«نورهان... حلم طفلة» وثائقي تقدمه الحفيدة هدية إلى جدتها

تطل فيه فنانة الأربعينات بالصوت والصورة

نورهان التزمت الصّمت لأكثر من 40 عاما لتخرج إلى الضوء في «نورهان... حلم طفلة» - الفنانة نورهان تتحدث في الوثائقي «نورهان... حلم طفلة»
نورهان التزمت الصّمت لأكثر من 40 عاما لتخرج إلى الضوء في «نورهان... حلم طفلة» - الفنانة نورهان تتحدث في الوثائقي «نورهان... حلم طفلة»
TT

«نورهان... حلم طفلة» وثائقي تقدمه الحفيدة هدية إلى جدتها

نورهان التزمت الصّمت لأكثر من 40 عاما لتخرج إلى الضوء في «نورهان... حلم طفلة» - الفنانة نورهان تتحدث في الوثائقي «نورهان... حلم طفلة»
نورهان التزمت الصّمت لأكثر من 40 عاما لتخرج إلى الضوء في «نورهان... حلم طفلة» - الفنانة نورهان تتحدث في الوثائقي «نورهان... حلم طفلة»

«ماذا يعني اسم نورهان؟» هو السؤال الذي تبادر مخرجة الوثائقي «نورهان...حلم طفلة»، مي قاسم، لتوجيهه إلى جدتها الفنانة سورية الأصل التي اعتزلت الغناء في الستينات، وترد الجدة على حفيدتها: «لا معنى حقيقياً له؛ قالوا لي إنه مجرد اسم يجمع ما بين نور الهدى وأسمهان».
ففي هذا الفيلم الذي ينطلق في صالات سينما «متروبوليس»، هذا الأسبوع، تحاول الحفيدة مي نبش ماضي جدتها والتعرف عن كثب على الفنانة التي لاقت شهرة واسعة منذ الأربعينات وإلى حين اعتزالها الغناء في الستينات. «منذ عام 1980، وأنا أحلم بتصوير هذا الفيلم والوقوف على أهم محطات فنانة لم أكن أعلم بمسيرتها تلك قبيل تخرجي في الجامعة»، تقول مي قاسم في سياق الفيلم، وتتابع: «لقد التزمت الصمت وامتنعت عن التحدث عن مرحلتها الفنية تلك إلى أن قررت مجاملتي مرة، إثر تخرجي في الجامعة. فاتصلت ببعض معارفها القدامى في مجال الفن كي يُسهِموا في إيجاد عمل لي بمجال تخصصي، ألا وهو الإخراج السينمائي، ويومها اكتشفتُ ماضيَها الفني».
وهل هي راضية عن هذا الفيلم؟ ترد مي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إنه «بمثابة ذكريات مطوية منذ زمن أعدناها معاً إلى الحياة، وكانت راضية عنها».
يتنقل الفيلم بين مراحل حياة نورهان، واسمها الحقيقي «خيرية»، منذ الطفولة التي شهدت بداية حبها للغناء عند اكتشافها مشغل أسطوانات «فونوغراف» في منزل صديقة والدتها. فسمعت من خلاله للمرة الأولى أغنية أم كلثوم «اللي حبك يا هناه». وصارت ترددها لاحقاً مع أغانٍ أخرى أمام صديقات والدتها. كما تطل مي قاسم على قصص أخرى من طفولة جدتها عندما سرقت منها طفلة أخرى لعبة كانت قد اشترتها لها والدتها، فنراها تستذكر تلك اللحظة بتفاصيلها، فتتغير ملامح وجهها لترسم عليها غضباً قديماً لم تستطع حتى الساعة التخلص منه، وهي تقول: «لم أتمكن من اللحاق بها وراحت اللعبة إلى غير رجعة وحزنت».
وتركز المخرجة مي قاسم في غالبية مضمون الفيلم على اهتمام جدتها الدائم بابنها الوحيد زياد، وهو والدها. فتردد أكثر من مرة بأنها عملت وجاهدت كي تستطيع تأمين حياة رغيدة له؛ فزوجها قاسم قاسم الذي تزوجته في عمر الرابعة عشرة تصفه في الفيلم بـ«أستاذ لغة وأدب لبناني يجيد 11 لغة» لكنه «لا يفهم كثيراً بالنساء والأولاد، وكل ما يعرفه هو العلم وقراءة الكتب». وبعد أن أقنعته باستكمال دراسته في الخارج انتقلا للعيش في القاهرة، إذ انطلقت منها في عالم الغناء والتمثيل السينمائي. ذكريات عن لقاءاتها بالراحلين محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش وعازف البزق محمد عبد الكريم وغيرهم تتناولها الفنانة اليوم