أطباء متقاعدون يعودون إلى العمل لسد النقص في المستشفيات المصرية

طبيب واحد لكل 1162 مواطناً في مصر

أطباء مصريون يتظاهرون احتجاجاً على أوضاعهم (أرشيفية - رويترز)
أطباء مصريون يتظاهرون احتجاجاً على أوضاعهم (أرشيفية - رويترز)
TT

أطباء متقاعدون يعودون إلى العمل لسد النقص في المستشفيات المصرية

أطباء مصريون يتظاهرون احتجاجاً على أوضاعهم (أرشيفية - رويترز)
أطباء مصريون يتظاهرون احتجاجاً على أوضاعهم (أرشيفية - رويترز)

عاد محمد دياب، طبيب مصري يبلغ من العمر (61 عاماً) للعمل الحكومي من جديد، رغم تجاوزه سن المعاش الرسمي (60 عاماً)، بعد إتمام جميع إجراءات القبول بوظيفة طبيب وحدة ريفية بمُحافظة الشرقية، بدلتا مصر، مستغلا رفع وزارة الصحة المصرية قيد السن للعمل في مستشفياتها حتى سن الخامسة والستين، في إعلان وظيفي جديد.
تعرف دياب على هذه الوظيفة من خلال إعلان نشرته وزارة الصحة في أكثر من صحيفة مصرية، أعلنت من خلاله حاجتها للتعاقد مع أطباء بشريين لمدة سنة قابلة للتجديد، للعمل بمراكز صحية في 11 مُحافظة، وذلك ضمن مشروع أطلقته تحت شعار «تطوير الرعاية الصحية في مصر» بالتعاون مع البنك الدولي للإعمار والتنمية.

