التحديات الأمنية على ضفاف البحر الأحمر

تشكل دوله عمقا استراتيجيا مهما يحتاجه الأمن الإقليمي

قادة مجلس التعاون الخليجي في الدورة الرابعة والثلاثين في الكويت (أ.ب)
قادة مجلس التعاون الخليجي في الدورة الرابعة والثلاثين في الكويت (أ.ب)
TT

التحديات الأمنية على ضفاف البحر الأحمر

قادة مجلس التعاون الخليجي في الدورة الرابعة والثلاثين في الكويت (أ.ب)
قادة مجلس التعاون الخليجي في الدورة الرابعة والثلاثين في الكويت (أ.ب)

أنهى قادة دول مجلس التعاون الخليجي اجتماعهم، بالكويت، في الدورة الرابعة والثلاثين، من دون إعلان قيام الاتحاد الخليجي، وأبقوا على سقف الآمال على حاله إلى حين حلحلة الإشكالات العالقة، ولكن هل تنتظر ملفات الأمن الخليجي، ودول الخليج ذلك، وهل يكتفي الاتحاد الخليجي بدول مجلس التعاون وحسب، أم أن الحاجة إلى نظرة أوسع أضحت ملحة؟
تزامن مع اجتماع دول مجلس التعاون الأخير في الكويت، منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي، نقاش فكري متصاعد، شهدته أروقة الصحف والفعاليات الخليجية، متفاوتة الأهمية والغرض، ولكنها ركزت على بناء رؤية «استراتيجية»، كان الموضوع الأبرز بينها هو «الأمن الخليجي»، اتفق كل المراقبين على بناء استراتيجية أمنية جديدة. فكانت الملتقيات: «حوار المنامة» بالبحرين، و«مؤتمر الأمن الخليجي» في أبوظبي، وغيرها، معنية بالصعود المتنامي لنفوذ إيران مع حلفائها، وبروز مظاهر الحرب الباردة، خاصة مع وجود شبكة حلفاء فاعلة مثل «حزب الله، حماس - الحوثيين»، وما خلفه الفراغ الناتج عن الانسحاب الأميركي من العراق من آثار سلبية قلبت موازين القوى الإقليمية، وما تمثله الظاهرة الإرهابية من خطر، كما حاول الباحثون تفسير رفض «بعض» الفئات الخليجية الاتحاد الخليجي، إذ يرون أن مشروع الاتحاد يهدف إلى تذويبهم في كيان اتحادي، (تحديات ومستقبل الاتحاد الخليجي: عبد الله الشايجي، مركز الإمارات للدراسات 2013)، وانطلقت الدعوات لابتداع آليات تخفف من مخاوف «الفئات»، يترافق كل هذا مع أزمات دولية غيرت من بنية النظام الدولي، وهي بنية تحاول بعض دول الخليج تغييرها، أو الاعتراض عليها (أزمة مقعد السعودية في مجلس الأمن)، كما تحديات اقتصادية أفرزتها، الأزمة المالية العالمية وما لها من آثار سلبية على الاقتصاد الريعي، وأسعار النفط، وتحديات المواءمة بين اقتصاد السوق والإجراءات الحمائية، وتحدي التركيبة السكانية، والإصلاح الممنهج، والتطرف العنيف، وتسييس الدين وما له من آثار اجتماعية سياسية مخيفة (مريم سلطان لوتاه، أمن الخليج، مركز الإمارات للدراسات، 2013).
دول الخليج العربي؛ تطل، بالإضافة إلى الخليج، على بحر عمان، والبحر الأحمر، ولكل منها امتداداته الجغرافية والاجتماعية، التي تشكل عمقا مختلفا عما سواه، ولكن قوة الأواصر المشتركة، جعلت العمق الخليجي هو قوة الدفع والصهر الأقدر على تحريك السياسات والتحديات، فانعكست التحديات على مناطق الجوار، فكان البحر الأحمر، يحظى بنصيب الأسد، بوصفه امتدادا لإفرازات الخليج، كما أنه محدود من الشمال بعنق «قضية» العرب، فكان البحر الأحمر أحمر؛ بحكم الصراعات العربية.
