موسم أصيلة الثقافي الدولي الـ41 يناقش «عبء الديمقراطية» و«إكراهات دول الجنوب»

برنامج حافل... يتضمن ندوات ومعارض ومشاغل التشكيل والموسيقى

رسم جدارية في موسم أصيلة الثقافي الدولي
رسم جدارية في موسم أصيلة الثقافي الدولي
TT

موسم أصيلة الثقافي الدولي الـ41 يناقش «عبء الديمقراطية» و«إكراهات دول الجنوب»

رسم جدارية في موسم أصيلة الثقافي الدولي
رسم جدارية في موسم أصيلة الثقافي الدولي

يعود «موسم أصيلة الثقافي الدولي» في دورة جديدة، يبدو أنها حافظت على نفس الروح والأهداف التي حركت المظاهرة عام 1978، فكرست مكانتها في الداخل والخارج، بعد أن تحولت إلى موعد سنوي غني بقيمة برامجه وتنوعها وراهنية القضايا التي تطرح للنقاش، بمشاركة نوعية لفاعلين من عوالم السياسة والفكر والفن والأدب، من مختلف مناطق العالم.
ويتضمن برنامج الموسم في دورته الـ41. المنظمة ما بين 16 يونيو (حزيران) و12 يوليو (تموز)، وتفتتح رسميا غداً الجمعة، فقرات متناغمة المضامين، تشمل تنظيم الدورة الـ34 لجامعة المعتمد ابن عباد الصيفية، ومشغل التعبير الأدبي وكتابة الطفل، ومشاغل الفنون التشكيلية، التي تشمل الصباغة على الجداريات ومشغل الفنون التشكيلية، فضلاً عن مشغل بيداغوجي (تربوي) لتدريب الأطفال على ممارسة الرسم والصباغة، ومعارض، وعروضاً موسيقية وغنائية.
- عبء الديمقراطية
تتوزع ندوة «عِبء الديمقراطية الثقيل: أين الخلاص؟»، يومي 21 و22 يونيو (حزيران) ثلاثة محاور، تشمل، حسب منسقها الدكتور عبد الله ولداباه (موريتانيا)، أولاً «تشخيص الحالة الديمقراطية الراهنة في أزماتها ورهاناتها وتحولاتها النوعية، مع الوقوف على مختلف سياقاتها الاقتصادية والإعلامية والثقافية وتحديد آثارها الملموسة عل الوضع الدولي»، وثانياً «تشخيص وضع المجتمعات التي لم تعتمد النظام الديمقراطي التعددي نمطاً عملياً لتدبير واقعها السياسي، بتحديد إمكانات وسبل بناء حلول بديلة مواجهة تضمن التعايش السلمي والرفاهية الاجتماعية وحقوق الإنسان الأساسية، من خلال الوقوف على العديد من التجارب العالمية المغايرة لنهج الديمقراطية الليبرالية»، وثالثاً «استكناه واستشراف المشاهد والسيناريوهات المستقبلية لتطور المنظومة الديمقراطية، ورصد البدائل المتاحة لتجاوز مصاعب وأزمات التحول التي تمر بها المجتمعات الديمقراطية الحالية».
- إكراهات دول الجنوب
تتناول ندوة «التنمية المستدامة وإكراهات دول الجنوب» يومي 24 و25 يونيو، أسئلة عديدة، بينها «هل وفَت القوى الاقتصادية والسياسية الكبرى بتعهداتها؟»، و«هل لعبت الأمم المتحدة والهيئات التابعة لها دور الوسيط الفعال، المُدور للموارد والخبرات؟»، و«إلى أي حد تحملت الدول المُوطنة للخطة مسؤوليتها في تأهيل بنياتها ومؤسساتها، ومواردها البشرية؟».
ويرى فكتور بورغيس وزير الخارجية والتعاون والجاليات السابق في دولة الرأس الأخضر، منسق الندوة، أن «أغلب البنيات الدولتية التي أخذت على عاتقها تنفيذ برامج التنمية المستدامة في أغلبية دول الجنوب تتسم بالتقليدانية، وضعف الحكامة، وانعدام التأهيل المطلوب للموارد البشرية. كما أن ضعف المؤسسات في هذه الدول، تغلب عليها المعاملات الإدارية بالمحسوبية والموالاة على أسس قبلية أو طائفية، وبضعف التواصل مع الساكنة لشرح الأهداف المرسومة، إلى جانب شكلانية القوانين، وعدم استقلال القضاء، ناهيك عن العواقب الناجمة عن التغيرات المناخية، التي أصبحت آثارها بادية في عدد من دول الجنوب مثل الجفاف، والتصحر، والفيضانات، وظهور عدد من الأمراض والأوبئة الجديدة، وتفاقم ظاهرة الهجرة من الأرياف إلى المدن أو إلى الخارج، وهو ما يجعل فرص نقل هذه البرامج من المستوى النظري إلى مستوى التنفيذ ضعيفة إن لم تكن معدمة».