تصادف ورود اسم المحافظة التي يسكن فيها «دياب» من بين المناطق التي أعلنت الوزارة عن الحاجة لأطباء فيها دفعه للتفكير للتخلي عن الوظيفة التي عمل بها في القطاع الخاص مسؤولا عن العيادة الطبية بإحدى الجامعات الخاصة في القاهرة، بعدما أنهى عمله الحكومي الرسمي، قبل عام. ويقول: «وجدت في العمل الحكومي مزايا من حيث ارتفاع الراتب ونظام الإجازات، فضلاً عن التخلي عن عبء السفر اليومي لمكان الجامعة بالقاهرة».
سبب آخر يُضيفه دياب لتفضيل العمل الحكومي هو وجود نظام التأمين وأجر مالي «جيد» يصل لنحو 6500 جنيه (375 دولارا) على خلاف عمله في القطاع الخاص والذي كان يحصل فيه على الأجر اليومي بسبب «وجود جهات دولية كالبنك الأوروبي تقف خلف تمويل المشروع».
اضطرار دياب للعمل بعد نهاية سن المعاش يعود «لضآلة» قيمة المعاش الذي يتقاضاه ويصل لنحو 1400 جنيه مصري (80 دولاراً شهرياً).
دياب ليس الوحيد ممن تجاوز سن الستين الذي وافقت وزارة الصحة عليه، بعد استيفائه شروط العمل، وإجرائه المقابلة الشفوية مع مسؤولي الوزارة عبر تطبيق الاتصال الحديث «الفيديو كونفرنس»، بل شمل «جميع» المتعاقدين الجُدد ضمن خططها لمواجهة أزمة نقص الأطباء العاملين بالقطاع الصحي الحكومي في ظل تراجع آلاف من الأطباء الشباب عن العمل في وزارة الصحة لأسباب لها علاقة بتفضيل السفر للخارج أو التعاقد مع المستشفيات الخاصة برواتب أكبر.
وبحسب تصريحات لوزيرة الصحة هالة زايد، أمام مجلس النواب المصري في سبتمبر (أيلول) الماضي، فإن مصر بها 103 آلاف طبيب لـ100 مليون مواطن، وأن 60 في المائة من الأطباء المصريين سافروا للعمل في الخارج، بينما تُقدر دراسة أعدها المجلس الأعلى للجامعات ووزارة الصحة أن نقص أعداد الأطباء البشريين يقترب من نسبة 62 في المائة عن المُعدلات العالمية، حيث يوجد طبيب بشري لكُل 1162 مواطنا في مصر، مُقابل (434 فرداً وفقاً للمعدلات العالمية).
وتُشير الدراسة كذلك إلى أن عدد الأطباء البشريين المسجلين والحاصلين على ترخيص مزاولة المهنة، باستثناء أصحاب المعاش، يبلغ 212 ألفا و835 طبيبا، يعمل منهم حاليا في قطاعات الصحة كلها 82 ألف طبيب فقط.
الانخفاض المتزايد في عدد الأطباء البشريين العاملين بالقطاع الصحي الحكومي، يُرجعه أحمد حسين، عضو مجلس النقابة العامة للأطباء، إلى أسباب متباينة، وموجودة منذ عقود طويلة تتعلق بانخفاض المقابل المادي الذي يتقاضاه الطبيب، وتدني الحوافز المالية فضلاً عن بيئة العمل «غير المؤهلة» داخل المستشفيات، والتوزيع الجغرافي «غير العادل» للأطباء في مناطق جغرافية بعيدة عن مناطق سكنهم، فضلاً عن أن الطبيب أصبح مُعرضاً للاعتداء في أي وقت بسبب عدم وجود تأمين للمستشفيات.
ويؤكد حسين لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الأزمة موجودة منذ سنوات طويلة؛ لكنها «انفجرت» مؤخراً نتيجة سياسة التستر عليها من جانب المسؤولين الحكوميين وإيهام الجميع بأن الأمور «جيدة»، موضحاً أن هذه الظروف دفعت النسبة الكبرى من الأطباء لرفض العمل بالقطاع الحكومي، والسفر للخارج، أو العمل في مستشفيات خاصة.
يقترح حسين ثلاثة مسارات ينبغي العمل عليها من أجل استرجاع الأطباء للعمل بالقطاع الطبي الحكومي المصري. والتي تتمثل في رفع مستوى التدريب المقدم للأطباء، وتأمين بيئة عمل مناسبة لهم، مع رفع مستواهم المادي.
ويتقاضى الطبيب المصري نحو 1800 جنيه مصري (110 دولارات) لدى التحاقه بالمستشفى الحكومي بعد إنهائه الدراسة الجامعية مباشرة، وفقاً لحسين.
بينما كان آخر أجر مالي تقاضاه حسين من المستشفى الحكومي التي عمل بصفته أحد مديريها لنحو 15 عاماً، هو 4000 جنيه مصري (240 دولارا) قبيل حصوله على إجازة من العمل بعدما «يئس» من إصلاح الأوضاع السيئة، ويقول: «جاءني شعور أن العمل (بلا جدوى) سواء مادياً أو أدبياً، كما أصبح متشككاً في إمكانية تحسن الوضع بعد محاولات إصلاح مُتكررة انتهت بالفشل كنتاج للعشوائية والعمل في جزر «منعزلة» داخل وزارة الصحة بين القطاعات، وفقا لتعبيره.
سينتقل حسين للعمل في وظيفة أخرى غير مهنة الطب، كحال «كثير» من أقرانه، وفقاً له، ويُضيف أن بعض الأطباء تركوا مهنة الطب، في السنوات الأخيرة، وعملوا في مهن أخرى يستطيعون من خلالها الحصول على أجر مناسب.
وكان رئيس الوزراء المصري أعلن مؤخرا عن خطة الحكومة، بناء على تكليفات رئاسية، لمواجهة أزمة نقص عدد الأطباء عبر أكثر من محور أبرزها تخريج دفعات استثنائية من خريجي كليات الطب، فضلاً عن التوسع في إنشاء كليات طب بشري جديدة حكومية أو خاصة أو أهلية، وزيادة أعداد الطلاب المقبولين بكُليات الطب، وكذلك تأهيل مزيد من الأطباء لسد العجز الحالي في المستشفيات.
وسبق ذلك محاولات كثيرة من مجلس النواب لمواجهة الأزمة كان أبرزها ما تقدمت به النائبة شادية ثابت، عضوة لجنة الشؤون الصحية بمجلس النواب، بمقترح قانون ينص على حظر الأطباء من السفر إلى الخارج إلا بعد العمل 10 سنوات في المستشفيات الحكومية.
من جانبه، يعتقد علاء غنام، مسؤول «الحق في الصحة» في «المبادرة المصرية للحقوق الشخصية» والخبير في إصلاح القطاع الصحي، أن أزمة نقص الأطباء في المستشفيات الحكومية المصرية عُمرها يصل لنحو ثلاثين عاماً، في ظل الظروف السيئة المادية لغالبيتهم، فضلاً عن التوزيع الجغرافي «غير العادل»، موضحاً أن ما طرحته الحكومة لمواجهة هذه الأزمة سواء خططها لتحسين الظروف، والاستعانة بالأطباء ممن تجاوزا سن المعاش يصلح حلولا على المدى القصير.
لكنه يستدرك قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن ما يتحدث عنه رئيس الوزراء حول تخريج دفعات استثنائية لمواجهة الأزمة يصلح في مهن أخرى غير الطبيب، لأسباب لها علاقة بأن الدراسة العامة للطب لا يمكن أن تكون بهذا الشكل، موضحاً أن المطلوب هو تحويل تلك السياسات إلى خطط قابلة للتطبيق على أرض الواقع وضمان الوصول للأهداف النهائية والكلية لها.
ويوضح أن المُشكلة ليست في عدد الأطباء، لكن المشكلة الحقيقية هي «التطفيش (دفع الأطباء للرحيل)» بسبب بيئة العمل غير المناسبة لهم.
ويُضيف غنام، الذي كان عضواً بلجنة إعداد قانون التأمين الصحي الشامل، أن أفضل الحلول على المدى البعيد يتمثل في البدء في تطبيق قانون التأمين الصحي الذي وافق عليه البرلمان نهائياً في ديسمبر (كانون الأول) عام 2017، لكون القانون يتضمن تصوراً شاملاً للائحة رواتب وأجور الفريق الطبي، والحزم التحفيزية، يربطها القانون بأداء الطبيب، ويصف غنام القانون المنتظر بجوهر وخط دفاع خطة إصلاح المنظومة الصحية الحديثة.



