علاقات لبنان مع سلطات دمشق تتأرجح على حبال ملف اللجوء

في أعقاب تفعيل سلسلة إجراءات للتضييق على اللاجئين

علاقات لبنان مع سلطات دمشق تتأرجح على حبال ملف اللجوء
TT

علاقات لبنان مع سلطات دمشق تتأرجح على حبال ملف اللجوء

علاقات لبنان مع سلطات دمشق تتأرجح على حبال ملف اللجوء

أرخت التطوّرات الأخيرة التي شهدها لبنان، المرتبطة بملف اللجوء السوري، بظلالها على العلاقات اللبنانية - السورية.
وبات واضحاً وجود سياسة جديدة تنتهجها الدولة اللبنانية في التعاطي مع الملف، بعد نحو 8 سنوات من «العشوائية» في معالجة هذه الأزمة، نتيجة الخلافات والانقسامات السياسية الداخلية والضغوط الخارجية التي فعلت فعلها، ولا تزال، معلّقة موضوع العودة إلى أجل غير مسمى.

السياسة اللبنانية الجديدة حيال اللاجئين السوريين اتضحت مما أشيع عن خروج الوفد السوري من قاعة مؤتمر العمل الدولي عام 2019، الذي انعقد في جنيف بسويسرا، أثناء إلقاء وزير العمل اللبناني كميل أبو سليمان كلمته. وفي تلك الكلمة، قال أبو سليمان إنها «تتضمّن موقف لبنان الرسمي»، وإنه «سبق أن أطلع رئيس الجمهوريّة عليها، وأجرى بعض التعديلات الطفيفة مع سفير لبنان لدى المنظمات الدوليّة في جنيف». وبدا أن النظام السوري ليس ممتناً من الموقف اللبناني الرسمي المستجَد، الذي يُحمِّل اللاجئين مسؤولية كل المشكلات والأزمات اللبنانية، ويدفع باتجاه الضغط عليهم للعودة.
المندوب الدائم لدمشق لدى الأمم المتحدة في جنيف، السفير حسام الدين آلا حاول أن يناقض الرواية التي تقدم بها الوفد اللبناني بخصوص موضوع الانسحاب، فقال لوكالة «سانا» السورية الحكومية إن الوفد السوري إلى الدورة الـ108 لمؤتمر العمل الدولي، برئاسة وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل ريمة قادري، لم يكن داخل قاعة المؤتمر إبان إلقاء أبو سليمان كلمته، لأن قادري كانت تعقد اجتماعات ثنائية مع نظرائها على هامش الجلسة الصباحية.
وتحدث آلا عن «لغط حاولت بعض الأطراف اللبنانية افتعاله حول مزاعم خروج الوفد السوري من قاعة الاجتماعات، إلا أن أبو سليمان أكد أن الوفد السوري كان جالساً في الصفّ الأول، وحين بدأ يتحدث عن ملف النازحين السوريين بدأ أفراده بالانسحاب، الواحد بعد الآخر... في تكرار لما حصل في عيد العمّال، حين انسحب السفير السوري عند إلقاء كلمتي في الاتحاد العمالي العام».
مصادر في قوى «8 آذار»، المؤيدة للنظام السوري داخل لبنان، وهي مطلعة على الموقف السوري، ذكرت «أن ما أزعج وفد دمشق ليس موقف لبنان من ملف النزوح، إنما أبو سليمان نفسه ومحاولته وحزب (القوات اللبنانية) الذي ينتمي إليه تصوير أن الدولة السورية هي التي ترفض عودة مواطنيها إلى بلدهم». وأكدت المصادر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن دمشق «تعتبر موقف بيروت ممتازاً فيما يتعلق بقضية النزوح (اللجوء)، ولا ترى أي مشكلة في الإجراءات المتخذة أخيراً، من منطلق أن ما يعنيها تحقيق العودة من دون أن تتدخل بشؤون لبنان، والتدابير التي يتخذها لتحقيق مصلحته العليا».
من جانب آخر، اللافت أن كلمة أبو سليمان التي وزّعتها «الوكالة الوطنية» في لبنان لم تحمل أي جديد فيما يتعلق بموقف لبنان، يستدعي استنفاراً سورياً، إذ قال وزير العمل اللبناني إنه «لم يعد خافياً على أحد أن أهم التحديات التي يواجهها لبنان، يكمن في العدد غير المسبوق للنازحين (اللاجئين) السوريين منذ بداية الأزمة السورية عام 2011، ما يجعل لبنان البلد الأول في العالم من حيث حجم النازحين (اللاجئين) نسبة إلى عدد مواطنيه»، مشيراً إلى أن عددهم بات يعادل ثلث عدد المواطنين في لبنان، من دون احتساب أعداد اللاجئين من جنسيات أخرى.

«مسار» لبناني جديد

من جهة ثانية، تُرجح مصادر سياسية لبنانية ألا يكون موقف أبو سليمان ما أزعج وفد دمشق، بل المسار الجديد الذي سلكته الدولة اللبنانية في معالجة ملف اللجوء، وإن كانت الحكومة اللبنانية حتى الساعة لم تبدأ بدراسة الخطة، التي من المفترض أن يعرضها وزير الدولة لشؤون النازحين قريباً على طاولة مجلس الوزراء.
أما أبرز الإجراءات التي اتخذت بالفعل أخيراً، والتي توحي بأن الأمور سلكت طريق اللاعودة في هذا الملف، فجاءت نتيجة قرارات اتخذها أخيراً المجلس الأعلى للدفاع، وأخرى جرى تضمينها مشروع الموازنة. ومن هذه التدابير...
- الترحيل الفوري للداخلين خلسة.
- مكافحة التهريب من خلال المعابر غير الشرعية.
- تغريم المشغّل اللبناني لكل أجنبي لا يحوز إجازة عمل، وهذا ما لحظته الموازنة، بالإضافة إلى مطالبات إلى الجهات المعنية (البلديات - المخاتير- المحافظين - القائمقامين) بإقفال المؤسسات غير الشرعية.
- فرض رسم على عائلة الأجنبي المقيمة في لبنان.
ولم تقف الإجراءات الجديدة المتخذة عند هذا الحد، بل أمهل الجيش اللبناني اللاجئين السوريين والجهات المعنية هدم البيوت الإسمنتية، التي شيّدت بشكل أساسي في بلدة عرسال، وهو قرار اتخذه المجلس الأعلى للدفاع. ورأى ناشطون في المجتمع المدني في لبنان أن الإجراءات الأخيرة التي تطال اللاجئين السوريين تعكس بشكل واضح وجود استراتيجية للضغط عليهم وترحيلهم، واعتبر الناشطون أنها تؤدي جميعها إلى خلق بيئة غير مرحِّبة بهم، والضغط عليهم، عبر إجراءات غير مكتوبة، بدل معالجة هذه القضية بطريقة هادئة.
في المقابل، تؤكد مصادر رسمية لبنانية أن ما يحصل «هو انتقال من مرحلة عدم تطبيق القوانين المرعية الإجراء، إلى تطبيقها بحزم للحد من التداعيات السلبية» للّجوء، على كل القطاعات اللبنانية، «ما سيؤدي في حال ظلت الأمور على ما هي عليه إلى صدام لبناني - سوري، مؤكد في مرحلة قريبة مقبلة».
هذا التناقض نبّهت عليه وزيرة الداخلية والبلديات ريّا الحسن أخيراً، واعتبرت ما وصفته باقتلاع اللاجئين من خيمهم، له انعكاسات خطيرة، وذلك في إشارة إلى قرار بلدية دير الأحمر، في شمال البقاع، بهدم مخيّم للنازحين بعد اعتداء شبان على عناصر الدفاع المدني الأسبوع الماضي.