وهي في عمر 98 عاماً دون أن يرف لها جفن. فتسردها كمجرد حكايات تعرفها ليس أكثر. وبين طبق «اللوبياء بالزيت» الذي تحضّره أمامنا مباشرة فيذكّرها بعبد الوهاب الذي كان يحبه من يديها، وقطفها زهور الياسمين من على شرفة منزلها في بيت مري، وتخلُّصِها من أحمر شفاه وضعته لها حفيدتها لتبدو متأنقة أمام الشاشة، نلاحظ حب نورهان لحياتها اليوم بعيداً عن الأضواء. فهي نفرت من مجال الفن كما تقول، لأنه لم يناسبها، بـ«زواريبه المتسخة»... «صاروا يطلبون مني مسايرة فلان والجلوس معه، ومرات كثيرة كنت أحيي حفلات مجانية، وأنا في المقابل كنت أغني وأمثّل لأعيش في ظل غياب أي موارد أخرى». في زواجها الأول الذي انتهى بالطلاق أحرق زوجها قاسم قاسم فساتينها وصورها مرةً لغيرته الشديدة عليها، ومرة أخرى لجميع كتبه، مدعياً أمامها أنه نبي، ما دفعها لطلب الطلاق منه ومغادرة منزلها مع ابنها زياد. وفي المرة الثانية التي تزوجت فيها من الفنان محمد سلمان الذي تصفه بالطيب والوسيم وخفيف الدم لم تكن حالتها معه أفضل، إذ كان مدمناً «لعب الميسر»، مما جعلها وبعد مرور 5 أعوام على زواجهما تطلب منه الطلاق، إلا أنهما احتفظا بصداقة وطيدة بينهما.
نتعرف في الفيلم إلى نورهان الممثلة السينمائية التي استهلت مشوارها كـ«كومبارس»، ونقرأ معها عناوين أفلام لعبت بطولتها: «الخير والشر» و«ابنة الشرق» و«ليلى في العراق» من على كتيب قديم لا تزال تحتفظ به يروج لتلك الأعمال. «لم تنجح أعمالي السينمائية لأن من كان يمولها ويديرها كنت أفهم أكثر منه في عملية الإخراج».
وبعد حفلات غنائية أحيتها بين مصر وسوريا ولبنان وتونس وغيرها من الدول العربية قررت نورهان التفرغ للعمل الإذاعي والابتعاد عن الأضواء. «لم أكن أرغب في أن يكبر ابني زياد في هذه الأجواء، ويشيرون إليه بالأصبع بأنه ابن فنانة تغني على المسارح في الليالي». تعلّق الجدة نورهان في سياق الفيلم. بعدها اضطرت إلى افتتاح صالون حلاقة نسائي لاقى شهرة واسعة، إذ كانت النساء ترتاده لمشاهدتها والتعرف عليها كنجمة عربية مشهورة، وتأثر الابن زياد بعمل صالون والدته للتزيين، وسافر إلى فرنسا للتخصص في هذا المجال، وما لبث أن تركه ليدرس الاقتصاد ويعمل موظفاً في الأمم المتحدة مفسحاً المجال أمام والدته بأن تعيش معززة مكرمة. وبين رسومات غرافيكية أضفت لمسة حديثة على الفيلم، وأخرى ترسمها نورهان بيدها لتعلمنا أنها تحب الرسم، تتلون مشاهد الفيلم بالأبيض والأسود بعيداً عن زمن الفن الجميل فتجمع من خلالها مي قاسم بين فنون كثيرة تحبها تماماً كجدتها.
ونلاحظ طيلة مشاهدتنا هذا الفيلم الذي يُعد أول إطلالة حقيقية للفنانة نورهان منذ غيابها عن الساحة حتى اليوم، أن ملامح «خيرية» فيها كثير من الجدية والرزانة، إضافة إلى ابتسامة نادرة. ونكتشف قبيل نهاية الفيلم بقليل وبصورة غير مباشرة أنها أم ثكلى فقدت ابنها الوحيد زياد وهو في الأربعينات من عمره، مما يشكل السبب الرئيسي في فقدانها لذة الحياة.
كثيرون من أبناء جيل اليوم لم يسبق أن سمعوا بالفنانة نورهان، فنادراً ما جرى تناقل اسمها إعلامياً. وما عدا ذكرها في كتاب «نجمات الغناء في الأربعينات»، لمحمود الزيباوي وأسعد مخول، منذ سنوات قليلة، فإنها كانت الغائبة الحاضرة في خيال بعض من أبناء جيل قديم لا يزال يتذكر صوتها الشجي والرنان بأغان هي نفسها لم تعد تتذكرها. ويأتي هذا الوثائقي ليعطيها بعضاً من حقها في مجال الفن بعد فترة صمت طويلة التزمتها وامتنعت خلالها عن الكلام والغناء.



«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


7 قتلى جراء سقوط طائرة إسعاف جوي في الهند

قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)
قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)
TT

7 قتلى جراء سقوط طائرة إسعاف جوي في الهند

قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)
قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)

كشف مسؤولون في ​الهند، اليوم الثلاثاء، أن جميع الركاب السبعة الذين كانوا على متن طائرة إسعاف ‌من طراز ‌«بيتشكرافت» ​لقوا ‌حتفهم ⁠بعد سقوطها ​في ولاية ⁠جاركاند أمس الاثنين.

وكان على متن الطائرة اثنان من أفراد الطاقم ⁠ومريض وأقاربه.

حطام طائرة الإسعاف الجوي التي سقطت بالقرب من غابة في منطقة تشاترا بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)

وقالت ‌المديرية ‌العامة للطيران ​المدني ‌في الهند ‌أمس الاثنين إن طائرة «بيتشكرافت سي 90»، التي تشغلها شركة ‌«ريد بيرد إيرويز»، أقلعت من رانشي في ⁠جاركاند، ⁠لكنها طلبت تغيير مسارها بسبب الأحوال الجوية.

وأضافت المديرية أن الطائرة فقدت الاتصال بعد ذلك واختفت ​من على ​شاشات الرادار.


بين الخلوة والسمعة... موسم التحوّلات الصعبة في «شارع الأعشى»

خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)
خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)
TT

بين الخلوة والسمعة... موسم التحوّلات الصعبة في «شارع الأعشى»

خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)
خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)

بين محاولات عزيزة ترميم صورتها، وتورّط والدها وجارتهما في عاصفة من الإشاعات، تتشكّل ملامح الموسم الثاني من مسلسل «شارع الأعشى». هنا لا تبدو السمعة مجرد قيمة اجتماعية، بل ساحة صراع مفتوحة تُختبر فيها الشخصيات تحت ضغط مجتمع يضيق فيه هامش الخطأ وتتعاظم التأويلات.

مع انقضاء الأسبوع الأول من رمضان، يواصل المسلسل تصدّر قائمة الأعمال الأكثر متابعة في السعودية وعدد من الدول العربية، مستفيداً من العلاقة التي بناها مع جمهوره منذ الموسم الأول. غير أن العودة هذه المرة لا تكتفي باستثمار النجاح السابق، بل تدفع الشخصيات إلى مرحلة أشد قسوة؛ إذ تنتقل الحكاية من التعريف إلى الاختبار، ومن البناء إلى المواجهة، حيث تتحول النيات الحسنة نقاطَ اشتباك، وتصبح الشائعة أداة تدفع الأحداث نحو مسارات جديدة.

عزيزة... من الاندفاع إلى الاتزان

مشهد من ليلة زواج عزيزة الذي شهد مرحلة انتقالية للشخصية (شاهد)

تتمحور حكاية الموسم الأول حول الشابة المتهورة عزيزة (لمى عبد الوهاب)، التي تدفع نفسها باستمرار إلى قلب المتاعب، واضعة سمعتها على المحك. فبين محاولات الهروب المتكررة والبحث عن الحب بوصفه خلاصاً سريعاً من واقع ضاغط، تنجرف الشخصية نحو سلسلة من القرارات التي تقودها إلى نتائج قاسية. ويبلغ هذا المسار ذروته حين تفكر في الهرب مع حبيبها، قبل أن تنتهي الحكاية بمقتله في ختام الموسم الأول.

في الموسم الثاني، تعود عزيزة بقدر أكبر من الاتزان، مدفوعة بإحساس متزايد بالمسؤولية تجاه حياتها وخياراتها. وتبدأ ملامح التحول مع زواجها من خالد (ناصر الدوسري)، وهي تجربة تضعها أمام واقع مختلف تماماً؛ إذ تواجه علاقة يغلب عليها الطابع العملي والقسوة، بعيداً عن الأحلام الرومانسية التي سعت إليها في السابق.

ورغم صعوبة هذا التحول، تختار عزيزة الصبر والتحمّل، محاولة الحفاظ على ما تبقّى من ثقة عائلتها وإثبات قدرتها على التكيّف داخل الإطار الاجتماعي الذي سعت يوماً إلى التمرد عليه وكسره. بذلك، ينتقل مسار الشخصية من الهروب الدائم إلى مواجهة يومية مع الواقع، في رحلة إعادة بناء الصورة أمام الأهل والمجتمع.

وضحى... مواجهة الثمن الأعلى

إلهام علي تؤدي شخصية وضحى التي تتعرض لمتاعب كبيرة في الموسم الثاني (شاهد)

على خط درامي موازٍ، تتقدّم شخصية وضحى (إلهام علي) إلى واجهة الأحداث بمساحة أوسع وتأثير أشد. وتبدأ افتتاحية المسلسل بالتحدّي المصيري الذي تواجهه بعد سجن ابنها متعب (باسل الصلي)؛ ما يدفعها إلى اتخاذ قرار قاسٍ ببيع منزلها من أجل تأمين إطلاق سراحه. ويحمل هذا القرار تضحية مضاعفة؛ إذ لا يمسّ الاستقرار المادي فحسب، بل يطول الذاكرة العائلية في عمقها.

وتتجلَّى المفارقة حين يكون المشتري جارها أبو إبراهيم (خالد صقر). ومنذ تلك اللحظة، تبدأ الأقاويل بالانتشار داخل الحارة، وتتحول الصفقة من موقف شهم إلى مادة للشك والنميمة. ويجد أهل الحي في تصرفاتهما مساحة للتأويل والمراقبة، في حين يسبق الكلامُ الوقائع بخطوات، لتجد وضحى نفسها في قلب عاصفة اجتماعية تتَّسع دائرتها مع كل حلقة، وتتحول فيها النية الحسنة عبئاً يتطلب دفاعاً يومياً.

الخلوة... لحظة تغيّر المسار

خالد صقر يمر بتحولات جديدة في الموسم الثاني (حساب الفنان في إكس)

تبلغ هذه الحبكة ذروتها في الحلقة السادسة، حين يجتمع أبو إبراهيم ووضحى صدفة في منتصف الليل داخل محل ابنها. ويتحوَّل هذا اللقاء العابر أزمةً كبيرة بعد اقتحام الشرطة المكان والقبض عليهما بتهمة الخلوة غير الشرعية، وهي تهمة كانت تُواجَه بحزم شديد في منتصف ثمانينات القرن الماضي، وهي الفترة الزمنية التي يستلهم منها المسلسل عالمه الاجتماعي خلال الموسم الثاني.

ومنذ تلك اللحظة، تتَّسع دائرة الأقاويل، ويتعرض الاثنان إلى هجوم مباشر من أهل الحارة الذين يرتابون من سلوكهما، لتتحول النظرات والهمسات تدريجياً موقفاً علنياً يضعهما تحت ضغط اجتماعي كثيف.

أمام هذا الواقع، يقرِّر أبو إبراهيم الزواج من وضحى، في خطوة تهدف إلى ردع الأقاويل ووضع حد للتأويلات المتزايدة؛ سعياً إلى حماية السمعة قبل أي اعتبار آخر. غير أن هذه الخطوة تفتح جبهة جديدة داخل بيته، وتضع أسرته أمام اختبار صعب تتداخل فيه المشاعر مع ضغط المجتمع ونظرته.

وتدخل زوجته نورة (عائشة كاي) في تحدٍّ مختلف عمَّا عاشته في الموسم الأول؛ فبعدما تمحورت أزماتها سابقاً حول أبنائها وبناتها، تجد نفسها اليوم أمام أزمة تمس علاقتها الزوجية مباشرة. ومع تراكم الضغوط وتصاعد الكلام داخل الحارة، يلحظ الجمهور بداية تصدّع في هذه العلاقة، تحت وطأة المجتمع وثقل سمعته.

سعد... عودة بوجه مزدوج

براء عالم ملثماً في دور الهارب سعد (حساب الفنان في إكس)

في سياقٍ آخر، يعود الشاب سعد (براء عالم) بعد المسار الذي اتخذه في الموسم الأول، حين انحرف وانضم إلى فئات فكرية ضالّة، وانتشر خبر مقتله. غير أن الموسم الثاني يكشف عن أن سعد ما زال حياً، وأنه يتعامل سراً مع الشرطة للقبض على المطلوبين، ليتحرك بين أزقة الحي متلثماً بشماغه، ويظهر في صورة تجمع بين الغموض والخطر.

ويجعل هذا الحضور الملتبس بعضَ سكان الحارة يلمحونه ويشكّون في هويته، كما يضيف خط سعد طبقة جديدة من التوتر إلى عالم «شارع الأعشى». ويعزّز هذا المسار فكرة السمعة والذاكرة والهوية بوصفها عناصر فاعلة في تشكيل مصائر الشخصيات، مانحاً الموسم بُعداً إضافياً يتجاوز الصراع العائلي إلى صراع مع الماضي وصورته في عيون الآخرين.

وجوه جديدة... وشخصيات تتبدّل

وكذلك، يشهد الموسم الجديد تحولاً في شخصية فواز (محمد الحربي)، الذي كان حضوره هامشياً ومحدوداً في الموسم الأول بوصفه صبياً صغيراً، ليظهر اليوم في صورة مراهق يحاول فرض سيطرته على تصرفات أخواته، ويغار عليهن من شباب الحي، في محاولة لمحاكاة التحولات التي يمر بها الصبيان خلال مرحلة الانتقال من الطفولة إلى الشباب.

ويبدو لافتاً ما يحمله الموسم الثاني من «شارع الأعشى» من مشاركة جديدة لعدد من النجوم الذين انضموا إلى العمل، مثل ناصر الدوسري، ومهند الحمدي، ومها محمد، ومحمد الحجي إلى جانب أسماء أخرى؛ وهو ما أسهم في توسيع عالم الحكاية وفتح مسارات درامية جديدة، ومنح الحارة وجوهاً أخرى تتقاطع مع الشخصيات الأساسية.

في المقابل، شهد الموسم الثاني استبدال شخصية ضاري، التي كان يؤديها الممثل عبد الرحمن بن نافع في الجزء الأول، ليحل محله مصعب المالكي. وأثار هذا التغيير جدلاً واسعاً بين الجمهور خلال الأسبوع الأول من العرض، وفتحِ باب المقارنات بين أداء الممثلين، في نقاش يعكس حجم ارتباط المشاهدين بالشخصيات وتفاصيلها.

ديكور وأزياء أكثر ثراءً

على المستوى البصري، يبرز في هذا الموسم تطور واضح في ديكور الحارة؛ إذ جاء أكثر إتقاناً وغنًى بالتفاصيل، بما يعزّز الإحساس بالمكان والزمن، ويمنح المشاهد شعوراً أعمق بالاندماج في العالم الدرامي. فقد بدت الأزقة والبيوت والمحال وكأنها تحمل طبقات من الذاكرة، وتخدم فكرة الحارة بوصفها كائناً حيّاً يراقب ويحتفظ بالأسرار.

وينسجم هذا التطور مع عناية أكبر بتفاصيل الأزياء، التي جاءت مشغولة بدقة بمشاركة مستشارة الأزياء فوزية بن خميس. كما برز فستان زواج عزيزة من خالد، باللون الوردي المنفوش والمشغولات الذهبية، بوصفه أحد أكثر العناصر البصرية لفتاً للانتباه في الحلقات الأولى.

إلى جانب ذلك، يظهر جانب آخر في شخصية الجازي (أميرة الشريف)، يتمثل في اهتمامها بتصميم الأزياء لسيدات الحارة، وهو تفصيل يضيف بُعداً إنسانياً واجتماعياً جديداً إلى نسيج العمل، ويمنحه مساحة أوسع للتعبير عن الأذواق والطبقات والهوية البصرية للشخصيات.

الحارة... محكمة مفتوحة

إجمالاً، يكشف الموسم الثاني عن تحوّل المكان نفسه إلى سلطة قائمة بذاتها؛ فالحارة هنا ليست مجرد خلفية للأحداث، بل محكمة مفتوحة لا تتوقف عن المراقبة وإصدار الأحكام. تتحول النظرات اتهاماً، والكلمات قرارات مصيرية، في حين تكتسب الشائعات قوة تفوق الحقيقة أحياناً، لتدفع الشخصيات نحو اختيارات قاسية لا يفرضها القدر بقدر ما يفرضها المجتمع.

ومع مواصلة المسلسل تصدُّر المشاهدة منذ أسبوعه الأول، يتضح أن الجمهور يتابع هذه التحولات بوصفها امتداداً طبيعياً لعالم تعرّف إليه سابقاً، ويراه اليوم في مواجهة أكثر حدة مع اختياراته ونتائجها. وهكذا يقدّم «شارع الأعشى» في موسمه الثاني حكاية شارع يحتفظ بذاكرته، وأشخاص يخوضون سباقاً يومياً على السمعة، ومجتمعاً يجعل من الصورة العامة ساحة صراع مفتوحة، تتقاطع فيها النيات الحسنة مع قسوة التأويل.