إيطاليا تعد العالم بمغامرة جديدة مع التطرف الشعبوي

في ظل تصاعد نفوذ سالفيني بعد اختبار الانتخابات الأوروبية

إيطاليا تعد العالم بمغامرة جديدة مع التطرف الشعبوي
TT

إيطاليا تعد العالم بمغامرة جديدة مع التطرف الشعبوي

إيطاليا تعد العالم بمغامرة جديدة مع التطرف الشعبوي

لو عُدنا إلى التاريخ السياسي الإيطالي الحديث منذ مطالع القرن الماضي، أو إلى المراحل القديمة على أبواب عصر النهضة، يتبدّى بوضوح كيف أن هذا البلد الذي لم ينعم باستقرار الحكم حتى في أوج ازدهاره الاقتصادي وتألقه الفني والحضاري، كان على الدوام مختبراً سياسياً تولّدت فيه تيّارات ومنازعات لم تقف تداعياتها عند حدود شبه الجزيرة الإيطالية.
هنا ظهر «الشعبوي» الأول في الحقبة الحديثة عندما قفز سيلفيو برلسكوني إلى الشهرة والحُكم على متن إمبراطوريته الإعلامية، التي كانت تتيح له تسويق ما شاء من وعود خلّبيّة ومزايا وهمية وافتراءات على خصومه، قبل أن تصبح وسائل التواصل الاجتماعي هي السلاح الأمضى بيد «الشعبويين الجدد»، الذين فرّخوا في التربة التي خصّبها برلسكوني طوال سنوات بلا محاسب أو رادع.
وقبل برلسكوني و«شعبويته»، هنا شهدت «الفاشيّة» النور على يد بينيتو موسوليني، وأيضاً بدأت الأحزاب الشيوعية الأوروبية رحلة العودة إلى الديمقراطية الاجتماعية مع زعيم «المساومة التاريخية» إنريكو برلينغوير... وهنا أيضاً كانت بداية النهاية للأحزاب التاريخية الكبرى: الديمقراطية المسيحية يميناً والاشتراكية يساراً.
وأيضاً، في إيطاليا دشّنت أوروبا ظهور الحركات الانفصالية مع «رابطة الشمال»، وشهدنا كيف تكفي أشهر قليلة لكي تتبخّر الأحزاب والقوى اليسارية، وكيف يعود اليمين المتطرف إلى الحكم للمرة الأولى في أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

التحوّلات السياسية التي شهدتها إيطاليا خلال السنوات الثلاث الماضية، والتي ترسّخت في الانتخابات الأوروبية، أواخر الشهر الماضي، تعلن بداية فصل جديد في المشهد السياسي أخطر ما فيه أنه قد يكون عنوان المرحلة المقبلة في أوروبا المُبحرة بين أنواء عاتية من الداخل كما من الخارج.
إنها المرحلة التي بدأ ينتقل فيها اليمين المتطرّف من دكّ أسوار القلعة الأوروبية إلى التمركز في أبراجها العالية لإملاء شروطه عند وضع خريطة الطريق المقبلة.
عندما تشكّلت الحكومة الائتلافية الحالية في إيطاليا قبل سنة بين «حركة النجوم الخمس» وحزب «الرابطة» (بعد إسقاط كلمة «الشمال» من اسمه) في أعقاب مخاض عسير طال ثلاثة أشهر، حقّق زعيم «الرابطة» ماتّيو سالفيني الهدف الأول، والأساسي، في خطته الاستراتيجية: الوصول إلى الحكم بأسرع وقت ممكن، والمباشرة في تطبيق الوصفات وتنفيذ الوعود التي كانت وراء انتصاراته الانتخابية المتلاحقة.
لم يتردد الزعيم اليميني المتطرف في استغلال رفض الحزب الديمقراطي (اليسار المعتدل) التحالف مع «النجوم الخمس»، ليعرض على الحركة توقيع عقد حكومي مشترك، بل وترك للحركة الاعتراضية لها اختيار الرئيس والحقائب الرئيسية مقابل تولّيه حقيبة وزارة الداخلية التي تشمل صلاحياتها ملفّي الهجرة والسياسة الأمنية.
منذ ديكتاتورية موسوليني لم تشهد الساحة السياسية الإيطالية تغييراً واسعاً وعميقاً كالذي شهدته منذ وصول سالفيني إلى وزارة الداخلية، متأهباً للصعود إلى مركز القوة السياسية الأولى، وطامحاً لرئاسة الحكومة.
لم يتوقف زعيم «الرابطة» (الذي أشرف على تحويلها من قوة انفصالية إلى قوة ترفع ألوية الشعبوية اليمينية المتطرفة على مستوى إيطاليا كلها) عند كسر التوازن الدقيق الذي كانت تقوم عليه معادلة توزيع القوى السياسية في إيطاليا، إطلاقاً، بل أغرق البلاد في بحر من التوتّر والغضب، وحوّل وزارة الداخلية إلى ما يشبه البث التلفزيوني المباشر؛ ينقل تحرّكاته ومهرجاناته وتصريحاته وتفاصيل حياته الخاصة على مدار الساعة.

