علاقات لبنان مع سلطات دمشق تتأرجح على حبال ملف اللجوء

في أعقاب تفعيل سلسلة إجراءات للتضييق على اللاجئين

علاقات لبنان مع سلطات دمشق تتأرجح على حبال ملف اللجوء
TT

علاقات لبنان مع سلطات دمشق تتأرجح على حبال ملف اللجوء

علاقات لبنان مع سلطات دمشق تتأرجح على حبال ملف اللجوء

أرخت التطوّرات الأخيرة التي شهدها لبنان، المرتبطة بملف اللجوء السوري، بظلالها على العلاقات اللبنانية - السورية.
وبات واضحاً وجود سياسة جديدة تنتهجها الدولة اللبنانية في التعاطي مع الملف، بعد نحو 8 سنوات من «العشوائية» في معالجة هذه الأزمة، نتيجة الخلافات والانقسامات السياسية الداخلية والضغوط الخارجية التي فعلت فعلها، ولا تزال، معلّقة موضوع العودة إلى أجل غير مسمى.

السياسة اللبنانية الجديدة حيال اللاجئين السوريين اتضحت مما أشيع عن خروج الوفد السوري من قاعة مؤتمر العمل الدولي عام 2019، الذي انعقد في جنيف بسويسرا، أثناء إلقاء وزير العمل اللبناني كميل أبو سليمان كلمته. وفي تلك الكلمة، قال أبو سليمان إنها «تتضمّن موقف لبنان الرسمي»، وإنه «سبق أن أطلع رئيس الجمهوريّة عليها، وأجرى بعض التعديلات الطفيفة مع سفير لبنان لدى المنظمات الدوليّة في جنيف». وبدا أن النظام السوري ليس ممتناً من الموقف اللبناني الرسمي المستجَد، الذي يُحمِّل اللاجئين مسؤولية كل المشكلات والأزمات اللبنانية، ويدفع باتجاه الضغط عليهم للعودة.
المندوب الدائم لدمشق لدى الأمم المتحدة في جنيف، السفير حسام الدين آلا حاول أن يناقض الرواية التي تقدم بها الوفد اللبناني بخصوص موضوع الانسحاب، فقال لوكالة «سانا» السورية الحكومية إن الوفد السوري إلى الدورة الـ108 لمؤتمر العمل الدولي، برئاسة وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل ريمة قادري، لم يكن داخل قاعة المؤتمر إبان إلقاء أبو سليمان كلمته، لأن قادري كانت تعقد اجتماعات ثنائية مع نظرائها على هامش الجلسة الصباحية.
وتحدث آلا عن «لغط حاولت بعض الأطراف اللبنانية افتعاله حول مزاعم خروج الوفد السوري من قاعة الاجتماعات، إلا أن أبو سليمان أكد أن الوفد السوري كان جالساً في الصفّ الأول، وحين بدأ يتحدث عن ملف النازحين السوريين بدأ أفراده بالانسحاب، الواحد بعد الآخر... في تكرار لما حصل في عيد العمّال، حين انسحب السفير السوري عند إلقاء كلمتي في الاتحاد العمالي العام».
مصادر في قوى «8 آذار»، المؤيدة للنظام السوري داخل لبنان، وهي مطلعة على الموقف السوري، ذكرت «أن ما أزعج وفد دمشق ليس موقف لبنان من ملف النزوح، إنما أبو سليمان نفسه ومحاولته وحزب (القوات اللبنانية) الذي ينتمي إليه تصوير أن الدولة السورية هي التي ترفض عودة مواطنيها إلى بلدهم». وأكدت المصادر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن دمشق «تعتبر موقف بيروت ممتازاً فيما يتعلق بقضية النزوح (اللجوء)، ولا ترى أي مشكلة في الإجراءات المتخذة أخيراً، من منطلق أن ما يعنيها تحقيق العودة من دون أن تتدخل بشؤون لبنان، والتدابير التي يتخذها لتحقيق مصلحته العليا».
من جانب آخر، اللافت أن كلمة أبو سليمان التي وزّعتها «الوكالة الوطنية» في لبنان لم تحمل أي جديد فيما يتعلق بموقف لبنان، يستدعي استنفاراً سورياً، إذ قال وزير العمل اللبناني إنه «لم يعد خافياً على أحد أن أهم التحديات التي يواجهها لبنان، يكمن في العدد غير المسبوق للنازحين (اللاجئين) السوريين منذ بداية الأزمة السورية عام 2011، ما يجعل لبنان البلد الأول في العالم من حيث حجم النازحين (اللاجئين) نسبة إلى عدد مواطنيه»، مشيراً إلى أن عددهم بات يعادل ثلث عدد المواطنين في لبنان، من دون احتساب أعداد اللاجئين من جنسيات أخرى.

«مسار» لبناني جديد

من جهة ثانية، تُرجح مصادر سياسية لبنانية ألا يكون موقف أبو سليمان ما أزعج وفد دمشق، بل المسار الجديد الذي سلكته الدولة اللبنانية في معالجة ملف اللجوء، وإن كانت الحكومة اللبنانية حتى الساعة لم تبدأ بدراسة الخطة، التي من المفترض أن يعرضها وزير الدولة لشؤون النازحين قريباً على طاولة مجلس الوزراء.
أما أبرز الإجراءات التي اتخذت بالفعل أخيراً، والتي توحي بأن الأمور سلكت طريق اللاعودة في هذا الملف، فجاءت نتيجة قرارات اتخذها أخيراً المجلس الأعلى للدفاع، وأخرى جرى تضمينها مشروع الموازنة. ومن هذه التدابير...
- الترحيل الفوري للداخلين خلسة.
- مكافحة التهريب من خلال المعابر غير الشرعية.
- تغريم المشغّل اللبناني لكل أجنبي لا يحوز إجازة عمل، وهذا ما لحظته الموازنة، بالإضافة إلى مطالبات إلى الجهات المعنية (البلديات - المخاتير- المحافظين - القائمقامين) بإقفال المؤسسات غير الشرعية.
- فرض رسم على عائلة الأجنبي المقيمة في لبنان.
ولم تقف الإجراءات الجديدة المتخذة عند هذا الحد، بل أمهل الجيش اللبناني اللاجئين السوريين والجهات المعنية هدم البيوت الإسمنتية، التي شيّدت بشكل أساسي في بلدة عرسال، وهو قرار اتخذه المجلس الأعلى للدفاع. ورأى ناشطون في المجتمع المدني في لبنان أن الإجراءات الأخيرة التي تطال اللاجئين السوريين تعكس بشكل واضح وجود استراتيجية للضغط عليهم وترحيلهم، واعتبر الناشطون أنها تؤدي جميعها إلى خلق بيئة غير مرحِّبة بهم، والضغط عليهم، عبر إجراءات غير مكتوبة، بدل معالجة هذه القضية بطريقة هادئة.
في المقابل، تؤكد مصادر رسمية لبنانية أن ما يحصل «هو انتقال من مرحلة عدم تطبيق القوانين المرعية الإجراء، إلى تطبيقها بحزم للحد من التداعيات السلبية» للّجوء، على كل القطاعات اللبنانية، «ما سيؤدي في حال ظلت الأمور على ما هي عليه إلى صدام لبناني - سوري، مؤكد في مرحلة قريبة مقبلة».
هذا التناقض نبّهت عليه وزيرة الداخلية والبلديات ريّا الحسن أخيراً، واعتبرت ما وصفته باقتلاع اللاجئين من خيمهم، له انعكاسات خطيرة، وذلك في إشارة إلى قرار بلدية دير الأحمر، في شمال البقاع، بهدم مخيّم للنازحين بعد اعتداء شبان على عناصر الدفاع المدني الأسبوع الماضي.

