تركيا: إمام أوغلو للحفاظ على حظوظه باستعادة بلدية إسطنبول بعد المناظرة

تركيا: إمام أوغلو للحفاظ على حظوظه باستعادة بلدية إسطنبول بعد المناظرة

يلدريم بدا مهتزاً وحاول توجيه الاتهامات لمنافسه وربطه بغولن
الثلاثاء - 14 شوال 1440 هـ - 18 يونيو 2019 مـ رقم العدد [ 14812]
أتراك يتابعون المناظرة بين إمام أوغلو ويلدريم في مقهى بإسطنبول أول من أمس (أ.ف.ب)
أنقرة: سعيد عبد الرازق
أبقت المناظرة التلفزيونية «الفريدة» بين المرشحَين لرئاسة بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو مرشح حزب الشعب الجمهوري عن «تحالف الأمة» الذي يضم أيضاً حزب «الجيد»، وبن علي يلدريم مرشح حزب العدالة والتنمية عن «تحالف الشعب» الذي يضم أيضاً حزب الحركة القومية، على حظوظ إمام أوغلو في العودة إلى رئاسة بلدية إسطنبول عبر إعادة الاقتراع التي ستجرى يوم الأحد المقبل.
وتطابقت آراء عدد من المحللين مع مواطنين أتراك استطلعت «الشرق الأوسط» آراءهم عقب المناظرة التي أجريت ليل الأحد إلى الاثنين، في أن وضع المرشحين لم يتغير بعدها، وأن إمام أوغلو حافظ على تفوقه الذي أظهرته استطلاعات الرأي التي أجريت قبل المناظرة، والتي أشارت في مجملها إلى تفوقه بفارق يصل إلى 7 نقاط عن يلدريم.
وأجمع المحللون على أن المناظرة، التي كانت في الأساس مقترحاً من جانب إمام أوغلو، أعادت إحياء روح الديمقراطية المفقودة في تركيا، وبعثت برسالة مفادها أن تركيا هي التي فازت منها، لا سيما بعد أن اقترح إمام أوغلو في نهايتها التقاط صورة عائلية له ولمنافسه وزوجتيهما وابنيهما، وهو ما استقبل برد فعل إيجابي.
وقال الكاتب البارز عاكف بيكي، المستشار الأسبق للرئيس رجب طيب إردوغان، إن هذه الصورة حملت كثيراً من المعاني، في مقدمتها أن إنهاء حالة الاستقطاب والعودة إلى التقاليد الديمقراطية أمر ممكن، وهي الفكرة التي تبناها إمام أوغلو طوال حملته.
ورأى بيكي أن المناظرة لن تغير كثيراً في توقعات الفائز في انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول في جولة الإعادة، وأن الناخبين سيتأثرون بالطبع بهذه الصورة التي رسمت «تابلوهاً» جديداً للديمقراطية في البلاد. ورأى المحلل إبراهيم ياز، المتخصص في استطلاعات وبحوث الرأي العام، أن إمام أوغلو نجح من خلال المناظرة في التركيز على القضايا الأساسية التي سيطرت على الرأي العام في تركيا عقب قرار اللجنة العليا للانتخابات في 6 مايو (أيار) الماضي إلغاء فوزه بالانتخابات في 31 مارس (آذار)، بعد تسلمه منصبه رئيساً للبلدية في 18 أبريل (نيسان)، حيث لم يبقَ سوى 18 يوماً في المنصب، وركز على أن القرار كان غصباً لإرادة الناخبين، وضربة للديمقراطية، في الوقت الذي عجز فيه يلدريم عن البرهنة على ما وصفه بسرقة الأصوات، أو الجهة التي قامت بذلك.
وفند إمام أوغلو، خلال المناظرة، التي تعد الأولى من نوعها في تركيا منذ المناظرة التي أجريت بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ورئيس حزب الشعب الجمهوري السابق دنيز بيكال منذ 17 عاماً، قائلاً: «لقد طلبنا إعادة فرز الأصوات، وبالتالي فإن القول بأن حزبنا لم يرغب في إعادة الانتخابات هو تأويل خطأ»، وأبدى استغرابه من إلغاء نتيجة رئيس البلدية فقط، دون رؤساء البلدات وأعضاء مجالس البلديات والمخاتير، وأخرج من جيبه 20 ليرة تركية، وسأل: إذا قلت لكم إن 5 ليرات من هذه العشرين مزورة، هل سيصدقني أحد؟ هذا تماماً ما فعلته اللجنة العليا للانتخابات.