- تماسك اجتماعي
تنطلق ندوة «التماسك الاجتماعي والتنوع في نظم التعليم العربية»، يومي 1 و2 يوليو، وينسقها الدكتور عبد الله ولداباه (موريتانيا)، من أرضية ترى أنه «يتعين طرح الأسئلة والإشكالات الجوهرية التي يقضيها إصلاح المنظومة التعليمية العربية، مع مراعاة اختلاف التجارب ونوعيتها ورهاناتها الخصوصية، من دون التعميم غير الموضوعي».
وتتناول الندوة خمسة محاور أساسية، تشمل «المنظومة التعليمية ورهانات التحول الاجتماعي في العالم العربي»، و«النظم التعليمية وإشكالات الهوية الثقافية في المجتمعات العربية»، و«النظم التعليمية ورهانات التعددية والتنوع في العالم العربي»، و«النظم التعليمية والثورة المعلوماتية الراهنة»، و«المنظومة التعليمية ورهانات المستقبل العربي».
- مشهد ثقافي متحول
تسعى ندوة «الشعر العربي في مشهد ثقافي متحول»، يومي 4 و5 يوليو، من تنسيق شرف الدين ماجدولين (المغرب)، لمناقشة واقع الحضور الشعري في المشهد الثقافي العربي الراهن، ومساءلة مخاضاته وتحولاته، في أفق البحث عن دور اليوم لهذا الفن الذي طالما نعتب كونه ديوان العرب: كيف السبيل إلى استعادة الذائقة الشعرية؟ وبم يمكن تعويض الديوان الذي بات من دون ناشر متحمس ولا متلق مهتم؟ وما هي القنوات الممكنة لتداول الشعر اليوم؟ وهل الأزمة تطول الوسيط أم جوهر التعبير؟ وهل النهوض ممكن، أم أن الأفول حتمي، مثلما يعلمنا تاريخ الأدب؟ وهل يمكن أن يموت الشعر مثلما ماتت الملحمة والمقامة والرسالة النثرية؟ وهل سيبقى فقط ملتصقاً بالمنابت الفطرية في الأزجال والنصوص المغناة؟.
- إبداع أفريقي
تتمحور ندوة «الإبداع الأفريقي في الأوطان والمهاجر»، ما بين 7 و11 يوليو، حول «الثقافة والفكر والتنمية: أي قطيعة؟ وأي رؤيا؟»، ينسقها ماريو لوسيو سوسا، الموسيقي والكاتب والشاعر، ووزير الثقافة السابق في دولة الرأس الأخضر.
وتجنباً لاستباق خلاصات النقاش، يشير فكتور بورغيس لعاملين اثنين تبدو أهميتهما أساسية لكل عملية تغيير إيجابية. أولهما «التربية التي تعد العنصر المؤسس والمغير للممارسات الفردية والجماعية سواء كانت اقتصادية أو مجتمعية أو سياسية أو ثقافية». فيما يتمثل العامل الثاني في «جودة حكامة وقيادة المنظمة والمجتمع والدولة».
ويرى بورغيس أن «البلدان الأفريقية تحديداً تواجه تحديات تفرض عليها أن تكون مبدعة، من أجل إعادة اختراع نماذج وممارسات الحكامة الديمقراطية القادرة على الاستجابة للتطلعات الجماعية، والوفاء التام بوعود الاستقلال والديمقراطية». لذلك، تشكل الندوة فرصة للنقاش حول جملة محاور بينها «كيف يمكن إحداث وتحفيز الإبداع من أجل أن يولد التغيرات التي تحتاجها المجتمعات الأفريقية؟»، و«كيف يمكن تدبير لحظات التصدع أو حتى القطيعة، بشكل مثمر، مع الاهتمام المزدوج بالقدرة على التغيير، وفي نفس الوقت، الحفاظ على التوازنات الكبرى للمجتمع؟».