مواقف عون وباسيل

المعروف أن بعض المسؤولين اللبنانيين، على رأسهم رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، ووزير الخارجية جبران باسيل، يواصلون زيادة الضغوط على المجتمع الدولي لحثّه على المساهمة بإعادة اللاجئين. كما أن المواقف المتتالية الصادرة عن عون أخيراً، التي لوّح فيها صراحة بالاتصال والتنسيق مع حكومة النظام في دمشق لإعادة اللاجئين في حال استمرار «لا مبالاة» المجتمع الدولي في التعامل مع الملف، أثارت جملة تساؤلات حول خلفية هذه المواقف وماهية الخطوات التي قد يتخذها لبنان الرسمي لتسريع عودة هؤلاء.
عون قال أمام مسؤولين غربيين، التقاهم أخيراً، إن لبنان يتطلع لتغيير الموقف الأوروبي من عودة اللاجئين، «لئلا تشتد تداعيات هذا اللجوء على الأوضاع كافة في لبنان، ويجبر على اتخاذ خطوات لتنظيم العودة مع الحكومة السورية». أما باسيل فلا ينفك يتهم «إرادة خارجية واضحة بإبقاء النازحين (اللاجئين) على أرضنا»، وقد حذّر أخيراً خلال زيارته إسبانيا من أن «مدة بقاء السوريين في لبنان في ظل أوضاعهم السيئة، لن تطول، وهم إما سيتجهون نحو أوروبا وإما نحو سوريا... والأفضل لأوروبا أن يعودوا إلى سوريا».

... ونصر الله وقانصو

كذلك انضم أمين عام «حزب الله» السيد حسن نصر الله إلى الحملة، التي يقودها عون وباسيل، فتحدث في إحدى إطلالاته الأخيرة عن وجود «إصرار أميركي - غربي - خليجي على رفض عودة النازحين (اللاجئين) السوريين إلى بلدهم». وادّعى نصر الله أن الرئيس بشار الأسد سبق أن أكد له خلال لقاء بينهما رغبته أن يعود جميع اللاجئين السوريين المقيمين في لبنان إلى بلادهم.
وهذا أيضاً ما قاله لـ«الشرق الأوسط» الأمين القطري السابق لحزب «البعث» عاصم قانصو عن أن سلطات دمشق «راغبة بعودة مواطنيها إلى أرضهم بأسرع وقت ممكن، للمساهمة بإعادة الإعمار، خاصة أن 90 في المائة من الأراضي باتت آمنة»، حسب قوله. وأضاف قانصو أن «العدد الفعلي الذي يتوجب العمل على إعادته إلى سوريا هو نحو 800 ألف، باعتبار أن هناك 500 ألف سوري لطالما وُجدوا في لبنان للعمل»، مضيفاً: «الدولة في سوريا لم تتعاط يوماً مع النازحين (اللاجئين) كثقالات ترغب في إلقائهم في بلدان النزوح. بالعكس تماماً، هناك من السياسيين في لبنان وخارج لبنان من يستخدمون ورقة النزوح للضغط على الحكومة في سوريا».
وإذ يستهجن قانصو تحميل بعض المسؤولين اللبنانيين اللاجئين مسؤولية كل الأزمات التي يرزح تحتها لبنان، سواء أزمة الكهرباء أو المياه أو التلوث... يتساءل: «ألم تكن هذه الأزمات موجودة قبل العام 2011؟».

دور البلديات

وبالتزامن مع وضع وزير الدولة لشؤون النازحين - المحسوب على دمشق وقوى «8 آذار» - اللمسات الأخيرة على خطته لعودة اللاجئين، التي نسقها مع دمشق، انتهت وزارة الخارجية في لبنان من تحديث خطة، كانت قد أعدتها عام 2014، تقوم بشكل أساسي - كما تقول - على «تحقيق العودة الآمنة والممرحلة وفق خط زمني محدد»، وعلى أساس تقسيم اللاجئين إلى فئات.
وبعد التصويب بشكل أساسي على موضوع العمالة السورية «غير الشرعية» في لبنان، سواء من قبل «التيار الوطني الحر» (الذي أسّسه الرئيس عون، ويرأسه الوزير باسيل) أو وزارة العمل، ما أدى إلى إقفال عدد كبير من المحال التجارية، التي يعمل فيها سوريون، أوضحت مستشارة وزير الخارجية والمغتربين لشؤون النازحين، الدكتورة علا بطرس (وهي محسوبة على التيار نفسه)، أنه سيجري في المرحلة المقبلة «تفعيل دور البلديات بتطبيق القوانين على كل من لا يحوز إجازة عمل وإقامة، وإقفال المحلات والمؤسسات غير الشرعية، بالتعاون والتنسيق مع الأجهزة المعنية، ومنها الأمن العام».
ولفتت بطرس إلى أن «البلدية في النهاية ضابطة عدلية، وبالتالي عليها أن تحدد من يمتلكون صفة (نازح) بإبراز بطاقة النزوح الصادرة عن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ومن هم عمّال دخلوا خلسة أو بشكل شرعي، ولم تعد إقامتهم صالحة... وهنا يجب أن يقوموا بتسوية أوضاعهم من خلال الحصول على إقامة من الأمن العام، وإجازة من وزارة العمل في القطاعات المسموح لهم أن يعملوا فيها، وفق القانون».
وتابعت بطرس، في تصريح أدلت به لـ«الشرق الأوسط»: «كل ما نقوم به في هذا المجال يهدف إلى تنظيم واقع النزوح (اللجوء) السوري، ضمن آلية متكاملة، ومنها تطبيق القوانين على المخالفين، بالتكامل مع قرار المجلس الأعلى للدفاع بالترحيل لكل من يدخل خلسة، مع التشديد على احترام لبنان لالتزاماته تجاه القانون الدولي بعدم الإعادة القسرية».

