، والتي غابت عن قواميسها مقولة «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان»، لذا هي سريعة الأزمات، وفي حالة مستمرة من الاصطراع والاحتراب، وضعف الوعي الذي لا سبيل لتقويته ودعمه سوى بالثقافة.
ومن سبل نشر الثقافة الكتب والصحف اليومية والأسبوعية والدوريات المختلفة، لكن المجلات تظل في المقدمة؛ أولاً سرعة انتشارها، وثانياً وجود التنويع الذي يلائم مختلف مستويات القراء وتوجهاتهم وإمكانياتهم المادية، وثالثاً قدرتها على مواكبة التسارع في عالم الفكر، ورابعاً سهولة تسويقها وسرعة انتشارها في مختلف البلدان، وخامساً أن قراءة المجلة لا تتطلب من القارئ وقتاً طويلاً كالذي تتطلبه قراءة الكتاب.
وإذا كان الحال المثالي الذي ينبغي أن تشهده أي حياة عصرية هو صناعة مجتمع واعٍ تترسخ فيه قيم الجمال؛ فإنَّ الواقع الثقافي العربي الراهن يخالف ذلك تماماً للأسف. ليظل الحال المثالي مجرد تطلع يسكن أذهان المثقفين، وما من سبيل إلى تحقيقه، ما دمنا غير واعين لأهمية الثقافة في ترسيخ الوعي الذي به يَصنعُ الإنسان ذاته.
ولو عدنا إلى الواقع الثقافي أبان خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن العشرين، لوجدنا أن المجلات الثقافية كانت فاعلة متوفرة وتصدر بانتظام، وبموضوعات حيوية ومستجدة يكتبها أدباء ومثقفون صاروا فيما بعد من أقطاب الثقافة العربية وروادها. ومثالنا على ذلك مجلات «الأديب» و«الآداب» و«الرسالة» و«الثقافة» و«الفكر المعاصر» و«الهلال» و«الطليعة» و«فصول» و«الثقافة الأجنبية» و«المورد» و«شعر» و«حوار» و«المعرفة». وبعضها ظل محافظاً على مكانته النوعية كمجلة «فصول» و«الفكر المعاصر».
وأغلب هذه المجلات تولى إدارتها ورئاسة تحريرها مثقفون واعون وأدباء مرموقون. والمدهش أن هذه المجلات كانت تصل إلى عواصم المدن العربية في الشهر ذاته، وربما الأسبوع الذي تصدر فيه، ولذلك كان القراء يترقبون صدروها كل شهر. وبسبب الوفرة والانتظام والجدة والاحتراف، حققت هذه المجلات رواجاً كبيراً وسمعة طيبة جعلت الكتّاب يتبارون من أجل الظفر بالنشر فيها لا لشيء سوى إشاعة الثقافة.
ومنذ الثمانينيات أخذنا نشهد تراجعاً تدريجياً في واقع هذه المجلات، فلم تعد تصل إلى كل البلدان، وغابت عنها الوفرة والانتظام باستثناء القليل الذي استطاع أن يظل صامداً أمام عوامل التراجع. وفي العقدين الأخيرين من هذه الألفية أخذ بعض المتبقي من تلك المجلات يصيبه التقشف، وينال منه الركود، فتقلصت الأعداد والأحجام والأبواب، وبعضها غاب عن الصدور، كما حصل مع المجلات العراقية. ورغم ظهور مجلات جديدة رسمية وغير رسمية ورقية وإلكترونية، إلا أنها لم تستطعْ أن تسدَّ فراغ تلك المجلات الرصينة، فضلاً عن أنها لم تسلم أصلاً من التراجع الذي يعتري المشهد الثقافي العربي الراهن.
ولا يخفى أن وراء انتشار المجلات مردوداً مادياً هو بمثابة استثمار ثقافي لرأسمال رمزي، تعضد فاعليته الشبكة العنكبوتية بإمكاناتها التكنولوجية الهائلة التي إذا استثمرتْ بشكل فاعل حققت للمجلات رواجاً عند عموم القراء، ملبية حاجة الطالب والموظف والمتقاعد والشاب والطفل والمرأة.