«الفيسبوك»... و«الغريزة» الكاسرة

«الفيسبوك» هو عدّته الانتخابية الأساسية التي لا تكفّ عن الحركة، ولا يجاريه فيه أي من الزعماء الأوروبيين. وهو ينطلق فيه من برنامج متطوّر (يُقال إن المنظّر الأميركي اليميني المتطرف ستيف بانون، «مهندس» سياسات دونالد ترمب ساعده على تطويره) يرصد مزاج الشارع وينشر عبره التعليق المناسب في كل لحظة.
غير أن المحرّك الرئيس لـ«الماكينة السالفينية» هو الغريزة الكاسرة التي أخطأ خصومه طوال سنوات في تقدير تأثيرها على مجتمع يغلي في مرجل الركود الاقتصادي والبطالة والنقمة على الفساد والهجرة.
راهناً، يتولّى ماتّيو سالفيني منصب نائب رئيس الحكومة (بجانب وزارة الداخلية) بموجب الاتفاق الذي أبرمه مع «حركة النجوم الخمس» في السنة الماضية. يومذاك، جلس زعيم «الرابطة» إلى طاولة المفاوضات، وفي جعبته نصف الأصوات التي كانت قد حصلت عليها الحركة، لكنه اليوم يتصدّر المشهد السياسي الإيطالي بعدما حصد 34.5 في المائة من أصوات الإيطاليين في الانتخابات الأوروبية، مضاعفاً أصوات حلفائه في الحكم الذين يحارون كيف يتعاملون معه، ويترددون في معارضته خشية انفراط الائتلاف الحاكم.
سالفيني كان قد انقلب على أومبرتو بوسي، على «عرّابه» السياسي الأول ومؤسس «رابطة الشمال» الانفصالية، ثم انقلب على «عرّابه» الثاني روبرتو ماروني، قبل أن يهشّم برلسكوني الذي كان يتعامل معه بفوقيّة حتى الانتخابات العامة الأخيرة... التي التهمت فيها الرابطة الأصوات التي جمعها حزب «الفارس» طوال 24 سنة.
انتخابات البرلمان الأوروبي الأخيرة كرّست هيمنة سالفيني على المعسكر اليميني والمحافظ في إيطاليا، ورفعت حزب الرابطة إلى مركز القوة السياسية الأولى، في حين خسر حلفاؤه في «حركة النجوم الخمس» نصف مجموع أصواتهم، فتراجعوا إلى المركز الثالث، بعد الحزب الديمقراطي، الذي استعاد قسماً من التأييد الذي كان قد خسره في الانتخابات العامة الأخيرة.
للعلم، نتائج الانتخابات الأوروبية، رغم أهميتها وتأثيرها المعنوي، لا تغيّر شيئاً في التوزيع الراهن للقوى البرلمانية في إيطاليا. ولأن سالفيني يدرك ذلك جيداً، ولا يريد المجازفة برصيده الكبير في بلد مشهور بتقلّب مناخه السياسي، فإنه أحجم منذ اللحظة الأولى عن المطالبة بتعديل توزيع القوى والنفوذ داخل الحكومة... مكتفياً بالتشديد على الإسراع في تنفيذ مقترحاته الأساسية التي قام عليها الاتفاق الحكومي، مثل خفض الضرائب وإعطاء مزيد من الصلاحيات الإدارية والمالية للحكومات الإقليمية.