مصاعب تواجه اللاجئين

حسب سجلات الأمن العام اللبناني، عاد أكثر من 200 لاجئ سوري من لبنان إلى سوريا منذ العام 2017، سواء عبر الرحلات التي ينظمها الأمن العام، أو من خلال مبادرات فردية خاصة.
وتحدّث التقرير السنوي لمنظمة «هيومن رايتس ووتش» المتعلق بلبنان عن أكثر من مليون لاجئ سوري مسجّل لدى «المفوّضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» (المفوضية) في لبنان، في حين تقدّر الحكومة اللبنانية أن عدد السوريين الفعلي في البلاد هو 1.5 مليون.
وبحسب المنظمة الدولية، فإن سياسات الإقامة في لبنان تصعّب على السوريين المحافظة على الصفة القانونية، ما يعرّضهم لتزايد خطر الاستغلال والإساءة، كما أنها تحدّ من قدرتهم على الوصول إلى العمل والتعليم والرعاية الصحية. وكشفت المنظمة أن 74 في المائة من السوريين في لبنان يفتقرون إلى الإقامة القانونية، ويواجهون خطر الاعتقال بسبب وجودهم غير الشرعي في البلاد، موضحة أنه في مارس (آذار) 2018 ألغى لبنان بعض القيود المفروضة على الإقامة للأطفال السوريين اللاجئين، الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و18 سنة.
ونقلت «هيومن رايتس ووتش» عن عدد من اللاجئين في لبنان أنهم يعودون بسبب السياسات القاسية والظروف المتدهورة في لبنان، وليس لأنهم يظنون أن الوضع في سوريا آمن، مشيرة إلى أن «هناك بلديات في لبنان أجلت قسراً آلاف اللاجئين، في إطار عمليات طرد جماعي من دون أساس قانوني أو مراعاة الإجراءات القانونية الواجبة. ولا يزال عشرات الآلاف عرضة للإجلاء».
وعلى صعيد متصل، كشف المسح الإقليمي الخامس، الذي أجرته «المفوضية السامية لشؤون اللاجئين»، حول تصورات ونوايا اللاجئين السوريين المتعلقة بالعودة إلى سوريا لشهر مارس 2019، أنّ نسبة 75.2 في المائة من اللاجئين السوريين يأملون في العودة «يوماً ما» إلى بلادهم. وأوضح المسح الذي شمل كلاً من مصر والعراق ولبنان والأردن، والذي أُجري خلال الفترة الممتدة بين أكتوبر (تشرين الأول) وفبراير (شباط) الفائتين، أنّ نسبة 69.3 في المائة من هؤلاء لا ينوون العودة إلى سوريا خلال الأشهر الـ12 المقبلة. كذلك بيّن أنّ نسبة السوريين الذين ينوون العودة خلال الأشهر الـ12 المقبلة بلغت 5.9 في المائة، في حين قُدّرت نسبة اللاجئين الذين لم يتخذوا قرارهم بعد بـ5.5 في المائة، ونسبة الذين لا يأملون في العودة بـ19.3 في المائة.
أما أبرز الأسباب التي تؤخر العودة، لـ19.3 في المائة، فهي؛ الوضع الأمني السيئ، فرص العمل السيئة، نقص المأوى، الخدمة العسكرية، الخدمات الأساسية المحدودة، الخوف من الاعتقال، تدهور التعليم، تعذر التوصل إلى حل سياسي، بالإضافة إلى أسباب أخرى.
وعلى مستوى لبنان، كشف مشروع «اللاجئون شركاء» أنّ 84 في المائة من العمالة السورية في لبنان تقتصر على قطاعي الزراعة والبناء، وهي قطاعات مسموح بها، بموجب قانون العمل اللبناني.
كذلك بيّن المشروع أنّ اللاجئين الأكثر ضعفاً هم الذين يحصلون على المساعدات المالية التي بالكاد تغطي احتياجاتهم؛ علماً بأن 90 في المائة منهم يقترضون المال لدفع تكاليف الإيجار والغذاء والرعاية الصحية؛ حيث إن 9 من أصل 10 عائلات سورية نازحة في لبنان تراكمت عليها ديون في العام 2018.



مرجعية جنوب لبنان تنتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن

ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
TT

مرجعية جنوب لبنان تنتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن

ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)

فتح تنامي الدور الأميركي في جنوب لبنان، بالتوازي مع الترتيبات التي أعقبت الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، نقاشاً سياسياً وقانونياً حول الجهة التي تتولى إدارة هذا الملف في المرحلة المقبلة. وبينما تتمسك قراءات قانونية بأن الأمم المتحدة لا تزال المرجعية التي تستند إليها قرارات مجلس الأمن واتفاقية الهدنة، يرى آخرون أن واشنطن تحوّلت عملياً إلى المرجعية الفعلية بعد انتقالها من موقع الوسيط إلى موقع المشرف على آليات التنفيذ والضمان.

يكتسب هذا الجدل أهمية خاصة مع استمرار البحث في تطوير «الميكانيزم» الذي أُنشئ بعد حرب عام 2024، والحديث عن صيغ جديدة لتعزيز الحضور الدولي في الجنوب، سواء عبر توسيع الدور الأميركي أو إدخال شركاء دوليين إضافيين لدعم تنفيذ التفاهمات الأمنية ومواكبة انتشار الجيش اللبناني. ويعيد ذلك إلى الواجهة سؤالاً يتجاوز الترتيبات الأمنية إلى طبيعة المرجعية التي تدير الجنوب اللبناني، وما إذا كانت التطورات الأخيرة تمثل تحولاً في الأساس القانوني الذي يحكم النزاع، أم أنها تقتصر على تطوير أدوات تنفيذ القرارات الدولية.