مواقف عون وباسيل

المعروف أن بعض المسؤولين اللبنانيين، على رأسهم رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، ووزير الخارجية جبران باسيل، يواصلون زيادة الضغوط على المجتمع الدولي لحثّه على المساهمة بإعادة اللاجئين. كما أن المواقف المتتالية الصادرة عن عون أخيراً، التي لوّح فيها صراحة بالاتصال والتنسيق مع حكومة النظام في دمشق لإعادة اللاجئين في حال استمرار «لا مبالاة» المجتمع الدولي في التعامل مع الملف، أثارت جملة تساؤلات حول خلفية هذه المواقف وماهية الخطوات التي قد يتخذها لبنان الرسمي لتسريع عودة هؤلاء.
عون قال أمام مسؤولين غربيين، التقاهم أخيراً، إن لبنان يتطلع لتغيير الموقف الأوروبي من عودة اللاجئين، «لئلا تشتد تداعيات هذا اللجوء على الأوضاع كافة في لبنان، ويجبر على اتخاذ خطوات لتنظيم العودة مع الحكومة السورية». أما باسيل فلا ينفك يتهم «إرادة خارجية واضحة بإبقاء النازحين (اللاجئين) على أرضنا»، وقد حذّر أخيراً خلال زيارته إسبانيا من أن «مدة بقاء السوريين في لبنان في ظل أوضاعهم السيئة، لن تطول، وهم إما سيتجهون نحو أوروبا وإما نحو سوريا... والأفضل لأوروبا أن يعودوا إلى سوريا».

... ونصر الله وقانصو

كذلك انضم أمين عام «حزب الله» السيد حسن نصر الله إلى الحملة، التي يقودها عون وباسيل، فتحدث في إحدى إطلالاته الأخيرة عن وجود «إصرار أميركي - غربي - خليجي على رفض عودة النازحين (اللاجئين) السوريين إلى بلدهم». وادّعى نصر الله أن الرئيس بشار الأسد سبق أن أكد له خلال لقاء بينهما رغبته أن يعود جميع اللاجئين السوريين المقيمين في لبنان إلى بلادهم.
وهذا أيضاً ما قاله لـ«الشرق الأوسط» الأمين القطري السابق لحزب «البعث» عاصم قانصو عن أن سلطات دمشق «راغبة بعودة مواطنيها إلى أرضهم بأسرع وقت ممكن، للمساهمة بإعادة الإعمار، خاصة أن 90 في المائة من الأراضي باتت آمنة»، حسب قوله. وأضاف قانصو أن «العدد الفعلي الذي يتوجب العمل على إعادته إلى سوريا هو نحو 800 ألف، باعتبار أن هناك 500 ألف سوري لطالما وُجدوا في لبنان للعمل»، مضيفاً: «الدولة في سوريا لم تتعاط يوماً مع النازحين (اللاجئين) كثقالات ترغب في إلقائهم في بلدان النزوح. بالعكس تماماً، هناك من السياسيين في لبنان وخارج لبنان من يستخدمون ورقة النزوح للضغط على الحكومة في سوريا».
وإذ يستهجن قانصو تحميل بعض المسؤولين اللبنانيين اللاجئين مسؤولية كل الأزمات التي يرزح تحتها لبنان، سواء أزمة الكهرباء أو المياه أو التلوث... يتساءل: «ألم تكن هذه الأزمات موجودة قبل العام 2011؟».

دور البلديات

وبالتزامن مع وضع وزير الدولة لشؤون النازحين - المحسوب على دمشق وقوى «8 آذار» - اللمسات الأخيرة على خطته لعودة اللاجئين، التي نسقها مع دمشق، انتهت وزارة الخارجية في لبنان من تحديث خطة، كانت قد أعدتها عام 2014، تقوم بشكل أساسي - كما تقول - على «تحقيق العودة الآمنة والممرحلة وفق خط زمني محدد»، وعلى أساس تقسيم اللاجئين إلى فئات.
وبعد التصويب بشكل أساسي على موضوع العمالة السورية «غير الشرعية» في لبنان، سواء من قبل «التيار الوطني الحر» (الذي أسّسه الرئيس عون، ويرأسه الوزير باسيل) أو وزارة العمل، ما أدى إلى إقفال عدد كبير من المحال التجارية، التي يعمل فيها سوريون، أوضحت مستشارة وزير الخارجية والمغتربين لشؤون النازحين، الدكتورة علا بطرس (وهي محسوبة على التيار نفسه)، أنه سيجري في المرحلة المقبلة «تفعيل دور البلديات بتطبيق القوانين على كل من لا يحوز إجازة عمل وإقامة، وإقفال المحلات والمؤسسات غير الشرعية، بالتعاون والتنسيق مع الأجهزة المعنية، ومنها الأمن العام».
ولفتت بطرس إلى أن «البلدية في النهاية ضابطة عدلية، وبالتالي عليها أن تحدد من يمتلكون صفة (نازح) بإبراز بطاقة النزوح الصادرة عن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ومن هم عمّال دخلوا خلسة أو بشكل شرعي، ولم تعد إقامتهم صالحة... وهنا يجب أن يقوموا بتسوية أوضاعهم من خلال الحصول على إقامة من الأمن العام، وإجازة من وزارة العمل في القطاعات المسموح لهم أن يعملوا فيها، وفق القانون».
وتابعت بطرس، في تصريح أدلت به لـ«الشرق الأوسط»: «كل ما نقوم به في هذا المجال يهدف إلى تنظيم واقع النزوح (اللجوء) السوري، ضمن آلية متكاملة، ومنها تطبيق القوانين على المخالفين، بالتكامل مع قرار المجلس الأعلى للدفاع بالترحيل لكل من يدخل خلسة، مع التشديد على احترام لبنان لالتزاماته تجاه القانون الدولي بعدم الإعادة القسرية».