وطرح إمام أوغلو سؤالاً عن كواليس يوم الفرز، قائلاً: «لماذا قطعت وكالة أنباء الأناضول تدفق النتائج ليلة الانتخابات، واستمر ذلك لنحو 12 ساعة؟!»، وقال: «لو لم نسجل محاضرنا بشكل جيد، ونقلناها إلى مقرنا، ولم يقدم عشرات آلاف الأشخاص هذا النضال، لكان الأمر قد انتهى ضدنا في تلك الليلة».
وجاء ذلك رداً على بن علي يلدريم الذي ادعى أن المعارضة رفضت إعادة الانتخابات. كما تنصل يلدريم مما قامت به وكالة الأناضول من إعلان فوزه، الذي قام هو بعده بإعلان فوزه أيضاً، قائلاً إنه لا علاقة له بالوكالة.
ولم يتمكن يلدريم من إقامة الدليل على سرقة أصوات الناخبين لصالح إمام أوغلو، عندما طالبه بالكشف عن الجهة التي سرقت الأصوات. كما عجز عن تقديم تفسير لتعليق لافتات ليلة الانتخابات لتقديم الشكر لمواطني إسطنبول، تحمل صورته وصورة الرئيس رجب طيب إردوغان، وكأنه فاز برئاسة، وحاول تبرير ذلك بأنهم فازوا بـ25 في المائة من بلديات إسطنبول.
وشدد إمام أوغلو على أن «المعارضة التركية تخوض حالياً في إسطنبول معركة من أجل الديمقراطية، وستكون جولة الإعادة المقبلة معركة ديمقراطية ضد من اغتصبوا حقنا؛ ومن ثم أطلب الدعم من كل سكان إسطنبول يوم الأحد المقبل».
ورداً على سؤال حول كيفية التعامل مع الأتراك من أصول كردية، قال إمام أوغلو: «أنا مرشح لجميع الأتراك، ولست مرشحاً لتحالف الأمة (مكون من حزبي الشعب الجمهوري والخير المعارضين)، وحينما أفوز بالمنصب لن أكون رئيساً لحزبي التحالف، بل لكل سكان إسطنبول، فنحن جئنا ليعم السلام، ولنشر المساواة بين الجميع، أياً كانت آيديولوجياتهم وأعراقهم، فالسلام والحرية يبدآن من الحي الذي نسكن فيه».
وأضاف: «نحن عازمون على إنهاء الحزبية في هذا البلد، وأتعهد بخدمة الجميع، سواء من لهم انتماءات حزبية، كالعدالة والتنمية، والحركة القومية، والسعادة، والشعوب الديمقراطي، أو من ليست لهم انتماءات حزبية... وكما قلت مراراً: لقد جئنا للمساواة بين أفراد هذه الأمة».
وتناول كل مرشح برنامجه الانتخابي، والخدمات التي سيقدمها لسكان إسطنبول حال فوزه، وحاول يلدريم التشكيك في قدرة إمام أوغلو على تنفيذ الوعود الواردة في برنامجه، لكن الأخير أكد أنه حتى خلال 18 يوماً فقط، نفذ جميع الوعود التي أعلنها في حملته للانتخابات، وقال ليلدريم: «لقد حكمتم إسطنبول لمدة 25 عاماً، وكانت بيدكم سلطة حكم تركيا أيضاً، ومع ذلك هناك كثير من الوعود التي لم تنفذ، أما نحن فنحاول الوفاء بكل ما نتعهد به، ولو أننا بقينا في حكم البلاد 17 عاماً، وفي رئاسة بلدية إسطنبول 15 عاماً، لغيرنا الكثير».