وتعود المرجعية القانونية للنزاع اللبناني - الإسرائيلي إلى اتفاقية الهدنة الموقعة عام 1949، التي أرست الإطار القانوني للعلاقة بين الطرفين، قبل أن يتعزز الدور الأممي مع صدور القرار 425 عام 1978 الذي أنشأ قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، ثم القرار 1701 بعد حرب يوليو (تموز) 2006، الذي رسّخ دور الأمم المتحدة في مراقبة وقف الأعمال العدائية ودعم انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، وإنشاء لجنة ثلاثية لمعالجة الخروقات. إلا أن محدودية تنفيذ هذه القرارات خلال السنوات الماضية، واستمرار الانتهاكات الإسرائيلية، دفعا إلى استحداث آليات تنفيذية جديدة، كان أبرزها «الميكانيزم»، لتسهيل تطبيق التفاهمات الأمنية، وهو ما أعاد طرح السؤال حول ما إذا كانت المرجعية الدولية بقيت على حالها أم أن إدارة الملف انتقلت عملياً إلى الولايات المتحدة.

المرجعية القانونية لا تزال أممية

في هذا السياق، يرفض الوزير السابق رشيد درباس اعتبار أن تنامي الدور الأميركي يعني انتقال المرجعية القانونية والسياسية من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة، مؤكداً أن ما تغير هو أدوات التنفيذ، فيما بقي الأساس القانوني الذي يحكم النزاع على حاله.

وقال درباس لـ«الشرق الأوسط»: «من حيث المبدأ، المرجعية لا تزال واضحة، وهي قرارات مجلس الأمن الدولي. وإذا اضطلعت الولايات المتحدة بدور، سواء عبر آلية المراقبة (الميكانيزم) أو أي إطار آخر، فإن هذا الدور يستند إلى هذه المرجعية الدولية، لأن لبنان لا يملك مرجعية أخرى يستند إليها سوى القرارات الصادرة عن مجلس الأمن».

وأوضح أن وجود الأمم المتحدة لم يتغير من الناحية القانونية، مضيفاً: «قد يكون دور قوات الأمم المتحدة خلال المراحل السابقة محدود التأثير، لكن هذا لا يعني أن الأمم المتحدة خرجت من المشهد. فالمرجعية القانونية والسياسية لا تزال قائمة، وأي خلاف بين لبنان وإسرائيل حول تنفيذ الاتفاقات يبقى مرجعه قرارات الأمم المتحدة، بغض النظر عن الجهة التي تتولى التنفيذ أو المساعدة في تطبيقها».

ورأى أن الحديث عن إمكان مشاركة قوات من دول حلف شمال الأطلسي أو دول أوروبية يجب أن يُفهم في إطار تعزيز قدرة الجيش اللبناني على تنفيذ مهامه، وليس بوصفه بديلاً عن المرجعية الدولية، قائلاً: «إذا جاءت قوى إضافية لمساندة الجيش اللبناني، فإن ذلك يهدف إلى ضبط الوضع بصورة أفضل، لكنه لا يغيّر المرجعية التي تبقى أممية».

الدور الأميركي... تنفيذ وضغط لا استبدال

ويربط درباس اتساع الحضور الأميركي في الجنوب بالسياق الإقليمي الأوسع، معتبراً أن واشنطن تتولى اليوم أدواراً متشابكة في ملفات المنطقة، ما يجعل انخراطها في الملف اللبناني جزءاً من مقاربة أشمل لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي.

وقال: «الولايات المتحدة منخرطة اليوم في ملفات المنطقة كلها، من غزة إلى إيران وصولاً إلى لبنان، وهي تعمل ضمن رؤية لإعادة رسم المشهد الإقليمي. لذلك من الطبيعي أن يكون لها حضور أكبر في الملف اللبناني أيضاً».

وأضاف: «النفوذ الأميركي في لبنان ليس جديداً، بل هو نفوذ متجذر منذ عقود، إلا أن ما نشهده اليوم يتميز بحضور أكثر وضوحاً، وبعلاقة مباشرة وصريحة مع الدولة اللبنانية».

واعتبر أن هذا النفوذ قد يصب في مصلحة لبنان، موضحاً: «قد يكون من مصلحة اللبنانيين أن يكون للولايات المتحدة هذا الدور، لأنها الجهة الوحيدة القادرة، إذا أرادت، على ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل وكبح اندفاعها».

وربط مستقبل الوضع في الجنوب بعاملين أساسيين، هما «مدى جدية الولايات المتحدة في وضع حد للتجاوزات الإسرائيلية، ومدى قدرة الجيش اللبناني على تثبيت سيطرته الكاملة على المناطق التي ينتشر فيها ومنع أي خروق أو تسلل، بما يسقط أي ذرائع قد تستخدمها إسرائيل للاستمرار في عملياتها».

وأكد أن أي حضور أميركي مباشر يمكن أن يشكل ضمانة إضافية لتنفيذ التفاهمات، قائلاً: «وجود الولايات المتحدة يمنح لبنان جهة تستطيع أن تسأل إسرائيل: ماذا تفعلون؟ وما الذي تسمحون به أو تمنعونه؟ وهذا بحد ذاته عنصر ضغط».

بين المرجعية القانونية وآليات التنفيذ

ويجد هذا الطرح ما يدعمه لدى متخصصين في القانون الدولي، الذين يميزون بين المرجعية القانونية التي تحكم النزاع، والآليات التنفيذية التي تُستحدث لتسهيل تطبيقها. وبحسب هذه المقاربة، فإن اتساع الدور الأميركي لا يعني نسخ المرجعية الأممية، بل يعكس محاولة لتفعيل تنفيذ قرارات بقيت لعقود تصطدم بالاعتبارات السياسية والميدانية، سواء نتيجة ضعف الدولة اللبنانية أو استمرار الخروقات الإسرائيلية.