رجل المرحلة المقبلة

هذا الموقف الحذر لسالفيني، الذي ما عاد يشكّك أحد في أنه رجل المرحلة المقبلة في إيطاليا، أحرج حلفاءه في الحكومة، وبات من المتعذَّر عليهم رفض مطالبه أو الالتفاف عليها، كما في السابق، خصوصاً بعد الهزيمة المريرة التي مُنيت بها «النجوم الخمس» أوروبياً. وهنا، تجدر الإشارة إلى أن الحركة تراجعت أيضاً في معظم الانتخابات المحلية التي أُجريت خلال الأشهر الأخيرة، لا سيما في محافظات الجنوب التي كانت تعتبر خزّانها الانتخابي، لكن سالفيني تقدّم فيها أيضاً.
برلسكوني، من جهته، يواصل تركيز كل نشاطه على إقناع سالفيني بالتخلّي عن تحالفه الحكومي مع «النجوم الخمس»، والعودة إلى صيغة الانتخابات العامة الأخيرة التي شهدت انطلاقة الرابطة، التي يمكن أن تتعزّز بانضمام «الفاشيين الجدد» إليها بعد التقدّم الذي أحرزوه في الانتخابات الأوروبية، عندما حصلوا على 6.7 في المائة من الأصوات.
غير أن سالفيني يفضّل التريّث، ويقاوم الضغوط القوية لفك الائتلاف الحاكم. كذلك، لا يريد الإقدام على أي خطوة في هذا الاتجاه، بانتظار اتضاح مسار أزمة انهيار الحركة، التي نشأت فيما يشبه المختبر، لتستقطب الاستياء العارم الذي كان يجتاح إيطاليا، والتي تواجه اليوم أسوأ أزمة منذ تأسيسها. وكانت الحركة قد بلغت ذروة شعبيتها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حصلت على 33 في المائة من الأصوات بعد عشر سنوات فقط على انطلاقها، لكنها خسرت نصف شعبيتها في الانتخابات الأوروبية، تحت وطأة الركود الاقتصادي الذي فشلت الإجراءات الحكومية في معالجته، وأمام «إعصار سالفيني» الذي بسط هيمنته على أداء الحكومة منذ اليوم الأول.
وبجانب الركود، من الأسباب الأخرى التي أسهمت في تراجع الحركة: غياب البعد الأوروبي في مشروعها السياسي، وافتقارها إلى حلفاء في بلدان الاتحاد. وفشل الحركة الذريع في إدارة العاصمة روما التي فازت برئاسة بلديتها في الانتخابات البلدية الأخيرة. وفضلاً عن انحسار شعبيتها في الجنوب الذي خصّصت له أبرز إجراءاتها بتوفير دخل ثابت لكل مواطن عاطل عن العمل قدره 780 يورو شهرياً. وكان لافتاً، بالفعل، أن حزب الرابطة، الذي كان منذ أربع سنوات يطالب بانفصال مقاطعات الشمال عن إيطاليا، ويوجّه الاتهامات والانتقادات العنصرية ضد سكّان الجنوب متهماً إياهم بالفساد والكسل، حقق أفضل النتائج في المحافظات الجنوبية.

أزمة «النجوم الخمس»

الخسارة المرّة التي أصابت «النجوم الخمس» في الانتخابات الأخيرة فتحت باب أزمة قيادية سرعان ما حُسِمت باستفتاء أكّد زعامة لويجي دي مايو، الذي أعلن خطة لإعادة هيكلة الحركة وتنشيط حضورها الميداني بعدما كانت حتى الآن تنشط حصراً عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وبعد اعتراف دي مايو بـ«المسؤولية المشتركة عن الهزيمة الانتخابية» الأخيرة، أكّد «أن البديل الوحيد الآن هو المقاومة والتأكيد على أن الحركة لن تتنازل عن مبادئها الأساسية، ورصّ الصفوف لمواجهة الأزمة».
على أي حال، ثمّة من يرى أن أزمة «النجوم الخمس» ناشئة عن خلل في التواصل مع القاعدة، وفشل في تعبئة المناصرين إبان الانتخابات، وأن الحركة بحاجة إلى زعيم من طينة سالفيني يشغل وسائل الإعلام يومياً بتحركاته وتصريحاته الناريّة. ويشير مراقبون إلى أن هذه المواصفات متوفرة في أحد زعماء الحركة، أليسّاندرو دي باتّيستا، الذي اكتفى بدور ثانوي حتى الآن، ولكن لم يعد مُستبعَداً أن يعود إلى الواجهة قريباً، بحيث «تتعادل» الحركة والرابطة في «الأسلوب القيادي» الذي لم يعد يشكّ أحد في أنه الأعلى مردودية في المشهد السياسي الإيطالي.
في المقابل، بينما تحاول الحركة لملمة هزائمها واستعادة أنفاسها، يتقدّم سالفيني بثبات نحو أهدافه فارضاً مشيئته على الحكومة بانتظار التوقيت المناسب للانقضاض عليها. وهو يفتح جبهات في الداخل والخارج على كل المستويات، فيفرض عقوبات على المواطنين الذين يقدّمون المساعدة للمهاجرين غير الشرعيين، ويحيل إلى القضاء رئيس بلدية رياتشي، القرية الجنوبية التي تحوّلت إلى مختبر اجتماعي وسياسي يستقطب اهتمام العالم منذ 15 سنة لتجربتها الناجحة في استقبال المهاجرين ودمجهم.

معركة مع الفاتيكان

لكن طموحات سالفيني لا تقف عند حد، ولا شيء يردعه عن خوض أي معركة يستشفّ أنها ستزيد من رصيده الانتخابي الذي يبدو بلا قاع. وكانت معركته الأخيرة ضد البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان الذي جعل من قضيّة المهاجرين والعناية بهم أحد المحاور الرئيسية لحبريّته، والذي رفض حتى الآن استقبال سالفيني. ففي أواخر الشهر الماضي، بختام المهرجان الضخم الذي نظمته الرابطة افتتاحاً لحملة للانتخابات الأوروبية، وقف سالفيني أمام جمهوره محاطاً بقيادات الأحزاب اليمينية المتطرّفة المتحالفة معه في أوروبا. وبعد إطلاقه سلسلة من الانتقادات للإسلام والمهاجرين المسلمين، شن هجوماً مباشرا (لأول مرة) على البابا فرنسيس... منتقداً رؤيته ومواقفه من قضية الهجرة، بينما كانت الشاشة الضخمة وراءه تعرض صوراً للبابا يوحنا بولس الثاني والبابا بنديكتوس السادس عشر والكاردينال روبرت سارا مرشّح التيّار المتطرّف في الكنيسة الكاثوليكية لخلافة البابا الحالي. وعندما لفظ سالفيني اسم البابا فرنسيس ضجّ المهرجان بهتافات معادية تردّدت أصداؤها في أروقة الفاتيكان الذي تحوّل في الأشهر الأخيرة إلى السدّ الأعلى في وجه سياسة الهجرة التي يفرضها الزعيم المتطرف على الحكومة الإيطالية.
جدير بالذكر أن الهجرة أيضاً من الملفّات التي تتضارب فيها مواقف الرابطة و«النجوم الخمس» التي، بعكس سالفيني، تتمتع بعلاقات ممتازة مع البابا فرنسيس، الذي غالباً ما يكرر قول هنري كيسنجر بأن «السياسة الإيطالية مفرطة في التعقيد ويعجز عن فهمها». وعندما يُسأل البابا عن سالفيني، يرد: «لا يجوز للمسؤول السياسي أن يزرع الحقد ويبذر الخوف».
الفاتيكان يعرف أن الرابطة بزعامة سالفيني هي اليوم الحزب المفضّل بين الناخبين الكاثوليكيين المحافظين. وثمّة استياء في بعض أوساط الكنيسة من هذا التوتّر غير المألوف في العلاقات مع الحكومة الإيطالية، لكن ثمّة من يذكّر أن البابا بيّوس الثاني عشر أعلن الحرمان الكنسي في حق مَن ينتخب الحزب الشيوعي في العام 1949، لكنه رفض أن يفرض الحرمان في حق الذين ينتخبون موسوليني.

بصمات ستيف بانون

قرار المواجهة المفتوحة مع البابا لم يتخّذه سالفيني وحده، بل جاء عملاً بنصيحة ستيف بانون، «مرشده» وحليفه الأميركي، الذي يعتبر أن البابا فرنسيس «ليس معصوماً عن الخطأ في القضايا السياسية»، ولذا يقترح على زعيم الرابطة أن يهاجمه بشكل مباشر ومركّز. ولقد بات واضحاً في ضوء التحالفات السياسية الأخيرة بين القوى اليمينية المتطرفة في الدول الغربية، والمواقف العلنية لرموز التيّار المحافظ في الكنيستين الكاثوليكية والإنجيلية، أن المعركة والرهانات أكبر بكثير، وأبعد من مجرّد الصراع على مكاسب انتخابية.
وفي غضون ذلك، تبقى إيطاليا في حال من الترنّح الحكومي الذي أصبح متوطّناً في المشهد السياسي، متأرجحة على ائتلاف عجيب بين «حركة» أسسها ممثّل كوميدي، و«رابطة» سياسية كانت منذ أربع سنوات تنادي بانفصال المحافظات الشمالية وتعتبرها غير إيطالية.
كل ذلك يؤشر إلى أن إيطاليا تسير، مرة أخرى، نحو كتابة فصل جديد في التاريخ السياسي للتطرف، لم تتضّح معالمه بعد، لكنه حتماً يثير القلق في أكثر من اتجاه وعلى مستويات عدة.
لا بد من المراقبة اليقظة لمسرى الرمال الإيطالية المتحرّكة في هذه المرحلة من التاريخ الأوروبي والدولي، لأن فيه (ربّما) معالم النظام السياسي والاجتماعي الذي قد يتشكّل في المستقبل القريب.
ولا شك أن إيطاليا تتفرّد بخاصيّات لا نجدها في البلدان الأخرى: منظمات إجرامية على علاقة وطيدة بالنشاط السياسي، ومصالح خاصة واسعة النفوذ والتأثير، وفساد راسخ في النسيج الاجتماعي مصحوب بانعدام الثقة بالمؤسسات العامة.
لكن ما يُقلق أن العالم سائر نحو التشبّه بإيطاليا، وإن بنسبة أقل من الجمال الذي يفيض في هذا البلد... وبمعزل عن القدرة التي يتمتّع بها الإيطاليون على الإبحار فيما يشبه الهدوء فوق كل الأمواج.

ما الذي سيخرج في النهاية من المختبر الإيطالي؟

هل سيعود اليمين المتطرف لفرض تعصبه وظلاميته على أوروبا مجدداً، وعلى العالم أيضاً، هذه المرة؟ هل ستكون بداية نهاية نظام المؤسسات وإدارة الدول مثل الشركات الخاصة؟
وأين ستكون الحدود الفاصلة بين ما نرى ونسمع وما يحصل في الواقع؟
وهل ستُخرج إيطاليا من قبّعتها أرنباً جديداً لم يخطر بعد على بال أحد؟



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.