مصاعب تواجه اللاجئين

حسب سجلات الأمن العام اللبناني، عاد أكثر من 200 لاجئ سوري من لبنان إلى سوريا منذ العام 2017، سواء عبر الرحلات التي ينظمها الأمن العام، أو من خلال مبادرات فردية خاصة.
وتحدّث التقرير السنوي لمنظمة «هيومن رايتس ووتش» المتعلق بلبنان عن أكثر من مليون لاجئ سوري مسجّل لدى «المفوّضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» (المفوضية) في لبنان، في حين تقدّر الحكومة اللبنانية أن عدد السوريين الفعلي في البلاد هو 1.5 مليون.
وبحسب المنظمة الدولية، فإن سياسات الإقامة في لبنان تصعّب على السوريين المحافظة على الصفة القانونية، ما يعرّضهم لتزايد خطر الاستغلال والإساءة، كما أنها تحدّ من قدرتهم على الوصول إلى العمل والتعليم والرعاية الصحية. وكشفت المنظمة أن 74 في المائة من السوريين في لبنان يفتقرون إلى الإقامة القانونية، ويواجهون خطر الاعتقال بسبب وجودهم غير الشرعي في البلاد، موضحة أنه في مارس (آذار) 2018 ألغى لبنان بعض القيود المفروضة على الإقامة للأطفال السوريين اللاجئين، الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و18 سنة.
ونقلت «هيومن رايتس ووتش» عن عدد من اللاجئين في لبنان أنهم يعودون بسبب السياسات القاسية والظروف المتدهورة في لبنان، وليس لأنهم يظنون أن الوضع في سوريا آمن، مشيرة إلى أن «هناك بلديات في لبنان أجلت قسراً آلاف اللاجئين، في إطار عمليات طرد جماعي من دون أساس قانوني أو مراعاة الإجراءات القانونية الواجبة. ولا يزال عشرات الآلاف عرضة للإجلاء».
وعلى صعيد متصل، كشف المسح الإقليمي الخامس، الذي أجرته «المفوضية السامية لشؤون اللاجئين»، حول تصورات ونوايا اللاجئين السوريين المتعلقة بالعودة إلى سوريا لشهر مارس 2019، أنّ نسبة 75.2 في المائة من اللاجئين السوريين يأملون في العودة «يوماً ما» إلى بلادهم. وأوضح المسح الذي شمل كلاً من مصر والعراق ولبنان والأردن، والذي أُجري خلال الفترة الممتدة بين أكتوبر (تشرين الأول) وفبراير (شباط) الفائتين، أنّ نسبة 69.3 في المائة من هؤلاء لا ينوون العودة إلى سوريا خلال الأشهر الـ12 المقبلة. كذلك بيّن أنّ نسبة السوريين الذين ينوون العودة خلال الأشهر الـ12 المقبلة بلغت 5.9 في المائة، في حين قُدّرت نسبة اللاجئين الذين لم يتخذوا قرارهم بعد بـ5.5 في المائة، ونسبة الذين لا يأملون في العودة بـ19.3 في المائة.
أما أبرز الأسباب التي تؤخر العودة، لـ19.3 في المائة، فهي؛ الوضع الأمني السيئ، فرص العمل السيئة، نقص المأوى، الخدمة العسكرية، الخدمات الأساسية المحدودة، الخوف من الاعتقال، تدهور التعليم، تعذر التوصل إلى حل سياسي، بالإضافة إلى أسباب أخرى.
وعلى مستوى لبنان، كشف مشروع «اللاجئون شركاء» أنّ 84 في المائة من العمالة السورية في لبنان تقتصر على قطاعي الزراعة والبناء، وهي قطاعات مسموح بها، بموجب قانون العمل اللبناني.
كذلك بيّن المشروع أنّ اللاجئين الأكثر ضعفاً هم الذين يحصلون على المساعدات المالية التي بالكاد تغطي احتياجاتهم؛ علماً بأن 90 في المائة منهم يقترضون المال لدفع تكاليف الإيجار والغذاء والرعاية الصحية؛ حيث إن 9 من أصل 10 عائلات سورية نازحة في لبنان تراكمت عليها ديون في العام 2018.



ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
TT

ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)

في أسواق النفط، كان المشهد أقرب إلى زفير جماعي بعد شهور من الاختناق. الشاشات التي لاحقت أخبار الألغام والناقلات والتهديد بإغلاق مضيق هرمز بدأت تقرأ الاتفاق الأميركي - الإيراني بوصفه وعداً بعودة التدفق، لا مجرد خبر دبلوماسي. وفي عواصم الخليج، خصوصاً التي تعيش جغرافيتها الاقتصادية على رئة هرمز، بدا الارتياح مفهوماً: العراق والكويت وقطر والبحرين، ومعها بقية دول الخليج، لا تريد حرباً مفتوحة في الممرّ الذي يعبر منه جزء حيوي من طاقة العالم. بيد أن الصورة لم تكن وردية في كل مكان. ففي تل أبيب، كان الصمت أقرب إلى الغضب المكتوم. وفي «الكابيتول هيل»، لم يكن السؤال: هل انتهت الحرب بل بأي ثمن؟ ومن يضمن أن هدنة الستين يوماً لن تتحول إلى فخ تفاوضي جديد؟ هكذا دخلت «مذكرة التفاهم» بين واشنطن وطهران حيّز السياسة الفعلية: وقف عمليات، إعادة فتح هرمز، إعفاءات نفطية، بحث في الأصول المجمّدة، صندوق إعادة إعمار ضخم، ومفاوضات نووية مؤجلة إلى ستين يوماً قابلة للتمديد. ليست «وثيقة استسلام إيراني»، كما وعد ترمب في ذروة الحرب، ولا نصراً صافياً لطهران. بل الأدق أنها «طريق خروج» أميركي من حرب كادت تتحول إلى كارثة اقتصادية عالمية، وامتحان إيراني قاسٍ: هل تستطيع الجمهورية الإسلامية أن تبدأ التحول إلى «دولة طبيعية»، أم يعيد «الحرس الثوري» تدوير الاتفاق كهدنة تكتيكية؟

من واشنطن، تُروى القصة على طريقة ترمب: ضغط عسكري هائل، ضربات موجعة، حصار بحري، ثم اتفاق أعاد إيران إلى الطاولة من دون غرق أميركا في حرب شاملة.