وفي هذا السياق، يقدم أستاذ القانون والسياسات الخارجية في باريس الدكتور محيي الدين الشحيمي قراءة قانونية تنطلق من اتفاقية الهدنة وقرارات مجلس الأمن، وتخلص إلى أن المرجعية الدولية ما زالت قائمة، وأن ما تغير هو أدوات التنفيذ والضمان، لا الإطار القانوني الذي يحكم النزاع.

وقال الشحيمي لـ«الشرق الأوسط»: إن «المرجعية القانونية للنزاع اللبناني - الإسرائيلي تبدأ باتفاقية الهدنة لعام 1949، مروراً بسلسلة القرارات الدولية التي صدرت تباعاً مع تطور طبيعة النزاع والاعتداءات الإسرائيلية، وصولاً إلى القرار 1701 وما أعقبه من تعزيز دور قوات (اليونيفيل)، فضلاً عن القرارات المرتبطة باستعادة لبنان سيادته الكاملة على أراضيه. وهذه المنظومة القانونية والدولية لا تزال هي المرجع الصالح والأساس الذي يحكم الوضع في الجنوب».

وأوضح أن «الوساطة الأميركية والمفاوضات الجارية اليوم ليست بديلاً عن هذه المرجعية، بل هي جزء من الآليات التنفيذية التي تساعد على استكمال أهداف القرارات الدولية والوصول إلى مرحلة الاستقرار التي نصّت عليها تلك القرارات»، مضيفاً أن «ما يجري اليوم هو (ميكانيزم) مستقل وجزئي لإدارة الأزمة اللبنانية، لكنه لا يبتلع القضية بكاملها ولا يلغي الإطار الأممي الذي يحكمها».

وأشار إلى أن «الورقة الحالية ليست اتفاقية دولية ولا معاهدة، بل هي أقرب إلى وثيقة نيات أو إطار لربط النزاع واستكمال مراحل الحل، وبالتالي فهي أدنى مرتبة من الاتفاقيات الدولية ولا ترتقي إلى مستوى المعاهدات الملزمة».

ورأى الشحيمي أن «لبنان لم يتمكن خلال العقود الماضية من تنفيذ أي من القرارات الدولية بصورة كاملة، بما فيها القرار 1701، سواء بسبب ضعف الدولة وأزماتها الداخلية أو بسبب رفض إسرائيل الالتزام الكامل بتلك القرارات»، معتبراً أن «هذا الواقع استدعى إنشاء آليات تنفيذية خاصة ووساطات دولية لدفع عملية التطبيق قدماً».

وكشف أن «النقاش الدائر حالياً لا يتعلق بإلغاء دور الأمم المتحدة، بل بإعادة صياغة نموذج جديد للشراكة الدولية في الجنوب اللبناني، قد يشمل تمديد مهمة (اليونيفيل) مع إدخال قوات أوروبية إضافية، وربما مشاركة عربية، مع تنسيق أكبر مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في إطار دعم الاستقرار وتنفيذ القرارات الدولية».

وشدد على أن «أي وجود أميركي لن يكون وجوداً عسكرياً قتالياً على غرار قوات (المارينز) في الثمانينات، وإنما سيقتصر على التدريب والدعم اللوجستي وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، وهو أمر يندرج أساساً ضمن اتفاقيات التعاون العسكري القائمة بين بيروت وواشنطن». مؤكداً أنّ «المرجعية الأممية ستبقى المرجعية القانونية الصالحة والصريحة والمستدامة لإدارة النزاع اللبناني، أما المرجعية الأميركية فهي مرجعية سياسية وتنفيذية وجزئية، هدفها ضمان حسن تنفيذ الآليات المتفق عليها وتوفير الضمانات اللازمة لإنجاحها».

وأضاف أن «الوساطة الأميركية تخلق ضغطاً عملياً على الأرض وتوفر الضمانات التي لا تستطيع الدول الأوروبية أو غيرها توفيرها، خصوصاً أن إسرائيل تستجيب عملياً للضغط الأميركي أكثر من استجابتها لأي وسيط آخر».

وأكد أن «الولايات المتحدة تؤدي اليوم دور الضامن لتنفيذ القرارات الدولية، لأن التحدي الحقيقي لم يعد في الوصول إلى تفاهمات، بل في ضمان تنفيذها. ومن هنا تأتي أهمية الدور الأميركي في تعزيز إجراءات بناء الثقة وحسن النيات بين الأطراف، وصولاً إلى تثبيت الاستقرار».

انتقال تدريجي للمرجعية

وفي مقابل هذه القراءة القانونية، يطرح اللواء الركن المتقاعد الدكتور عبد الرحمن شحيتلي مقاربة مختلفة تنطلق من الوقائع السياسية والميدانية أكثر مما تنطلق من النصوص القانونية، معتبراً أن الجهة التي تدير الملف عملياً هي التي تحدد المرجعية الفعلية، بصرف النظر عن استمرار قرارات مجلس الأمن كإطار قانوني للنزاع.

ويستند شحيتلي في قراءته إلى التطور الذي شهدته آليات إدارة الجنوب خلال السنوات الماضية، معتبراً أن الانتقال من اللجنة الثلاثية برئاسة «اليونيفيل» إلى «الميكانيزم»، ثم الحديث عن ترتيبات جديدة بقيادة أميركية، يعكس تحولاً تدريجياً في مركز إدارة الملف.

وقال شحيتلي لـ«الشرق الأوسط» إن ما يجري اليوم في جنوب لبنان يتجاوز مجرد ترتيبات أمنية أو اتفاقات ميدانية، معتبراً أن لبنان يشهد «تحولاً في المرجعية التي تدير ملفه، ولا سيما في الجنوب».

وقال إن لبنان، «منذ عام 1860، كان يُدار دائماً ضمن توازنات إقليمية تحظى بغطاء دولي، موضحاً أن النفوذ على لبنان تعاقبت عليه قوى مختلفة وفق مراحل تاريخية، بدءاً من الدولة العثمانية، ثم فرنسا، مروراً بمصر وسوريا وإسرائيل، وصولاً إلى تفاهمات دولية وإقليمية شاركت فيها الولايات المتحدة وفرنسا وغيرها». وأضاف: «كان هناك دائماً توافق إقليمي يمتلك امتداداً دولياً لإدارة هذا البلد، فيما بقيت فرنسا، بعد عام 1920، محوراً أساسياً في هذه التفاهمات، مع تبدل القوى الإقليمية الشريكة بحسب موازين القوى في المنطقة».