فلماذا لا نجد مثل هذا الاستثمار الرمزي للثقافة في صورة مجلات ثقافية عربية، تجمع مثقفي الوطن العربي وأدباءه تحت مظلة معرفية واحدة؟ أهو نقصان الموارد الإبداعية والثقافية والمادية، علماً بأننا نشهد كل يوم تأسيس مجلة جامعية جديدة بترقيم دولي وإمكانيات أكاديمية ودعم مؤسساتي؟ وهل سيكون وراء قلة عدد المجلات الورقية وتزايد المجلات الإلكترونية عبء ثقافي سببه عزوف القراء عن متاحات الوسائط المتعددة التي تجعل القارئ ينفر عنها، إما لأنه لا يعرف تكنولوجيتها أو يعرفها ولكن لا يُتقنها؟
أليستْ المجلات تعبيراً عن وحدة عربية في التلقي الثقافي والتفاعل الفكري؟ ومن الذي له المصلحة في أن تنتكس المجلات العربية التي كانت بالأمس نشطة ومميزة؟ وما المانع من أن تسهم المؤسسات الرسمية المعنية بالثقافة والتعليم والمنظمات والهيئات والمراكز الثقافية غير الرسمية في الخروج من هذه الظاهرة، ووضع الحلول وإيجاد سبل حقيقية، بها تنتعش المجلات من جديد ليعود لها بهاؤها الغابر الذي عفت عليه سنون مضت؟
لا أعتقد أنَّ الأسباب سياسية أو فكرية، كما أنها ليست مادية، فلقد صدرت مجلات مصرية في وقت كان فيه هذا البلد يمر بمحنة الحرب العالمية الثانية والتحديات المصيرية التي تلتها. والأمر نفسه مع مجلات في بلدان عربية أخرى.
وإذا لم يكن السبب مادياً ولا سياسياً؛ فإنه بالتأكيد ثقافي ومعضلة المجلات معضلة ثقافية، وكثير من المجلات الموجودة اليوم لا تعنيها مسألة مخاطبة القارئ العربي، واستنهاض وعيه إزاء مشكلاته الثقافية، فضلاً عن عدم وجود خطط منهجية توحد عمليات النشر الورقي والإلكتروني لهذه المجلات، مع انقطاع التواصل بين المجلات الثقافية العامة والمجلات الجامعية المتخصصة.
من هنا يغدو مهماً العمل على إصدار مجلات تُعنى بالثقافة، تعيد للمشهد الثقافي العربي ماضيه المزدهر، وتسترد الحال والمآل الذي كانت عليهما مجلات الأمس العربية، ليكون لها شأنها في واقعنا الثقافي الذي هو بأمس الحاجة إلى مواكبة الجديد في حركة الفكر العالمي.
وليس أمام القارئ الحريص على التثقف الذي يريد أن ينجو من العمى الثقافي، الذي تسببه وسائل التواصل الاجتماعي، ويتحصن من تبعات الإعلام الموجه والمؤدلج، ويقاوم عولمة التكنولوجيا، سوى الارتكان إلى الثقافة النوعية التي تمثلها المجلات المتخصصة التي تحصن الوعي وترصنه، مزيلة حالة اللامبالاة والخدر التي يمر بها القارئ العربي اليوم.
إن ما نريده لمشهدنا الثقافي العربي هو مجلات تسير باتجاه جديد لا تكسبي، وبعلاقات عضوية مع القراء، ليست فيها برجوازية قرائية ولا أرستقراطية ثقافية، كي تكون متاحة بيسر لمختلف القراء، وقد استثمرت البعدين التقني والثقافي متمتعة بروح العصر ومعبرة عن همومنا الثقافية الذاتية والجماعية منفتحة على الآخر، بلا خشية ولا توجس. هذه أفكار عامة، وفي الذهن تصورات ورؤى أخرى لسد العوز الثقافي العربي، تحمل طابعاً حراً يزيل الحدود ويتقبل الآخر وجودياً جدلياً.
ولا ننكر هنا الدور الفكري والثقافي الفاعل الذي تقوم به بعض الجرائد والمجلات الصادرة في عواصم أوروبية. هذا الدور الذي ينعش في نفوسنا بعض الأمل في إمكانية استعادة مجلاتنا لدورها المشرِّف الذي كانت قد مارسته بالأمس.