هذه الرواية ليست بلا أساس. فالولايات المتحدة دمّرت حقاً أجزاء واسعة من القدرات العسكرية الإيرانية، وألحقت أضراراً بمنشآت دفاعية وصاروخية، وحوّلت الحشد العسكري الأكبر في المنطقة منذ عقود إلى رافعة تفاوضية. لكن المشكلة أن الهدف المعلن كان أكبر بكثير: «استسلام غير مشروط»، وتفكيك نووي وصاروخي كامل، وربما تغيير في بنية النظام... وما تحقق حتى الآن أقل من ذلك بكثير.

براعة... وخطورة

وفق محللين، هنا تكمن براعة الاتفاق وخطورته معاً.

براعة واشنطن أنها وجدت سُلّماً للنزول من حافة الحرب، بعدما اكتشف ترمب أن استمرار المواجهة قد يضرب الاقتصاد الأميركي والعالمي قبل انتخابات التجديد النصفي. وخطورته أن إيران خرجت من تحت الضربات، وقد أثبتت أن بإمكانها تحويل الفوضى الاقتصادية إلى سلاح ردع: إغلاق هرمز، واستهداف منشآت حساسة في الخليج، ورفع كلفة الحرب إلى مستوى لا تتحمله الأسواق طويلاً.

لذلك لا تبدو «مذكرة التفاهم» نصراً إيرانياً بقدر ما هي «بداية مساومة كبرى» على شكل إيران ومكانها. فقد تلقت طهران هزيمة عسكرية قاسية، لكنها لم تُسحق سياسياً. وواشنطن حققت وقفاً للنزيف، لكنها تنازلت عن جزء من الضغط الاقتصادي قبل أن تنتزع الاتفاق النووي النهائي.

وبين هذين الحدين تتشكل المعادلة: ترمب يريد بيع الاتفاق كإنجاز اقتصادي وانتخابي، وطهران تريد بيعه كدليل صمود بوجه القوة الأميركية.

من يربح رواية النصر؟

كل اتفاق مؤقّت يولد بروايتين.

في واشنطن، يقول ترمب إنه أمّن مضيق هرمز، وخفّض أسعار الطاقة، وجنّب العالم كساداً نفطياً، وأجبر إيران على التعهّد بألا تمتلك السلاح النووي. وأضاف أن أي أموال أو استثمارات لن تصل إلى طهران إلا مقابل «سلوك جيد». هذه لغة انتخابية بامتياز: فالنفط يتدفق، والأسواق تهدأ، والرئيس لا يظهر ضعيفاً لأنه يلوّح بالعودة إلى القصف إذا أخلفت إيران.

لكن في طهران، تُروى القصة بعكس ذلك. فإيران «صمدت أمام أقوى جيش في العالم»، وفرضت رفع الحصار، واستعادت القدرة على تصدير النفط، وفتحت الباب أمام أموال مجمّدة واستثمارات بمئات المليارات.

محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، وصف المذكرة بأنها «هزيمة للولايات المتحدة»، وهذا جزء من معركة داخلية لا تقل أهمية عن التفاوض مع الأميركيين. فالنظام يحتاج إلى إقناع جمهوره ونخبه بأن الضربات لم تكسر الجمهورية، بل دفعت واشنطن إلى الاعتراف بدور إيران الإقليمي وحقوقها السيادية في هرمز.

لكن بين الروايتين تقف حقيقة ثالثة هي: لا أحد ربح بعد. ترمب اشترى ستين يوماً من الهدوء، وإيران اشترت ستين يوماً من التنفّس الاقتصادي. أما النتيجة النهائية فستتحدد في الملف النووي، وفي لبنان، وفي طريقة إدارة هرمز بعد انتهاء فترة «المرور بلا رسوم».

لماذا غابت عُمان وصعدت باكستان؟

من التحوّلات اللافتة أن الوساطة لم تحمل الختم العُماني التقليدي.

لعقود، لعبت مسقط دور الممرّ الدبلوماسي الهادئ بين واشنطن وطهران. لكن هذه المرة تقدمت باكستان، بدعم إقليمي من الرياض والدوحة وأنقرة، بينما عادت عُمان من باب آخر: إدارة مستقبلية أو تقنية لحركة المرور في مضيق هرمز بالتفاهم مع إيران ودول الساحل.

هذا ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل تغيراً في ديناميكيات الوساطة الإقليمية. فباكستان تملك علاقة مركّبة مع إيران، وقنوات أمنية مع واشنطن والخليج، وقدرة على التكلّم بلغة «خفض التصعيد» من دون أن تظهر كجزء من «محور عربي» ضد طهران. أما دول الخليج، التي دفعت ثمن الشلل البحري، فوجدت في الوساطة فرصة لإعادة ضبط المنطقة بلا انهيار شامل في أمن الطاقة.

لكن غياب عُمان عن صدارة المشهد يطرح سؤالاً أعمق: هل نحن أمام دبلوماسية خليجية - إسلامية جديدة تتجاوز القنوات التقليدية، أم مجرد ترتيب اضطراري فرضته الحرب؟

الأرجح أن الجواب سيتوقف على بند هرمز. فإذا تحولت «إدارة المضيق» إلى نظام رسوم أو خدمات إيرانية، فستغدو الوساطة نفسها جزءاً من معركة السيادة البحرية.

«عقدة» تل أبيب... في لبنان

في المقابل، أخطر ما في الاتفاق أنه يتكلم عن وقف العمليات «على كل الجبهات، بما في ذلك لبنان»، بينما لا إسرائيل ولا «حزب الله» طرفان موقعان عليه.

هنا تبدو العقدة: إيران وباكستان تستطيعان القول إن الهدنة تشمل لبنان، لكن بنيامين نتنياهو يقول إن إسرائيل غير ملزمة بنص لم توقعه، وإن قواتها لن تنسحب من الجنوب قبل نزع سلاح «حزب الله» أو ضمان أمن الحدود.