شكل موسم أصيلة، على مر دوراته الأربعين، تجمعاً حقيقياً للمبدعين والمفكرين ورجال ونساء الفن والأدب. ومن هذا المنطلق، ستحظى مختلف الفعاليات الموسيقية التي احتضنتها دورات المواسم السابقة، وخلال دورة هذه السنة والدورات المقبلة، بوضع خاص، إذ سيخصص لها مهرجان سنوي تحت اسم «موسم الموسيقى الأفريقي بأصيلة»، يهدف إلى الاحتفال بالإبداع الموسيقي في العالم وبالفن الموسيقي الذي تنم روحه عن إلهام أفريقي.
وستتوزع أنشطة هذا الحدث الموسيقي، ما بين 7 و11 يوليو، فقرتان: «موسيقى المدينة» و«موسيقى القاعة»، بمشاركة فنانين وفرق موسيقية من عدد من بلدان القارة السمراء، تشمل شالو كوريا (أنغولا)، ونبيلة معن وعثمان الخلوفي وثلاثي وادا كناوة أصيلة (المغرب)، ودودو كواتي (مالي - السنغال)، وماريو لوسيو ومجموعة سيمنتيرا (الرأس الأخضر). وفضلاً عن موسم الموسيقى الأفريقي، تقترح الدورة عروضاً موسيقية بمشاركة سوليا مورينتي (إسبانيا)، وفيصل عزيزي وسكينة الفحصي والحضرة الشفشاونية وفرقة محمد العربي التمسماني (المغرب)، و«أركسترا شامبر فرانسي - رباعي الكورد» (فرنسا).
- مشاغل التعبير والكتابة
تدور فقرة «مشغل التعبير الأدبي وكتابة الطفل»، ما بين 8 و11 يوليو، حول شعار «أيقظ خيالك»، الذي يتأسس على مقولة مفادها أن «في كل واحد منا يرقد شاعر أو مبدع وما علينا إلا إيقاظه»، فيما يتوزع برنامج «مشغل الصباغة على الجداريات»، ما بين 16 يونيو إلى 12 يوليو، على مشغل الفنون التشكيلية، ومشغل بيداغوجي(تربوي) لتدريب الأطفال على ممارسة الرسم والصباغة.
ويشارك في جداريات موسم هذه السنة، ما بين 16 و20 يونيو، فنانون من المغرب وفرنسا، وفي مشغل الحفر، ما بين 21 يونيو و12 يوليو، فنانون من الأرجنتين وتونس والمغرب وإيطاليا واليابان وإسبانيا، وفي مشاغل الصباغة، ما بين 21 يونيو و12 يوليو، فنانون من الأرجنتين والبحرين والمغرب وفرنسا وساحل العاج والعراق. فيما ينقل مشغل مواهب الموسم، ما بين 20 يونيو و11 يوليو، كما كتب الناقد الفني فريد الزاهي، لـ«أشياء وأفعال صغيرة يمكن صياغتها في حكاية تاريخية، بل يمكن أن تغدو تاريخا مهماً، محلياً وجهوياً»، من منطلق أن مشاغل أطفال المرسم التي تنظم ضمن موسم أصيلة الثقافي الدولي منذ بداياته، «مر بها العديد من الناشئة الذين صاروا أسماء لامعة في مجال الفن التشكيلي، ومنها أمسك صغار المدينة لأول مرة بالريشة ورسموا أول لوحاتهم وبعضهم صاروا فنانين».
- معارض
يتضمن برنامج المعارض، ما بين 21 يونيو و12 يوليو برمجة «معرض الفنانين الأفارقة... الفنون الأفريقية في أصيلة من 1980 إلى 2018»، الذي يحتفي بأعمال الفنانين الأفارقة الذين شاركوا في مختلف الفنون التشكيلية خلال 38 سنة من عمر الموسم. وفيما يحتفي المعرض الجماعي «الفنانون الزيلاشيون الشباب» بستة أسماء شابة من أبناء أصيلة، ينقل معرض «مجموعة ربيعيات الفنون في أصيلة»، حسب الفنان أحمد بن إسماعيل، لفكرة «مشروع فني خالص، اكتملت فيه أسباب النجاح والتطور، بفضل انسجام فنانات وفنانين من داخل المغرب وخارجه، كونوا صداقات وأظهروا حرصاً كبيراً على فكرة الربيعيات، ورعايتها كنبتة فتية».