* أمن البحر الأحمر إلى الواجهة
* ظل الاهتمام ينصب على المخاطر المتولدة في منطقة الخليج العربي، والتركيز عليها كجغرافيا «محددة» لمخاطر تقع على محيطه، ولكن سيناريوهات اقتصادية وجيوسياسية أعادت طرح مسألة أمن البحر الأحمر، كجزء «مهمل» من الأمن الخليجي، وتختلف مدارات التناول؛ فأحيانا يشار إلى «أمن البحر الأحمر»، وضماناته، وتكويناته، كبديل للأمن الخليجي بالنسبة للمملكة العربية السعودية، كما أشار إلى ذلك الباحث توفيق السيف، الذي دعا المملكة العربية السعودية إلى تشكيل تحالفات بديلة عن الاتحاد الخليجي - سماها التحالفات الاستراتيجية، تدخلت فيها دول (اليمن ومصر والسودان)، وعمليا هي دول البحر الأحمر («الاقتصادية»، ديسمبر 2013)، وخبراء الاستراتيجيات الأمنية ينظرون إلى أمن البحر الأحمر كجزء أصيل من أمن الخليج، يكمله ويحتاجه، اقتصاديا وأمنيا. تمر عبر البحر الأحمر 45 في المائة من ناقلات النفط المحملة بنفط الخليج العربي، وتشاطئه تسع دول، وبالإضافة إلى قواعد بعض هذه الدول فإن الوجود الأجنبي يتمثل في قوات البحرية الأميركية، والأوروبية (فرنسا وبريطانيا)، بالإضافة إلى البحرية الإيرانية. وفي السياق الأمني الخليجي، يطل البحر الأحمر، مرتبطا بالتوترات والنزاعات خاصة العربية، فارتبط بعد عام 1973 بقضية نزاع الشرق الأوسط، حتى إن اتفاقية كامب ديفيد أشارت إلى حركة الملاحة فيه وتأمينها، تشير الباحثة المصرية الدكتورة أماني الطويل في مقال لها بـ«الأهرام الاستراتيجي»، إلى أن انهيار مؤسسات الدولة في الصومال كان أبرز مصادر التهديد للمصالح العربية والأفريقية بعامة والدول المشاطئة على البحر الأحمر بخاصة (مصر، السودان، السعودية، الأردن، إريتريا، اليمن، والصومال)، كما أفرزت ظاهرة القرصنة التي دفعت لتصنيفه كـ(أخطر ممر مائي في عام 2008). وحتى قبل الشروع في تدويل أزمة القرصنة فيه، فإن شروط نشر «قواعد» للقوى العظمى لم تكن مفاجئة، وفقا لتوازنات القوى، بحسب «قانون ماهمان» للقوة والهيمنة البحرية، فحصلت أميركا على تسهيلات من الصومال وإثيوبيا كما أقامت قاعدة «دييغوجارسيا» التي تقع جنوب البحر المتوسط، لحماية المصالح النفطية في البحر الأحمر، والحد من النفوذ الروسي والصيني ودعم الحلفاء، وانسحب هذا على أمن المنطقة.
* لماذا يرتبط أمن البحر الأحمر بأمن الخليج؟!