بالنسبة لنتنياهو، الاتفاق ليس مجرد تفاهم أميركي - إيراني، بل إنه تهديد سياسي داخلي. فهو وعد الإسرائيليين بـ«نصر كامل» على إيران ومحورها، لكنه وجد نفسه أمام مذكرة تمنح طهران فرصة للتنفس، وتضغط عليه لوقف حملة يرى أنها ضرورية في لبنان. والأسوأ بالنسبة له أن ترمب، الحليف الذي كان يُفترض أن يكون أكثر رؤساء أميركا «تفهّماً لأولويات إسرائيل»، أخذ ينتقد علناً أساليبها في لبنان، قائلاً إن «إسقاط مسيّرتين في الصحراء لا يبرّر تدمير مبانٍ في بيروت».

لكن قدرة البيت الأبيض على الضغط لها حدود؛ فترمب يحتاج إلى رأس مال سياسي كبير كي يقول لنتنياهو: توقّف الآن!

هذا صعب في عام انتخابي إسرائيلي، وصعب أيضاً في واشنطن حيث يراقب «صقور» الكونغرس الاتفاق بعين الشك. ثم إن بعض الجمهوريين يطالبون بإحاطات سرّية ورقابة تشريعية، وآخرون يرون أن إعفاءات النفط وفتح الأموال المجمّدة يمنحان النظام الإيراني «طوق نجاة». وإذا واصلت إسرائيل عملياتها في لبنان أو غزة، فستتحوّل الهدنة من اتفاق إقليمي إلى اختبار يومي للانضباط الأميركي والإسرائيلي والإيراني معاً.

مصير اليورانيوم... تحت الركام

«الملف النووي» يظل قلب الاتفاق، لكنه أيضاً أكثر أجزائه غموضاً. و«مذكرة التفاهم» تعيد تأكيد أن إيران لن تطور أو تحوز سلاحاً نووياً، لكنها تترك التفاصيل الصعبة للمفاوضات النهائية: مصير المخزون المخصّب، ومستقبل التخصيب، ونظام التفتيش، والمنشآت المتضررة، وجدول رفع العقوبات. في «اتفاق 2015» استغرقت هذه التفاصيل مفاوضات طويلة ومعقّدة شاركت فيها القوى الكبرى. أما الآن، فيُطلب إنجاز ما هو أشدّ تعقيداً خلال ستين يوماً، وبعد حرب وضربات ومنشآت مدمّرة.

المعضلة التقنية ليست نظرية. فجزء من المخزون الإيراني من اليورانيوم العالي التخصيب موجود، بحسب التقديرات، في منشآت تحت الأرض تعرضت لأضرار. والاتفاق يتكلم عن «تخفيف» أو «مزج» المواد المخصبة داخل إيران، تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرّية، لكنه لا يفرض منذ البداية إخراج المخزون إلى الخارج.

هذا فارق جوهري عن تجربة 2015، حين أرسلت إيران قسماً هائلاً من مخزونها إلى روسيا. لذا يطرح خبراء الانتشار النووي في واشنطن سؤالاً مباشراً: كيف يمكن التحقّق من المواد تحت الركام؟ ومَن يضمن أن التفتيش لن يتحوّل إلى مفاوضة على كل باب ونفق وكاميرا؟

قد تلعب روسيا مجدّداً دور «المستودع البديل»، لكن إدخال موسكو إلى قلب الاتفاق سيخلق تعقيدات جيوسياسية إضافية في ظل توترها مع الغرب.

أيضاً، «الحرس الثوري»، الذي أشرف تاريخياً على أجزاء حسّاسة من البرنامج، قد يرى في الغموض فرصة للاحتفاظ بـ«عتبة» نووية. وهنا يكمن الرهان الأميركي الحقيقي: ليس فقط تعطيل القنبلة، بل دفع إيران إلى التخلي عن منطق «الاقتراب من السلاح من دون امتلاكه»؛ فالحرب أظهرت أن قدرة «العتبة» لم تردع الضربات، لكنها قد تدفع بعض المتشدّدين إلى استنتاج معاكس: أن النموذج الكوري الشمالي، لا النموذج الإيراني، هو ما يمنع القصف.

أيضاً، حصر الاختبار المقبل في مصير اليورانيوم وحده سيكون خطأً استراتيجياً. فواشنطن مطالبة بالموازنة بين الخطر النووي المتبقي، وتهديدات أخرى لا تقلّ حساسية: برنامج الصواريخ الباليستية، وتطوير الطائرات المسيّرة، وشبكة الأذرع. لذلك لا تبدو المفاوضات المقبلة نووية فقط، بل محاولة أوسع لإعادة تعريف «حدود» القوة الإيرانية في المنطقة. ومع ذلك، تدخل واشنطن هذه الجولة من موقع أكثر تماسكاً إذا نجحت الهدنة في إعادة الملاحة البحرية في الخليج إلى طبيعتها؛ فعودة السفن إلى هرمز لا تهدئ الأسواق فقط، بل تمنح واشنطن هامشاً أوسع للضغط من دون أن تبدو رهينة ابتزاز النفط والممرات البحرية.

وهنا، لا ينفصل الملف النووي عن معادلة هرمز؛ فالمضيق لم يعد مجرد ممر للطاقة، بل صار ورقة تفاوض على مستقبل إيران ودورها وحدود سيادتها الإقليمية.

هرمز مقابل الأصول

اقتصادياً، أعاد الاتفاق هرمز إلى قلب الجغرافيا السياسية العالمية. فالنص يمنح السفن التجارية مروراً آمناً «بلا رسوم» لمدة ستين يوماً فقط، ثم يفتح الباب أمام ترتيبات إيرانية - عُمانية لإدارة الحركة البحرية.

هذه العبارة الصغيرة قد تكون من أكثر بنود الاتفاق قابلية للانفجار. فقبل الحرب، كانت القاعدة الغربية واضحة: حرية مرور لا رسوم عليها. أما الآن، فتقول طهران إن المضيق «لن يعود إلى ما كان عليه»، وإن لها حقاً سيادياً في جباية رسوم مقابل خدمات.

وبالنسبة إلى الخليج، فالأولوية الآن هي عودة السفن لا الجدل القانوني. لكن على المدى الأبعد، أي نظام رسوم إيراني سيبدو تحويلاً لأزمة عسكرية إلى دخل سيادي دائم. وهذا ما يقلق لندن وباريس ودوائر التفكير في واشنطن التي ترى أن إيران اكتشفت قدرتها عبر الحرب على ابتزاز الاقتصاد العالمي، ليس بإغلاق المضيق فقط، بل بجعله أيضاً ممراً مشروطاً.