ممارسات حوثية تحرم اليمنيين بهجتهم بالعيد

تراجع إقبال السكان على دخول الحدائق في صنعاء بسبب ارتفاع أسعار خدماتها (غيتي)
تراجع إقبال السكان على دخول الحدائق في صنعاء بسبب ارتفاع أسعار خدماتها (غيتي)
TT

ممارسات حوثية تحرم اليمنيين بهجتهم بالعيد

تراجع إقبال السكان على دخول الحدائق في صنعاء بسبب ارتفاع أسعار خدماتها (غيتي)
تراجع إقبال السكان على دخول الحدائق في صنعاء بسبب ارتفاع أسعار خدماتها (غيتي)

مثلما كانت أسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وسائر مدن ومناطق سيطرة الحوثيين، شبه خالية من المتسوقين خلال الأيام الأخيرة من شهر رمضان، ظلت الحدائق والمتنزهات العامة والخاصة، على قلتها، خفيفة الزحام خلال أيام عيد الفطر، بعد أن عجز معظم السكان عن شراء الملابس ومستلزمات العيد، وقضوا أيام العيد في منازلهم.

ولاقى إعلان الجماعة الحوثية جاهزية 66 حديقة في صنعاء لاستقبال المتنزهين خلال عيد الفطر، تهكماً واستنكاراً واسعَين، فإلى جانب المبالغة في عدد الحدائق، كشف العديد من السكان عن عدم مقدرتهم على دخولها؛ بسبب الرسوم الكبيرة، بينما تعاني غالبيتها من الإهمال ورداءة الخدمات.

واستغرب سكان تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط» من مزاعم الجماعة حول عدد الحدائق رغم أن صنعاء لم تشهد نشوء أي حديقة فيها خلال سنوات سيطرة الجماعة الحوثية، مشيرين إلى أن الجماعة تسمي المجسمات والمساحات التي تستحدثها للدعاية لمشروعها «حدائق عامة» أو «متنزهات».

وتمَّ استحداث غالبية هذه المجسمات والمساحات في الشوارع العامة وتقاطعاتها، ولا توجد مساحات في محيطها للتنزه، كما لا يمكن إنشاء مرافق ترفيهية أو خدمية تابعة لها.

الجماعة الحوثية صنَّفت المجسمات التي تمثل مشروعها ضمن الحدائق ومتنزهات الترفيه (إعلام حوثي)

ولا يوجد في صنعاء سوى 9 حدائق عامة فقط، منها 3 حدائق كبيرة، واحدة منها حديقة حيوانات في جنوب المدينة، بينما تقع الثانية في وسطها وتسمى «حديقة السبعين»، غير أنه جرى خصخصة مرافقها الترفيهية منذ سنوات، ولم يعد الدخول إليها متاحاً لذوي الدخل المحدود، ويقول السكان إن أسعارها باتت مرتفعة جداً.

وتقع الحديقة الثالثة في شمال المدينة، وتسمى «حديقة الثورة»، ورغم مساحتها الكبيرة، فإن شكاوى كثيرة تصاعدت خلال السنوات الأخيرة من أن الإهمال الذي طالها وتسبب في تردي خدماتها واندثار الأشجار والنباتات وخلوها من المساحات الخضراء، في حين يفرض الحوثيون رسوماً كبيرة على الدخول إليها والاستمتاع بمنشآتها، دون إجراء أي أعمال صيانة وتنظيف لها.

مصادرة الترفيه

أنشأت الحكومات اليمنية السابقة 6 حدائق أخرى صغيرة المساحة في صنعاء، إلا أنها تعرَّضت للإهمال تحت سيطرة الحوثيين، وتكاد تخلو حالياً من المرافق الترفيهية، وتعرَّضت مثل غيرها للإهمال وفرض رسوم كبيرة على خدماتها؛ ما تسبب في عزوف السكان عن الدخول إليها.

شارع الرياض حيث أشهر سوق شعبية في صنعاء يبدو خالياً من المتسوقين (فيسبوك)

وبحسب المصادر، شهدت السنوات الأخيرة نشوء مناطق ألعاب للأطفال ومتنزهات صغيرة المساحة، وغالبيتها استثمارات خاصة، إلا أن أسعار دخولها ليست في متناول جميع سكان صنعاء، خصوصاً بعد سنوات طويلة من انقطاع الرواتب وتردي المعيشة وانتشار البطالة.

ويلجأ ملاك هذه المساحات والمتنزهات إلى رفع أسعار خدماتها؛ بسبب الجبايات التي تفرضها الجماعة الحوثية، أو يضطرون لإغلاقها؛ نتيجة قلة الإقبال عليها.

وطبقاً للمصادر، تزيد الجماعة الحوثية من فرض جباياتها على هذه المنشآت خلال أيام الأعياد والإجازات والإجازة الدراسية، بحجة زيادة مداخيلها خلال هذه الفترات.

واشتكى تجار في العاصمة المختطفة من تراجع حركة البيع خلال رمضان، ورغم أنهم علقوا آمالهم على الأيام الأخيرة من هذا الشهر، فإن العيد وصل ولم تشهد محلاتهم سوى إقبال متدنٍ على الشراء، في حين بدت الشوارع والأسواق في تلك الأيام شبه خالية كأنها في أيام العيد.