رينوار يلقي أشعته على ربيع باريس

في لوحاته عن الحفلات التي كانت تقام في الهواء الطلق يجسد رينوار الرقة في التعاملات ورغد العيش (متحف أورساي)
في لوحاته عن الحفلات التي كانت تقام في الهواء الطلق يجسد رينوار الرقة في التعاملات ورغد العيش (متحف أورساي)
TT

رينوار يلقي أشعته على ربيع باريس

في لوحاته عن الحفلات التي كانت تقام في الهواء الطلق يجسد رينوار الرقة في التعاملات ورغد العيش (متحف أورساي)
في لوحاته عن الحفلات التي كانت تقام في الهواء الطلق يجسد رينوار الرقة في التعاملات ورغد العيش (متحف أورساي)

لطالما اقترن اسم رسامي الثورة الانطباعية بالطبيعة، وبموسم الربيع بالتحديد، نظراً لما في أسلوبهم من ضربات بالفرشاة كأنها تعيد وضع شعاع الشمس على صفحة النهر أو تنقل مداعبة النسمات لأوراق الشجر.

ويبدو الرسام الانطباعي متمرداً على المدرسة الكلاسيكية في نقل المنظور بحذافيره إلى اللوحة. فإذا كان الفنان في عصر النهضة يقوم بدور المصور الفوتوغرافي الذي جاء فيما بعد، فإن موجة فناني المدرسة الانطباعية جرفت تلك الفكرة، وقرر روادها أن ينقلوا المنظور الذي تهجس به مشاعرهم، حتى لو لم يطابق الأصل.

أبرز رواد تلك المدرسة هو الفرنسي أوغست رينوار، وهو الذي يقيم له متحف «أورساي» للفن الحديث في باريس معرضاً كبيراً يستمر حتى 19 يوليو (تموز) المقبل. وتأتي أهميته من أن هذا العدد من لوحات رينوار لم يجتمع في مكان واحد منذ ثمانينات القرن الماضي، فقد تم تنظيم المعرض بالتعاون مع المعرض الوطني في لندن ومتحف الفنون الجميلة في بوسطن الأميركية. إنه التفاهم الجميل الذي يجعل من اللوحات الفنية بضاعة تسافر وتستعار في زمن باتت فيه أسلحة الدمار في صدارة البضائع العابرة للقارات.

من معرض «رينوار والحب... الحداثة الممتعة» في متحف «أورساي» بباريس (المتحف)

موضوع المعرض هو الحب بأشكاله المتعددة، وهو محاولة لإلقاء نظرة جديدة على الرسام الذي عُرف عنه عشقه للطبيعة قبل البشر. ويكشف لنا دليل المعرض عن أن رينوار طوّر بين عامي 1865 و1885 أسلوباً ينحرف عن المألوف الأكاديمي. جاءت لوحاته، الزاخرة بالألوان الغنية بالضوء، لتستكشف العلاقات الإنسانية في البيئات الاجتماعية الحديثة: المقاهي المفتوحة، والشرفات، والحدائق، وقاعات الرقص، بعيداً عن التصوير المثالي أو الدرامي للحب. قدّم الفنان تصويراً للتقارب والتواصل. رسم البسمة والنظرة، والإيماءة، من زاوية المتفرج لا المتلصص.

قدّم الفنان تصويراً للتقارب والتواصل ورسم البسمة والنظرة والإيماءة من زاوية المتفرج لا المتلصص (المتحف)

ففي لوحاته عن الحفلات التي كانت تقام في الهواء الطلق، يجسد رينوار الرقة في التعاملات ورغد العيش والرغبة في الحرية الجديدة لأجساد في مجتمع متغير. تابع الحفلات، واستلهم موضوعاته في واقع فرنسا في القرن التاسع عشر. تبدو لوحاته احتفاء بفرنسا اللاهية والمستريحة. وتصويراً لعلاقات رجال ونساء سعداء، أو هكذا يبدو عليهم. وجاء في دليل المعرض أن القائمين على متحف «أورساي» يرون أن هذه الأعمال تعكس طريقة مبهجة للعلاقات بين الجنسين، لكنها لا تهمل قضية التوافق بينهما، وبالتحديد نظرة الرجل للمرأة.