واعتبر أن التحول الأخطر يتمثل في انتقال الولايات المتحدة إلى موقع المرجعية المباشرة، قائلاً: «منذ صدور القرار 425 عام 1978 أصبحت الأمم المتحدة، عبر قوات اليونيفيل وهيئة مراقبة الهدنة، المرجعية الأساسية في جنوب لبنان. أما اليوم، فإن الولايات المتحدة ألغت عملياً دور الأمم المتحدة، كما همّشت الأدوار الفرنسية والعربية والمصرية، وانفردت بإدارة هذا الملف».

وأضاف أن واشنطن «لم تعد تؤدي دور الوسيط بين لبنان وإسرائيل، بل باتت تفرض بنفسها آليات العمل على الطرفين، ما يعني عملياً انتقال المرجعية من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة». معتبراً أن هذا التطور لا يقتصر على إنهاء النفوذ الإيراني في جنوب لبنان، بل يشمل أيضاً تقليص أدوار جميع القوى التي كانت تاريخياً شريكة في إدارة الملف اللبناني، سواء فرنسا أو الدول العربية أو الأمم المتحدة.

ورداً على سؤال عما إذا كانت الولايات المتحدة أصبحت المرجعية بدلاً من المرجعية الدولية، قال شحيتلي: «الولايات المتحدة أصبحت المرجعية الفعلية، حتى وإن لم يكن هذا الأمر يحظى بموافقة فرنسا أو الدول العربية أو لبنان، إلا أنه الواقع الذي يجري تكريسه».

ورأى أن هذا المسار لم يبدأ مع تشكيل «الميكانيزم» بعد حرب 2024، بل جاء نتيجة تطور تدريجي، موضحاً أن القرار 1701 نصّ على لجنة برئاسة قائد قوات «اليونيفيل» لمعالجة الخروقات بصورة دائمة، «ثم جرى استبدال هذه اللجنة وجاءت بدلاً منها آلية الميكانيزم، واليوم يجري استبدال الميكانيزم لتحل محلها لجنة ثلاثية برئاسة أميركية تضم لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، بما يؤكد انتقال إدارة الملف تدريجياً من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة».


كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو
TT

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري، 51 عاماً، ستصبح الرئيسة التاسعة للبيرو في أقل من عشر سنوات، وستتولى مهامها يوم الاحتفال بالعيد الوطني، في 28 يوليو (تموز) الحالي. ويأتي توليها الحكم بعدما أعلنت الهيئة الانتخابية النتائج الرسمية النهائية للجولة الثانية من الاقتراع والتي أجريت في السابع يونيو (حزيران) الفائت بين فوجيموري والمرشح اليساري روبرتو سانشيز. وحصلت فوجيموري على 50.135 في المائة من أصوات الناخبين في جولة الإعادة، مقابل 49.865 في المائة لسانشيز، وهو فارق يقل عن 50 ألف صوت، وفق الأرقام التي صدّقت عليها المحكمة الانتخابية في البيرو.

كانت هذه المرة الرابعة التي تترشح فيها فوجيموري للرئاسة تحت راية إرث والدها الرئيس الأسبق ألبرتو فوجيموري، الشخصية التي دمغت المشهد السياسي في البيرو بالاستقطاب الحاد والعنف وفضائح الفساد خلال العقود الأربعة المنصرمة. وهي سترأس بلداً مشطوراً بشكل حاد إلى معسكرين متناحرين سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، ويعاني من ضعف في المؤسسات، ومن انعدام الاستقرار بعد الاضطرابات والصدمات السياسية التي مر بها. لكن في رصيدها صمودها الطويل في وجه التيّار المناهض لتركة والدها الثقيلة التي رفضت النأي عنها.

وقد لعبت أصوات المهاجرين في الخارج دوراً حاسماً في فوزها، خاصة أولئك الذين يعيشون في الولايات المتحدة حيث توجد أكبر جالية من البيروفيين. ولم تنفع الطعون التي تقدم بها منافسها روبرتو سانشيز في نتائج فرز أقلام المهجر، علماً بأنه هدد برفض الاعتراف بها والدعوة إلى تحركات شعبية. لكن المحكمة الانتخابية رفضت طعونه، وارتفعت أصوات كثيرة منددة بموقفه الذي يشبه الموقف الذي اتخذته فوجيموري عندما انهزمت في انتخابات عام 2021 ضد اليساري بيدرو كاستيّو الموجود حالياً في السجن بعد إدانته بالقيام بمحاولة انقلاب ذاتي قال إن بعض مساعديه نصبوها فخاً له.

شخصية مثيرة للجدل... كوالدها

وعلى غرار والدها الرئيس الأسبق ألبرتو فوجيموري، تتمتع كيكو بشخصية مثيرة للجدل في الأوساط السياسية والاجتماعية، علماً بأنها قامت خلال سنوات حكمه مقام السيدة الأولى بعد خلافات عميقة بين رئيس البلاد وزوجته انتهت بالطلاق.

وكيكو فوجيموري متخرجة بتفوق من أرقى الجامعات الأميركية، وانتُخبت عضواً في البرلمان للمرة الأولى عام 2006 حيث حصدت أعلى عدد من الأصوات في تاريخ الانتخابات الاشتراعية في البيرو، قبل أن تترشح للانتخابات الرئاسية عام 2011، ثم في عامي 2016 و2021 حيث كانت تُهزم دائماً في الدورة الثانية. إلى جانب ذلك، تعرضت فوجيموري لملاحقات قانونية ومحاكمات قضائية بتهم الفساد وغسل الأموال، وخضعت للسجن الاحتياطي لفترة سبعة أشهر. ورغم ذلك، يعتبرها أنصارها ضمانة للاستقرار الاقتصادي والأمني في البلاد، بينما يرى فيها خصومها استمراراً لإرث والدها الذي حكم البيرو عشر سنوات حافلة بالفساد المالي والتجاوزات.

في تصريحاتها الأولى بعد ضمان فوزها، قالت فوجيموري: «أدرك جيداً أن البلاد في حال من الانقسام العميق، لذلك سأحرص على نيل ثقة الذين لم يصوتوا لي في هذه الانتخابات، وستكون حكومتي ممثلة لجميع مكونات المشهد السياسي، تعتمد على الكفاءة والنزاهة».