مع ذلك، حذّر علي لاريجاني - الذي قتل خلال الحرب - من أن طهران لا تستطيع استخدام ورقة هرمز سوى مرة واحدة، دفاعاً عن بقاء النظام. والغرب والعالم لن يبقيا مكتوفي الأيدي وسيقفان صفاً واحداً ضد إيران إذا كرّرت إغلاقه.

ثم تأتي الأموال... أصول مجمدة بمليارات الدولارات، وإعفاءات نفطية، و«صندوق إعادة إعمار» لا يقل عن 300 مليار دولار، تقول واشنطن إنها لن تموله مباشرة، بل عبر شركاء واستثمارات.

هذا البند يضع ترمب أمام مفارقة سياسية حادة؛ فهو هاجم لسنوات اتفاق أوباما؛ لأنه منح إيران أموالاً مقابل قيود نووية، لكنه الآن يقبل مبدأ الحوافز الاقتصادية قبل حسم التفاصيل النهائية. لهذا يندفع «صقور» مراكز الأبحاث، من «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» إلى كتّاب الرأي المحافظين، إلى التحذير من أن واشنطن تتخلّى عن أقوى أوراقها قبل انتزاع التنازلات النووية.

«دولة طبيعية»... أم «قضية ثورية»؟

جوهر الاتفاق، حقاً، ليس في بنوده الـ14 فقط، بل في السؤال الذي يحاول البيت الأبيض دفع إيران إلى الإجابة عنه: هل تريد أن تكون دولة أم ثورة دائمة؟

نائب الرئيس جي دي فانس صاغ ذلك بوضوح بالقول: إذا تصرّفت إيران كدولة طبيعية، يمكن التعامل معها كدولة طبيعية وإدخالها إلى الاقتصاد العالمي. لكن هنا المجازفة الكبرى. فأنصار الاتفاق يرون أن الهزيمة العسكرية، والأزمة الاقتصادية، وتعب المجتمع، وتراجع قدرة المحور الإقليمي، كلها قد تدفع طهران إلى خيار «الدولة» على حساب «الحرس الثوري».

المشككون يردون بأن النظام، منذ 1979، استخدم كل انفراج اقتصادي لتقوية أدوات النفوذ لا لتطبيع سلوكه. وبين التفاؤل والتشاؤم توجد حقيقة صلبة: الـ60 يوماً المقبلة لن تختبر فقط نيات إيران، بل ستختبر أيضاً قدرة ترمب على إدارة التناقضات التي فتحها بنفسه.

بناءً عليه، لا تبدو مذكرة التفاهم نهاية للحرب بقدر ما تبدو بداية امتحان أصعب من الحرب نفسها؛ فإيران خرجت مكسورة عسكرياً لكنها لم تُهزم سياسياً، وترمب خرج منتصراً في الخطاب لكنه لم ينتزع بعد اتفاقاً نهائياً يمكن التحقّق منه. وبين هرمز واليورانيوم ولبنان والكونغرس، ستقرر الأسابيع الستة المقبلة ما إذا كان الاتفاق «بوابة» إلى «شرق أوسط جديد»، أم مجرد هدنة قصيرة تعيد الجميع، بعد انقضاء الوقت، إلى شفير الهاوية. بين روايتي واشنطن وطهران حقيقة ثالثة هي أنه لا أحد ربح النزاع بعد


عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
TT

عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة

كان باستطاعة عبد الرحمن محمد عبد الله «عرّو»، رئيس إقليم «أرض الصومال/صومالي لاند» الانفصالي، ذي الموقع الاستراتيجي في القرن الأفريقي، أن يدخل التاريخ من أوسع أبوابه حال دخل في مفاوضات لالتئام الجسد الصومالي، وينال ترحيباً عربياً واسعاً، إلا أن الرجل سلك طريقاً آخر، فاقم به عواقب انفصاله، وجلب له الإدانات العربية والإسلامية المتوالية منذ تأسيسه العلاقات مع إسرائيل في ديسمبر (كانون الأول) 2025، وصولاً لزيارة تل أبيب في يونيو (حزيران) 2026 وفتحه سفارة مزعومة بالقدس المحتلة.

ولد عبد الرحمن عبد الله «عرّو» في مدينة هرجيسا، عاصمة الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» (الصومال البريطاني إبان الحقبة الاستعمارية) وكبرى مدنه، يوم 29 أبريل (نيسان) 1955، في عائلة مكوّنة من 7 فتيات و3 أولاد، وبينما هو طفل في الخامسة من عمره تحرّرت بلاده من الاستعمار البريطاني. وحقّاً، طيلة شبابه وصعوده كان لسلطة الصومال المركزية في مقديشو فضل كبير عليه، إذ التحق بأروقتها الرسمية قبل أن يتحوّل إلى خصم لدود لها، ويفتح الأبواب لإسرائيل بترؤسه الإقليم الانفصالي طمعاً في اعتراف تعتبره دوائر عربية معارضة «عاراً».

البداية والمسيرة

بدأ عبد الرحمن عبد الله «عرّو» تعليمه الابتدائي في مدينة بربرة، ثاني كبرى مدن الإقليم -الواقع شمال الصومال- وأهم موانئه. وتابع تعليمه الثانوي في هرجيسا، منتقلاً إلى المدرسة الثانوية عام 1977، وبعد ذلك، انتقل إلى العاصمة الصومالية الفيدرالية مقديشو؛ حيث حصل على درجة البكالوريوس في المحاسبة. وتضم شهاداته أيضاً درجة الماجستير في إدارة الأعمال ودبلوماً في حل النزاعات.

بين عامي 1978 و1981، عمل «عرّو» في منظمة معنية بالتنمية الاجتماعية في مقديشو. وبين عامي 1981 و1988 شغل منصباً دبلوماسياً في وزارة الخارجية الصومالية بإدارة التعاون الاقتصادي، ومن مايو (أيار) 1988 إلى عام 1996، عمل مستشاراً للسفارة الصومالية في موسكو ثم نائب السفير والقائم بالأعمال.

ثم إنه إبّان وجوده في أروقة مقديشو الرسمية انفصل الإقليم الشمالي عن الجمهورية الصومالية عام 1991، ولم يتضّح على الفور ما إذا كان لـ«عرو» موقف معارض لهذه الخطوة أم لا.