مرة أخرى، يعاد طرح موضوع تغيّر النظرة للفنون في ضوء المفاهيم العصرية؛ أي محاولة تطبيق مسطرة «الصواب السياسي» على نتاج عصور سابقة ومجتمعات كانت أقل تزمتاً في التعامل مع هذه المفاهيم الجديدة التي ترفض أي انتقاص لمكانة المرأة. إن رينوار لا يتوقف عند المشاهد الرومانسية، فحسب، بل يجتهد لأنْ يضع شخصياته في شبكات من التفاعلات العاطفية. نرى في لوحاته العائلات في اجتماعها، والأطفال في لهوهم، والأصدقاء في نواديهم. ليس في لوحاته مشاهد عن البؤس والتناقضات الطبقية، فهو لا يقسّم المجتمع الفرنسي إلى نبلاء وفلاحين، بل يقدم التناغم الاجتماعي، غير عابئ بشعارات المصلحين.

تبدو لوحاته احتفاء بفرنسا اللاهية والمستريحة (المتحف)

ولد بيير أوغست رينوار في مدينة ليموج، وسط فرنسا، عام 1841، وفارق الحياة في جنوب البلاد عام 1918. وسواء كان محايداً أو ثائراً، فإن لوحاته تبقى متعة للروح وللعينين في كل عصر، ومن مختلف وجهات النظر.


ذاكرة القلق: كيف يكبر الخوف معنا؟

القلق الناتج عن التوتر المفرط بشأن الاختبارات أو المشاريع الدراسية قد يؤثر سلباً على الأداء الأكاديمي للطلاب (رويترز)
القلق الناتج عن التوتر المفرط بشأن الاختبارات أو المشاريع الدراسية قد يؤثر سلباً على الأداء الأكاديمي للطلاب (رويترز)
TT

ذاكرة القلق: كيف يكبر الخوف معنا؟

القلق الناتج عن التوتر المفرط بشأن الاختبارات أو المشاريع الدراسية قد يؤثر سلباً على الأداء الأكاديمي للطلاب (رويترز)
القلق الناتج عن التوتر المفرط بشأن الاختبارات أو المشاريع الدراسية قد يؤثر سلباً على الأداء الأكاديمي للطلاب (رويترز)

في ظل تزايد الضغوط الأكاديمية التي يواجهها الأطفال في مراحل مبكرة من حياتهم الدراسية، لم يعد التوتر المرتبط بالاختبارات مجرد حالة عابرة، بل أصبح ظاهرة تستحق الانتباه لما قد تتركه من آثار طويلة الأمد. فالتعامل غير السليم مع هذا النوع من القلق لا يؤثر فقط على الأداء الدراسي، بل قد يمتد تأثيره إلى الصحة النفسية، واختيارات المستقبل، وحتى القدرة على تحقيق النجاح في مرحلة البلوغ.

وتشير الأبحاث إلى أن القلق الناتج عن التوتر المفرط بشأن الاختبارات أو المشاريع الدراسية قد يؤثر سلباً على الأداء الأكاديمي للطلاب، وفقاً لما أورده موقع «سي إن بي سي».

وتوضح المختصة النفسية السريرية، ترام هوينه، أن مساعدة الآباء لأبنائهم على تعلم كيفية إدارة هذا النوع من التوتر (الذي يُعرف أحيانًا بـ«قلق الاختبار») يمكن أن يؤدي إلى تحسين نتائجهم الدراسية، كما يمنحهم أساساً نفسياً صحياً يساعدهم على أن يصبحوا بالغين أكثر توازناً ونجاحاً.

وتضيف هوينه، مؤسسة مركز "Prep4mance" في أرلينغتون بولاية فرجينيا الأميركية، المتخصص في معالجة قلق الطلاب المرتبط بالاختبارات، أن ترك هذا القلق دون تدخل قد تكون له تبعات واسعة، إذ «يؤثر على ثقة الأطفال بأنفسهم، وكفاءتهم الأكاديمية، وحتى على قراراتهم المتعلقة باختيار المقررات الدراسية والجامعة التي سيتقدمون إليها». وتتابع: «كل ذلك ينعكس في نهاية المطاف على صحتهم النفسية ومساراتهم المهنية».

وقد يبدأ هذا النوع من القلق في سن مبكرة، إذ يمكن أن يظهر لدى الأطفال منذ الصف الثالث. وتشير الدراسات إلى أن ما يصل إلى 40 في المائة من الطلاب يعانون من شكل من أشكال قلق الاختبار. وتذكر هوينه مثالًا لطالبة في المرحلة الإعدادية تعاني من قلق شديد خشية أن تؤثر درجة منخفضة في أحد الاختبارات على فرصها في الالتحاق بجامعة مرموقة.