* الاستراتيجية التوسعية الإيرانية، تحمل الطموحات الكبيرة، لخدمة النفوذ وتطويره. في مقاله «أمن الخليج.. خطة إيران الجديدة للهيمنة على المنطقة وما بعدها»، يرى محلل السياسات بمعهد دراسات الحرب دبليو جونثين ريو، أنه وبينما ينشغل العالم بالبرنامج النووي الإيراني، فإن إيران قررت الوصول إلى مكاسب في جبهات أخرى، فوضعت استراتيجية عسكرية تمتد إلى عام 2025، تهدف إلى نشر القوات البحرية بكفاءة وسرعة قياسية على امتداد مثلث استراتيجي من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر إلى مضيق ملقا. ويضيف أن البحرية الإيرانية بقسميها الفيلق (منسوبي «الحرس الثوري»)، بدأت تتوسع منذ عام 2007 على امتداد بحر قزوين وخليج عمان، والمياه الزرقاء خارج منطقة الخليج الفارسي، وصولا إلى البحر الأحمر، واستدل على ذلك بأن «إيران شاركت في عام 2010 في مناورة مع جيبوتي»، التي تتحكم في إحدى ضفتي باب المندب، وركز المقال على أن الخطة الاستراتيجية جعلت البحرية الإيرانية، تمثل أحد أهم العناصر الفعالة في «أجندة» السياسة الخارجية الإيرانية («فورن آفيرز»، أكتوبر «تشرين الأول» 2011).
ولكن قائد سلاح البحر في الجيش الإيراني يقول إن تعاونهم المشترك تعاون لا يهدد أحدا، ويقول: «إن القادة في سلاح البحرية الجيبوتي زاروا المؤسسات التابعة لسلاح البحر في الجيش الإيراني، وطالبوا بتعزيز علاقات إيران مع بلادهم في مختلف المجالات، خاصة تدريب الطلبة الجامعيين والتعاون في صناعة وإنتاج المعدات الدفاعية». وأشار إلى «أهمية توفير الأمن للبحار من أجل تقوية اقتصاد مستقر لدول العالم»، ويبدو أنه استغل ظاهرة القرصنة فقال: «إن إيران لبت الدعوة الأممية، من خلال إرسالها أول قافلة لحماية السفن النفطية والتجارية إلى خليج عدن». وقال: «إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعثت بقافلتها البحرية لمساعدة الدول التي طالبت العون، إذ سجلت مرافقة أكثر من 1000 سفينة». وبشأن انتشار القوات الأجنبية في المنطقة وأهمية توفير الأمن للملاحة البحرية فيها، قال: «إن دول المنطقة قادرة على توفير أمنها دون الحاجة إلى وجود قوات أجنبية».
* قرصنة مصطنعة.. وحرق البدائل
* لا تعد عمليات القرصنة البحرية المنتشرة في البحر الأحمر أول تهديد أمني من نوعه لأمنه، حيث جرى تلغيم شواطئ البحر الأحمر عام 1984 في محاولة لم يكشف عن جميع أبعادها حتى اللحظة الراهنة، ولا عن الأطراف المتورطة فيها على نحو جازم، هذه البيئة تخلق الكثير من الأسئلة حول الجهات المسؤولة عن هذه العمليات، وذلك في اتجاهين، الأول: إمكانية أن تتطور عمليات القرصنة مستقبلا من طلب المال إلى تبني أجندات سياسية معينة، ربما لجماعات الإسلام السياسي. (مجلة «السياسة الدولية»، أبريل «نيسان» 2009)، ولكن أجهزة الأمن اليمنية، ظلت توجه أصابع الاتهام لإيران بوضوح.
اللواء حسام سويلم، الخبير العسكري المصري، رأى أن انتشار إيران، هو في إطار التحسب لإغلاق مضيق هرمز، ومكافأة الضرر بالضرر، فهي تعد جيدا في حالة حدوث مواجهة عسكرية بينها وبين البحرية الأميركية في منطقة الخليج، بما يعرقل تدفق إمدادات النفط عبر هذا المضيق الذي تمر من خلاله 30 في المائة من إمدادات النفط العالمي إلى الدول المستهلكة للنفط في أوروبا وآسيا والولايات المتحدة، فتهدد في المقابل بتعطيل قناة السويس لمنع الملاحة البحرية فيها، وذلك من خلال إغلاق مضيق باب المندب في جنوب البحر الأحمر. ويفهم سويلم، في هذا الإطار، إقامة قواعد بحرية إضافية في بحر عمان، وهي تدخل أيضا في إطار استمرار الاستعدادات الإيرانية لمواجهة عسكرية متوقعة في ضوء تطورات صراعها مع المجتمع الدولي بسبب الملف النووي الإيراني («الأهرام الاستراتيجي»، يناير «كانون الثاني» 2010).
مشاري الذايدي، الكاتب والباحث السعودي، كتب مقالا بعنوان «حتى لا ينطحنا القرن الأفريقي»، نقل فيها إفادات محمد طه توكل، مشيرا إلى أن «علاقات باتت معروفة بين إريتريا وإيران، لكنها بنيت على عوامل اقتصادية». وهو بذلك يشير إلى أن دولا عربية، كانت أحرى بأن تسعى إلى هذه المصالح، بدلا من ترك دولة مثل إريتريا أو إثيوبيا، في عوز لأحد طرفي النزاع إيران وإسرائيل، فيقول توكل، حسب الذايدي: «الوجود الإيراني، في جانبه الاقتصادي، يهدف إلى تطوير مصفاة تكرير البترول في ميناء (عصب) وإنشاء مستودعات وقود إيرانية بهدف تصديرها، وهذا يعزز الاقتصاد الإريتري إذا ما كتب له النجاح». ويشير إلى النشاط العسكري، ويواصل: «القرن الأفريقي هو جناح العالم العربي الإسلامي في أفريقيا، فالدول التي تطل عليه وتكونه هي: الصومال، وجيبوتي، وإثيوبيا، وإريتريا، ويتصل بها السودان، وكينيا، وأوغندا، تأثيرا وتأثرا. هو بهذا التحديد قرن إسلامي الهوية، للكثافة السكانية المسلمة التي تقطنه، كما يقول الدكتور جلال الدين صالح. ولكن، أين دول البحر الأحمر العربية من هذه القضية؟ ولماذا ضعف دور مصر، وهي مهمة أفريقيا وعربيا، ولديها نهر النيل الذي ينبع من دول هذا القرن؟ وأين السعودية التي تمسك بالضفة الشرقية للبحر الأحمر، وأين اليمن الذي يمسك بعنق البحر الأحمر وفمه؟». (صحيفة «الشرق الأوسط»، 22 ديسمبر «كانون الأول» 2009).
* تاريخ المبادرات.. وصولا إلى «مجلس التعاون لدول البحر الأحمر»
* الباحث السوداني، الدكتور محمد يوسف الجعيلي، يقول: «كانت بداية المبادرات لأمن البحر الأحمر هي المبادرة التي أطلقتها المملكة العربية السعودية في عام 1956 والتي كانت من نتائجها ميثاق أمن جدة الذي جرى توقيعه بمدينة جدة في 30 أبريل عام 1951 والذي ضم كلا من مصر واليمن والسعودية. ويهدف هذا الميثاق إلى حماية أمن البحر الأحمر من خلال الدفاع المشترك ضد الأخطار الخارجية، ويعد الميثاق أول خطوة عربية لضمان أمن البحر الأحمر في سبيل مواجهة أي تهديدات خارجية لهذا البحر. ولكن رغم أن ميثاق أمن جدة جسد لأول مرة بهذا الشكل اتفاقية عربية تعكس موقفا استراتيجيا محددا لثلاث دول تطل على مياه البحر؛ فإن الميثاق سرعان ما انهار في خضم الأحداث العربية والدولية التي وضعت الدول الثلاث المتعاقدة في حالة من التعارض والتناقض وصولا إلى حرب اليمن». ويواصل: «وبفشل ميثاق أمن جدة، تفتتت الجهود والمحاولات العربية من أجل الوصول إلى اتفاق على استراتيجية موحدة لحماية البحر الأحمر بمداخله الجنوبية والشمالية، واستكمالا لهذه الجهود قامت السعودية بالدعوة لمؤتمر بجدة في يوليو «تموز» عام 1972 ضم الدول المشاطئة للبحر الأحمر حينها (مصر، إثيوبيا، السودان، اليمن، علاوة على السعودية)، ولكن الاتفاقيات توجهت نحو تقاسم الموارد، ولم تركز على البعد الأمني». (محمد يوسف الجعيلي، «دورية الشراكة»، نوفمبر «تشرين الثاني» 2012. ص50).
ورغم تجدد المحاولة في عام 1977 لإنشاء منظومة عربية لأمن البحر الأحمر في إطار الجامعة العربية، فإن ضعف القدرات العسكرية العربية في البحر الأحمر من حيث محدودية الأساطيل البحرية العربية، والتفاعل العربي الضعيف مع دولة مثل إريتريا مع وجود نفوذ (إسرائيلي - إيراني) جعلها تتجاهل المصالح العربية بشكل عام. إلا أن أماني الطويل الباحثة والخبيرة المصرية ترى «ضرورة صياغة استراتيجية تفاعل عربية - أفريقية شاملة»، و«من المطلوب أن تحوز المكانة الاستراتيجية لمنطقة القرن الأفريقي المكانة ذاتها التي تحوزها دول حوض النيل» بالنسبة لمصر (وهي توازي دول مجلس التعاون بالنسبة للسعودية). («أمن البحر الأحمر: الواقع والتحديات»، أماني الطويل، 2009).
إن سير التطورات في البحر الأحمر في هذا الاتجاه في ظل التعقيدات والمتغيرات على الأرض، يجعل المواجهة بين الاستراتيجيتين، الإسرائيلية والإيرانية، مرجحة جدا، فقد كشف استهداف طائرات لقافلة على الساحل السوداني، وضرب مصنع اليرموك في العاصمة السودانية، وما تلاه من عرض إيراني لحماية إيران الأجواء السودانية والسواحل، عن أن «منظومة» الساحل كلها عرضة للانتهاك، وهو ما حدا بكثيرين إلى التنبيه إلى ضرورة تطوير آلية تعاون مشتركة (الجعيلي، «دورية الشراكة»).
الدكتور حمد بن عبد الله اللحيدان، الكاتب السعودي والباحث، طرح في مايو (أيار) 2011 فكرة إقامة دول مجلس التعاون في البحر الأحمر، ومع اعترافه بتأثير اختلاف المستوى الاقتصادي والتعليمي والمعيشي لدول البحر الأحمر، وضعف التنمية واختلاف نظم الحكم، وغياب التخطيط الاستراتيجي، على واقعية الفكرة - فإن تجمع الدول العربية المطلة على البحر الأحمر في مجلس تعاون على غرار مجلس التعاون الخليجي تكون له أمانة عامة ومقر ونظام يحكمه، يشكل عمقا استراتيجيا لمجلس التعاون الخليجي من الناحية الاستراتيجية والأمنية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وسيقلص النفوذ غير العربي، وسوف يشكل ذلك المجلس مدخلا واسعا لصادرات الخليج إلى الدول الأفريقية، ناهيك بإمكانية قيام مراكز لبعض الصناعات البتروكيماوية والبترولية في بعض تلك الدول، يخصص إنتاجها للاستهلاك المحلي أو التصدير إلى الدول الأفريقية. ويسهم في قيام قوة عسكرية مشتركة تحمي مصالح دول البحر الأحمر، تستعمل كقوة تدخل سريع (صحيفة «الرياض»، 27 مايو 2011).
* جهود رسمية حثيثة
* شهدت السنوات الأخيرة، اهتماما مطردا بذلته الدول المشاطئة للبحر الأحمر، بسبب التغيرات الدولية، والظروف الخاصة، فالسعودية، في بداية الشهر الماضي، عاد مجلس الشورى فيها، ليطرح على وزارة البترول والثروة المعدنية، مشروع الاستفادة من سواحل البحر الأحمر لتصدير النفط، في ظل ما تعيشه بعض المضايق من أعمال قرصنة وتهديدات من بعض الجهات، («الشرق الأوسط»، 4 ديسمبر 2013)، كما دعا للاستفادة من الواجهة السياحية للإقليم، والتنسيق مع دول الجوار في ذلك.
وتزايد التعاون العسكري المشترك، فشاركت السعودية بالتنسيق مع الدول المجاورة، في تأمين السفن وتحريرها من القرصنة في منطقة العقبة والبحر الأحمر، بينما وقفت فرق حرس الحدود في غرب السعودية على 72 حالة اشتباه، تلقاها مركز تنسيق العمليات عن محاولات لاقتحام السفن التي تعبر منطقة العقبة، منذ مطلع العام الحالي وحتى نهاية شهر أكتوبر، وشهدت المملكة في نوفمبر الاجتماع التنسيقي الثالث للجنة الإقليمية للتدريب والتنسيق لمركز جيبوتي، في معهد حرس الحدود البحري بجدة، الذي شارك فيه قرابة 20 دولة من الموقعين على مدونة سلوك جيبوتي «مكافحة السطو المسلح والقرصنة البحرية غرب المحيط الهندي وخليج عدن». وقال العقيد بحري ناجي الجهني، المتحدث الرسمي لحرس الحدود في منطقة مكة المكرمة، لـ«الشرق الأوسط»: «إن لفرق حرس الحدود في المملكة دورا مهما بالتنسيق مع الكثير من الدول في تأمين سلامة المياه الإقليمية من القرصنة، وإن الحالات التي رصدت من قبل مركز تنسيق عمليات البحث جرى التعامل معها مباشرة، وشاركت في تلك المهمة فرق من حرس الحدود السعودي». («الشرق الأوسط» 20 نوفمبر 2013).
وكانت القوات البحرية الملكية السعودية، والقوات البحرية السودانية، أقامتا في فبراير (شباط) الماضي تمرينا بحريا مشتركا في الساحل السوداني في إطار التعاون المشترك لتأمين البحر الأحمر وحدود البلدين، وهي أول عروض مشتركة تنفذها البحرية السودانية مع نظيراتها من دول الجوار، استمرت ستة أيام بهدف تعزيز الأمن في البحر الأحمر، وذلك ضمن زيارة بارجتين سعوديتين لميناء بورتسودان. وقال الجيش السوداني، إنه استقبل سفينتين سعوديتين وقوات خاصة ومشاة بحرية في إطار تدريب مشترك بين الدولتين، وأوضح أن «التمرين المختلط» بالبحر الأحمر يهدف إلى مكافحة التهريب بمختلف أنواعه. وأشار اللواء الركن بحري إبراهيم الدليمان، قائد الأسطول الغربي السعودي، إلى نجاح المرحلة الأولى من التأمين المشترك «الفلك 1»، موضحا أن المرحلة الثانية تشمل تمرين المشاة والقوات الخاصة. وقال إن هذا العمل يحظى باهتمام كبير من قيادة البلدين.
خلاصة الأمر.. إن دول البحر الأحمر تشكل عمقا استراتيجيا، مهما، يحتاجه الأمن الإقليمي لدول الخليج العربي، في ظل التهديدات، سواء الإقليمية المتمثلة في النزاع المحوري، مع الجوار، أو لتأمين المجرى التجاري للنفط والبضائع، كما تدفعه الضرورات الاقتصادية التكاملية. ومن ناحية أخرى فإن الوقت قد حان، لتبني طموحات وأهداف إقليمية، تليق بإمكانات دول المنطقة، وقد أطلقت فيه الأيادي الغريبة عنه، مما يشكل خطرا عسكريا حقيقيا، على الخليج، ويطعنه في الخاصرة، فالأحرى تحديث استراتيجية لإطلاق قوة ناعمة، تبني علاقات مصلحة مع دول البحر الأحمر.



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.