«حديقة الثورة» في صنعاء تعاني من الإهمال وانعدام الصيانة (فيسبوك)

يقول غازي، وهو طالب جامعي عمل سابقاً بائعاً متجولاً، إنه شعر بالاكتئاب عند زيارته شارع الرياض، غرب صنعاء، قبيل عيد الفطر بأيام، إذ كانت غالبية المحلات التجارية مقفلة، والمطاعم والمقاهي خالية، والحركة هادئة، وهو ما لم يكن يحدث سابقاً إلا في أيام العيد فقط.

أسواق تندثر

أجبر الحوثيون الباعة المتجولين على مغادرة الأسواق الرئيسية، ومنها أسواق شارع الرياض، بعد أن فرضوا عليهم جبايات باهظة، دون منحهم مساحات بديلة لمزاولة أنشطتهم، وفرضوا جبايات أكثر تكلفة على ملاك المحلات.

يتذكر غازي خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» كيف أنه عُرض عليه، عندما كان بائعاً متجولاً، قبل سنوات طويلة، التنازل عن المساحة التي كان يستخدمها لبيع بضاعته على رصيف الشارع، مقابل مبلغ كبير يوازي 3 آلاف دولار حينها، أما الآن فالتجار يغلقون محلاتهم في الشارع نهائياً.

ويشتهر شارع الرياض ومحيطه، بكونه إحدى أكبر الأسواق الشعبية في صنعاء وأكثرها ازدحاماً؛ نظراً لانتشار البضائع الرخيصة ذات الجودة المقبولة فيه.

سوق شعبية للملابس في صنعاء التي يعاني سكانها من انفجار أسعار كبير (الشرق الأوسط)

واضطر أحد تجار الملابس، إلى إغلاق محله في وسط العاصمة صنعاء، مكتفياً بالبيع عبر الإنترنت لتصريف ما أمكنه من ملابس استوردها من الهند والصين، وفشل في بيعها بسبب تراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويبيِّن التاجر، الذي فضَّل عدم الكشف عن هويته، أن إغلاق محلاته جاء بعد أن وجد نفسه لا يحقق أرباحاً، فأقدم على ذلك للتخفف من دفع الإيجار ورواتب العمال لديه.

ويضطر كثير من الميسورين إلى إخفاء مظاهر فرحتهم بالعيد مراعاة لمشاعر غالبية السكان، أو تجنباً لتشبيههم بالمنتمين للجماعة الحوثية التي استحوذت على الثروات والأموال لصالح قادتها وأفرادها بالفساد والنهب والجبايات، والذين لا يترددون في التباهي بثرائهم.

ويبيِّن مهيب علوان، وهو معلم كيمياء يعمل في مدرسة أهلية ويقدِّم دروساً خصوصية، أنه إذا استطاع شراء ملابس وألعاب لأطفاله، فإنه يعاني كثيراً لإقناعهم بعدم الخروج بها أمام جيرانهم ومعارفهم حرصاً على مشاعر أطفالهم الذين لم يرتدوا ملابس جديدة منذ فترة طويلة.


تناغم حوثي مع تصريحات إيرانية تهدد باستخدام ورقة البحر الأحمر

حشد من الحوثيين في صنعاء خلال تجمع داعم لإيران دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حشد من الحوثيين في صنعاء خلال تجمع داعم لإيران دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

تناغم حوثي مع تصريحات إيرانية تهدد باستخدام ورقة البحر الأحمر

حشد من الحوثيين في صنعاء خلال تجمع داعم لإيران دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حشد من الحوثيين في صنعاء خلال تجمع داعم لإيران دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ظل المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى مع ذراعيها اللبناني والعراقي، يواصل الحوثيون في اليمن تصعيدهم الكلامي، مؤكدين أنهم «لن يقفوا مكتوفي الأيدي»، لكن من دون الانتقال حتى الآن إلى مستوى الانخراط العسكري المباشر إلى جانب طهران.

وحتى 22 مارس (آذار) الحالي، أي بعد نحو ثلاثة أسابيع منذ بداية الحرب، اكتفت الجماعة، التي ينظر إليها على أنها صنيعة إيرانية، بإصدار بيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التأكيد على «الجاهزية» لأي تطورات، في وقت تتقاطع فيه هذه المواقف مع تهديدات إيرانية بتوسيع نطاق التوتر إلى ممرات بحرية استراتيجية، من بينها البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

أحدث هذه المواقف الحوثية جاء في بيان منسوب لوزارة خارجيتهم في حكومتهم الانقلابية، حيث عبرت الجماعة عن رفضها لأي تحركات دولية مرتبطة بمضيق هرمز، معتبرة أن الولايات المتحدة «تدفع المنطقة نحو مأزق استراتيجي» عبر سياساتها.

وحذّر البيان الحوثي من انخراط دول إقليمية في أي تصعيد، منتقداً ما وصفه بـ«الارتهان» للسياسات الأميركية، مع الزعم بأن أي تدخل خارجي سيؤدي إلى تداعيات سلبية واسعة على المنطقة.

الحوثيون رفعوا في شوارع صنعاء صوراً ضخمة لخامنئي بعد مقتله (إ.ب.أ)

وفي حين ركز البيان على المخاطر المحتملة لتوسيع رقعة المواجهة، لافتاً إلى أن ذلك قد ينعكس على سلاسل الإمداد العالمية وأسعار الطاقة، هددت الجماعة الحوثية بأنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، في إشارة إلى إمكانية انخراطها في الحرب.

هذا الموقف يتقاطع مع تصريحات إيرانية حديثة، حيث لوّحت طهران باستخدام الورقة الحوثية لزعزعة أمن البحر الأحمر وباب المندب في حال تعرضت جزيرة خارك لأي هجوم أميركي، وهددت بأن ذلك يدخل ضمن ما سمته «خيارات محور المقاومة».

تأجيل الانخراط

كان زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي حافظ من بدء الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، على نهج يجمع بين إعلان الدعم السياسي والآيديولوجي لإيران، وتجنب إعلان تدخل عسكري مباشر.

وأكد الحوثي وقوف جماعته إلى جانب طهران، واصفاً الصراع بأنه «حرب على الإسلام»، مع التشديد على الاستعداد لكافة السيناريوهات، ودعوة جماعته للتظاهر في سياق التأييد لطهران.

وفي حين لم يقدم الحوثيون حتى الآن على أي خطوات ميدانية مرتبطة مباشرة بالحرب على إيران، يعكس هذا التردد، وفق تقديرات باحثين تحدثوا سابقاً لـ«الشرق الأوسط»، جملة من الحسابات المعقدة، في مقدمها الخشية من استدراج ضربات عسكرية أميركية وإسرائيلية واسعة، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية لممرات البحر الأحمر وباب المندب للتجارة العالمية.

كما أن الجماعة، التي خاضت خلال العامين الماضيين تصعيداً واسعاً في البحر الأحمر عبر استهداف السفن وكذلك عبر مهاجمة إسرائيل، قد تفضل الاحتفاظ بورقة التصعيد كورقة ضغط مؤجلة، بدلاً من استنزافها في توقيت غير محسوب.

ويمنح هذا النهج الحوثيين هامشاً أكبر للمناورة، سواء على المستوى العسكري أو السياسي، داخل ما يُعرف بمحور المقاومة الذي تقوده إيران.

المواجهة السابقة

يأتي هذا الموقف في سياق تصعيدي بدأ منذ أواخر عام 2023، عندما شرع الحوثيون في تنفيذ هجمات على سفن في البحر الأحمر، تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة. وخلال نحو عامين، تبنت الجماعة مئات الهجمات باستخدام صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة وزوارق مفخخة، ما أدى إلى إغراق سفن وإلحاق أضرار بعشرات أخرى.