ومع التقدم في العمر، غالباً ما تتفاقم هذه المشكلة، خصوصاً مع اشتداد المنافسة على القبول الجامعي.

وتوضح هوينه أن ترسّخ فكرة الفشل في ذهن الطالب قد يؤدي إلى حلقة مفرغة من القلق، قائلة: «كلما اعتقدت أنك ضعيف في الاختبارات، زاد اقتناعك بهذه الفكرة. ومع كل تجربة سلبية، يتفاقم الشعور، وتبدأ في توقع نتائج أسوأ في المرات اللاحقة».

وتشير إلى أن استجابات الأطفال لهذا القلق تختلف؛ فبعضهم قد «ينغلق تماماً» ويعجز عن الأداء أثناء الاختبار، بينما يلجأ آخرون إلى أساليب تجنبية، مثل عدم الدراسة، أو الابتعاد عن المواد الصعبة، أو حتى التغيب عن المدرسة في أيام الاختبارات.

وتحذر هوينه من الاعتقاد الشائع لدى بعض الآباء بأن هذه المشكلة ستزول مع مرور الوقت، مؤكدة أن ذلك «غير صحيح». ويشير خبراء الصحة النفسية إلى أن القلق غير المُعالج في الطفولة قد يستمر إلى مرحلة البلوغ، حيث يمكن أن يؤثر على الأداء الوظيفي والقدرة على تحقيق الأهداف المهنية.

في المقابل، تؤكد هوينه أن تعليم الأطفال مهارات إدارة التوتر يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً؛ إذ «نلاحظ تحسناً في ثقتهم الأكاديمية، وارتفاعاً في مستوى تقديرهم لذاتهم، إضافة إلى زيادة قدرتهم على التكيُّف مع الضغوط».

وتختتم بالإشارة إلى أهمية الانتباه إلى بعض العلامات التحذيرية، مثل فقدان الشهية، أو اضطرابات النوم، أو فقدان الاهتمام بالأنشطة التي كانت تُسعد الطفل، معتبرة أن هذه المؤشرات قد تعني أن «مخاوفه أصبحت طاغية»، وهو ما يستدعي اللجوء إلى مختص في الصحة النفسية للحصول على الدعم المناسب.


اكتشاف كوكب شبيه للمشتري خارج مجموعتنا الشمسية

تصور فني للكوكب مع سحب مائية تعلو غلافه الجوي الذي يهيمن عليه الأمونيا (إليزابيث ماثيوز - معهد ماكس بلانك)
تصور فني للكوكب مع سحب مائية تعلو غلافه الجوي الذي يهيمن عليه الأمونيا (إليزابيث ماثيوز - معهد ماكس بلانك)
TT

اكتشاف كوكب شبيه للمشتري خارج مجموعتنا الشمسية

تصور فني للكوكب مع سحب مائية تعلو غلافه الجوي الذي يهيمن عليه الأمونيا (إليزابيث ماثيوز - معهد ماكس بلانك)
تصور فني للكوكب مع سحب مائية تعلو غلافه الجوي الذي يهيمن عليه الأمونيا (إليزابيث ماثيوز - معهد ماكس بلانك)

توصل فريق من علماء الفلك بقيادة إليزابيث ماثيوز في معهد ماكس بلانك لعلم الفلك (MPIA) إلى اكتشاف سحب من جليد الماء على كوكب بعيد يشبه المشتري خارج مجموعتنا الشمسية، ويُدعى إبسيلون إندي أب.

ووفق دراستهم، يُسلط الاكتشاف الجديد الضوء على قصور معظم النماذج الفلكية الحالية لرصد أغلفة الكواكب الخارجية، كما يتوقع أن يكون لهذه الملاحظات آثارٌ أوسع على الأبحاث المتعلقة باكتشاف ودراسة الكواكب الخارجية.

ويأمل علماء الفلك، خلال العقود القليلة المقبلة، في رصد آثار للحياة على كوكب خارج المجموعة الشمسية. وقد مرّت هذه الأبحاث بمراحل عديدة في سبيل تحقيق هذا الهدف. في المرحلة الأولى من البحث، من عام 1995 وحتى عام 2022 تقريباً، انصبّ تركيز باحثي الكواكب الخارجية على اكتشاف المزيد منها، باستخدام أساليب غير مباشرة وفرت لهم معلومات حول كتل بعضها، وأقطار أخرى، وفي بعض الحالات حول كليهما.

ولكن عندما بدأ تلسكوب جيمس ويب الفضائي (JWST) العمل بكامل طاقته عام 2022، دخل البحث عن الكواكب الخارجية مرحلة ثانية: إذ توفرت معلومات عالية الجودة ومفصلة عن أغلفة العديد من تلك الكواكب.

تقول إليزابيث ماثيوز من معهد ماكس بلانك لعلم الفلك، والمؤلفة الرئيسية للدراسة: «يُتيح لنا تلسكوب جيمس ويب الفضائي دراسة الكواكب الشبيهة بكوكب المشتري في نظامنا الشمسي بتفصيل دقيق».

استخدمت ماثيوز وزملاؤها جهاز الأشعة تحت الحمراء المتوسطة MIRI التابع لتلسكوب جيمس ويب الفضائي للحصول على صور مباشرة لكوكب إبسيلون إندي أب. وبحسب اصطلاحات تسمية الكواكب الخارجية، يشير هذا الاسم إلى أول كوكب يُكتشف يدور حول نجم إبسيلون إندي أب في كوكبة السند في سماء نصف الكرة الجنوبي.

كتلة أكبر من المشتري

ويقول بهافيش راجبوت، طالب الدكتوراه في معهد ماكس بلانك لعلم الفلك، والذي ساهم في الدراسة: «يتمتع هذا الكوكب بكتلة أكبر بكثير من كتلة المشتري - إذ تُحدد الدراسة الجديدة كتلته بـ 7.6 ضعف كتلة المشتري - لكن قطره يُقارب قطر كوكب المشتري في مجموعتنا الشمسية».

ويقع كوكب إبسيلون إندي أب، وهو كوكبٌ أضخم وأكثر دفئاً بقليل من كوكب المشتري، على بُعد أربعة أضعاف المسافة بينه وبين نجمه المركزي الذى يعد أقل ضخامة وأقل حرارة من شمسنا. ونتيجةً لذلك، فإن درجة حرارة سطح إبسيلون إندي أب منخفضة جداً، حيث تتراوح بين 200 و300 كلفن (بين -70 و+20 درجة مئوية). وعلى مدى مليارات السنين القادمة، سيبرد إبسيلون إندي أب تدريجياً، ليصبح في النهاية أبرد من المشتري.

واستخدم علماء الفلك جهاز الكورونوغراف الخاص بكاميرا MIRI لحجب ضوء النجم المركزي، الذي كان سيطغى على ضوء الكوكب الخافت. ثم التقطوا صورةً عبر مرشحٍ خاص جداً: 11.3 ميكرومتر.

أدلة مفاجئة على وجود السحب

بالنسبة لكوكب المشتري، يهيمن كل من غاز الأمونيا وسحب الأمونيا على الطبقات العليا من الغلاف الجوي المرئية في عمليات الرصد. ونظراً لخصائصه، كان يُعتقد أن نجم إبسيلون إندي أب يحتوي على كميات هائلة من غاز الأمونيا أيضاً، وإن لم يكن يحتوي على سحب أمونيا. والمثير للدهشة أن المقارنة الضوئية أظهرت كمية أمونيا أقل من المتوقع. وأفضل تفسير توصلت إليه ماثيوز وزملاؤها لهذا النقص هو وجود سحب كثيفة ولكنها غير منتظمة من جليد الماء، تشبه السحب الرقيقة عالية الارتفاع في الغلاف الجوي للأرض - وهو تعقيد غير متوقع!

ويقول جيمس مانغ من جامعة تكساس الأميركية في أوستن، وأحد المشاركين في إعداد الدراسة: «إنها مشكلة رائعة، وتدل على التقدم الهائل الذي نحرزه بفضل تلسكوب جيمس ويب الفضائي. ما كان يبدو مستحيلاً رصده أصبح الآن في متناول أيدينا، مما يسمح لنا بدراسة بنية هذه الأغلفة الجوية، بما في ذلك وجود السحب. وهذا يكشف عن طبقات جديدة من التعقيد بدأت نماذجنا الآن في رصدها، ويفتح الباب أمام توصيف أكثر تفصيلاً لهذه العوالم الباردة والبعيدة».