فنانون سعوديون في «صحراء X العلا 2026» يعيدون إحياء الروابط بين الإنسان والأرض

عمل الفنان محمد الفرج (فنون العلا)
عمل الفنان محمد الفرج (فنون العلا)
TT

فنانون سعوديون في «صحراء X العلا 2026» يعيدون إحياء الروابط بين الإنسان والأرض

عمل الفنان محمد الفرج (فنون العلا)
عمل الفنان محمد الفرج (فنون العلا)

في قلب الطبيعة الساحرة بمدينة العلا، حيث يقام معرض «صحراء X العلا 2026» تتيح تجربة بصرية وفلسفية فريدة لجمهور المتطلعين اكتشاف حكايات الفن والفنانين، وذلك من خلال أعمال 3 فنانين سعوديين مشاركين في نسخة هذا العام، نجحوا في مد جسور بين الماضي والحاضر، وتحويل عناصر البيئة المحلية إلى أيقونات فنية ملهمة.

يقول الفنان السعودي محمد الفرج، الذي يشارك بعمله إلى جانب عملين للراحل محمد السليم والفنانة بسمة فلمبان، إن الفن السعودي امتداد رصين يرسخ الارتباط بين جيل الرواد والشباب من الفنانين السعوديين، من خلال تجاور الأعمال في فضاء طبيعي ملهم مثل العلا، وأضاف الفرج أن جيل البدايات ألهم الأجيال التالية وترك تأثيراً لديهم، كما أن أعمالاً مثل عمل الفنان محمد السليم في معرض «صحراء X العلا 2026» لم يفقد قدرته على الإلهام، رغم مرور عقود على إنجازه، ولا يزال ينطوي على طاقة الإبداع والإلهام.

عمل الفنان الرائد محمد السليم (فنون العلا)

إرث محمد السليم: «الأفقية» تنبثق من الرمال إلى السماء

في لفتة وفاء تاريخية، يحتفي المعرض بإرث الرائد الراحل محمد السليم الذي يعرض لأول مرة مجموعة مختارة من منحوتاته التي صممها لبلدية مدينة الرياض في ثمانينات القرن الماضي وهي من بين مشاريعه الأقل شهرة، التي استوحاها من المناظر الطبيعية الصحراوية، وتتجه كل منحوتة منها نحو السماء، مستخدمةً الهندسة بشكل رمزي، وتُشير الأشواك البلورية في الشوكة الخماسية إلى الحماية والصمود، أما الأوجه الملتوية لوحدة «الشرف»، فترمز إلى المعرفة والفهم والتواصل، بينما تُمثل المثلثات، وهي سلسلة متصاعدة من الأشكال المتشابكة، استعارة للقوة المُجتمعة للثقافات المُتنوعة.

وتحتفي بتلات برعم الزهرة المُتفتحة بالجمال الكامن في الإمكانات الشابة، وقد استُلهمت زخارف النجوم والهلال التي تعلو رمز الأهلّة من خيام البدو وسماء الليل.

وبوصفه أول من أقام معرضاً فنياً في الرياض عام 1967، وأسس دار الفنون السعودية عام 1979، أول دار فنية في الرياض، موفراً بذلك منصة حيوية للفنانين للتجمع وعرض أعمالهم والحصول على مواد كانت نادرة آنذاك، في تجسيد لالتزامه الدائم برعاية الفنانين والمصممين والمهندسين المعماريين، يعود السليم اليوم عبر «صحراء X العلا 2026» ليؤكد أن الرؤية الفنية الأصيلة لا تموت، بل تتجدد مع كل «برعم زهرة» يتفتح في قلب الصحراء.

عمل الفنانة بسمة فلمبان «همس الحصى» (فنون العلا)

بسمة فلمبان: صدى الأنهار القديمة في «همس الحصى»

بلمسة تجريدية ضخمة، تعيد الفنانة بسمة فلمبان قراءة الجيولوجيا التاريخية للعلا، من خلال عملها «همس الحصى» المستوحى من تكليف أصلي لمعرض «صحراء X العلا 2024» بتنسيق مايا الخليل ومارسيلو دانتاس.

وحولت فلمبان الحصى الصغيرة إلى منحوتات جيرية عملاقة تستقر على ألواح فولاذية تعكس أشعة الشمس.

ويسلط العمل الضوء على ظاهرة «التافونية» وتكون التجاويف الصخرية التي تشبه خلايا النحل، تقول بسمة فلمبان: «تحمل هذه الحصى معرفة بأنهارنا القديمة، فهذه الحصى، بشكلها الدائري وأطوالها، تخبرنا عن سرعة تدفق المياه وكيف تحركها الأمواج بعيداً أو بالقرب من أقدامنا، إنها تحمل في طياتها صدىً حيوياً لأرضنا، بتقلباتها وتضاريسها».

واشتهرت الفنانة السعودية فلمبان بأعمالها التركيبية المستوحاة من الهندسة الإسلامية، وقد حوّلت عنصراً جيولوجياً صغيراً إلى تحفة فنية ضخمة. فبينما تستقر حصى عملاقة منحوتة من الحجر الجيري على ألواح فولاذية تشبه أشعة الشمس، تتكون منحدرات العلا الرملية من رواسب غنية بالكوارتز، تراكمت بفعل شبكات الأنهار والدلتا القديمة.

وشكلت هذه المجاري المائية القديمة المشهد الصحراوي الحالي، وتشكلت تجاويف صخرية تشبه خلايا النحل على واجهات الجبال المعروفة باسم «التافونية»، بفعل عوامل التعرية.

وتتسبب عوامل التعرية في سقوط الأجزاء المجوفة، كالحصى، لتشتيت ما كان متماسكاً في السابق.

عمل الفنانة بسمة فلمبان «همس الحصى» (فنون العلا)

محمد الفرج: فلسفة التعايش في «متاهة الحكايات»

ويطل الفنان محمد الفرج بعمل فني يتخذ من الطبيعة شريكاً استراتيجياً. فهو الذي استلهم رؤيته من طفولته في واحات الأحساء، ويرى في النخيل وقنوات الري والتربة أوعية للصمود.

ويقدم الفرج نخلة بديعة وهي ليست مجرد مجسم، بل هي نتاج تلاحم مجموعة أشجار، مستحضراً تقنيات «التطعيم» التي كان يمارسها جده لإطالة عمر الأشجار المحتضرة، من خلال عملية تقليدية تُطيل عمر الجذع، فينمو مُتحداً مع جذعٍ آخر.

يقول الفرج: «هذا التلاحم هو مثال حي على كيفية نشوء التجديد من خلال التعايش، وكيف يسود الانسجام في البيئة بوصفه فعلاً أساسياً للبقاء»، ويدعو العمل الزوار للدخول في متاهة تسرد حكايات الاعتماد المتبادل بين الإنسان وبيئته.

وتقود هذه المتاهة إلى نخلة مميزة مؤلَّفة من أشجار عديدة، ويعكس هذا التلاحم البستاني، بالنسبة إلى الفرج، مثالا حياً على كيفية نشوء التجديد من خلال التعايش، وكيف يسود الانسجام في البيئة بشكلٍ طبيعي، وكيف يُعدّ الاعتماد المتبادل فعلاً أساسياً للبقاء.

وبين «تعايش» الفرج، و«ذاكرة» فلمبان، و«أفقية» السليم، يثبت الفن السعودي في العلا أنه ليس مجرد عرض جمالي، بل هو حوار ممتد بين الهوية والأرض، ورسالة للعالم بأن الصحراء كانت ولا تزال مهداً للإبداع والابتكار.


جان خليفة مُستعاداً في بيروت... كيف تطمئنّ اللوحة إلى شكلها الأخير؟

الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)
الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)
TT

جان خليفة مُستعاداً في بيروت... كيف تطمئنّ اللوحة إلى شكلها الأخير؟

الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)
الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)

يجمع معرض استذكاري للتشكيلي اللبناني الراحل جان خليفة، في «غاليري مارك هاشم» بمنطقة ميناء الحصن البيروتية، أعمالاً متنوّعة من تجريد حركي إلى تشخيص مُلتبس، ومن لوحات صغيرة مثل الملاحظات إلى أعمال طويلة مثل المشهد. ويقترح إعادة قراءة فنان اشتغل طوال حياته على فكرة تتبدَّل أشكالها، وهي كيف يمكن للوحة أن تُشبه الزمن وهو يتكسَّر ويتجمَّع من جديد، وللصورة ألا تكون فقط «تمثيلاً» فتصبح «فعلاً».