جانب من مقبرة أنشأها الحوثيون في صنعاء لقتلاهم (إ.ب.أ)

وقد أسفرت هذه العمليات عن تداعيات أمنية واقتصادية واسعة، دفعت الولايات المتحدة وبريطانيا إلى تنفيذ حملة عسكرية ضد مواقع الحوثيين، شملت مئات الضربات الجوية والبحرية، قبل أن تتوقف لاحقاً بوساطة إقليمية.

كما نفذت إسرائيل -رداّ على الهجمات- ضربات استهدفت بنى تحتية في مناطق سيطرة الحوثيين، بينها موانٍ ومحطات كهرباء ومصانع أسمنت، فضلاً عن مطار صنعاء، كما استهدفت كبار قادة الجماعة وقتلت رئيس أركانها ورئيس حكومتها مع تسعة من وزرائه.


القوات اليمنية ترفع جاهزيتها في خطوط المواجهة مع الحوثيين

القوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين في أتم جاهزيتها القتالية (الإعلام العسكري اليمني)
القوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين في أتم جاهزيتها القتالية (الإعلام العسكري اليمني)
TT

القوات اليمنية ترفع جاهزيتها في خطوط المواجهة مع الحوثيين

القوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين في أتم جاهزيتها القتالية (الإعلام العسكري اليمني)
القوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين في أتم جاهزيتها القتالية (الإعلام العسكري اليمني)

مع دخول الحرب على إيران مرحلة جديدة، بإعلان 22 دولة استعدادها للمشاركة في تأمين الملاحة في مضيق هرمز، عيّن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني قيادة جديدة لقوات «درع الوطن»، وأشاد بجاهزية القوات المسلحة في مختلف المناطق، في وقت كثّفت فيه القيادات العسكرية لقاءاتها وزياراتها الميدانية للقوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين.

جاء ذلك في وقت تواصل فيه الجماعة الحوثية، المختطِفة للعاصمة اليمنية صنعاء، حشد مقاتليها إلى خطوط المواجهة مع القوات الحكومية، وبالذات في جنوب محافظتي مأرب والحديدة، مع نقل منصات إطلاق الصواريخ إلى محافظات الجوف وصعدة والحديدة وحجة، في تحركات يُعتقد أنها تأتي استعداداً للانخراط في القتال إلى جانب إيران واستهداف حركة الملاحة في مضيق باب المندب.

وأصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، قراراً بتعيين العميد بسام محضار قائداً لقوات «درع الوطن»، وترقيته إلى رتبة لواء. كما عيّن العميد عبد الرحمن اللحجي رئيساً لأركان هذه القوات، إضافة إلى عمله قائداً للواء الرابع مشاة، وترقيته إلى رتبة لواء.

إشادة رئاسية بأداء الجيش اليمني في إفشال مخططات الحوثيين (إعلام حكومي)

جاءت هذه التعيينات متزامنة مع إشادة العليمي بجاهزية وحدات الجيش في مختلف الجبهات وتضحياتها، خلال اتصالين أجراهما مع وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، ورئيس هيئة الأركان العامة الفريق الركن صغير بن عزيز، حيث أشاد بما وصفه بـ«الصمود البطولي والملاحم الوطنية» التي يسطرها منتسبو هذه القوات في مواجهة الحوثيين، مؤكداً أن تضحياتهم تمثل حجر الأساس في ردع المشروع «التخريبي الإيراني» وإفشال مخططاته التوسعية.

واستمع العليمي، طبقاً للمصادر الرسمية، إلى مستجدات الأوضاع الميدانية ووضع المقاتلين في مختلف مسارح العمليات، مثنياً على ما يتحلون به من يقظة عالية وانضباط وروح وطنية مسؤولة في أداء واجبهم. كما أشاد بدور السعودية ودعمها المستمر للشعب اليمني وقيادته الشرعية ومؤسساته الوطنية، بما يعزز تطلعاته إلى الأمن والاستقرار والسلام.