وبفوزها تنضمّ كيكو فوجيموري إلى قافلة الزعماء اليمينيين الذين يجاهرون بولائهم لخط الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أميركا اللاتينية. وكان من أوائل مهنئيها البرازيلي فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جاير بولسونارو الذي يقضي عقوبة بالسجن حالياً بعد إدانته بمحاولة انقلاب عسكري ضد الرئيس الحالي إيغناسيو لولا. وقال فلافيو بولسونارو الذي سينافس لولا في الانتخابات الرئاسية مطلع الخريف المقبل، إن فوز فوجيموري يؤكد صعود القوى اليمينية «القادرة وحدها على مكافحة الإرهاب العابر للوطن الذي يتغذّى من أموال الاتجار بالمخدرات». كما سارع إلى تهنئتها أيضاً الرئيس الكولومبي الجديد اليميني المتطرف آبيلاردو دي لا أسبريلّا الذي عرض عليها إقامة تحالف إقليمي ضد القوى والأحزاب اليسارية.

الشعار الذي رفعته فوجيموري عنواناً لحملتها الانتخابية الرئاسية «عادت كيكو ليعود النظام»، أرادت من خلاله تسليط الضوء على الشاغل الأكبر للمواطنين ومصدر قلقهم الأساسي منذ سنوات، حيث ازدادت أعمال الاغتيال بشكل ملحوظ، وتفشّى العنف والابتزاز الذي يتعرّض له صغار التجار في المدن الكبرى.

وتعهدت فوجيموري في برنامجها بتنظيم دوريات تشارك فيها القوات المسلحة لمكافحة العنف، وبطرد المهاجرين الذين يرتكبون جرائم، وإجبار المسجونين على العمل مقابل حصولهم على الطعام، بعد الاضطرابات العنيفة التي شهدتها السجون في الفترة الأخيرة على يد أفراد عصابات الاتجار بالمخدرات. وقد حرصت خلال حملتها الانتخابية على تشبيه الحملة الواسعة التي قام بها والدها لمكافحة الإرهاب في تسعينات القرن الماضي، بخطتها التي تهدف من خلالها إلى مكافحة الجريمة. لكنها رفضت دائماً انتقاد التجاوزات التي قام بها والدها، والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان التي وصلت إلى حد وضع خطة، بالتنسيق والتعاون مع القوات المسلحة وأجهزة المخابرات، لتعقيم السكان الأصليين منعاً لتناسلهم.

ويقول محللون إن الخطاب المتشدد الذي تميزت به حملة فوجيموري الانتخابية، كان له كبير الأثر في حشد التأييد الذي أوصلها إلى الرئاسة، وساعد على اجتذاب أصوات كثيرة بين الناخبين المترددين أو الذين لا يشاركون عادة في الانتخابات، ويعانون من تردي الأوضاع الأمنية.

لكن فوز فوجيموري وعودة سلالة والدها إلى السلطة، من شأنه أن يزيد الشرخ الاجتماعي والسياسي حدة، ليس فحسب بسبب عدم تمكن الرؤساء من إكمال ولاياتهم خلال السنوات الأخيرة، بل أيضاً بسبب الاستقطاب العميق الذي تثيره الرئيسة الجديدة التي كانت تتمتع بسلطة واسعة في البرلمان خلال السنوات الماضية، حيث كانت المحرّض الرئيسي على الأزمات التي زعزعت الاستقرار السياسي في البيرو بعد فشلها ثلاث مرات متتالية في الوصول إلى الرئاسة، وسيطرتها على أكبر كتلة نيابية في البرلمان. لكن رغم أن الحزب الذي تقوده، حزب «القوة الشعبية»، ما زال يشكّل الكتلة الأكبر في مجلس النواب، فإنها ستجد نفسها مضطرة للتوصل إلى اتفاقات مع الكتل الأخرى للموافقة على الإصلاحات التي وعدت بها في برنامجها، ولن يكون ذلك سهلاً في الأجواء المتوترة السائدة، خاصة في الأرياف الفقيرة التي تشكّل معقل اليساريين ومركز الثقل للتيار المعارض الذي كان مناهضاً لوالدها، ويهدد اليوم بالتمرد إذا أصرّت على السير في خطاه.

صعود الأحزاب اليمينية

الأضواء الإقليمية مسلّطة على فوز فوجيموري، ليس من باب قراءة هذا الفوز ضمن إطار المعادلات والتطورات الداخلية، بل في سياق التحول العميق والواسع الذي تشهده المنطقة لصعود نسخة جديدة من الأحزاب اليمينية التي لا ترى في الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجرد حليفاً سياسياً فحسب، بل تنظر إليه باعتباره مرجعية فكرية يقتدى بها، وأسلوباً يحتذى. فالبيرو، على غرار العديد من الدول الأخرى في المنطقة، تجرّ منذ سنوات أذيال أوضاع أمنية متردية، وركود اقتصادي مديد، واستقطاب سياسي عقيم عطّل المؤسسات وأبعد المواطنين عن السياسة.

والأخطر في هذا التماهي مع الموجة الترمبية، أنه فيما تبقى المؤسسات حصناً منيعاً أمام تجاوزات الحكومة في الولايات المتحدة، تعاني معظم بلدان أميركا اللاتينية من ضعف مؤسساتها، خاصة الرقابية منها، وانعدام ثقة المواطنين بفاعليتها. ولذلك لجأت القوى اليمينية والشعبوية المتطرفة إلى شعارات تعد باستعادة النظام وفرض هيبة الدولة عن طريق تعزيز صلاحيات الحكومة، وعدم الاكتراث بالضوابط المؤسسية أو التباهي بتجاوزها. كما تلجأ هذه الأحزاب إلى استخدام المعارك الثقافية كأدوات للعمل السياسي، وإعادة النظر في الحقوق الاجتماعية والمدنية التي اكتسبتها الأقليات والطبقات الفقيرة في العقود المنصرمة، أو إلغاء بعضها، وبناء خطاب سياسي يقوم على اعتبار أي معارضة حاجزاً أمام تنفيذ الإرادة الشعبية. والأنظار، كل الأنظار، تتجه الآن إلى البرازيل حيث سيحاول فلافيو بولسونارو في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل استعادة السلطة لعائلته ولليمين المتطرف.