كلّ لطخة إعلان عن فشل جميل في ضبط الشكل (الشرق الأوسط)

يُقارب العرض تجربة الفنان مثل أرشيف مفتوح من خلال مواد توثيقية وإشارات إلى محطات تعليمية ومؤسّساتية، وقراءات مُرافقة تشرح كيف كان خليفة لا يطمئنّ في بناء أعماله إلى اكتمال نهائي.

وعلى الجدار، تصطفّ 3 لوحات تبدو متقاربة زمنياً ومختلفة المزاج. في إحداها يتقدَّم شكلٌ بيضوي محاط بخطوط زرقاء، وفي ثانية تتوزَّع طبقات الأزرق والأخضر والأبيض، يتخلّلها أثر أحمر عمودي يُشبه الجرح أو عمود النار، بينما تتدلَّى خطوط بيضاء مثل الماء أو الحبر حين يفلت من السيطرة. وفي ثالثة يتقابل الأحمر العريض مع الأزرق، وتقطع المساحة خطوط جانبية دقيقة كأنها حدود أو «هوامش» تُشير إلى أنّ اللوحة ليست فراغاً حراً.

هذا النوع من التجريد يشتغل على حركة تُشبه حركة الجسد، قوامها التوازن المُعلَّق بين البناء والانفجار. حتى حين تبدو المساحات بسيطة، فإنها مُحمّلة بإيماءة عاجلة، فنلمح اللون وهو يُرمَى ويُسحب ويُلطَّخ، ثم يُترك ليشهد على اللحظة التي وُلد فيها.

الأزرق يوسّع المشهد ويترك العين معلّقة في الداخل (الشرق الأوسط)

يتكرَّر هذا المنطق في لوحات طولية صغيرة تتجاور كأنها صفحات من دفتر واحد. فالأصفر يفيض، والأخضر يشقّ المساحة، والنقاط البنفسجية والبرتقالية تظهر مثل بؤر لونية، والخطوط الرمادية تبدو مثل طرقات أو مجاري ماء. بذلك، تتحوَّل اللوحات إلى «تمارين» على التقاط اللحظة، فتتوالى الارتدادات كما يتبدَّل الضوء خلال يوم واحد.

اللوحات «تمارين» على التقاط اللحظة (الشرق الأوسط)

من بين أكثر المحطات صراحةً في المعرض، عملٌ مرتبط بعام 1976، حين انقسمت بيروت بفعل الحرب إلى شطرَيْن. تُروى الفكرة عبر صورتين لامرأتين توأمتين مُحاطتين بالزهور والقلوب، في استعارة مباشرة عن الحبّ بوصفه تجاوزاً للخطوط الفاصلة. لكنّ الزهرة ليست بهجة خالصة. هي محاولة لتضميد ما لا يلتئم.

هذه المفارقة بيت القصيد. فخليفة لم يرسم «شعاراً» للوحدة بقدر ما رسم قلق الرابط حين يوضع تحت الضغط. لذلك تبدو المرأة في أكثر من عمل مثل كائن يتراوح بين التجسُّد والتبدُّد. أحياناً تُرسم الوجوه بثلاثية داكنة على خلفيّة خضراء، وأحياناً تصبح الملامح مثل قناع برتقالي داخل عباءة زرقاء يطلّ بعينين مطفأتين على مساحة صاخبة. وبذلك، تحضر الحرب من خارج الموضوع المباشر، عبر الانقسام والقناع والإحساس بأنّ الوجه لا يستطيع أن يكون «وجهاً» كاملاً بعد الآن.

اللوحة تلتقط الجسد في منتصف حركته قبل أن يقرّر أين يستقرّ (الشرق الأوسط)

إلى جانب هذا الخطّ، يطلّ عمل مؤرَّخ بسنة 1974 لامرأة في انكشاف جسدي تجلس حاملةً باقةً من الزهر. الخطوط سميكة، الألوان تُضخِّم الشحنة، والملامح تُختصر إلى عين واحدة كبيرة وفم صغير. ومع ذلك، يظلّ الحضور الحسّي كثيفاً، فتبدو المرأة كأنها تحتضن الزهور لتؤكد أنّ الحياة لا تزال ممكنة، ويمكن للون أن يُعيد صياغة العلاقة بين الرغبة والاحتواء.