تحركات في الساحل الغربي

في سياق هذه التحركات، ترأس عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح لقاءً لقيادة وضباط من مختلف المستويات في محوري الحديدة والبرح القتاليين في الساحل الغربي، كُرّس لمناقشة مستوى الجاهزية الميدانية وتقييم سير الأداء في مناطق الانتشار، بما يعزز كفاءة الوحدات ويرفع مستوى التنسيق بين مختلف التشكيلات.

وبعد يوم من تصدي القوات الحكومية لهجوم نفذه الحوثيون في جبهة جنوب الحديدة، أكد صالح أهمية الحفاظ على الانضباط العسكري، ومواصلة برامج التأهيل والتدريب، والعمل بروح الفريق الواحد، بما يسهم في تطوير الأداء والارتقاء بمستوى الجاهزية.

ونبّه عضو مجلس القيادة الرئاسي إلى ضرورة مضاعفة الجهود خلال هذه الفترة للحفاظ على الأمن والاستقرار، وتعزيز الحضور الميداني بما يضمن حماية المواطنين والتصدي للممارسات «الإرهابية» التي تقوم بها الجماعة الحوثية.

تنسيق في حضرموت ومأرب

في الاتجاه نفسه، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مع قائد المنطقة العسكرية الأولى وقائد الفرقة الثانية في قوات «درع الوطن» اللواء فهد بامؤمن مستجدات الأوضاع العسكرية والأمنية في وادي وصحراء حضرموت.

واستعرض المحرّمي، وفق المصادر الرسمية، جملة من التطورات الميدانية والجهود المبذولة لرفع مستوى الجاهزية القتالية وتعزيز التنسيق بين الوحدات العسكرية والأجهزة الأمنية، بما يسهم في تثبيت الأمن والاستقرار والتعامل مع التحديات القائمة، وفي مقدمتها مكافحة التهريب والتصدي للشبكات التي تعبث بأمن الوادي والصحراء.

تعزيز التنسيق بين الوحدات العسكرية والأمنية في محافظة حضرموت (إعلام حكومي)

وأكد عضو مجلس الحكم اليمني أن المرحلة الحالية تتطلب مضاعفة الجهود ورفع مستوى الأداء العسكري والأمني لحماية الأرض والإنسان في وادي وصحراء حضرموت، وصون أمن واستقرار المحافظة، مشدداً على ضرورة تعزيز التنسيق والعمل المشترك بين مختلف القوات، بما يضمن مواجهة أي تهديدات أو اختراقات.

بدوره، زار رئيس لجنة الحصر في المنطقة العسكرية الثانية بساحل حضرموت، العميد أحمد البيتي، لواء النخبة الحضرمي؛ بهدف تقييم الجاهزية وتعزيز الحضور القيادي في الوحدات العسكرية، والاطلاع على مستوى التأهب العملياتي والانضباط العسكري وجاهزية الأفراد لتنفيذ المهام الموكلة إليهم.

وأشاد المسؤول العسكري بما لمسه من كفاءة عالية وروح قتالية وانضباط يعكس مستوى التدريب والالتزام، كما استمع إلى عرض حول سير الأداء الميداني وأبرز التحديات، موجهاً بضرورة رفع وتيرة الجاهزية بما يواكب متطلبات المرحلة.

وفي المنطقة العسكرية الثالثة بمحافظة مأرب، اطّلع قائد المنطقة اللواء الركن منصور ثوابه على أوضاع القوات في الجبهات الجنوبية للمحافظة، وتنقّل بين عدد من المواقع في خطوط التماس مع الحوثيين، مشيداً بصمودهم وتضحياتهم، ومؤكداً ضرورة مضاعفة الجهود ورفع مستوى الجاهزية واليقظة القتالية، والاستمرار في تنفيذ المهام بكفاءة واقتدار.

من جهتها، أكدت المنطقة العسكرية الخامسة المرابطة في محافظة حجة، شمال غربي اليمن، جاهزية المحاور كافة لخوض المعركة الوطنية ضد الحوثيين إلى جانب مختلف تشكيلات القوات المسلحة في عموم اليمن، واستعادة الدولة.