لكن المعروف أن الرجل انتقل عام 1996 إلى فنلندا، التي كانت عائلته تُقيم فيها منذ سنوات عدة وحصل على جنسيتها، وظل مقيماً فيها حتى عام 1999. وخلال عامي 1997 و1998 كان مساعد المنظمة الدولية للهجرة في فنلندا، قبل أن يعود إلى إقليم «أرض الصومال» عام 1999.

أجندات مثيرة للجدل

لقد عاد «عرّو» إلى الإقليم الصومالي قادماً من الخارج، حاملاً رؤية سياسية أثارت لاحقاً انتقادات عربية وإسلامية، واختار منذ عودته الانخراط في صفوف المعارضة. وبعد أقل من عامين، أصبح أحد مؤسسي حزب «العدالة والتنمية (UCID)»، أحد أبرز أحزاب المعارضة، إلى جانب فيصل علي وارابي، وتولى حينها منصب نائب الأمين العام للحزب.

وشهد الإقليم الانفصالي انتخابات لمجلس النواب، المكوّن من 82 نائباً، في 29 سبتمبر (أيلول) 2005. وكانت تلك أول انتخابات برلمانية متعددة الأحزاب تُنظَّم في الإقليم منذ انفصاله عن جمهورية الصومال. وانتخب «عرّو» نائباً عن منطقة ساحل بربرة، ثم انتُخب لاحقاً رئيساً للبرلمان (مجلس النواب)، وإبّان فترة ولايته سُنّت معظم قوانين الإقليم وتشريعاته.

لكن، بعد نحو 6 سنوات، وإثر خلاف تفجّر مع وارابي، أسس «عرّو»، الذي يتكلم اللغات الإنجليزية والعربية والروسية، «الحزب الوطني»، أو حزب «وداني» (الوطني) المعارض.

ويوم 2 أغسطس (آب) 2017، استقال من رئاسة البرلمان بعدما شغل المنصب لمدة 12 سنة، وهي أطول فترة لرئيس برلمان في تاريخ الإقليم الانفصالي، معلناً أنه يتهيأ لدور أكثر أهمية بوصفه رئيساً لـ«أرض الصومال». غير أن آماله تحطمت على صخرة موسى بيحي عبدي، مرشح حزب «السلام والوحدة والتنمية» في المرة الأولى.

ولكنه حقق مراده لاحقاً، بعدما أعاد الكرَّة وترشح في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أجريت يوم 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وحصل فيها على 63.92 في المائة من الأصوات، متغلباً على عبدي الذي حل ثانياً بـ34.81 في المائة.

انتخابات عام 2024 كانت الانتخابات المباشرة الرابعة منذ عام 2003، ومع فوز «عرّو» غدا الرئيس الرابع حسب الانتخابات الرئاسية المباشرة لفترة تمتد إلى 5 سنوات، وكذلك أصبح الرئيس السادس في المجمل منذ انفصال الإقليم 18 مايو 1991.

عهود السلطة الانفصالية

جدير بالذكر هنا، أنه عقب إعلان انفصال إقليم «أرض الصومال»، انتخب السفير عبد الرحمن أحمد علي، رئيس الحركة الوطنية بالبلاد حينها، ليكون أول رئيس للإقليم عبر انتخابات غير مباشرة. وعام 1993 انتخب السياسي محمد إبراهيم عقال رئيساً، وفي عام 1997 جدّد له لفترة ثانية.

وبعد وفاة عقال عام 2002، أثناء رحلة علاج في جنوب أفريقيا، انتُخب نائبه طاهر ريالي كاهن رئيساً للبلاد لتكملة الفترة الانتقالية. ثم في عام 2003، أجريت أول انتخابات رئاسية مباشرة في الإقليم، أسفرت عن فوز حزب «اتحاد الأمة» بقيادة الرئيس طاهر ريالي كاهن على السياسي أحمد محمد سيلانيو.

وفي يونيو (حزيران) 2010، أُجريت ثاني انتخابات رئاسية مباشرة، وتمكن سيلانيو من الفوز بالرئاسة لفترة 5 سنوات. وانتهت الانتخابات الثالثة التي أجريت في 13 نوفمبر 2017، بفوز موسى بيحي عبدي، الذي حصل على 55 في المائة من الأصوات.

وكان من المقرر أن تُجرى انتخابات الرئاسة الرابعة في الإقليم عام 2022، لكن لجنة الانتخابات الوطنية أجّلتها إلى 2023، ثم إلى نوفمبر 2024 بعد تمديد نيابي لولاية الرئيس عبدي الذي يتولّى الرئاسة منذ 2017. وأرجعت اللجنة التأجيلات إلى «قيود زمنية وتقنية ومالية»، وسط انتقادات من المعارضة، قبل أن يفوز «عرّو».

لقد كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز، وخرج بعد أشهر من وصوله إلى أعلى سلطة بالإقليم، وقال في مقابلة مع صحيفة «الغارديان» نهاية مايو 2025، إن الاعتراف بإدارته بات وشيكاً، معتبراً أن الأمر أصبح «مسألة وقت». وبالفعل، لم يمضِ 6 أشهر حتى فاجأت إسرائيل العالم باعترافها بالإقليم الانفصالي وسط ترحيب «عرّو»، واستنكار من الصومال، الذي قال رئيسه حسن شيخ محمود قبل أيام إنه رفض الاستجابة لطلبات من تل أبيب لإقامة علاقات دبلوماسية مع مقديشو.

لقد اختار «عرّو» المُضي في هذا الطريق الذي رسمته إسرائيل، وأغضب مقديشو ودولاً عربية وإسلامية، واستقبل في هرجيسا وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يناير (كانون الثاني). وفي فبراير (شباط)، قال لـ«رويترز» إن المنطقة تأمل في تعاون عسكري مُستقبلي مع إسرائيل، لكن مسألة إنشاء قواعد عسكرية إسرائيلية لم تُناقش بعد.

ولم يكتفِ الرئيس الانفصالي بذلك، بل سمّى محمد حاجي سفيراً للإقليم الانفصالي لدى إسرائيل، في فبراير الماضي قبل أن يُعلن بعد شهرين تعيين مايكل لوتم أول سفير إسرائيلي بالإقليم، وسط كلام في مايو الماضي عن قرب تبادل افتتاح السفارات.

زيارة لإسرائيل وسط الإدانات العربية

وعلى الرغم من الإدانات العربية والإسلامية المتواصلة لذلك الموقف، اختار «عرّو» زيارة إسرائيل يوم 14 يونيو الحالي، وهناك التقى الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ، الأحد، في القدس قبل أن يفتتح سفارة للإقليم في القدس المحتلة، الاثنين.