وفي أعمال أخرى، تتحوَّل الزهرة إلى كتلة لونية مُكدَّسة تُنفَّذ بتراكمات قريبة من «العجينة»، كأنّ خليفة أراد للوردة أن تُلمَس أيضاً، فتتحوّل الطبيعة إلى طبقة لون ويصبح النبات «إيقاعاً بصرياً خالصاً».

المرأة فكرة تتحرّك داخل اللون وتترك أثرها قبل أن تختفي (الشرق الأوسط)

ومن أكثر ما يختزل هذا التوجُّه، عملٌ تركيبي يبدو مثل وعاء للذاكرة. فيه يظهر سلك أحمر ملتفّ مثل السياج الشائك، وقطرات حمراء كبيرة تتدلَّى كأنها علامات إنذار، وعجلات صغيرة وصورة فوتوغرافية لامرأة مستلقية، إضافةً إلى صندوق جانبي يضم جهاز راديو وورقة مكتوبة. الراديو يوحي بالصوت العام والخبر الذي يصنع خوفاً جماعياً، والسلك الأحمر يستعيد مفهوم الحدود والحصار، والقطرات تستحضر الجرح على أنه واقع يومي. هنا يصبح «الكولاج» طريقة في التفكير، كما يُلمِح النص المُرافق لأعمال الكولاج في المعرض، مما يُجسِّد ميل الفنان إلى تقطيع ما هو قائم وإعادة جمعه حين تضربه الفكرة على نحو عاجل، لتُبيّن الأعمال أنّ خليفة لم يتعامل مع اللوحة على أنها مساحة مستقلّة عن العالم، حين رأى فيها عالماً مُصغَّراً يمكن أن يحمل صورة وصوتاً ومادةً وخردةً ودلالة.

اللوحة تمثّل قدرة الطبيعة على مفاجأة الشكل (الشرق الأوسط)

وجان خليفة (1923 - 1978) هو أحد الأسماء المفصلية في الفنّ اللبناني الحديث، معروف بنزعة منضبطة وبمقاربة روحية للتجريد. فقد عرف المؤسّسات واشتغل معها، مع ذلك ظلَّ مشاغباً في اللوحة وترك في اللون ما يكفي من الفوضى كي لا يتحوّل الانضباط إلى قيد. والرسام الذي قرأ أوروبا ما بعد الحرب، عاد ليُترجم بيروت بموادها الخاصة، فأعاد تركيبها في وجه مقنَّع وزهرة كثيفة وسلك شائك، وتجريد يركض كأنه لا يريد أن يُمسك به أحد. فنانٌ عامل اللوحة مثل كائن قابل للانكسار وإعادة الولادة، واللون على أنه طريقة لرؤية ما يتعذَّر الإفصاح عنه. إرثه اليوم يترك العين في منطقة بين الدهشة والأسئلة، حيث يبدأ فعلاً الفنّ.


الرياض تُتوِّج نجوم العالم في «جوي أووردز 2026»

افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)
افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)
TT

الرياض تُتوِّج نجوم العالم في «جوي أووردز 2026»

افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)
افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)

توجّت العاصمة السعودية، مساء السبت، نجوم العرب والعالم بجوائز النسخة السادسة من حفل «جوي أووردز» (Joy Awards) ضمن فعاليات «موسم الرياض».

وشهد الحفل تقديم جائزة «شخصية العام» للنجمة البريطانية ميلي بوبي براون، إضافة إلى تكريم النجم العالمي فورست ويتاكر، ووزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني بجائزة «الإنجاز مدى الحياة». كما كُرِّم رجل الأعمال القطري ورئيس نادي باريس سان جيرمان ناصر الخليفي بـ«جائزة صُنّاع الترفيه الماسية»، فيما مُنح كل من السعودي صالح العريض، والفنانة أصالة، والمخرج الكويتي أحمد الدوغجي، والملحن المصري عمرو مصطفى «جائزة صُنّاع الترفيه الفخرية».

ونال الفنان فضل شاكر جائزتين؛ الأولى «أفضل فنان» حسب تصويت الجمهور.