ولا شك أن هذا الانعطاف الواسع نحو اليمين ليس مجرد تحوّل آيديولوجي، بقدر ما هو نمط جديد لممارسة السلطة. فالديمقراطية لم تعد توازناً بين القوى السياسية الفائزة في الانتخابات، والمؤسسات، والحقوق المكرّسة في الدساتير، بل أصبحت مصدراً لشرعية بلا حدود لمن يصل إلى الحكم. وهذه الشرعية المفترضة تعتبر القضاء والصحافة المستقلة وأجهزة الرقابة ومنظمات المجتمع المدني مجرد خصوم أو أعداء، عوض أن تكون ركائز أساسية في النظام الديمقراطي، بحسب ما يقول منتقدون لليمين المتطرف أو الشعبوي. ويتساءل هؤلاء: كيف أن زعماء اليمين المتطرف والأحزاب القومية الذين يرفعون شعارات السيادة الوطنية فوق أي اعتبار، يذهبون إلى بناء شرعيتهم على التماهي مع أولويات الإدارة الأميركية وتبنيها، بل المزايدة في الدفاع عنها؟ تعرضت فوجيموري لملاحقات قانونية ومحاكمات قضائية بتهم الفساد

وغسل الأموال وخضعت للسجن الاحتياطي لفترة سبعة أشهر


فوجيموري... العائلة التي تضبط إيقاع المشهد السياسي

مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
TT

فوجيموري... العائلة التي تضبط إيقاع المشهد السياسي

مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)

لا شيء يحصل في الخفاء عند عائلة فوجيموري؛ فقد تعوّد أهل البيرو على حروب هذه الأسرة، لا بل يبدو أحياناً أنهم يتابعون فصولها بما يشبه الشغف بالأفلام السينمائية أو المسلسلات التلفزيونية.

ونادراً ما تخلو وسائل الإعلام في البيرو من أخبار الصراعات التي تدور بين أفراد هذه العائلة التي تُعتبر من بين الأغنى والأوسع نفوذاً في البلاد. كانت البداية مع «الأب المؤسس» ألبرتو، المولود من أبوين يابانيين هاجرا إلى البيرو سعياً وراء الرزق إبان سنوات الفقر التي كانت تعيشها اليابان بعد هزيمتها القاسية في الحرب العالمية الثانية. كان ألبرتو تلميذاً ناجحاً أنهى دراسته الجامعية متخرجاً بتفوق مهندساً زراعياً من جامعة ليما، ثم أصبح عميداً لكلية العلوم، ورئيساً للجامعة، ومقدماً لبرنامج تلفزيوني علمي شهير.

أواخر ثمانينات القرن الفائت، وضعت القوات المسلحة في البيرو برنامجاً سرياً بعنوان «الخطة الخضراء» يهدف إلى تعقيم الفقراء والسكان الأصليين، ومراقبة الصحافة الوطنية، وإقامة منظومة اقتصادية نيوليبرالية موازية تحت سيطرة الزمرة العسكرية الحاكمة. عندما أسس ألبرتو فوجيموري حزب «التغيير» في عام 1989 كان سياسياً مغموراً، لكنه عندما ترشّح للانتخابات الرئاسية في العام التالي، نال تأييداً واسعاً في أوساط رجال الأعمال وبعض الكنائس الإنجيلية، وأيضاً الدعم من حكومة آلن غارسيا الذي كان يتمتع بشعبية واسعة ونفوذ كبير. وتجاوز فوجيموري الدورة الأولى ليتنافس في الدورة الثانية مع الكاتب المعروف ماريو فارغاس يوسا. وكان للدعم الذي قدمته الحكومة وأجهزة المخابرات التابعة لها، كبير الأثر في الفوز الذي حققه بنسبة تجاوزت 62 في المائة من الأصوات.

لكن ألبرتو فوجيموري سارع بُعيد فوزه إلى التخلي عن برنامجه الانتخابي ونهج سياسة اقتصادية تجاوزت بليبراليتها تلك التي كان منافسه يدعو إليها، وراح يتقرّب من القوات المسلحة التي كان يخشى انقلابها عليه، ويتبنّى بنود «الخطة الخضراء» مخصصاً لبعض كبار الضباط مناصب عليا في الدولة.

وخلال ولايته الرئاسية الأولى شهدت البيرو ما كان يعرف بالمعجزة الاقتصادية التي فتحت أبواب الاستثمارات الخارجية، وتدفقت القروض من المؤسسات المالية الدولية بعد خصخصة معظم المؤسسات العامة وتقييد النشاط النقابي، وتراجعت نسبة التضخم إلى أن حققت البيرو نمواً اقتصادياً بلغ 13 في المائة في عام 1994.

في ولايته الثانية، جنح فوجيموري نحو ممارسة أسلوب استبدادي فيما كانت تحوم حوله شبهات بفضائح فساد مالي ضخمة، وكانت بدأت تحاصره ملاحقات الأجهزة القضائية والبرلمان الذي لم يعد يسيطر على أغلبية أعضائه. في تلك الفترة ظهر إلى العلن خلاف عميق مع زوجته التي اتهمته بالمشاركة في أعمال الفساد وتغطيتها وهددت بمقاضاته، فانفصل عنها بعد أن دبّر تهمة ضدها بمساعدة أجهزة المخابرات. وفيما وقف معظم أبنائه بجانب والدتهم، كانت كيكو الوحيدة التي دعمت والدها وبقيت إلى جانبه حتى النهاية.

في عام 1992 قامت مجموعة من الضباط بمحاولة انقلابية ضد فوجيموري الذي كان بدوره يحاول حل البرلمان وتعطيل السلطة القضائية، فلجأ إلى السفارة اليابانية في ليما إلى أن فشل الانقلاب واستعاد مقاليد السلطة، قبل أن يُحال لاحقاً أمام القضاء بتهم الفساد المالي وارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وعند صدور الحكم بسجنه، فرّ إلى اليابان التي رفضت التجاوب مع طلب سلطات البيرو بتسليمه. وبعد أن انتقل سراً إلى سانتياغو (تشيلي)، تم القبض عليه هناك واقتيد إلى البيرو حيث أودع السجن حتى وفاته في عام 2024.