وحسب بيان صادر عنه وقتها، قال إن بلاده «على مدى السنوات الـ35 الماضية، كانت تتواصل مع قادة العالم، وكان لديها مطلب واحد فقط: أن يرونا. دولة واحدة فقط رغبت في رؤيتنا والاعتراف بأرض الصومال، وهي حكومة إسرائيل وشعبها».

في المقابل، رأى هرتسوغ أن إسرائيل وأرض الصومال «تواجهان معاً تهديد التطرف المتشدد. ونسعى معاً إلى الأمن والاستقرار في المنطقة وفي القرن الأفريقي. وندرك معاً أهمية حماية حرية الملاحة البحرية».

وقال وزير الدفاع يسرائيل كاتس، الأربعاء، إن إسرائيل أجرت منذ سنوات سلسلة من الأنشطة «السرية» مع «أرض الصومال»، خلال استقباله الأربعاء رئيس الإقليم الانفصالي. وأضاف كاتس في بيان أصدره مكتبه: «نحن عازمون على الارتقاء بتعاوننا الأمني إلى آفاق جديدة، لما فيه مصلحة الشعبين واستقرار المنطقة».

احتمال القواعد العسكرية

أيضاً، أشار «عرّو»، الأربعاء، خلال مقابلة مع قناة «آي نيوز 24» الإسرائيلية إلى أنه لا يستطيع استبعاد احتمال وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية على أراضي أرض الصومال في المستقبل، وذلك خلال إعلانه أن الرحلات المباشرة بين إسرائيل والعاصمة هرجيسا ستبدأ «قريباً جداً».

وفي تلك الزيارة التي جاءت بعد أشهر من توقيف «أرض الصومال» مواطنين رفعوا علم فلسطين، طوى «عرّو» خلف ظهره مطالب القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها إقامة دولة مستقلة، ولم يلتفت للتحذيرات العربية من تغول إسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي الهشة أمنياً وذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة على البحر الأحمر.


«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
TT

«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)

35 سنة مرّت على إعلان إقليم «أرض الصومال» (صوماليلاند)، انفصاله عن الحكومة الصومالية الفيدرالية في مقديشو عام 1991، مروراً بالتطبيع مع إسرائيل في نهاية 2025، ووصولاً إلى زيارة رئيسه عبد الرحمن عبد الله «عرّو» لتل أبيب الأسبوع الماضي.

كان الإقليم إبان الحقبة الاستعمارية - أو فترة الحماية - يُعرف بـ«الصومال البريطاني» ويخضع لبريطانيا، بينما خضعت جمهورية الصومال الحالية في حينه للاستعمار الإيطالي وعرفت بـ«الصومال الإيطالي»، وجمهورية جيبوتي للاستعمار الفرنسي وعرفت بـ«الصومال الفرنسي».

من جهة ثانية، يتمتع الإقليم بمقوّمات كبيرة أغرت إسرائيل بأن تغدو أول دولة تعترف به. فهو يتمتع بساحل يبلغ طوله 740 كيلومتراً ويمتد على خليج عدن، وبموقع استراتيجي عند نقطة التقاء المحيط الهندي بالبحر الأحمر في منطقة القرن الأفريقي.

مدينة هرجيسا هي العاصمة وكبرى المدن، بينما تُعد بربرة الميناء الأكبر والأهم في إقليم «أرض الصومال»، الذي يحده كل من إثيوبيا من الجنوب والغرب وجيبوتي من الشمال الغربي و‌خليج عدن من الشمال ومن الشرق ولاية بونتلاند الصومالية. وبينما تبلغ مساحته نحو 177 كيلومتراً مربعاً، يصل عدد سكانه إلى 3.5 مليون وفق تقديرات لعام 2017، وأخرى حديثة بين 5.7 و6 ملايين نسمة ويتكلم سكانه اللغات الصومالية والعربية والإنجليزية.

على صعيد التقسيمات الإدارية الداخلية، يضم الإقليم 6 مناطق إدارية هي: ووكوي جالبيد وتجدير وسول وسناج وأودال والساحل. وبالنسبة لنظام الحكم فيه فإنه جمهوري، ولديه رئيس وحكومة وبرلمان (سلطة تشريعية) بمجلسين؛ هما مجلس نواب (الغرفة الأولى) ومجلس شيوخ (الغرفة الثانية) ويضم كلٌّ منهما 82 عضواً.

استقل الإقليم عن بريطانيا عام 1960 واندمج مع «الصومال الايطالي» ليكوّنا معاً جمهورية الصومال.

ويوم 18 مايو (أيار) 1991 أعلن الإقليم استقلاله عن جمهورية الصومال بعد نحو 3 أشهر من انهيار الحكم المركزي في الجمهورية عقب الإطاحة بالرئيس الصومالي السابق محمد سياد بري.

وفي أغسطس (آب) 2000، طرحت حكومة «الإقليم» نسخاً من دستور مقترح ينص على الانفصال النهائي عن الصومال، وأقر الانفصال في استفتاء يوم 31 مايو 2001، بعدما صوت لصالحه 97.1 في المائة، وعام 2016 احتُفل بمرور 25 سنة على تلك الخطوة.

لقد انخرطت سلطات مقديشو و«أرض الصومال» بمباحثات للعودة عن الانفصال بدأت في عام 2012، وتواصلت وكان أحدثها في 2020، وأواخر 2023 ولكن من دون اتفاق.

وفي مطلع 2024 سلّطت الأضواء على الإقليم لدى توقيعه «مذكرة تفاهم» مع إثيوبيا تتيح للأخيرة - التي لا تطل على البحر - باستئجار 20 كيلومتراً حول ميناء بربرة لمدة 50 سنة، ما يوفر لها إمكانية الوصول إلى البحر الأحمر ويؤمّن أغراضها البحرية والتجارية، مقابل الاعتراف باستقلال «أرض الصومال». ويومذاك رُفضت المذكّرة عربياً وتدخّلت تركيا بوساطة قادت لتجميد تنفيذ المذكرة حتى الآن.

ولكن في ديسمبر (كانون الأول) 2025، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف باستقلال «أرض الصومال»، بخلاف تسمية سفراء في أبريل (نيسان) الماضي. وعيّنت إسرائيل في الشهر نفسه مايكل لوتم أول سفير لها في الإقليم الانفصالي، وذلك بعدما أعلنت «أرض الصومال»، في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل.