فينيسيا للفن. تورونتو للفن و«للبزنس» معًا. فينيسيا موديل عريق من المهرجانات السينمائية. تورونتو الرائد بين المهرجانات المتحررة. لا جوائز، وبالتالي لا مسابقات ولا منافسات ولا لجنة تحكيم تخطيء وتصيب.
انطلق في الرابع من سبتمبر (أيلول) ويستمر حتى السادس عشر منه، وحشد لهذه الدورة قرابة 300 فيلم، منها نحو 20 فيلما عرضا أول في الأيام الأربعة الأولى، أي لم يسبق عرضها في أي مكان وخصوصًا في المهرجان الذي فجأة بات منافسًا وهو «توليارايد». منافسة المهرجان الأميركي لتورونتو (والتي تناولناها سابقًا بالتفصيل) دفعت المهرجان الكندي لتخصيص الأيام الأربعة الأولى لعرض الأفلام (الأميركية غالبًا) في تلك الأيام الأولى حتى يبقى المهرجان الأكثر حضورًا على صعيد الموسم بأسره ووصولًا إلى مشارف العام المقبل. إنه موسم الجوائز، والعادة جرت أن يكون «تورونتو» المكان المناسب لإطلاق الوعي بها وهو لا يريد أن يلعب الدور الثاني في هذه العملية.
كاميرون بايلي، المدير الفني للمهرجان، فسّر الموقف على نحو أشمل حين قال في مؤتمره الصحافي: «المسألة ليست تورونتو ضد توليارايد، أو العكس، بل هي مسألة أنه حين نعلن أن هذا الفيلم أو ذاك سيشهد عرضه العالمي الأول أو عرضه الأميركي الشمالي الأول، فإن علينا أن ننفّذ ما نقوله. وأعتقد أن ما نقوم به عندما نحشد العروض العالمية الأولى هو مهم جدًّا للمخرجين. هناك علاقة عمرها الآن سنوات كثيرة، ومن حقنا أن نحميها».
* علاقات مضطربة
* فيلم الافتتاح كان أحدها. عنوانه «القاضي» وبطله كل من روبرت داوني جونيور وروبرت دوفال (معًا للمرّة الأولى) ومخرجه هو ديفيد دوبكن الذي كان آخر ما شاهدناه له R.I.P.D و«جاك السفاح العملاق» (كلاهما من أعمال العام الماضي). داوني جونيور الذي سيعود إلى حلّة «أيرونمان» في الفيلم الثاني من سلسلة «المنتقمون» في العام المقبل يؤدي دور المحامي اللامع في مجال القضايا الجنائية الذي يقرر العودة من شيكاغو إلى البلدة الصغيرة في ولاية إنديانا حين يصله نبأ وفاة أمه. حال وصوله يغرق في قضيّة عائلية غير منتظرة، فوالده، الذي كان قاضيًا، متّهم بقتل شخص عبر صدمه بسيارته. آثار الدماء على السيارة. الأب كان يعرف القتيل وكانت بينهما عداوة، والأمور صعبة على المحامي المحلي، ولا بد للابن أن يحقق في القضية وينقذ رقبة والده.
لكن هذه القضية تختلف بالنسبة إلى المحامي - الابن من حيث إنه لم يكن ينتظرها، أولًا ومن حيث إن المتّهم هو أبوه. وثانيًا فإن العلاقة العائلية، وكما يتوقع المرء من أفلام تدور حول الأب وابنه، هذه الأيام، ولمزيد من التوتّر في الأجواء، بينهما لم تكن جيّدة، وهناك الكثير من الصد والاستياء. والأمور تتطوّر في كل اتجاه ممكن حتى يمتد الفيلم إلى ساعتين ونصف الساعة من السجال والخيوط غير المحكمة أو الجديدة.
إيثان هوك، الذي تركناه في فينيسيا يصارع سؤالًا مريرًا حول أخلاقية استخدام طائرات «درون» المسيّرة إلكترونيًّا من محطة توجيه في صحراء لاس فيغاس، وذلك في فيلم «قتل جيّد»، حط هنا ليعرض فيلمه الأول بوصفه مخرجا، وقد اختار أن يكون فيلمًا تسجيليا عن حياة الموسيقار سيمور برنستين. لم يتسن لهذا الناقد مشاهدته، لكن النقاد المحليين والأميركيين كتبوا مادحين رقّته وحسن تنفيذه.
«قتل جيّد» من إخراج أندرو نيكول وفيه يؤدي هوك دور طيّار في السلاح الجوي الأميركي الذي يقوم بتنفيذ عملية رصد المقاتلين والإرهابيين في المناطق الساخنة من العالم (أفغانستان، باكستان واليمن) وهو الذي يستجيب لأوامر القيادة بالضغط على الزر وإطلاق القذيفة الموجّهة من الطائرة التي بلا ملاح. بعد حين يبدأ بالتفكير في أخلاقية ما يقوم به.
هذا هو أول فيلم عن هذا الموضوع لكنه ليس الأخير. المخرج الهوليوودي الآخر غفين هود يصوّر في جنوب أفريقيا بدءًا من يوم الأربعاء المقبل، فيلمًا عن الموضوع جمع له كولين فيرث وهيلين ميرين تحت عنوان «عين في السماء».
الشركة التي أنتجت «قتل جيّد» هي فولتاج بيكتشر التي أنتجت فيلم كاثلين بيغيلو «خزنة الألم» حول الحرب العراقية، وأحد مسؤوليها يثني على الفيلم الجديد، لكن «خزنة الألم» هو أفضل صنعًا ولو أن كلا منهما يتعامل مع موضوع مختلف بأسلوب مخرجه المختلف.
لكن الشيء الذي يحتويه «قتل جيّد» هو إثارة مسألة الإصابات بين الأبرياء وما إذا كانت المهام التي تقوم بها هذه الطائرات أخلاقية أو أن الحاجة للعمليات ذاتها تغض الطرف عن هذا الجانب، أو كما يقول الفيلم متسائلا: «هل إذا توقفنا عن القتل سيتوقف أعداء أميركا عن قتلنا؟».
«عين في السماء» بدوره سيركّز على هذه الناحية كما يقول رئيس شركة الإنتاج eOne مضيفًا: «الفيلم هو فيلم حربي درامي يوفر نظرة عميقة حول المراحل التي يمر بها اتخاذ كل قرار هجوم من هذا النوع».
* أخطاء تحكيمية
* وكما كان متوقعًا، فاز الفيلم السويدي - الألماني - النرويجي «حمامة جلست على غصن تفكر في الوجود» لروي أندرسون، بالجائزة الذهبية من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي في دورته الحادية والسبعين التي انتهت يوم السبت الماضي.
لجانب «بيردمان»، لأليخاندرو غونزاليز أناريتو، هو أكثر الأفلام استحقاقًا لهذه الجائزة. كلاهما تنفيذ بديع لسينمائيين يعملان على توفير أسلوب سرد درامي مختلف عن السائد وبعيدًا عما قد يجرؤ مخرجون آخرون كثيرون على تحقيقه هذه الأيام.
«بيردمان» لم يستطع كسب إعجاب لجنة تحكيم قادها الموسيقار الفرنسي ألكسندر دسبلا وعضويتها تشمل الفلسطيني إيليا سليمان والمخرج الإيطالي كارلو فردوني والممثلة الصينية جوان تشن من بين آخرين. الأميركي الوحيد فيها كان الممثل (وأحيانا المخرج) تيم روث. ليس فقط أن «بيردمان» لم يفز بجائزة الأسد الذهبي، بل خسر في خانات أفضل مخرج (ذهبت إلى الروسي أندريه كونتشالوفسكي عن فيلمه الجيد أيضًا «ليالي ساعي البريد البيضاء» وإن لم يكن بجودة أعمال سابقة له).
خسر «بيردمان» أيضًا في خانة أفضل ممثل. عوض منحها لمايكل كيتون عن أدائه البديع أعطيت لآدم درايفر الذي عكس جهدًا وموهبة محدودتين في فيلم «قلوب جائعة». كان هناك ممثلان آخران يستحقان الجائزة ذاتها: الإيطالي إليو جرمينو عن دوره في «ليوباردي» وآل باتشينو عن دوره في «منغلهورن».
جائزة لجنة التحكيم الكبرى (الثانية في القيمة) ذهبت للفيلم التسجيلي «نظرة الصمت» لجشوا أوبنهايمر بينما حظي «سيفاس» للتركي كعن مجديشي بجائزة خاصة من لجنة التحكيم.
في مسابقة «آفاق» (التي لديها لجنة تحكيم خاصّة بها قادتها المخرجة آن هوي وكان من بين أعضائها المخرج الصومالي محمد - صالح هارون) نال الجائزة الأولى الفيلم الهندي «محكمة» لشيتانا تامهان، بينما قفزت جائزة أفضل إخراج إلى المخرج الأردني ناجي أبو نوار عن فيلمه «ذيب»، وقال لنا في مقابلة تنشر قريبًا إنه عانى كثيرًا في سبيل تحقيق هذا الفيلم لكنه لم ييأس.







