اليمين المتطرف يتمدد في مناطق المهاجرين وسط برلين... واتهامات للشرطة بالتلكؤ

ترصد ارتفاع وتيرة الاعتداءات العنصرية وأسبابها

الناشطة اليساريا كلاوديا فون غيليو  في صالة عرض تملكها (الشرق الأوسط)
الناشطة اليساريا كلاوديا فون غيليو في صالة عرض تملكها (الشرق الأوسط)
TT

اليمين المتطرف يتمدد في مناطق المهاجرين وسط برلين... واتهامات للشرطة بالتلكؤ

الناشطة اليساريا كلاوديا فون غيليو  في صالة عرض تملكها (الشرق الأوسط)
الناشطة اليساريا كلاوديا فون غيليو في صالة عرض تملكها (الشرق الأوسط)

كانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وكلاوديا فون غيليو غارقة في النوم إلى جانب زوجها. كانت النافذة مفتوحة قليلاً على نسمة تدخلها لتخفف من وطأة الحر. الشارع الذي يقع فيه منزلهما في منطقة نويكولن ببرلين هادئ في العادة. ولكنّ شيئاً ما أيقظها من نوم عميق. ربما كانت الرائحة الغريبة التي تسللت من النافذة المفتوحة. أو كان الضوء الساطع الذي لف فجأة الغرفة الداكنة. استيقظت بشيء من العجلة وركضت نحو النافذة باحثة عن مصدر الرائحة والضوء، لتجد سيارتها في الأسفل مشتعلة والدخان الأسود يملأ المكان.
عندما تتذكر هذه السيدة الألمانية الخمسينية حادث إحراق سيارتها قبل عامين، تقول إنها كانت محظوظة جداً لأنها اكتشفت الأمر بسرعة قبل أن تمتد النيران إلى المبنى الذي تسكنه. «اتصلت بالإطفاء على الفور ولكن كانت لتحدث كارثة»، تقول: «لأن النيران ما كانت لتطال منازل الجيران ولكن منزلي فقط».

التقينا في صالة العرض الفنية التي تملكها في شارع متفرع عن شارع كارل ماركس في نويكولن. كانت تروي الحادثة وهي جالسة وسط كتب وملصقات كبيرة لناشطين ألمان كانوا معروفين بنضالهم ضد النازية. أكبر تلك الصور كانت لأولغا بيناريو، مناضلة شيوعية يهودية قتلها النازيون خنقاً في إحدى غرف الغاز إلى جانب المئات من المعتقلات عام 1942.
لم يكن وجود تلك الصور صدفة. فصالة العرض تحمل اسم «أولغا بيناريو». ونشاطها يعكسه الاسم الذي تحمله. هنا تنظم كلاوديا، المختصة بعلم السياسة والناشطة اليسارية، ندوات ولقاءات تتمحور حول مناهضة الفاشية والتمييز الذي يتعرض له اللاجئون، وتعرض أفلاماً لهذه الغاية أيضاً.
عندما جلسنا نتحدث، فتحت كلاوديا الحاجب الحديدي للصالة ليدخلها النور. فبدت الواجهة الزجاجية التي كانت مختبئة تحتها مشققة وفيها كسور في أكثر من مكان. بدأت تشرح أن صالة العرض مستهدفة كذلك، وكانت كذلك قبل حتى سيارتها ومنزلها. تعرضت مرات كثيرة طوال الأعوام الماضية للتكسير والتخريب. أصلحت الأضرار الكبيرة وأبقت على الصغيرة منها خوفاً من أن تتعرض لتخريب جديد. ومنذ سنوات تبقي الحاجب الحديدي مسدلاً خوفاً من تعرض المكان للتخريب مرة جديدة.
المعتدي بالنسبة إلى كلادويا معروف، رغم أن الشرطة لم تلقِ القبض على أحد. تقول إن اليمين المتطرف ناشط في نويكولن بشكل كبير وعنيف: «النازيون يقومون بشكل منتظم بنشر لوائح على الإنترنت تضم أسماء أشخاص ومنظمات يعدونهم أعداءهم، ولاحقاً يتم حذفها. ولكن هذه نداءات واضحة لأنصارهم لتنفيذ هجمات إرهابية».
استهدافها في منزلها كانت النتيجة الطبيعية بالنسبة إليها. فعنوانها الخاص ليس سراً. القليل من البحث على الإنترنت وفي عناوين الأشخاص المسجلين كمالكي صالة عرض «أولغا بيناريو» يُظهر التفاصيل كافة.
بدأت كلاوديا العمل في صالة العرض هذه عام 1990، وتقول إن الاعتداءات بدأت عام 2010. كانت تجد حينها رسومات يمينية متطرفة مثل الصلبان المعقوفة مرسومة على الواجهة الخارجية. وعام 2011 تقول إن «الموجة الإرهابية الأولى من قبل اليمين المتطرف في حي نويكولن بدأت». كان عناصر اليمين المتطرف يرمون أدوات مشتعلة داخل الصالة. عام 2016، بدأوا باستهداف الناشطين في منازلهم وكتابة عبارات تهديد بالقتل إلى جانب أسمائهم على الأبواب، وإحراق سياراتهم في عناوينهم الخاصة.
البعض يجد تمدد اليمين المتطرف في نويكولن مستغرَباً. فالمقاطعة خليط سكاني غير مسبوق تضم عشرات الجنسيات. عندما تتمشى في شوارع المقاطعة اليوم، يمكنك أن تلتقط لغات كثيرة: العربية، التركية، الكردية، الإنجليزية، الصربية، الروسية... وفي السنوات الماضية تحول بعض شوارع المقاطعة إلى أحد أكثر شوارع برلين شعبية لدى مَن هم في عمر الشباب بسبب مطاعمها العصرية ومقاهيها غير التقليدية.
فكيف يمكن لمنطقة متنوعة ثقافياً ومقصد شبابي أن تتحول لأرض خصبة لليمين المتطرف، حتى منذ قبل موجة اللجوء عام 2015؟
مخلفات الجدار
الواقع أن نويكولن تستضيف جاليات مسلمة تركية بشكل خاص منذ عقود، قبل وصول موجة اللاجئين السوريين هرباً من الحرب في بلدهم. تلك الموجة الأخيرة تركت بصمات واضحة في نويكولن من خلال انتشار مطاعم ومحلات سورية كثيرة في شوارع المقاطعة، وحوّلت شارع الشمس «زوننالي» إلى «شارع العرب». ولكن قبل ذلك، استقر هنا الأتراك الذين توافدوا إلى البلاد في الخمسينات والستينات والسبعينات ضمن برنامج «الضيوف العاملون» الذي أقرته الحكومة الألمانية للتعويض عن نقص اليد العاملة الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية. ورغم أنهم كانوا «ضيوفاً» من المفترض أن يغادروا بعد انتفاء الحاجة إليهم، فإنهم بقوا واستقروا مع عائلاتهم وطبعوا شوارع نويكولن بثقافهم ولغتهم.
وواقع أن نويكولن كانت في الجزء الغربي من برلين عندما كانت مقسومة بجدار، يفسر تمركز الأتراك فيها. فالأجزاء الغربية كانت منفتحة على ثقافات مختلفة خلافاً للمناطق الشرقية التي كانت مغلقة لا يدخلها أو يخرج منها أحد.
وفي العادة، يجد اليمين المتطرف في المناطق الشرقية بألمانيا بيئة خصبة للانتشار والتمدد ونادراً ما يتمدد في الغرب. ففي استطلاعات للرأي مؤخراً، يحتل حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف الذي دخل البرلمان (البوندستاغ) عام 2017 للمرة الأولى، المرتبة الأولى في معظم الولايات الألمانية الشرقية، متقدماً على الحزب اليميني الوسطي الحاكم حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي.
ولكن حالة برلين التي تقع في قلب الولايات الشرقية، مختلفة. فهي نفسها كانت مقسمة بين شرق وغرب. ومثل الولايات الشرقية، تجد اليمين المتطرف قوياً في مقاطعات شرق برلين، مثل ليشتنبيرغ وكوبينيك. وأطراف من نويكولن، مثل منطقة روداو حيث تعيش كلاوديا، محاذية لكوبنيك.
البعض يفسر ذلك سبباً لتمدد اليمين المتطرف ووصوله إلى نويكولن.
ارتفاع وتيرة الاعتداءات
في العام الماضي، يبدو أن أعداد الاعتداءات التي نفّذها اليمين المتطرف في نويكولن تزايدت.
منظمة «ريتش أوت» تحصي اعتداءات اليمين المتطرف في برلين. تقول سابين سايب من هذه المنظمة إنه تم تسجيل أكثر من 300 اعتداء عام 2018 بزيادة تزيد على الـ20٪ عن العام الذي سبقه. وبالاعتداءات فهي تعني اعتداءات لفظية أو جسدية. الأدوات المستخدمة، تقول إنها تتفاوت بين السكاكين والعصي والزجاجات المكسورة وأحياناً حتى المسدسات. المستهدفون هم عادة اللاجئون، المسلمون، اليهود والغجر.
ولكن مع ذلك، لا ترى سايب أن هناك «جماعات متطرفة منظمة» تنفّذ هذه الاعتداءات في برلين. على الأقل، ليس بعد. تقول: «المعتدون هم عادةً أفراد وقد لا يكونون معروفين لدى الشرطة من قبل... ولكن يحصل مثلاً أن سيدة محجبة وهي خارجة من الحافلة تتعرض للبصق أمام أطفالها. هذه ليست شبكات منظمة ولكن أشخاص عاديون يعبّرون بصورة عنيفة عن عنصريتهم، واعتداءات كهذه في الواقع في ازدياد». ولكن الاعتداءات على الناشطين ضد العنصرية، ترى سايب أنها قد تكون منظمة: «في نويكولن أشخاص معادون للعنصرية وملتزمون بمحاربة اليمين المتطرف يتعرضون للتهديد بشكل متكرر وتُحرق سياراتهم. هنا يمكن الحديث عن شبكات منظمة، خصوصاً عندما نتحدث عن استهداف خصوم سياسيين».
فرات كوشاك، كان ضحية أخرى لليمين المتطرف في نويكولن. هو أيضاً أُحرقت سيارته أمام منزله. ولكنه كان أقل حظاً لأن النيران امتدت إلى المنزل وأحرقته. كان محظوظاً أنه استيقظ قبل وقت كافٍ سمح له بمغادرة المنزل وإخراج والديه منه قبل أن يختنقا. التقيناه في مكان عمله في إحدى جامعات برلين. فهو لم يعد «يملك» منزلاً محدداً. يقول إنه يتنقل بين منازل أقاربه منذ ليلة الاعتداء في فبراير (شباط)2018 يقضي بضعة ليالٍ في كل منزل: «أنا محظوظ لأن لديّ أقارباً كثراً في برلين».
الاعتداء وقع أيضاً في منتصف الليل، نحو الثالثة فجراً. يتذكر وهو يخبر قصته أنه كان عليه مساعدة والدته على الخروج لأنها لا يمكنها المشي بسرعة بسبب سنها وإصابة قديمة: «عندما قدم رجال الإطفاء، قالوا لي لو أنني تأخرت خمس دقائق فقط عن الاستيقاظ لكنت قد احترقت مع عائلتي داخل المنزل».
كوشاك من أصول تركية كردية وهو ناشط مع حزب «دي لينكا» اليساري الذي ينتقد بشكل دائم اليمين المتطرف. في حالته أيضاً، لم تلقِ الشرطة القبض على أحد. وهو ما يغضبه فعلاً. يقول: «عندما أتت الشرطة تناقشنا حول خلفية الحادثة وفيما إذا كانت ناتجة عن النزاع التركي الكردي لأنني أنا وعائلتي ننحدر من أصول كردية من تركيا. وحينها قلت إنه لا يمكن ذلك لأنه في حي نويكولن يوجد الكثير من الهجمات للنازيين ومَن قام بذلك هم بالتأكيد نازيون». يضيف: «عندما قلت لهم إنني أنتمي للحزب اليساري وإنني مرشح من قِبلهم في حي نويكولن، استمعوا وأصغوا إليّ... ولكنّ شيئاً لم يحدث بعد ذلك».
يروي أنه في الليلة نفسها التي أحرقت فيها سيارته ومنزله، كان هناك اعتداء آخر على صاحب مكتبة يدعى هاينس أوسترمان كان يقيم أمسيات لمناقشة تهديد النازيين الجدد. ويقول: «في حالته كان واضحاً جداً أن الأمر لا علاقة له بالنزاع التركي الكردي بل هو هجوم نازي. وقد أكدت الشرطة ذلك لاحقاً واعتقلت أحد المشتبه بهم».
الخوف من الغير
ورغم أن لا كلاوديا ولا كوشاك يعلمان بشكل دقيق هوية منفذي الهجمات، فإنهما يشكّان بأنصار حزب صغير يميني متطرف اسمه «إن بي دي» الحزب الديمقراطي الوطني الألماني، الذي ينشط في كوبينيك وقد أوصل بعض مرشحيه إلى مراكز في البلدية. يعد هذا الحزب من أكثر الأحزاب اليمينية تطرفاً في ألمانيا. خلال الانتخابات الأوروبية قبل بضعة أسابيع، رفع شعارات مثل «أوقفوا الغزو: الهجرة تقتل»، و«مناطق آمنة». ورفضت قنوات ألمانية محلية بث إعلاناته لأنها اعتبرتها تحريضية.
عندما التقيت أمين عام الحزب شتيفان لوكس بعد سلسلة من الرسائل الإلكترونية المتبادلة التي ظل يكرر فيها أنه لا يفهم سبب طلب اللقاء ولكنه مستعد للقائي «لمناقشة المشكلات التي يتسبب بها تعدد الثقافات في ألمانيا»، كان مصراً على اللقاء في الشارع العام في كوبينيك. لم يشأ في البداية اصطحابي للمكتب للجلوس وإجراء المقابلة. وبعد أن سألته عن السبب قال: «أنتِ تعملين لدى إعلام عربي وأنتم لديكم إرهابيون».
ورغم الصدمة التي أحدثتها إجابته، فإنها تعبّر عن كيفية تفكير هذا الحزب وأنصاره. في النهاية وافق على أن نتوجه إلى المكتب بعد أن وعدته بألا أنشر العنوان، كي «لا يصبح عرضة لهجمات من متطرفين»، كما قال. لم يجد أي سخرية عندما سألته عن الاتهامات الموجّهة إلى أعضاء متطرفين بحزبه بتنفيذ هجمات إرهابية ضد ناشطين. رد بوجه عابس لا يعرف الابتسام، كأنه يسمّع درساً حفظه وكرره مرات عدة، خوفاً من تخطي الحدود القانونية: «نرفض العنف بالتأكيد لأنه لا يحل المشكلة بل يقودنا إلى مشكلات جديدة... نحن نعيش في دولة ديمقراطية ودولة قانون. مشكلة الهجرة يجب أن تُحل وفق القوانين الخاصة بجمهورية ألمانيا الاتحادية. وبالتالي كل مبادرة فردية هي مستبعدة وغير مقبولة».
ينكر حتى أن تكون هناك أي عنصرية في الشعارات المرفوعة. يشرح أن بشعار «الهجرة تقتل» يقصد الحزب أنها تقتل اللاجئين في البحر. وبـ«المناطق الآمنة» يجد وقتاً أصعب بمحاولة شرحها، ويقول: «المنطقة الآمنة يمكن أن تكون أي شيء. يمكن أن تكون أناساً يحملون شعار المنطقة الآمنة ويتجولون بالمدينة. يمكن أن تكون سيارة أو منزلاً أو حياً من المدينة».
وعندما سألته إذا كان يرى كيف يمكن ترجمة هذه الشعارات إلى نداء للعنف، قال: «يجب أن يتم توضيح هذه اللافتات المطروحة من قبلنا بشكل دقيق. أما النداء إلى العنف أو المطالبة به فهو أمر غير موجود إطلاقاً لأن القانون في جمهورية ألمانيا الاتحادية يعاقب على ذلك. لا يسمح لنا القانون بذلك ولا نرغب أيضاً بالقيام بذلك. نحن نلتزم بقوانين الدولة ولذلك ما نكتبه على لافتاتنا هي شعارات ضمن الأطر القانونية». في كل كلامه، تلاحظ أنه دائماً يحرص على الحديث «ضمن القانون» كي لا يعرّض حزبه للحظر. ومع ذلك فإن رسائله غير خافية على أحد.
انتقادات لأجهزة الأمن
ولكنّ مؤيدي هذا الحزب وعناصره المتشددين ليسوا الوحيدين الذين يدفعون كوشاك إلى التنقل الدائم. بل الشرطة كذلك، فهو لا يثق بهم. يقول: «علمت أن الشرطة حققت مع نازيين عام 2016 وكانوا يعلمون أن هجماتهم قد تطالني وأن لديهم تفاصيل مكان إقامتي، ولم يقوموا بتحذيري!». ويضيف: «لديّ مخاوف بالفعل أن تكون هناك بنى نازية موجودة في تلك الدوائر التي تسمح لهكذا هجمات أن تحدث لتصل إلى حد القتل... لا أستطيع الوثوق بالشرطة والاستخبارات الداخلية والمخابرات بشكل عام في ألمانيا».
وبالفعل، فإن اليمين المتطرف وجد طريقه أيضاً إلى داخل بنية الشرطة في بعض المدن الألمانية. في مدينتَي هامبورغ وفرانكفورت، هزت فضائح كبيرة الشرطة بسبب تورط بعض عناصرها مع مجموعات متطرفة، ما اضطرها إلى الاعتراف بذلك والإعلان أنها اتخذت خطوات تأديبية ضد هؤلاء العناصر. فضائح شبيهة طالت كذلك الجيش الألماني الذي بدا اليمين المتطرف متغلغلاً فيه كذلك.
يتذكر كوشاك خلية «إن إس أو» اليمينية المتطرفة الذي انفضح أمرها عام 2011. كانت تضم نازيين جدداً وصل عددهم إلى نحو 150 عنصراً، كانوا يعملون بهويات مزيفة، ونفّذوا سلسلة اغتيالات استهدفت 9 لاجئين أتراك وأكراد ويونانيين بين عامي 2000 و2006، ولم يتم الكشف عن جرائم الخلية إلا عن طريق الصدفة بعد تورط عناصر منها في سرقة مصرف انتهت بافتضاح أمرهم وانتحار اثنين منهم. بدأت حينها الشرطة تعثر على أدلة بحوزتهم أشارت إلى هوياتهم المزورة، ومسدسات استُخدمت في الجرائم التي ارتكبوها. وشكّل افتضاح أمرهم حينها صدمة لدى الألمان، بشكل أساسي بسبب عدم القبض عليهم قبل ذلك والسماح لهم بالعمل طوال تلك السنوات. وصدرت مطالبات كثيرة من سياسيين بإنشاء لجنة للتحقيق في أسباب عدم كشف الشرطة عن الخلية سابقاً، في إشارة إلى تورط عناصر في الأمر.
واليوم عندما يتذكر كوشاك هذه الخلية، يتخوف من أن الأمر نفسه بدأ يتكرر، ويقول إن الوقت لن يكون بعيداً قبل أن تحدث «كرايستشيرش» أخرى في ألمانيا، في إشارة إلى مجزرة المسجدين في نيوزيلندا.
كلاوديا تشارك كوشاك كذلك مخاوفه تلك. وتسأل: «هل الشرطة بالفعل غير قادرة على القبض عليهم أم أن الشرطة نفسها تضم عناصر يمينة؟»، وتشير إلى تورط الشرطة في مدن أخرى بفضائح من بينها تسريب عناوين وتفاصيل أشخاص لعناصر من اليمين المتطرف.
ولكن الشرطة في برلين ترفض تلك الاتهامات. وفي رد على أسئلة لـ«الشرق الأوسط»، قال متحدث باسم شرطة برلين في رد عبر الإيميل: «نحن نأخذ مسألة التطرف بشكل جدي... ولهذا السبب لدينا قسم خاص لدى المحققين في شرطة الولاية مختص بالجرائم التي تهدد الأمن الوطني من بينها جرائم اليمين المتطرف في برلين». وأضاف: «في نويكولن وجدنا قبل فترة أن هناك اعتداءات ينفّذها اليمين المتطرف، ولذلك أضفنا أعداد الوحدات التي تعمل على هذه الملفات... وأسسنا كذلك وحدة جديدة اسمها (فوكس) لإكمال التحقيقات في جرائم اليمين المتطرف وإعادة مراجعة قضايا وإعادة تقييمنا».
ويرفض اتهامات الضحايا بأن الشرطة لم تقم بما هو كافٍ، وقال: «نحن على اتصال بالضحايا ولكن للأسف لا يمكننا مشاركة كل النتائج التي نتوصل إليها، وفي النهاية القرار يعود إلى المدعي العام في برلين بكمية المعلومات التي يمكن مشاركتها مع الضحايا». وأكد أن شرطة برلين «ملتزمة بالقتال ضد تحركات اليمين المتطرف وجرائمه».
ولكن لماذا عادت جرائم اليمين المتطرف الآن إلى نويكولن؟
دخول اليمين المتطرف إلى البرلمان
ترى البرلمانية أولا يلبه من حزب الخضر، ومن أكثر النواب نشاطاً في مكافحة اليمين المتطرف، أن دخول حزب «البديل لألمانيا» إلى البوندستاغ قبل عام «هيأ الأرضية لكي يمارس النازيون العنف مجدداً». وترى يلبه أن مواقف الأحزاب الأخرى تجاه هذا الحزب اليميني المتطرف تقوّي موقفه كذلك، وتقول: «داخل الحزب الاشتراكي هناك العديد من الذين يقفون ضد الفاشية ويخرجون معنا إلى الشوارع أيضاً. لكن في السياسة إذا أخذنا التحالف الكبير في البرلمان كجبهة واحدة، عندما يقوم الحزب البديل بالصراخ داخل البرلمان ويطالب بترحيل اللاجئين وتشديد قوانين اللجوء، نرى أن الحزب المسيحي وشقيقه البافاري ومعهما الاشتراكي تقوم بإصدار القوانين الحادة تجاه اللاجئين». وتضيف: «هذا ما يهيّئ الطريق للحزب البديل وبالتالي يصبح أقوى».
وتتحدث كذلك عن دور «متراخٍ» للشرطة في التعاطي مع جرائم اليمين المتطرف، ما يقويهم كذلك. وتشير إلى حادث حرق سيارة كوشاك وعِلم الشرطة بالتهديدات المسبقة له، وتقول: «السلطات قللت من شأن التهديدات، وبالتالي لم يتم التحقيق فيها بالشكل المطلوب، الأمر الذي يجعل ملاحقة المذنبين غير ممكنة».
رغم كل ذلك، ما زال اليمين المتطرف في برلين غير منظم، كما حدث في كيمنتس مثلاً عندما خرج المئات من النازيين الجدد يطاردون لاجئين بعد قتل لاجئ عراقي شاباً ألمانياً العام الماضي.
ولكن المخاوف الحقيقية من أن يؤدي التراخي السياسي والأمني مع اليمين المتطرف إلى دفعه للتنظيم أكثر والتحول إلى خلايا تقتل وتلاحق اللاجئين كما حصل في الماضي.
تتذكر كلاوديا تصريحات لأحد المسؤولين في حزب «البديل لألمانيا» بيورن هوكه، أطلقها قبل نحو أسبوعين من حرق سيارتها. قال حينها إن على «سياسة التاريخ في ألمانيا أن تدار 180 درجة»، في إشارة إلى تدريس المحرقة في المدراس و«عقدة الذنب» التي يحملها الألمان معهم بسبب الهولوكست. تقول كلاوديا: «كلامه يعني أنه يريد العودة لعهد يحبه النازيون عندما كانت ألمانيا (قوية) والأجانب كانوا تحت المراقبة أو تتم تصفيتهم».



العصابات المسلحة في غزة... من سرقة المساعدات إلى «بديل» لـ «حماس»

ياسر أبو شباب (متداولة)
ياسر أبو شباب (متداولة)
TT

العصابات المسلحة في غزة... من سرقة المساعدات إلى «بديل» لـ «حماس»

ياسر أبو شباب (متداولة)
ياسر أبو شباب (متداولة)

لم تكن لحركة «حماس» أو أي فلسطيني أن يتخيل للحظة واحدة، أن تفرز الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي بدأت بهجوم الحركة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، هيكلاً مسلحاً يمكن أن يشكل تحدياً وهوساً أمنياً بالنسبة لسكان القطاع بشكل عام، وللأجنحة المسلحة التابعة للفصائل التي تنشط في غزة بشكل خاص.

هذا الهيكل المسلح تمثل في ظهور ما بات يعرف بـ«العصابات المسلحة»، التي تطلق على نفسها مسميات عديدة، منها «الجيش الشعبي» أو «قوات مكافحة الإرهاب»، وغيرها من الأسماء التي تبنتها من خلال توسع حضورها ووجودها ميدانياً، في وقت تسعى حركة «حماس» وفصائل مسلحة للعمل على محاربتها بطرق مختلفة.

ياسر أبو شباب (وسائل التواصل)

النشأة وصعود «أبو شباب»

كان أول ظهور لتلك العصابات المسلحة، ما بين يونيو (حزيران)، ويوليو (تموز) 2024، ببدء سرقة بعض المساعدات من قبل أشخاص وصفوا حينها بـ«المجهولين»، وذلك في المناطق الواقعة بين شرق مدينتي خان يونس ورفح جنوب قطاع غزة، وتحديداً قرب معبر كرم أبو سالم.

ومع تكرار الحدث عدة مرات، بدأ بعد أسابيع يبرز اسم ياسر أبو شباب قائداً لمجموعة من عشرات الأشخاص يقدمون على تلك السرقات.

لم تمض أيام كثيرة حتى لمع اسم أبو شباب، وباتت تظهر لقطات مصورة عبر شبكات التواصل الاجتماعي أن بعضهم يحمل سلاحاً رغم أن القوات الإسرائيلية لا تبعد سوى مئات الأمتار عن مواقع تمركزهم في مناطق خطرة شرق خان يونس ورفح، وكانت الأخيرة تتعرض في ذلك الوقت لعملية برية إسرائيلية.

ومع حاجة السكان للمساعدات وكثرة سرقتها بتوقيف الشاحنات والاستيلاء على محتوياتها، وبيعها في السوق السوداء من قبل عصابة أبو شباب، حاولت «حماس» توجيه ضربة أمنية له ولعناصر عصابته، تحديداً في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، فهاجمت المنطقة التي كانوا يوجدون فيها، ما أدى لمقتل وإصابة نحو 20 منهم، فيما أطلق صاروخ مضاد باتجاه مركبة كان يعتقد أن أبو شباب على متنها، ليتبين أن شقيقه من كان فيها ما أدى لمقتله.

كان ذلك الهجوم نقطة تحول في تاريخ ياسر أبو شباب، الذي كان معتقلاً لدى أجهزة أمن «حماس» على خلفية قضايا جنائية قبل أن يفرج عنه بداية الحرب، ليصبح شخصاً ذا صيت ويشكل فعلياً أول عصابة مسلحة بعد تلك الحادثة التي فر منها إلى مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي.

مسلحون من الفصائل الفلسطينية يسيّرون قوافل مساعدات في غزة يوم 17 يناير 2024 (رويترز)

دعم إسرائيلي وتعاون

يقول مصدر ميداني تحدث لـ«الشرق الأوسط»، إنه بعد أسابيع قليلة، زود الجيش الإسرائيلي أبو شباب ومن كانوا معه وعددهم نحو 30 أو أكثر قليلاً، بأسلحة استولى عليها من داخل قطاع غزة، وهي عبارة عن كلاشنيكوف، مشيراً إلى أنه في فترة قصيرة لاحقة بدأ أبو شباب وعصابته في استقطاب مزيد من الشبان لتجنيدهم حتى بلغ عددهم لفترة ما نحو 100 مسلح.

وأشار المصدر إلى أنه لم تكن هناك أي عصابات مسلحة أخرى سوى أبو شباب، الذي تحول لاحقاً إلى تنفيذ عمليات أمنية لصالح الجيش الإسرائيلي بالسيطرة على طرق دخول المساعدات وتفتيشها وأحياناً السيطرة على بعضها.

وكان أبو شباب والعناصر المرافقة له يظهرون وهم يرتدون زياً عسكرياً عليه علم فلسطين، ويؤدون التحية العسكرية لكل موكب من الوفود التي تمر عن طريقهم.

وخلال تلك الفترة، تحديداً بين مارس (آذار) ومايو (أيار) 2025، كان كثيراً ما يظهر أبو شباب وعناصره وهم ينظمون دخول الشاحنات ومرور المركبات التي تقل وفوداً أجنبية تدخل إلى عمق مناطق القطاع، وظهر بجانبه في تلك المقاطع التي بثت عبر شبكات التواصل الاجتماعي، غسان الدهيني، الذي عرف حينها أنه نائبه، إلى جانب آخرين من قبيلة الترابين التي تعد عائلة أبو شباب جزءاً منها، وكانت أعلنت بدورها تبرؤها منه بداية سرقته المساعدات.

فلسطينيون يتسلّقون شاحنة مساعدات للحصول على حصص غذائية (إ.ب.أ)

قتال «حماس» - أبو شباب

تقول مصادر عدة منها من «حماس» وأخرى من قبيلة الترابين يعرفون أبو شباب شخصياً، إنه لم يكن يعرف الكتابة جيداً، ومن كان يدير صفحاته على شبكات التواصل الاجتماعي أشخاص آخرون، وقد يكون طاقماً إعلاميّاً من خارج القطاع هو من يديرها، وهو ما أقر به لاحقاً أبو شباب في منشور نشره في تلك الفترة على صفحته الشخصية، التي كان يستغلها باستمرار لمهاجمة «حماس» التي اتهمها حينها بأنها تعمل على «تشويه صورة رموز الشرعية»، وفق وصفه، في إشارة لنفسه، داعياً الشبان في غزة للانضمام لقواته، وهو أمر استغلته «حماس» لقتل العديد منهم أثناء محاولتهم الوصول إلى مناطق سيطرته.

ووفقاً لبعض المصادر، فإن أبو شباب لم تكن تربطه بإسرائيل أي ارتباطات رسمية مثل العمل كمتخابر، لكنه يعمل وفق أجندة ومصالح إسرائيلية وبحماية منها، وهو ما ظهر من خلال ما كان يجري على واقع الأرض، فيما «حماس» كانت باستمرار تتهمه بـ«العمالة» و«الخيانة» لصالح إسرائيل، وأنها تستخدمه بهدف تشجيع الفلتان الأمني وسرقة المساعدات.

أطفال نازحون في غزّة ينتظرون توزيع المساعدات ووجبات غذائية من إحدى الجمعيات قرب مخيم النصيرات في أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وظهر عناصر أبو شباب أكثر من مرة وهم يعملون تحت حماية الجيش الإسرائيلي داخل رفح وغيرها لتطهير المناطق من العبوات الناسفة وكشف الأنفاق، ما أدى لمقتل وإصابة بعضهم في حوادث وقعت خلال كمائن نصبت في تلك الأنفاق أو أماكن أخرى، كما أنهم شاركوا في ملاحقة عناصر «كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، بعد خروجهم من أنفاق رفح خلال الأشهر الأخيرة، خصوصاً بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

في سبتمبر (أيلول) 2025، وبعد أقل من شهر على ظهور عصابة جديدة يقودها ضابط الأمن الفلسطيني السابق حسام الأسطل، تحديداً في مناطق جنوب خان يونس، خرج أبو شباب ببيان ينفي علاقته بالأخير، أو أن يكون بينهم تواصل، في خطوة وصفت حينها بأنها أول خلافات تعصف بعناصر مسلحة مناوئة لـ«حماس».

وفي الرابع من ديسمبر (كانون الأول) 2025، أعلن بشكل مفاجئ عن مقتل ياسر أبو شباب في ظروف كانت بدايتها غامضة، ليتبين لاحقاً أنه قتل على يد شخصين كانا على خلاف عائلي وحاول هو التدخل لفضه، فقتل برصاص برفقة اثنين من عناصره، بالإضافة إلى أولئك الشخصين. فأعلن عن تولي غسان الدهيني، نائبه السابق، زعامة أول عصابة مسلحة في القطاع.

انتشار العصابات... والاغتيالات

تدريجياً، بدأت تظهر عدة عصابات داخل قطاع غزة، بعضها قبل مقتل أبو شباب، كما عصابة الأسطل في جنوب خان يونس، وعصابة رامي حلس شرق مدينة غزة، فيما ظهرت أخرى مثل عصابة شوقي أبو نصيرة شرق المنطقة الوسطى وشمال خان يونس، إلى جانب عصابة أشرف المنسي في جباليا وبيت لاهيا شمال قطاع غزة.

وعلى رغم «حداثة» بعضها، لكنها أثبتت قدرتها على أن تشكل تحدياً أكبر بالنسبة لحركة «حماس»، خاصةً بعد نجاحها في تنفيذ مهام أمنية خطيرة مثل عمليات الاغتيال. وكان النصيب الأكبر لعصابة شوقي أبو نصيرة، وهو ضابط أمن فلسطيني سابق، وأطلق على عصابته مسمى «قوات الوطن الحر»، التي نفذت عملية اغتيال واحدة ناجحة طالت الضابط في جهاز الأمن الداخلي لحكومة «حماس»، أحمد زمزم، في مخيم المغازي، وسط قطاع غزة، وذلك في منتصف ديسمبر 2025، ثم تبعه تنفيذ مهام أمنية أخرى لمحاولة اغتيال ضباط ونشطاء من حكومة «حماس» و «القسام»، أدت بعضها لإصابة العناصر المستهدفة وأخرى فشلت وتم اعتقال الذين حاولوا تنفيذها.

الفلسطيني ياسر أبو شباب الذي قاد ميليشيا مسلحة في غزة تناوئ «حماس» (صورة نشرتها «يديعوت أحرونوت»)

واغتالت عصابة الأسطل في يناير 2026، محمود الأسطل مدير جهاز المباحث في شرطة حكومة «حماس» بخان يونس، وأحد القادة الميدانيين في «كتائب القسام»، لتكون ثاني عملية في غضون شهر، الأمر الذي دق جرس إنذار جديداً لدى الفصائل الفلسطينية والحكومة التي تدير جزءاً من القطاع في وقت تحتل فيه إسرائيل أكثر من 53 في المائة منه.

وقال مصدر أمني من حكومة «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، إن الأسطل وأبو نصيرة، باعتبارهما ضابطين سابقين في السلطة الفلسطينية، هما على علاقة ببعضهما البعض، وكان أبو نصيرة يعمل مع الأسطل لفترة قصيرة قبل أن يشكل مجموعات لوحده بدعم من الأخير.

وأشار إلى أن الأسطل كان فعلياً من العناصر التي عملت لفترة أيضاً مع مجموعة أبو شباب، لافتاً إلى أن هناك تواصلاً اعتياديّاً لكنه غير منظم بين جميع العصابات، كما أن هناك حالة من التنافس بينها، إذ يسعى كل زعيم إلى إظهار ولاء أكبر لإسرائيل.

وفعلياً تراجع دور عصابة أبو شباب، ولم تعد ذات تأثير فعلي أو كبير، خصوصاً بعد اغتياله، ولم تكن لها نشاطات جديدة أو مناوشات كما فعلت سابقاً، خصوصاً بعد وقف إطلاق النار. وبقي دور عصابتي حلس والمنسي شرق مدينة غزة، وشمال القطاع على التوالي، محدوداً نسبياً على رغم تورط عصابة حلس بقتل العديد من الغزيين واختطاف آخرين وإجبار سكان على النزوح من بعض المناطق الواقعة غرب الخط الأصفر. لكن تلك العمليات لم تكن ذات تأثير حقيقي ولم تستهدف نشطاء «حماس» مباشرة كما هو الحال من قبل عصابتي الأسطل وأبو نصيرة.

فقد نجحت عصابة أبو نصيرة، أحدث عصابات القطاع، في استدراج عناصر من «كتائب القسام» إلى مدرسة في مخيم المغازي، في السادس من أبريل (نيسان) الحالي، لمحاولة اختطافهم وذلك عبر عميل مزدوج. إلا أن يقظة عناصر «القسام» منعت اختطافهم ودارت اشتباكات تدخلت فيها القوات الإسرائيلية التي أطلقت مسيراتها عدة صواريخ وسط قصف مدفعي لحماية أفراد العصابة، فقتل 8 من عناصر «القسام» ومدنيون آخرون، بينما ظهر أبو نصيرة برفقة عناصر عصابته وبحوزتهم أسلحة استولوا عليها في الاشتباكات.

وفي العشرين من الشهر الحالي، عملت العصابات المسلحة جميعها على تنسيق خطوة تتعلق بوصولها لمناطق تقع على أطراف سيطرة «حماس»، فيما تقدم بعضها فعلياً إلى جزء بسيط من تلك المناطق، وقامت بتوزيع الدخان وأموال ودواجن وغيرها على السكان، الأمر الذي أدى في خان يونس لوقوع عصابة الأسطل في كمين وإطلاق صاروخ مضاد على مركبة تتبع لهم وتعرضهم لإطلاق نار مباشر ما أظهر مقتل وإصابة بعضهم كما تبين في مقاطع فيديو.

مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

«حماس» بالمرصاد

خلال تلك الفترات، لم تتوقف حركة «حماس» وأجهزتها الأمنية الحكومية أو العسكرية التابعة لـ«كتائب القسام»، وبمشاركة فصائل فلسطينية أخرى، عن توجيه ضربات للعصابات من خلال ملاحقة عناصرها وتنفيذ كمائن لهم وحتى توجيه مجموعات لمهاجمة أماكن يتمركزون فيها على أطراف الخط الأصفر أو لداخله في بعض الأحيان.

وكشفت مصادر من «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، أخيراً، أن تلك العصابات تمتلك أسلحة مزودة بكواتم صوت، وصواريخ مضادة، وأسلحة قنص إلى جانب أنهم يتلقون تدريبات على استخدام الطائرات المسيرة الصغيرة المسماة «كواد كابتر» بهدف استهداف نشطاء الفصائل.

وقال مصدر أمني من «حماس»، إن سلسلة عمليات نفذت أخيراً أدت لقتل وإصابة واعتقال العديد من عناصر العصابات، وكشف المصدر عن عمليات جرت داخل عمق سيطرة الحركة من خلال نصب كمائن لعناصر حاولوا زيارة أهاليهم وتم اعتقالهم، كما تم العثور في شقق سكنية على أسلحة وأجهزة تجسس إسرائيلية تعود لعناصر آخرين.

وأكد المصدر أن جميع الأسلحة إسرائيلية المصدر، أو أن إسرائيل زودتهم بها بعد استيلائها عليها خلال عملياتها داخل القطاع، فيما بعضها الآخر تم تجميعه من عمليات العصابات في القطاع.

ولفت المصدر إلى أنه تم إحباط سلسلة عمليات خطرة، منها محاولة لإحراق خيام النازحين في مستشفى «شهداء الأقصى» وبعض أقسامه، لكن تم ضبط بعض المتعاونين أثناء قيامهم بمهام تجسسية من خلال تصوير المرضى والجرحى والطواقم الطبية.

فتى فلسطيني يفحص موقع غارة إسرائيلية استهدفت عناصر من جهاز الشرطة التابع لحركة «حماس» وسط غزة مارس الماضي (رويترز)

إغراءات التجنيد

تعمد العصابات على تجنيد فئات معينة من الشبان داخل قطاع غزة، ومن بينهم بعض من يرون أن «حماس» اضطهدتهم بالاعتقال والتعذيب، فيما تشير الوقائع إلى أن غالبيتهم لا تملك فرص عمل ولا مستقبلاً واضحاً، ومنهم من يذهب بهدف الحصول على الدخان أو الحبوب المخدرة والسلع.

وقالت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط»، إن تلك العصابات تستغل الحاجة المادية والظروف الاقتصادية الصعبة لبعض الشبان لإغرائهم بالمال والدخان وغيره، مشيرةً إلى أن بعضهم كان يرزح تحت وطأة ديون طائلة في مناطق معينة، فهربوا إلى مناطق العصابات وتجندوا فيها تهرباً من الإيفاء بالأموال للمدنيين.

وإذ تحارب حركة «حماس» تلك العصابات وأفرادها، فإنها أيضاً نجحت مؤخراً بالتنسيق مع عشائر وعوائل بعض الشبان الذين قرروا ترك العصابات والعودة إلى ذويهم، في استقبالهم والتحقيق معهم ثم تركهم ومحاولة دمجهم في المجتمع من جديد.

بديل عن «حماس»؟

في ظل التحديات الأمنية، وتمكن تلك العصابات المسلحة من إدخال مؤن وسلع إلى قطاع غزة، بدأت تروّج لنفسها على أنها بديل لحكم حركة «حماس». ولا يتردد قادتها في الحديث باستمرار خلال مقابلات مع وسائل إعلام إسرائيلية وأجنبية، وحتى في مقاطع فيديو تبث عبر صفحاتهم على شبكات التواصل الاجتماعي بالتأكيد على أنهم البديل الفعلي لها.

وتحاول إسرائيل من خلال السماح لوسائل إعلامها بإجراء مقابلات مع زعماء تلك العصابات المسلحة، تلميع صورتهم، والترويج على أنهم عملياً بديل لـ«حماس» والسلطة الفلسطينية معاً، التي يصر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أنه لن يسمح لها بحكم القطاع.

نساء فلسطينيات يخبزن في فرن على الحطب بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

لكن رغم حالة الضعف التراكمي التي خلقتها الحرب لحركة «حماس»، وفقدان الكثير من قياداتها، فإنها ما زالت متماسكة إلى حد بعيد.

وخلال المفاوضات الأخيرة في القاهرة، أُدرج تفكيك العصابات شرطاً أساسيّاً، لكن إسرائيل ردت بأن هذا شأن فلسطيني داخلي ولا علاقة لها بها، كما كشفت حينه «الشرق الأوسط» عبر عدة مصادر.

ولكن فعلياً كانت إسرائيل وحتى نتنياهو، يؤكد أنه يتم تقديم دعم لمجموعات مسلحة بغزة مناهضة لحركة «حماس»، وهو أول اعتراف علني ظهر في يونيو (حزيران) الماضي، مشيراً إلى أن الهدف من ذلك إيجاد بدائل لإدارة قطاع غزة في المستقبل. فحكومة نتنياهو تحاول استخدام ورقة إعادة الإعمار في مناطق سيطرة العصابات لنقل سكان القطاع اليها ووضعهم تحت سلطتها. لكن الأمور لن تكون بهذه البساطة المرجوة إسرائيلياً، خصوصاً أن من يقود تلك العصابات ليسوا أشخاصاً مؤهلين سياسياً وأمنياً، وغالبية سكان القطاع ينبذونهم، كما وقد يتحولون لمشكلة أمنية بالنسبة لإسرائيل نفسها.


واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
TT

واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)

بالتزامن مع مسار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن برعاية أميركية، شهد الكونغرس تحركاً مختلفاً من نوعه؛ إذ صعّد من الضغوطات على الجيش اللبناني لتنفيذ وعوده بنزع سلاح «حزب الله» تحت طائلة تجميد المساعدات الأميركية المقدمة للجيش، والتي يوافق عليها المجلس التشريعي سنوياً.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر خاصة رفيعة المستوى داخل الكونغرس، أن الحزب الجمهوري «سئم من سماع وعود صادرة عن الجيش اللبناني بنزع سلاح (حزب الله) من دون القيام بالمجهود لتحقيق ذلك».

وتابعت المصادر، التي رفضت الكشف عن اسمها لعدم التأثير على المداولات الداخلية الجارية في الكونغرس، بالقول: «حان الوقت الآن للقيام بعملٍ جاد. وعلى الجيش اللبناني أن يبرهن على جديته».

وذكّرت المصادر بأن تمويل الجيش الذي يقره الكونغرس يصرف من أموال دافع الضرائب الأميركي، مؤكدة أنه وفي ظل تزايد التدقيق في كيفية إنفاق أموال دافعي الضرائب الأميركيين في عهد ترمب، يريد المشرعون التأكد من أن «كل دولار يُصرف يجب أن يخصص لغايةٍ مجدية».

ترمب خلال خطاب «حالة الاتحاد» في الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ضغوطات متزايدة على الجيش

جاء ذلك بعدما كانت مواقف مشابهة صدرت على لسان شخصيتين نافدتين في مجلس الشيوخ، هما رئيس لجنة القوات المسلحة، الجمهوري روجر ويكر، الذي قال في منشور على منصة (إكس): «على الكونغرس ألا يدعم الجيش اللبناني ما لم يتحرّك لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل وعلى الفور».

واعتبر ويكر أن «مقتل عنصرٍ فرنسي على يد (حزب الله) في جنوب لبنان بعد أيام من موافقة إسرائيل على وقف إطلاق النار، يشكل اختباراً حاسماً للجيش اللبناني»

وبعد يوم من تصريح ويكر، انضم إليه رئيس لجنة العلاقات الخارجية الجمهوري جيم ريش الذي قال: «لقد آن الأوان كي يتخذ الجيش اللبناني خطوات ملموسة لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل». ولم يتوقف ريش عند هذا الحد بل تطرق إلى ملف الإصلاحات، مطالباً الحكومة اللبنانية بالإيفاء بوعودها «المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي». وختم بلهجة حاسمة: «لقد انتهى عهد التراخي وخطط الإنقاذ غير المشروط». كلمات واضحة وقاسية، تدل على نفاد صبر المشرعين من الوعود التي قطعتها الدولة اللبنانية بنزع سلاح «حزب الله» من جهة، وفرض إصلاحات اقتصادية من جهة أخرى.

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يتفقّد موقع تفجير منشأة لـ«حزب الله» في الجنوب (أرشيفية - مديرية التوجيه)

موقف قائد الجيش

إلى ذلك، تتزايد الشكوك في واشنطن حول أداء قائد الجيش رودولف هيكل في ملف نزع سلاح الحزب. وفيما تتحفظ غالبية المسؤولين الأميركيين عن الدعوة لإقالته علناً، حرصاً على عدم التدخل في الشؤون الداخلية، فإن السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام ليس من هؤلاء المتحفظين. فقد أعلنها بوضوح هذا الأسبوع في مقابلة مع «فوكس نيوز»؛ إذ قال: «لا أثق بالجيش اللبناني في نزع سلاح (حزب الله). يجب استبدال قائد الجيش الجنرال هيكل قبل أن تكون هناك خطة موثوقة لنزع سلاح الحزب».

وشدد غراهام على أن أي اتفاق سلام في لبنان لن يحصل «ما لم يكن هناك مسار موثوق لنزع سلاح الحزب». وكان هيكل أثار بلبلة في أروقة الكونغرس خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن في فبراير (شباط) الماضي، بعد إلغاء زيارته الأولى إثر تصريحات مثيرة للجدل عن إسرائيل، ولقائه بغراهام. حينها خرج السيناتور الجمهوري المقرب من ترمب غاضباً بسبب رفض هيكل، على حد قوله، الاعتراف بأن «حزب الله» منظمة إرهابية. وقال غراهام: «التقيتُ للتو بشكلٍ مقتضب جداً بقائد الجيش اللبناني، الجنرال رودولف هيكل. سألته بشكلٍ مباشر ما إذا كان يعتبر (حزب الله) منظمة إرهابية. فأجاب: لا، ليس في السياق اللبناني. وعلى إثر ذلك، أنهيتُ الاجتماع».

وتابع غراهام بلهجة غاضبة: «ما دام هذا الموقف قائماً لدى الجيش اللبناني، فلا أعتقد أننا نملك شريكاً موثوقاً به». كلام يتردد وراء أبواب مغلقة في الكونغرس، حيث علمت «الشرق الأوسط» من بعض المشرعين، أن «ما يهم الآن هو نزع سلاح (حزب الله)».

الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل (رئاسة الجمهورية)

المفاوضات المباشرة «إيجابية»

فيما يحذر البعض من هذه الضغوط والدعوات لغياب بدائل للجيش اللبناني، تقول المصادر في الكونغرس لـ«الشرق الأوسط»: «صحيح أنه لا يوجد بديل رائع. لكن هذا لا يعني أنه ينبغي علينا الاستمرار في تقديم المساعدات بشكل أعمى». وتشدد المصادر على ضرورة وضع شروط قاسية للإفراج عن المساعدات.

وبتزامن هذه التحركات التشريعية مع المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، يراقب الكونغرس هذا المسار الإيجابي، على حد تعبير المشرعين الذين أعرب عدد منهم عن تأييدهم الشديد لما يسعى البيت الأبيض لتحقيقه من خلال هذا المسار. ويعترف أعضاء الكونغرس بأن الملف اللبناني معقد، لكن مع التشديد على أن المسار الذي اعتمدته الإدارات السابقة لم ينجح في تحقيق أهدافه، ومن هنا ضرورة النظر في تغيير النهج المعتمد سابقاً.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة افتتاح الجولة الأولى من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل (غيتي)

دور للقيادة المركزية

ومما يسترعي الاهتمام، أن إعلان الرئيس الأميركي عن عودة لبنان إلى أجندة الاستراتيجيات الأميركية ونيته «جعل لبنان عظيماً مجدداً»، ترافق مع تكليف وزير الخارجية ماركو روبيو ونائبه جي دي فانس وقائد القيادة الوسطى دان كاين بالعمل مع إسرائيل ولبنان معاً على «تحقيق سلام مستدام». ولعلّ أهم نقطة في هذا التصريح هي تكليف كاين، فيما اعتبره البعض دليلاً على أن القيادة العسكرية الأميركية سوف تكون منخرطة بشكل مختلف هذه المرة في دعم الجيش اللبناني.

وهذا ما تحدث عنه السفير الأميركي السابق إلى لبنان دايفيد هايل الذي قال إن «أحد الدروس التي تعلمتها أميركا من العام الماضي هو أن دور القيادة المركزية الأميركية في مجموعة المراقبة كان محدوداً؛ إذ كانت القوات تراقب فقط».

وأضاف، في ندوة عقدها معهد الشرق الأوسط في واشنطن وحضرتها «الشرق الأوسط»: «نحن بحاجة إلى ما هو أكثر من المراقبة، وهذا لا يعني أننا سنقوم بفرض السيادة اللبنانية، فهذا تناقض بحد ذاته. يجب أن يكون الجيش اللبناني هو الجهة المنفذة، لكن يمكننا أن نكون أكثر انخراطاً، ليس فقط من خلال التجهيز وتقديم المساعدات، بل أيضاً عبر تقديم المشورة وتوفير المعلومات الاستخباراتية بشكل أكثر نشاطاً». وأعطى هايل مثالاً على ذلك فقال: «لو كان هناك ضابط أميركي برتبة رائد أو نقيب داخل المكاتب، فإن أصدقاء لبنان داخل الجيش الذين لا ينتمون إلى ما يُعرف بـ(الدولة العميقة) سيشعرون بالتمكين، وسيشعرون بأن لديهم دعماً حقيقياً؛ لأن العلاقة على مستوى الأفراد بين الجيش الأميركي والجيش اللبناني ممتازة. وهذا النوع من الحضور يمكن أن يمنح اللبنانيين الثقة والدافع للقيام بمهامهم».

إصلاحات وعقوبات

ليست مسألة الجيش اللبناني القضية الوحيدة على رادار المشرعين الأميركيين؛ فضرورة فرض الإصلاحات الاقتصادية تتصدر المطالب في واشنطن، وهذا ما أشار إليه السيناتور ريش بوضوح عندما دعا الدولة اللبنانية إلى الإيفاء بوعودها المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي.

وعن ذلك فسرت المصادر خلفية التصريحات لـ«الشرق الأوسط»، فاعتبرت أن «فشل الدولة اللبنانية في إحراز تقدم فعلي في الإصلاحات المصرفية يخلق منفذاً كبيراً يسمح لـ(حزب الله) بالحفاظ على نفوذه»، وتشدد على ضرورة أن تمضي الدولة قدماً «في الإصلاحات التي لا يبدو أنهم مستعدون لتنفيذها». وتضيف: «نحن أمام حلقة مفرغة. وإذا كانت الطبقة السياسية اللبنانية غير مستعدة لتحمّل المسؤولية وترجمة أقوالها إلى أفعال، فلماذا نستمر في إنقاذها؟ أعتقد أنهم يعرفون تماماً ما المطلوب منهم، لكنهم ببساطة لا يبدون استعداداً للقيام به».

وعلمت «الشرق الأوسط» أن تركيز أعضاء الكونغرس البارزين ينصبّ على دور رئيس مجلس النواب نبيه بري، فهم يراقبون خطواته لمعرفة مدى تجاوبه مع المطالب الأميركية. وأكدت المصادر أن برّي «يدرك موقف الحكومة الأميركية»، مضيفة إن كان هناك الكثير من الحديث على مرّ السنوات عن فرض عقوبات على الذين يعرقلون الإصلاحات. لذلك، «لن نستغرب رؤية خطوات في هذا الاتجاه في حال عدم التجاوب».

جنود من الجيش اللبناني ينتشرون في موقع غارة جوية إسرائيلية في بيروت (أ.ب)

تمويل الجيش زمنياً

فيما تعمل لجان الكونغرس بشكل حثيث على تحديد أولويات التمويل في موازنات الدفاع، يعمل بعض المشرعين على تجسيد مواقفهم في تعديلات تتم إضافتها على مشاريع القوانين النهائية التي سيقرها المجلس التشريعي.

ومنذ عام 2006، قدّمت الولايات المتحدة أكثر من 2.5 مليار دولار من المساعدات العسكرية إلى الجيش اللبناني، بهدف تعزيز أمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، ودعم الجيش بوصفه مؤسسة تابعة للدولة. وتشمل المساعدات في عهد ترمب الثاني أكثر من 117 مليون دولار أُعلن عنها في يناير (كانون الثاني) 2025، تهدف إلى دعم الجيش اللبناني في الحفاظ على وقف إطلاق النار مع إسرائيل وتنفيذ قرار مجلس الأمن 1701.

كذلك وافقت الإدارة في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 على تقديم 230 مليون دولار لقوات الأمن اللبنانية، منها 190 مليون دولار للجيش اللبناني، و40 مليون دولار لقوى الأمن الداخلي. وذلك بعد حزمة أمنية منفصلة بقيمة 14.2 مليون دولار أعلنت عنها وزارة الحرب الأميركية في 10 سبتمبر (أيلول)، وشملت معدات تهدف إلى «تعزيز قدرات الجيش اللبناني على تفكيك مخازن الأسلحة والبنى التحتية العسكرية للجماعات غير الحكومية، بما في ذلك وكيل إيران الإرهابي (حزب الله)»، بحسب بيان صادر عن الوزارة.


«داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

TT

«داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب)
صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب)

انتقلت سوريا منذ مطلع العام الحالي من مرحلة الاضطرابات الداخلية، سواء في الشمال الشرقي أو مناطق الساحل والجنوب، إلى مرحلة هدوء نسبي ومحاولات فرض هيكلية أمنية وسياسية جديدة تجسدت ملامحها بشكل أساسي في الملف الأمني والاتفاق مع تنظيم «قسد». لكن هذه التحولات وضعتها أمام سباق غير معلن مع تنظيم «داعش» في أكثر من حاضنة اجتماعية وبقعة جغرافية على امتداد سوريا. فقد برز تنظيم «داعش» أخيراً كعامل عدم استقرار يسعى لاستعادة موطئ قدم له عبر استغلال حالة عدم السيطرة الأمنية بشكل كامل، كما أنه لا يزال يجد بيئة آيديولوجية وميدانية يسعى لاستغلالها عبر خطاب هجومي وعمليات أمنية مركزة زادت حدتها منذ منتصف فبراير (شباط) الماضي، وتراجعت إلى حد ما في الأسبوع الأول من مارس (آذار)، ثم عادت ونشطت أخيراً.

وتُعد منطقة الجزيرة السورية، الممتدة بين دير الزور والرقة والحسكة، الساحة الرئيسية لاختبار قدرات التنظيم في 2026. إن سيطرة دمشق على مناطق شرق الفرات، في نهاية يناير (كانون الثاني) عقب إعادة تموضع القوات الأميركية ثم انسحابها كلياً، وقبلها انسحاب قوات «قسد» إلى مناطق أخرى، خلقت واقعاً أمنياً جديداً يحاول التنظيم توظيفه لصالحه.

سيدة تعبر بمنطقة مدمرة وسط مدينة الرقة التي كانت تحت سلطة تنظيم «داعش» (أرشيفية- أ.ف.ب)

وأدى الانسحاب الأميركي أو إعادة التموضع في بعض القواعد بشرق سوريا في قاعدتي خراب الجير ورميلان إلى حالة من «الارتباك العملياتي» المؤقت في خطوط السيطرة.

وأشارت تقارير نُشرت في مجلة «النبأ» الأسبوعية الصادرة عن التنظيم، إلى تصعيد في الهجمات التي استهدفت نقاطاً وحواجز أمنية حكومية، حيث تنوعت بين العبوات الناسفة والهجمات المسلحة المباشرة. وكان التنظيم نفّذ نحو 22 هجوماً في مختلف مناطق سوريا خلال شهر مارس 2026 وحده، مستهدفاً مواقع عسكرية ومدنيين.

قدرة الوصول لأهداف نوعية

يُعد الهجوم على عناصر الفرقة 86 التابعة لوزارة الدفاع في دير الزور وعلى نقاط تمركز وتحصينات للفرقة بالقرب من منطقة البانوراما عند المدخل الجنوبي للمدينة، مؤشراً على قدرة التنظيم على الوصول إلى أهداف عسكرية نوعية في عمق مناطق السيطرة الحكومية أو مهاجمة البنية التحتية. فقد تحول التنظيم بالكامل إلى أسلوب حرب العصابات، حيث تعمل مجموعات صغيرة متنقلة في المناطق الصحراوية الممتدة، مستغلة الطبيعة الجغرافية التي لا تزال توفر ملاذاً آمناً نسبياً لعناصر وقيادات التنظيم رغم كثافة الغارات الأميركية على مواقع في تلك المناطق.

قطيع من الماشية أمام قافلة من الآليات العسكرية الأميركية التي المنسحبة من سوريا على طريق دمشق- عمّان في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ويمثل الخطاب الإعلامي لتنظيم «داعش» الذي بثته مؤسسة «الفرقان» لـ«أبو حذيفة الأنصاري»، يوم الخميس 5 فبراير 2026، محاولته لإعادة تعريف نفسه كقوة «مقاومة شرعية وحيدة» في مواجهة النظام السياسي الجديد. ومن خلال تصريحات الأنصاري وما نشرته مجلة «النبأ»، في العدد 531 الصادر يوم الخميس 12 فبراير، يظهر أن التنظيم انتقل من سياسة «الترقب والمراقبة» إلى «الهجوم الفكري الشامل» من خلال توظيف الخطاب الديني.

وكان المتحدث باسم التنظيم أعلن عن بدء «مرحلة جديدة من العمليات» تستهدف بشكل مباشر بنية الحكم في دمشق، ما يوحي بتحول التنظيم من حرب الدفاع عن الجيوب الصحراوية إلى حرب استنزاف في جغرافية المدن والمراكز السيادية. وركزت مجلة «النبأ» في أعدادها الأخيرة على مهاجمة حكومة دمشق الجديدة، واصفة إياها بأنها «نسخة محدثة من الردة»، مع تركيز خاص على شخص الرئيس السوري أحمد الشرع الذي لا تزال المجلة تعرّفه باسمه الحركي السابق أبو محمد الجولاني.

التشكيك في الكفاءة العسكرية

يرى التنظيم في تحول الشرع من قائد فصيل جهادي إلى رجل دولة في دمشق «الخيانة العظمى» للمشروع «الجهادي» العالمي. في محاولة لاستقطاب العناصر التي لا تزال تلتزم منهج «السلفية الجهادية» داخل «هيئة تحرير الشام» والفصائل الأخرى التي تشعر بالإحباط من سياسات الاحتواء والدمج في «الجيش السوري الجديد»، أو «التساهل» مع ضباط ومسؤولي النظام السابق المسؤولين عن انتهاكات طالت السوريين خلال فترة الحرب الداخلية، إلى جانب ما يتعلق بـ«المسوغات الشرعية» لانضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة.

عنصر أمن سوري يقف أمام قافلة من الآليات العسكرية الأميركية التي المنسحبة من سوريا على طريق دمشق- عمّان في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ومن خلال تكثيف عملياته أخيراً، ومنذ النصف الأول من فبراير ثم بدرجة أقل في أوائل مارس، يبدو أن التنظيم يسعى إلى «التشكيك في قدرة الحكومة على فرض الأمن والاستقرار؛ وتجاوز البعد العقائدي إلى التشكيك في الكفاءة العسكرية للقوات الحكومية الحديثة التشكيل»، محاولاً فرض رؤية جديدة تفيد بأن «وجود الشرع في الحكومة حاجة أميركية لاستمرار الحرب على التنظيم»، زاعماً أنه يمكن أن يكون بديلاً مقبولاً لا يساوم على القيم الإسلامية، مقابل مكاسب سياسية أو رفعه من لائحة التنظيمات الإرهابية أو السعي للاعتراف الدولي مقابل تنازلات في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية.

الرهان على التناقضات

يراهن التنظيم على «التناقضات الاجتماعية» التي قد تنتج عن عودة سلطة دمشق إلى مناطق كانت لسنوات تحت إدارة ذاتية أو نفوذ دولي كما كان الحال في شمال شرق سوريا تحت حكم «قسد»، وعموم الشمال السوري الذي خضع لسنوات لسيطرة فصائل الجيش الوطني الحليف لتركيا. ويستغل «داعش» المخاوف العشائرية من السياسات المركزية، محاولاً تقديم نفسه كـ«ملاذ» أو «حليف سري» ضد التجاوزات الأمنية المفترضة. كما أن انشغال الدولة السورية بتتبع «فلول النظام البائد» والميليشيات المعارضة في الساحل والسويداء يمنح التنظيم مساحة أكبر للحركة في الشرق. ورغم انحسار سيطرته الجغرافية، لا يزال «داعش» يمتلك القدرة على «البقاء» التي تعتمد على المرونة الهيكلية والقدرة على التجنيد رغم تراجع مستوياتها، إلى جانب أن التنظيم لا يزال يملك ما يكفي من القدرات المالية لإدامة زخم استمراريته.

عناصر من قوات الأمن السورية عند بوابة مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر من «داعش» شمال شرقي سوريا يوم 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وتتمثل نقاط قوة التنظيم في اللامركزية المطلقة حيث مُنحت للولايات الفرعية بعد انكفاء دور القيادة المركزية المتمثلة في اللجنة المفوضة وإدارة الولايات البعيدة بعد مقتل «خليفة» التنظيم الرابع أبو الحسين الحسيني الهاشمي، ما يسمح لها بالتجنيد والتنفيذ دون الحاجة لانتظار أوامر مركزية قد تتعرض للاعتراض الاستخباراتي. كذلك نجح التنظيم في إعادة إنشاء «مضافات مصغرة» وقواعد دعم في مناطق وعرة في صحراء حمص تعرض عدد منها لغارات أميركية خلال هذا العام؛ أبرزها سلسلة الغارات على جبل العمور شمال غرب تدمر أواخر يناير، ما يجعل تطهيرها بالكامل يتطلب جهداً عسكرياً يفوق قدرات الدوريات العادية.

وأعلنت الولايات المتحدة تنفيذ 10 غارات جوية بين 3 و12 فبراير، استهدفت أكثر من 30 هدفاً في أنحاء سوريا، كان لمحافظة حمص نصيب كبير منها، خاصة في بادية السخنة ومحيط حقول الغاز بريف حمص الشرقي، وهو ما يعيد طرح تساؤلات ومخاوف الآن بعد الانسحاب الأميركي الأخير.

التجنيد في المخيمات

يركز «داعش» حالياً على استقطاب «الجيل الجديد» من المراهقين والشباب الذين نشأوا في مخيمات النزوح أو في ظروف اقتصادية منهارة. يعتمد هذا التجنيد على استخدام منصات مشفرة وتطبيقات حديثة للوصول إلى الشباب بعيداً عن أعين الرقابة الأمنية. إضافة إلى استغلال الخطاب الطائفي والسياسي لتعزيز شعور المجتمعات «السنية» بالتهميش في ظل التوازنات الجديدة بدمشق.

في المقابل، يواجه التنظيم تحديات وجودية تتمثل في التنسيق العسكري غير المسبوق بين الحكومة السورية والتحالف الدولي. إن انضمام دمشق لجهود مكافحة الإرهاب الدولية قد حرم التنظيم من ميزة «اللعب على التناقضات» بين القوى الدولية. كما أن الجغرافيا الصحراوية لم تعد عامل دعم كما في السابق بسبب التطور الهائل في تقنيات الرصد الحراري والطائرات المسيّرة التي تتبعها القوات الحكومية والتحالف.

لكن التنظيم يراهن على فشل الحكومة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي أو نيل الاعتراف الشعبي الكامل في المناطق التي كانت تسيطر عليها فصائل أخرى. واجتماعياً، يحاول «داعش» العبث بالنسيج العشائري في دير الزور، مستغلاً حوادث مثل اعتقال قادة محليين مرتبطين بالنظام السابق أو النزاعات على الموارد النفطية في محافظة دير الزور لتعزيز حالة الفوضى التي تسمح له بالتمدد.

نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)

تغير ميزان «المبادرة الميدانية»

منذ حملة «التطهير الأمني» التي أعلنتها وزارة الداخلية السورية أواخر فبراير بالتنسيق مع وحدات من الجيش السوري، تغيّر ميزان المبادرة الميدانية بشكل ملحوظ. شملت الحملة عمليات تمشيط واسعة في ريف حماة الشرقي والبادية الوسطى، إضافة إلى مداهمات في محيط حلب والساحل السوري. خلال الأسبوع الأول من مارس، أعلنت الأجهزة الأمنية إحباط عملية كبرى كانت تستهدف مواقع عسكرية داخل مدينة حلب، وتفكيك ثلاث خلايا نائمة في مناطق الساحل وريف حمص. هذه الضربات أضعفت شبكة الدعم الداخلي للتنظيم وأربكت قنوات الاتصال بين مراكزه الميدانية والقيادات العليا.

ومع حلول منتصف مارس، بدأت تظهر مؤشرات «الانحسار العملياتي» بوضوح؛ إذ تراجعت الهجمات إلى مستويات لم تُسجّل منذ أواخر عام 2024. في تلك المرحلة، رصدت المصادر الميدانية انتقال بعض المجموعات الصغيرة نحو المناطق الريفية على أطراف الرقة ودير الزور، في محاولة لإعادة التموضع بعيداً عن الضغط الأمني المتصاعد. في المقابل، تكشف تقارير محلية عن لجوء عدد من عناصر التنظيم إلى طلب «تسويات» مع السلطات السورية تحت ضغط نقص التمويل وشح الموارد الغذائية والطبية داخل الجيوب المتبقية.

الأمن السوري يقتحم منزل أحد المتورطين في خلية «داعش» في قرية السفيرة شرق حلب (الداخلية السورية)

البحث عن «بيئة حاضنة»

ويشير الباحث زين العابدين العكيدي، وهو من أبناء مناطق شرق الفرات، إلى أن «(داعش) كان يستغل سابقاً تذمّر العشائر العربية من (قسد)، لكن اليوم المناطق التي بقيت تحت سيطرة (قسد) بعد الاتفاق الأخير هي مناطق كردية بالكامل تقريباً، وبالتالي لن تكون أرضية مناسبة لنشاط التنظيم»، وهو ما يفسر انتقاله للعمل في مواقع أخرى.

ويؤكد العكيدي أن هناك إقبالاً ملحوظاً على الانضمام إلى صفوف التنظيم، واصفاً ذلك بالأمر الخطير، رغم امتلاك الحكومة السورية خبرة سابقة في تتبع خلايا «داعش».

ويضيف أن «إقفال ملف مخيم الهول، الذي يضم عائلات التنظيم، إلى جانب سيطرة الحكومة على شرق الفرات، قد يعيق تأثير دعاية (داعش) في التحريض على قتال الدولة لتجنيد المتعاطفين معه».

لكنه يشدّد على أن وضع الجزيرة السورية «صعب جداً من الناحية الأمنية، مع صعوبة العيش، وسوء الخدمات، وانتشار تجارة المخدرات، وكلها هوامش يلعب عليها التنظيم».

ويكشف العكيدي أن جهات مقرّبة من «داعش» ذكرت أن إنهاء ملف مخيم الهول «مشروط بتوقف هجمات التنظيم ضد الحكومة السورية».

أما العقيد في الجيش السوري محمد العامر، فقال لـ«الشرق الأوسط» إن هناك «واجهات عشائرية» في شرق سوريا لديها صلات مع التنظيم، وعملت «كوسيط بين القوات السورية وبعض العناصر لإقناعهم بترك التنظيم بعد إخضاعهم لمراجعات فكرية».

وأوضح أن بعض هؤلاء وُضعوا في السجون، فيما يخضع آخرون للمراقبة، وقال: «نستخدم كل الطرق لإنهاء وجود (داعش) في سوريا، ولا سيما عبر العمل الأمني والاستخباراتي، وضرب خلايا التنظيم وتفكيكها».

قدرة إزعاج ورفع تكلفة الحكم

ويبدو أنه مهما بذلت السلطات من جهود فإن قدرة «داعش» على «إزعاج» دمشق، ولو بالحد الأدنى، ستظل قائمة. ولا يطمح التنظيم حالياً للسيطرة على الأرض كما في السابق، بقدر ما يطمح لجعل تكلفة الحكم باهظة سياسياً وأمنياً. وقد يكون التنظيم في واقعه غير قادر على فرض السيطرة على قرى أو مدن أو حتى الدخول في اشتباكات واسعة مع القوات الأمنية.

اعتقال عنصر من «داعش» من قوى الأمن في البوكمال شرق دير الزور (أرشيفية - الداخلية السورية)

واللافت أن الهجمات المحدودة التي نُفّذت خلال الأسبوع الأخير من مارس، جاءت أقرب إلى الأسلوب الدفاعي أكثر من الهجومي؛ إذ تميزت باستهداف دوريات صغيرة أو نقاط مهجورة في أطراف البادية، ما يعكس تراجع القدرة التنظيمية على التخطيط المتماسك. هذا التحول يشير إلى أن التنظيم بات يركّز على الحفاظ على الوجود الرمزي أكثر من السعي وراء مكاسب ميدانية ملموسة.

الاختباء وإعادة البناء

وحتى الخامس من أبريل (نيسان) الحالي، تشير المعطيات إلى أن التنظيم دخل في مرحلة «الكمون»، المتمثلة في الانسحاب الجزئي من خطوط المواجهة، وإعادة ترتيب القيادة وتقييم الخيارات المستقبلية. ويُحتمل أن تكون هذه المرحلة تمهيداً لسياسة يمكن تسميتها «الاختباء وإعادة البناء»، ويعتمدها التنظيم عادةً عقب خسائر كبيرة، كما في العراق عام 2007، ريثما يجد ثغرات جديدة في المنظومة الأمنية.

ويرى مراقبون أن استمرار تراجع المستوى المعيشي وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية والخدمات الأساسية، قد يعزز من إمكانية استغلال التنظيم هذا الواقع لمزيد من التجنيد في صفوفه. لكن نجاح حكومة دمشق في بناء «جيش وطني» موحد ودمج الفصائل وحصر السلاح بيد الدولة والسيطرة عليه قد يسحب البساط من تحت أقدام التنظيم، خاصة إذا ترافق ذلك مع استقرار معيشي في مناطق شرق الفرات والجزيرة. فلا شك أن تنظيم «داعش» فقد في 2026 «هالة التمكين» لكنه لم يفقد «إرادة القتال»، وليس هجومه على الرئيس السوري وحكومة دمشق إلا اعترافاً ضمنياً بخطر الدولة الجديدة على وجوده.

اختبار مزدوج

وفي المحصلة، يبدو أن الانخفاض النسبي في نشاط التنظيم لا يمكن تفسيره بعامل واحد فقط، بل هو نتاج تراكمي لجملة من المتغيرات الأمنية والميدانية والاقتصادية التي تقاطعت لترسم ملامح مرحلة جديدة من الصراع. فالحملة المكثفة التي شنتها القوى الأمنية السورية أحدثت خللاً أكيداً في بنية التنظيم الداخلية، وأجبرته على الانسحاب الجزئي من بعض مناطق نفوذه، لكن هذا الانسحاب لا يُقاس فقط بضعف القدرة الهجومية، بل أيضاً بظهور مؤشرات على إعادة الترتيب الداخلي، وتراجع الاعتماد على أسلوب الهجمات التقليدية المباشرة.

في المقابل، تشير بعض المؤشرات الميدانية إلى أن التنظيم لم يفقد تماماً قدرته على التكيّف؛ إذ لا تزال خلاياه الصغيرة نشطة في أطراف البادية ومناطق التماس بين دير الزور والرقة. مثل هذه المؤشرات قد توحي بأن المرحلة الحالية تمثل انتقالاً مؤقتاً يعيد من خلاله تقييم خياراته وتوجيه جهوده لإعادة بناء شبكاته الداخلية بعيداً عن الملاحقة المباشرة.

عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)

فالتجارب السابقة تُظهر أن «داعش» اعتاد استغلال فترات الانكماش لإعادة التموضع والاستفادة من أي اضطرابات أمنية أو سياسية، كما أن الظروف الإقليمية المحيطة قد تتيح له إعادة فتح خطوط الإمداد أو التواصل مع مجموعات فرعية تسهّل استعادة النشاط تدريجياً.

ضمن هذا الإطار، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة الأجهزة الأمنية السورية على الحفاظ على المكاسب الميدانية التي حققتها منذ فبراير الماضي، ومن جهة أخرى اختباراً لقدرة التنظيم نفسه على الصمود أمام الضغوط المتعددة التي يتعرض لها. فإمّا أن يواصل حالة الكمون ويتحول تدريجياً إلى كيان هامشي محدود التأثير، أو أن يُعيد الظهور بشكل متقطع عبر عمليات نوعية صغيرة تهدف لإعادة إثبات الحضور دون الدخول في مواجهة مفتوحة.

وفي كلتا الحالتين، تشير المعطيات الحالية إلى أن الأشهر القادمة ستشكّل مرحلة مفصلية في رسم طبيعة التهديد الأمني في شمال ووسط سوريا، بما يحدد ملامح المواجهة القادمة بين الدولة والتنظيم.