وحاول يلدريم التلميح إلى صلات بين إمام أوغلو وحركة «الخدمة» التابعة لفتح الله غولن، التي تتهمها السلطات بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في 15 يوليو (تموز) 2016، بسبب قيامه بإعطاء الأوامر بنسخ جميع مستندات ووثائق البلدية خلال الأيام التي تولى فيها رئاستها، مشيراً إلى أن نسخ الوثائق هو أسلوب حركة غولن، لكن إمام أوغلو أكد أن العملية لم تكن من أجل نسخ الوثائق أو نقلها إلى جهة أخرى، وإنما لتكون هناك نسخة احتياطية من هذه المستندات، وأنه لم يكن يوماً على علاقة من أي نوع مع حركة غولن، بعكس أعضاء الحكومة وحزب العدالة والتنمية.
وحول أوجه الإسراف والهدر في بلدية إسطنبول، اتهم يلدريم إمام أوغلو بالكذب فيما يتعلق بإهدار الأموال لصالح بعض الجمعيات القريبة من الحكومة، وأبرز إمام أوغلو وثائق تثبت تخصيص أراضٍ ومبانٍ بملايين الدولارات لوقفي «الأنصار» و«الشباب»، وهما من الأوقاف القريبة من الرئيس التركي وعائلته، إلى جانب إهدار الأموال في أوجه إنفاق أخرى غير ضرورية، وهي تكفي لتنفيذ جميع الوعود التي قدمها لسكان إسطنبول.
وعقب المناظرة، كتب محمد أصلان، نائب رئيس حزب «الجيد»، على «تويتر»، نقلاً عن أحد الأعضاء البارزين في حملة يلدريم: «يمكن من الآن القول إننا خسرنا جولة إعادة بسبب ادعاءات يلدريم حول حركة غولن خلال المناظرة، وعرضه وثائق حول مشروعات المياه والصرف الصحي في إزمير (غرب تركيا) على أنها ستنفذ في إسطنبول».
وحظيت المناظرة بمتابعة كثيفة من جانب المواطنين الأتراك عموماً، وفي إسطنبول بوجه خاص، وعلقت الطبيبة شولا يلديز لـ«الشرق الأوسط» بأن يلدريم بدا مهزوزاً وغير واثق من نفسه، بعكس إمام أوغلو الذي بدا قوياً واثقاً في إجاباته، في مقابل ظهور يلدريم مطرقاً برأسه مهزوزاً في بعض الأحيان، وعدم قدرته على الرد على إمام أوغلو عندما اتهمه بسرقة أفكار حملته الانتخابية، وكذلك عندما أبزر يلدريم وثائق الإهدار في أموال البلدية، محاولاً تبرير الأمر بأن البلدية لا تستطيع أن تنفذ جميع المشروعات بنفسها، وأن هناك أكثر من 3 آلاف جمعية ووقف تستفيد من مساعدات البلدية.
وعبر المواطن أحمد بويوك طاش عن عدم إعجابه بعدم قدرة يلدريم على مجاراة إمام أوغلو في الحوار، ونفاد صبره من بعض إجاباته، حيث قاطعه مرات عدة، مما دفع مدير الجلسة إلى مطالبته بالالتزام. ورأت الصحافية التركية أصلي أيدين طاش باش أن النقاش الذي دار في المناظرة لن يغير تصويت أي شخص، في ظل حالة السأم من طول بقاء حزب العدالة والتنمية في الحكم، وسط تراجع اقتصادي في الآونة الأخيرة جراء الانهيار المتكرر لليرة التركية، وأن إمام أوغلو يمكنه أن يستغل حالة التعاطف معه عقب سحب منصبه الذي فاز به في 31 مارس، بأن يزيد من فرصه في إعادة الفوز بالانتخابات.
ويعتقد مراقبون أن يلدريم لم يتمكن من إدارة حملة انتخابية ناجحة في الانتخابات المحلية في مارس، حيث ترك الأمر للرئيس رجب طيب إردوغان الذي انسحب في جولة الإعادة، بعد الانتقادات الواسعة التي وجهت إليه بمحاولة تقديم نفسه على أنه كل شيء في الحزب الحاكم وفي تركيا، وأن إردوغان بابتعاده في جولة الإعادة أراد النأي بنفسه عن أي خسارة محتملة ليبقى بمعزل عن أي تداعيات، فقد تراجع عن المشاركة في الحملة، وركز في ظهوره الإخباري على المسائل الوطنية المتعلقة بالدولة، بحسب ما يقتضي منصبه كرئيس للجمهورية يفترض فيه الوقوف على الحياد.
تركيا تركيا أخبار

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة