حضارات العالم... هل هي حقاً على وشك الغرق؟

أمين معلوف يدق ناقوس الخطر

أمين معلوف وغلاف كتابه
أمين معلوف وغلاف كتابه
TT

حضارات العالم... هل هي حقاً على وشك الغرق؟

أمين معلوف وغلاف كتابه
أمين معلوف وغلاف كتابه

كنا نتوقع من الكاتب الكبير أمين معلوف أن يرفع معنوياتنا ويعطينا جرعة تفاؤل في هذا الزمن العصيب فإذا به يزيدنا تشاؤماً على تشاؤم. كنا نتوقع منه أن يشد من أزرنا نحن سكان سوريا ولبنان والمشرق العرب (منطقته الأصلية العزيزة على قلبه) فإذا به يسد علينا كل النوافذ والأبواب ويقول لنا إننا سائرون نحو الهاوية. وقد ذكّرني ذلك بعبارة وردت في أواخر كتاب «الانحطاط» لميشيل أونفري: «قاربنا يغرق (المقصود قارب البشرية أو الحضارة الغربية على الأقل). ولم يبق لنا إلا أن نستسلم للأمور ونغرق معه بكل أناقة». فهل أصبح أمين معلوف من جماعة ميشيل أونفري يا ترى؟ أو من جماعة برنار هنري ليفي في كتابه «الإمبراطورية والملوك الخمسة»؟ (المقصود الإمبراطورية الغربية الأميركية العظمى، وملوك العرب والفرس والترك والصين وروسيا الذين يريدون أن ينهشوها ويحلّوا محلها). إذا كان الأمر كذلك فهذا يقلقني... ولكن المقلق أكثر هو قول كاتبنا اللبناني العربي الكبير بأن سفينة البشرية كلها سائرة نحو الغرق لا محالة تماماً كما حصل لسفينة «تيتانيك» الشهيرة عام 1912. هكذا تجدون أننا ما إن خرجنا من نظرية «صدام الحضارات» لصموئيل هانتنغتون حتى دخلنا في نظرية «غرق الحضارات» لأمين معلوف. سوف أركز نقدي على رأيه بمشكلة الأصولية التي تشغل العالم اليوم.
يعترف أمين معلوف بأن الأصولية الإخوانجية الداعشية هي المشكلة الأساسية ليس فقط للعالم العربي وإنما للبشرية كلها. بل ويصل به الأمر إلى حد القول بأن الظلمات عمّت العالم كله وغطّته عندما انطفأت أنوار لبنان والمشرق العربي. ولكن التفسير الذي يقدمه لظاهرة الأصولية الداعشية وغير الداعشية لا يرتفع إلى المستوى المطلوب. إنه تفسير صحافي، متسرع، أو سطحي أكثر من اللزوم. أحياناً وأنا أقرأه كان يُخيّل إليّ أني أقرأ لأحد المؤدلجين أو الحركيين السياسيين الذين لا يرون إلى أبعد من أنفهم. ولذا أقول: يلزمنا هيغل عربي أو كانط عربي يشرح لنا ماذا يحصل بالضبط، وفي العمق! وقد استنتجت بعد أن قرأت صفحاته عن الموضوع ما يلي: يمكن أن تكون كاتباً أدبياً كبيراً دون أن تكون مفكراً عميقاً. ليس كل الناس توكفيل أو ريمون آرون! الأدب شيء والفلسفة شيء آخر. فهو يعتقد أننا كنا نعيش عصر التنوير والتسامح أيام طفولته (وطفولتي أنا أيضاً لأنه يكبرني بعام واحد فقط مع الفارق في الطبقة الاجتماعية، فهو ينتمي إلى أعلى السلم في حين أنتمي أنا إلى أسفله). كنا نعيش العصر الذهبي إبان مصر الليبرالية حتى ظهور عبد الناصر، وإبان العهود اللبنانية المتعاقبة حتى انفجار الحرب الأهلية عام 1975. ولا ريب في أنه محق في ذلك عندما كان لبنان سويسرا الشرق. وعندما كانت بيروت مركز الثقافة والمثقفين ودور النشر والصحافة التعددية الحرة، إلخ. وعندما حلّت بيروت محل القاهرة كعاصمة للتنوير العربي. كل هذا صحيح. ولكنه أخطأ أو وقع في الأدلجة عندما استنتج أنه لم يكن للطائفية من وجود يُذكر آنذاك! فهو يقدم صورة وردية عن الواقع، إذ يقول ما معناه: كان الناس متعايشين آنذاك بكل وئام وسلام على الرغم من اختلافاتهم العرقية والدينية والمذهبية والطائفية. لقد أذهلني هذا الكلام بل وجعلني أخرج عن طوري. عندئذ عرفت أنه ليس مفكراً عميقاً أبداً. ولهذا السبب اعتبرت الكتاب سطحياً أكثر من اللزوم وأقلعت عن فكرة الكتابة عنه على الرغم من أني اشتريته بكل تلهف في اليوم التالي لصدوره وأنا أتوقع أني سأجد فيه الكشوفات الرائعة غير المسبوقة. كنت أتوقع أني سأجد فيه ضالّتي. ولكن خاب ظني! أقول ذلك على الرغم من أني من محبي أمين معلوف والمفتخرين به وبالمكانة المرموقة التي توصل إليها على المستوى الدولي. فقد رفع رأسنا نحن العرب وبخاصة السوريين واللبنانيين وعموم المشارقة. فهو العربي المشرقي الوحيد الذي وصل إلى الأكاديمية الفرنسية واحتل كرسي العالم الأنثربولوجي الشهير كلود ليفي ستروس. وقد قرأت له سابقاً عدة كتب واستمتعت بها كل الاستمتاع وبخاصة كتاب: أصول (عائلية). وهو عمل أدبي مكتوب بأسلوب رائع، جميل، أخّاذ، وأكاد أقول بوليسياً! وبالتالي فأمين معلوف فنان من الطراز الأول ولا يستهان به على الإطلاق. وإنها لَمتعة حقيقية أن تقرأ هذا الكتاب الجديد الذي يشبه المذكرات الشخصية ليس فقط له هو وإنما أيضاً للمنطقة كلها. ولكني أقول وأكرر القول: إنه ليس مفكراً كبيراً. وأنا أود فيما يخص تشخيصه للأزمة العميقة للعالم العربي والإسلامي كله أن أقول له ما يلي: لا ينبغي أن ننظر إلى المجتمع في قشرته الظاهرية السطحية يا أمين معلوف إذا ما أردنا أن نفهم ظاهرة كبرى كظاهرة الأصولية. وإنما ينبغي أن ننزل إلى الطبقات التحتية. ينبغي أن نحفر أركيولوجياً حتى نصل إلى أسفل طبقة، إلى أعمق نقطة. فهذه الظاهرة الأصولية الإخوانجية الداعشية خارجة من أعماق أعماقنا تماماً كالزلازل أو البراكين المتفجرة. ولهذا السبب كرّست لها كتاباً كاملاً بعنوان «العرب والبراكين التراثية». وبالتالي فإذا لم تكن الطائفية موجودة في عهد طفولتك وعصرك الذهبي الذي تحنّ إليه بكل حُرقة ولوعة، فهذا لا يعني أنها لم تكن كامنة في الأعماق أو نائمة تنتظر فقط الشرارة أو اللحظة المناسبة للانفجار. وهذا ما حصل لاحقاً بالفعل. وإذا كنت محظوظاً تنتمي إلى علية القوم والطبقة البورجوازية الثرية التي لا تشكل أكثر من عشرة في المائة، فهذا يعني أن بقية الشعب من فلاحين وعمال وموظفين وطبقات شعبية متواضعة كانت تشكّل تسعين في المائة. ولهذا السبب فشل العصر الليبرالي العربي الجميل ذو القاعدة الاجتماعية الصغيرة الضيقة. وحل محله العصر الاشتراكي الآيديولوجي على الطريقة الناصرية أو البعثية أو حتى الشيوعية الماركسية. ولكنّ ذلك لم يدم طويلاً. فبعد هزيمة 5 يونيو (حزيران) 1967 وموت زعيم القومية العربية جمال عبد الناصر عام 1970 حل محل الجميع التيار الجارف للإسلام السياسي والإخوان المسلمين. نقول ذلك على الرغم من أن هذا التيار الأخير أصبح مرشحاً بدوره للانحسار والزوال عما قريب...
ولكنّ هذا لا يكفي. وإنما ينبغي أن نضيف ما يلي: ينبغي العلم بأن الإسلام لم يمر بمرحلة الغربلة التنويرية الكبرى على عكس المسيحية في أوروبا. ولهذا السبب فإن الصيغة الأصولية التكفيرية المتحجرة للتدين لا تزال مهيمنة عليه. وسوف تظل مهيمنة ما دام تراثنا الإسلامي لم يخضع لمنهجية النقد التاريخي التي خضع لها التراث المسيحي والتي قاومها رجال الدين المسيحيون طيلة 300 سنة متواصلة (من أيام سبينوزا وريشار سيمون في القرن السابع عشر إلى وقت انعقاد المجمع الكنسي اللاهوتي التحريري الكبير المدعو بالفاتيكان الثاني عام 1962 - 1965). هذه أشياء ينبغي أن تقال لكي يفهم الناس ماذا يحصل بالضبط في مشرقنا العربي المنكوب بالويلات. الحروب المذهبية الكاثوليكية - البروتستانتية التي اكتسحت أوروبا بدءاً من القرن السادس عشر لا تختلف في شيء عن الحروب المذهبية السنية – الشيعية التي تكتسح مشرقنا العربي حالياً. الفرق الوحيد هو أن الأولى حصلت قبل ثلاثمائة أو أربعمائة سنة في حين أن الثانية تحصل تحت أعيننا في بدايات القرن الحادي والعشرين. وهي مسافة التفاوت التاريخي بين العرب والغرب، أو بين الإسلام - والمسيحية الأوروبية. كل هذا كنت أتوقع أن أجده في كتاب أمين معلوف. كل هذا يقوله جيل كيبل بل حتى لوك فيري على الرغم من أنه غير مختص بالدراسات العربية أو الإسلامية. ولكنه لا يخطر على بال أمين معلوف. هناك احتقانات تراثية متراكمة على مدار أكثر من ألف سنة متواصلة. وهي تنفجر في وجوهنا الآن كالقنابل الموقوتة. وأكاد أقول: حسناً تفعل! كل ما هو مكبوت ينبغي أن ينفجر ويشبع انفجاراً لكي يتنفس التاريخ الصعداء، لكي نتحرر من أنفسنا، من أثقالنا، من تراكماتنا، من طائفيتنا ومذهبيتنا. ثم لكي نتحرر بشكل خاص من مفهومنا القروسطي الإخوانجي الظلامي الداعشي القديم للدين والتدين. وهو مفهوم يسيطر على كل مناحي حياتنا من المهد إلى اللحد. كما أنه يسيطر على كل برامج التعليم العربية من المدرسة الابتدائية إلى الجامعات، ومن الجوامع إلى الفضائيات. كلنا غاطسون في ظلاميات القرون الوسطى وعقلية العصور الغابرة من أقصى العالم الإسلامي إلى أقصاه. وهنا تكمن المشكلة العالمية رقم واحد الآن. وسوف تهتز الأرض كلها قبل أن تنحلّ!
نحن ندفع الآن ثمن تصفية كل هذه الحسابات التاريخية دفعة واحدة. من هنا شراسة المرحلة الحالية وخطورتها. ولكن كل ذلك لا يخطر على بال أمين معلوف لحظة واحدة. ولهذا السبب أقول إنه ليس مفكراً عميقاً. «فسماء ملبدة بالغيوم السوداء لا يمكن أن تنجلي قبل هبوب الإعصار» كما يقول شكسبير. ولهذا السبب أقول إن اللحظة التي نعيشها الآن هي لحظة «تقدمية» في منظور فلسفة التاريخ وليست «تراجعية» على عكس ما توحي به المظاهر وعلى عكس ما يتصور معلوف. أقول ذلك على الرغم من فجائعيتها وكوارثها وضحاياها الذين يتساقطون بعشرات الآلاف وربما الملايين. فهذه هي الضريبة الكبرى التي ينبغي دفعها لكي يستيقظ العالم العربي يوماً ما ويخرج من ظلمات العصور الوسطى إلى أنوار العصور الحديثة.
أمامي الآن وأنا أدبّج هذه الكلمات كتب أخرى غير كتاب أمين معلوف. أمامي كتب مضادة له ولنظرته الكارثية والكابوسية للتاريخ. وقد وضعتها قصداً لكي أستضيء بها. فبضدها تتبيّن الأشياء. أمامي كتاب «الفوز المبين للأنوار» أو «الانتصار الكاسح للأنوار» لأستاذ الفلسفة وعلم النفس في جامعة هارفارد ستيفن بنكير. هذا الكتاب الذي هز الغرب هزاً أثلج صدري وأدخل الطمأنينة إلى قلبي. وهو يعد رداً مفحماً على جميع التيارات الأصولية والغوغائية والرجعية الكارهة للأنوار والحضارة الحديثة. ومنعاً لأي التباس أقول: أمين معلوف ليس من بينها أبداً. هذا شيء مفروغ منه. فهو يظل شعلة تنويرية عربية على الرغم من كل الأخطاء التي ارتكبها في تصوراته أو منظوراته لفلسفة التاريخ. إن أستاذ جامعة هارفارد ستيفن بنكير يبرهن بالدليل القاطع والإحصائيات الدقيقة على أن الأنوار نجحت في مهمتها وأسّست أعظم حضارة على وجه الأرض. كما يقول إننا نعيش الآن أجمل لحظات التاريخ بفضل انتصار الأنوار الفلسفية والعلمية والسياسية. فمعدل العمر تضاعف قياساً إلى الماضي من 40 سنة إلى 80 سنة، وتقدم الطب قضى على معظم الأوبئة التي كانت تكتسح البشرية اكتساحاً، والفقر المدقع نزل من 90%عام 1820 إلى 10% حالياً. وهذا أكبر تقدم حصل في التاريخ ولكن لا أحد يراه أو ينتبه إليه. والأمية تراجعت بنسبة هائلة حتى في مجتمعات العالم الثالث. فمثلاً في عام 1870 كانت نسبة التعليم في العالم العربي بمشرقه ومغربه (1%) فقط! والآن أصبحت ماذا؟ 75% مع تدرجات متفاوتة من بلد إلى آخر. لاحِظوا الفرق. وموت الأطفال في عمر الزنابق كان عام 1950: 33% والآن أصبح 5% فقط. وأما في أوروبا وأميركا الشمالية فقد نزل إلى الصفر عموماً. وكل ذلك بفضل تقدم الطب والمعالجات وانتشار العيادات الطبية والمستشفيات في كل مكان. ثم يقولون لك إن التنوير لا معنى له! وقِسْ على ذلك كثيراً... فهل هذه حضارة تغرق؟ وكل ذلك تحقق بفضل انتصار الأنوار التي ابتدأت في القرن الثامن عشر على يد فولتير وديدرو وكوندورسيه وكانط، إلخ... والمثل العليا للأنوار في رأي المؤلف تتمثل في ثلاث كلمات فقط: العقل، والعلم، والنزعة الإنسانية. فكل الدول التي اعتمدت العقل والعلم أداةً أساسية للتخطيط وتطوير المجتمع نجحت نجاحاً باهراً في تحقيق التنمية والسعادة لشعوبها.
للمزيد من الاطلاع على هذه الثورة التنويرية الكبرى التي غيّرت وجه العالم انظر الكتاب في ترجمته الفرنسية:
Steven Pinker: Le triomphe des Lumieres.Les Arenes.Paris.2018
ولكن من الأفضل بالطبع الاطلاع عليه في نسخته الأصلية الإنجليزية:
Steven Pinker: Enlightenment Now: The case for Reason ; Science,Humanism, and Progress.Viking.2018
لا أعتقد أن أمين معلوف يجهل كل هذه الفتوحات الفكرية. فهو مفكر مستنير وأديب كبير. نقول ذلك وبخاصة أن زميله في مجمع الخالدين (أو الأكاديمية الفرنسية) الفيلسوف العظيم ميشيل سير الذي غادرنا قبل يومين يمشي في هذا الاتجاه المتفائل بحركة التاريخ مثل ستيفن بنكير. فلماذا لم يتأثر به أمين معلوف؟ في الواقع إنه يذكره بشكل غير مباشر في الكتاب ويعترف بإنجازات الحداثة ولكنه مع ذلك يظل مصراً على فلسفة التاريخ السوداوية المتشائمة. وهذا شيء يحيّرني ولا أجد له جواباً. والشيء الذي يحيّرني أيضاً ولا أجد له جواباً هو أنه يقول أكثر من مرة على مدار الكتاب إنه يعيش أواخر عمره أو «مساء حياته» وهو لم يتجاوز السبعين بعد (من مواليد 1949). هذا في حين أن ميشيل سير رحل عن 88 سنة بالتمام والكمال. فلماذا يقول ذلك؟ هل هو مريض مثلاً؟ أقصد مرضاً خطيراً لا سمح الله. بصراحة لا أعرف. على أي حال فتحت تصرفه كل الطب الفرنسي وهو من أرقى أنواع الطب في العالم وأكثرها تقدماً. أما إدغار موران فقد بلغ الثامنة والتسعين وهو يرفض أن يعترف بأنه يعيش مساء حياته! ومؤخراً صرح بأن الموت قد يباغته في أي لحظة ولكنه ليس مهيئاً له بعد ولا مستعداً لاستقباله والترحيب به. وقد كدت أموت من الضحك عندما قرأت هذا التصريح. ولكني لا أملك إلا الإعجاب بمدى شجاعته وتفاؤله... والشيء العجيب الغريب هو أنه ألقى مؤخراً محاضرة عصماء أمام أساتذة جامعة مونبلييه وطلبتها وظل يناقشهم لمدة ساعتين دون توقف! وبالتالي فرجاءً، قليلاً من التفاؤل يا أمين معلوف! لا تزال أمامك إن شاء الله سنوات عديدة لكي تتحفنا بإبداعات جديدة نحن في أمسّ الحاجة إليها.


مقالات ذات صلة

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

كتب المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

ليست المفاوضات مهارة يتقنها المديرون التنفيذيون بينما يعقدون صفقاتهم فحسب، ولا هي ممارسة غامضة حكراً على الدبلوماسيين في أروقة الأمم المتحدة.

ندى حطيط
كتب وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

في عهد قائد مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وعضده الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء،

فيصل بن عبد الرحمن بن معمر
كتب باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

أنجز باحث سعودي دراسة علمية ضمّنها في كتاب صدر حديثاً عن تقنية بصمة الدماغ، في إطار يجمع بين علوم السمات الحيوية والعلوم العصبية المعرفية،

بدر الخريف (الرياض)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية
TT

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

ليست المفاوضات مهارة يتقنها المديرون التنفيذيون بينما يعقدون صفقاتهم فحسب، ولا هي ممارسة غامضة حكراً على الدبلوماسيين في أروقة الأمم المتحدة. إنها، في جوهرها، الفعل الإنساني الأقدم الذي رافق وجودنا على هذا الكوكب منذ اللحظة التي أدرك فيها أول كائنين من نوعنا أن البقاء يمكن تحققه بغير الصراع حتى الموت، عبر التفاوض على الموارد، والمساحات، والسلام.

تشتق كلمة مفاوضات باللغة الإنجليزية (Negotiation) من الجذر اللاتيني «Negare Otium»، التي تعني حرفياً «نفي الراحة» أو «حرمان النفس من الفراغ». وهذا التعريف اللغوي يختصر حكاية تاريخنا البشري: المفاوضات هي ضريبة العيش المشترك: عملية ذهنية شاقة تتطلب التخلي عن «الراحة» (التي قد تعني التمسك بالرأي أو الغريزة) للوصول إلى أرضية مشتركة.

لكن لماذا نتفاوض أصلاً؟ يجادل عالم الاجتماع جوناثان غودمان Jonathan Goodman في كتابه «منافسون خفيون Invisible Rivals: How We Evolved to Compete in a Cooperative World» بأننا لسنا «ملائكة» متعاونين بالفطرة، ولا «أشراراً» أنانيين بطبعنا. نحن ببساطة كائنات «تنتظر الفرصة». هذه «الفرصة» لاقتناص مكسبٍ دون تكلفة هي المحرك الخفي لكل صراعاتنا وتوافقاتنا. ومن هنا، فإن تاريخ المفاوضات هو في الحقيقة تاريخ محاولتنا المستمرة للسيطرة على هذه النزعة الانتهازية، والمقايضة تكون بذلك أول اختبار لترويض الغريزة.

في العصور السحيقة، لم يكن ثمة «مفاوض» محترف، بل بشر يطمحون للنجاة. حين بادل الإنسان الأول قطعة لحمٍ بحفنة من الحبوب، لم يكن يقوم بعملية اقتصادية فحسب، بل يُجري أول تجربة في «نظرية الألعاب» لحساب احتمالات الربح والخسارة. يرى روبرت أكسلرود Robert Axelrod في كتابه «تطور التعاون» (The Evolution of Cooperation)، أن تلك المبادلات الأولى كانت ضروريةً لإنشاء ما نسميه «المعاملة بالمثل». لقد تحتمّ على البشر إدراك أن التعاون هو الاستراتيجية الأكثر نجاحاً في الأمد الطويل، ليس بوصفنا «خيّرين بالفطرة»، بل لأن «الدماغ الاجتماعي» لدينا تطور ليقدّر: هل الطرف الآخر شريك يمكن الوثوق به، أم هو منافس خفي يترقب الفرصة للغدر بنا؟

ومع تطور المجتمعات، تحولت هذه المقايضات من التلقائية إلى هياكل مؤسسية (قوانين، عقود، أعراف). في بلاد ما بين النهرين ومصر القديمة، كانت العقود محاولة لتسييج «القيمة»؛ أي لمنع الأفراد من استغلال بعضهم البعض، ونقل المجتمع من منطق الغابة إلى قانون العقد.

تطور الأمر وصولاً إلى «صلح وستفاليا» في القرن السابع عشر، الذي وضع القواعد الأساسية للدبلوماسية الحديثة. منذئذ، أصبحت المفاوضات هي اللغة الوحيدة المعترف بها بين الدول، وغدا التنازل المتبادل هو الثمن الذي تدفعه الدول لتجنب الحروب الشاملة. إن تاريخ العالم هو فعلياً تاريخ للاتفاقات التي تم التوصل إليها، والحروب التي اندلعت حين فشلت هذه المفاوضات.

بيد أن هذه الهياكل ليست حصينة دائماً. فحين تنهار الثقة أو تتفاقم الطموحات بالربح، تنكشف هشاشة تلك القواعد، ويعلو صوت القوة فوق الحق. وعلى المسرح الجيوسياسي، تتخذ تمظهرات أكثر تعقيداً. خذ على سبيل المثال التوترات الأحدث بين الولايات المتحدة وإيران عندما لا تقتصر المفاوضات على الطاولة المستديرة في إسلام آباد؛ بل تتجاوزها لتشمل العقوبات الاقتصادية، والتحركات العسكرية، والرسائل المبطنة، والدبلوماسية الخلفية. وفي هذه البيئات، لا نلجأ فقط إلى العقلانية الاقتصادية، بل ندخل في متاهات علم النفس السياسي، حيث تُستخدم استراتيجيات قد تبدو غير منطقية لتحقيق مكاسب استراتيجية.

في خضم هذا الصراع الجيوسياسي، استعادت الصحف مصطلحاً تاريخياً مثيراً للجدل: «نظرية الرجل المجنون» (Madman Theory) في المفاوضات التي صاغها الحائز على جائزة نوبل توماس شيلينغ Thomas Schelling في كتابه «استراتيجية الصراع» (The Strategy of Conflict). وتقوم النظرية - التي اشتهرت في عهد الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون ومستشاره هنري كيسنجر خلال الحرب الباردة - على فكرة أن يقوم المفاوض بتبني سلوك يبدو «غير عقلاني» تجاه الخصم، لإقناعه بأن لديه استعداداً للذهاب إلى أقصى الحدود، حتى لو أدى ذلك إلى كارثة.

الهدف من هذا الجنون الموجه إخافة الخصم ليدفعه إلى التنازل طواعية دون الحاجة لخوض مواجهة مباشرة. ولكن في عالمنا المعاصر، ومع التداخل الكبير في شبكات المصالح العالمية، أصبحت هذه الاستراتيجية سلاحاً ذا حدين. فالمفاوضات اليوم تتطلب «بناء الثقة» أكثر من «بناء الرعب»، إذ إن التمادي في تكتيكات «الرجل المجنون» قد يؤدي إلى نتائج عكسية، فيفقد الأطراف القدرة على تقدير النوايا، ما يقود إلى سوء التقدير الذي لا تحمد عقباه. هل لا يزال هذا النهج صالحاً اليوم؟ ربما في التكتيكات قصيرة الأمد، لكنه بالتأكيد لا يبني استقراراً طويل الأمد.

وإذا كان أكسلرود يرى في المفاوضات أداة لتثبيت التعاون، فإن شيلينغ يرينا جانبها المظلم، حيث تُستخدم «الفرصة» (فرصة إخافة الآخر) لقلب الطاولة. هذا الانتقال من التعاون إلى الترهيب يعكس التحدي الدائم في عالمنا: كيف نحمي أنفسنا من «المنافس الخفي» الذي قد يستغل غياب القواعد لفرض إرادته؟

بسبب هذا التذبذب التاريخي بين التعاون والصدام، سعت مدارس الفكر الحديث لتقديم نهج بديل. الكتاب الأكثر تأثيراً في هذا المجال، «الوصول إلى نعم» (Getting to Yes) للباحثين في مشروع هارفارد للمفاوضات روجر فيشر وويليام أوري (Roger Fisher & William Ury)، أحدث قطيعة معرفية مع فكرة المفاوضات التنافسية. يدعو فيشر وزميله إلى «المفاوضات القائمة على المبادئ»، أي عزل المشاعر عن المشكلة، والبحث عن توسيع قالب الكعكة بدلاً من تناهش قطع منها. إن هذا النموذج هو في الحقيقة محاولة لتفكيك «المنافس الخفي» داخلنا، وتحويله من كائن يترصد الفرصة للغش، إلى شريك يدرك أن مصلحته الحقيقية تكمن في ازدهار شريكه.

اليوم، نقف أمام منعطف تاريخي يضع هذه المبادئ على المحك: الذكاء الاصطناعي. فهذا التطور الأحدث لا يغير أدواتنا التفاوضية فحسب، وإنما يعيد صياغة فضاء «الفرصة» نفسها. وإذا كان غودمان قد حذر من «المنافسين الخفيين» الذين يتربصون بفرص استغلال الآخر، فإن الخوارزميات اليوم توفر لهؤلاء المنافسين «غطاءً تقنياً» مثالياً.

ولذلك فإن التساؤل الآن ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيجعلنا أكثر عقلانية، إنما هل سيعزز من قدرتنا على «التلاعب الخفي»؟ إننا كنوع بشري نميل إلى تفويض المسؤولية الأخلاقية للآلة؛ فإذا «قرر» الذكاء الاصطناعي شروط العقد، من المسؤول حينها عن استغلال «الفرصة» لظلم الطرف الآخر؟ ولعل تحدي العقد القادم للمفاوضين سيتعلق بتصميم هياكل أخلاقية وقانونية تمنع الآلة من أن تصبح أداة مثالية للمنافس الخفي، وكيف نحافظ على «التعاطف الاستراتيجي» الذي هو جوهر المفاوضة البشرية، والذي لا تستطيع أي خوارزمية محاكاته.

من هذا المنطلق، لم يعد التفاوض التعاوني ترفاً أخلاقياً، بقدر ما هو استجابة تطورية لحقيقتنا ككائنات تعيش في بيئة مليئة بمنافسين يترقبون الفرصة. وعندما ننظر إلى الأزمات الكبرى اليوم من التغير المناخي إلى الانقسامات الجيوسياسية نجد أن الحلول الصفرية (أربحُ وتخسر) تعمق الأزمات وتطيل عمرها.

إن المفاوضات مسار حتمي سيفرض حضوره في تاريخ البشر، كفعلٍ تأسيسي يعيد تشكيل العلاقة بالآخر وبالذات في آنٍ واحد، ويفتح أفقاً للعبور من ماضٍ مديد حكمته غريزة اقتناص «الفرصة» بأي تكلفة، ذلك الماضي الذي تشكّل على إيقاع الغلبة، وتكرّست فيه القوة بوصفها امتلاكاً وإخضاعاً. وفي هذا العبور، تتجلّى القوة في صورةٍ أخرى: القدرة على التقاط ذلك الخيط الرفيع الذي تتقاطع عنده المصالح، وعلى الإصغاء إلى ما يكمن خلف الضجيج من إمكانات التلاقي العميق كأفقٍ أعلى للوجود الإنساني.

ومن هذا الفضاء، ينبثق الغد كثمرة وعيٍ يتجاوز وهم الانفصال ومنطق الفرصة، لتتبدّى حكمة التفاوض صيغةً لإعادة ترتيب العالم على أساس إدراك تشابكه البنيوي.


وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام
TT

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

في عهد قائد مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وعضده الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء، تشكَّل مسار جديد للثقافة في المملكة بوصفه جزءاً أصيلاً من مشروع الدولة؛ ليعيد تعريف موقع الثقافة داخل الدولة. ودخل ضمن صميم مشروع وطني يرسخ بناء الاقتصاد والمجتمع والهوية معاً؛ إذ حدَّدت «رؤية 2030» هذا المسار بوضوح، حين ربطت الثقافة بجودة الحياة، وبالاقتصاد، وبصناعة الصورة الدولية للمملكة. ومن هنا بدأ الانتقال من رعاية النشاط إلى بناء القطاع.

ضمن هذا الإطار؛ عَملَت وزارة الثقافة بقيادة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، فنجحت في تحول هذا الملف من الطرح العام إلى التنفيذ المنهجي؛ وتأسَّست هيئات متخصصة لكل قطاع، من المكتبات والأدب إلى الموسيقى إلى الأفلام إلى التراث. هذا التقسيم لم يكن تنظيمياً فقط؛ بل مهنياً. كل هيئة تحمل مساراً واضحاً، وتمتلك أدواتها، وتعمل وفق مؤشرات أداء. بهذه الخطوة، انتقلت الثقافة من خطاب جامع عام إلى قطاعات إنتاجية محددة.

تغيَّر السؤال فعلياً، ولم يعد: ماذا سنعرض؟ بل: ماذا سنبني؟ الفرق بين السؤالين هو الفرق بين حدثٍ ينتهي وأثرٍ يتراكم؛ لذلك ظهرت برامج التدريب، ومسارات الابتعاث الثقافي، وحاضنات الأعمال الإبداعية. دخلت الجامعات، وارتبطت بالسوق، وبدأت المهن الثقافية تتشكل كخيارات عمل مستقرة لا كهوايات مؤقتة.

لم تأتِ الإنجازات منفصلة؛ ولكن كسلسلة مترابطة: تأسيس البنية النظامية؛ إطلاق الاستراتيجيات القطاعية؛ تمكين المستثمرين؛ توسيع الشراكات الدولية؛ كل خطوة تبني على ما قبلها؛ ولعل هذا ما منح المشروع تماسكه.

في ملف الصناعات الثقافية؛ حدث التحول الأوضح: النشر، السينما، الأزياء، التصميم، والموسيقى تحولت إلى أنشطة اقتصادية لها سلاسل قيمة واضحة. صدرت تراخيص، ودخلت شركات، وبدأت السوق تتشكل. في قطاع الأفلام مثلاً، تضاعف الإنتاج المحلي خلال سنوات قليلة، وظهرت دور عرض، وارتفع حجم الإيرادات. هذه مؤشرات سوق، لا مظاهر احتفالية.

أما التراث؛ فخرج من دائرة الحفظ إلى دائرة التشغيل. مبادرات، مثل: ترميم البلدات التراثية أعادت توظيف المكان. في جدة التاريخية والعلا وقرى عسير، ومؤخراً وليس أخيراً إطلاق المشروع الواعد بمشيئة الله (قرية سدوس التاريخية) بهدف عودة النشاط الاقتصادي إلى الأحياء القديمة؛ حيث فُتحت وستُفتح مشاريع ضيافة، ونشطت حرف مهمة، وارتفعت حركة الزوار. التراث هنا أصبح أصلاً منتجاً. هذا التحول يحقق معادلة واضحة: حماية الهوية مع توليد دخل.

ومؤخراً كان لي شرف حضور ملتقى القطاع غير الربحي الثقافي الأخير، بوصفه محطة عمل. كانت النقاشات فيه مباشرة، وتركزت على النماذج التشغيلية، والاستدامة، وقياس الأثر. طُرحت تجارب واقعية من جمعيات ومؤسسات استطاعت الانتقال من الاعتماد على الدعم إلى بناء مواردها. وبرز توجه واضح نحو الحوكمة، ورفع كفاية الإدارة، وربط التمويل بالنتائج. ما ميَّز الملتقى هو وضوح اللغة. لم يكن هناك ميل للتجميل، ولكن التركيز على التحديات الفعلية، وكيفية معالجتها بأدوات عملية. هذا المستوى من الطرح يعكس نضجاً في القطاع، ويؤكد أن المرحلة الحالية تتطلب كفاية تشغيل.

وفي هذا السياق، وضعت كلمة الوزير الإطار الجامع لهذه النقاشات، لتحوِّلها من أطروحات إلى مسار عمل ملزم. وجاءت لتغلق مرحلة وتفتح أخرى. الرسالة الأساسية كانت حاسمة. لا مكان لكيان ثقافي بلا نموذج عمل ولا مؤشرات أداء. الدعم مشروط بالنتائج: النماء والأثر، ولن يكون مفتوحاً. هذا التوجه الرشيد يدفع الجمعيات إلى إعادة بناء نفسها. ويسهم في ظهور هياكل إدارية، وخطط تشغيل، وشراكات تمويل. من التزم استمر، ومن اكتفى بالحماس تراجع!

إعادة تعريف «الشرعية الثقافية» تمثل جوهر المرحلة. لم تعد الشرعية تُمنح بالاسم ولا التاريخ؛ بل بالأثر: كم مشروعاً استمر أكثر من 3 سنوات؟ كم فرصة عمل وُفِّرت؟ كم برنامجاً درَّب على مهارات قابلة للسوق؟ هذه المعايير أصبحت المرجع. هذا التحول -بلا شك- سينعكس على القوى الناعمة للمملكة.

الحضور الثقافي الخارجي لم يعد مناسبات، إنما مشاركة مستمرة في معارض الكتاب، ومهرجانات السينما، وبرامج التبادل الثقافي. المنتج السعودي بدأ يصل بوصفه محتوى منافساً، لا تمثيلاً رمزياً.

وقد تغيَّرت العلاقة بين الدولة والمجتمع أيضاً بعدما حدَّدت الدولة بوصلة الاتجاه، ووضعت الأنظمة، ووفرت الممكنات؛ تمهيداً لدخول المجتمع شريكاً في الإنتاج؛ يستثمر القطاع الخاص؛ ويوسِّع القطاع غير الربحي من الأثر الاجتماعي. هذا التوزيع للأدوار سيخلق توازناً تشغيلياً؛ بما يخفف العبء عن الدولة ويرفع كفاية التنفيذ؛ لتصبح اللغة السائدة اليوم داخل القطاع الثقافي واضحة: أرقام؛ مؤشرات؛ عوائد؛ استدامة.

هذه اللغة الجديدة ستفرض الانضباط، وتحول دون استمرار المشروع الذي لا يقيس أثره. بهذا المعنى، تصبح الثقافة أداة بناء ونماء لا عنصر تزيين. تخلق مزيداً من الوظائف، وتطور مزيداً من المهارات، وتجذب كثيراً من الاستثمارات. وفي الوقت نفسه، تعيد صياغة العلاقة مع الهوية مورداً حياً يدخل في الاقتصاد والحياة اليومية.

وفي يقيني أن المرحلة المقبلة ستدفع نحو تعميق هذا المسار، وزيادة مساهمة القطاع في الناتج المحلي، وتوسيع التصدير الثقافي، ورفع كفاية الكيانات غير الربحية، وتعزيز حضور المدن الصغيرة في المشهد الثقافي.

بهذا الاتساق؛ يمكن قراءة ما يحدث بوصفه انتقالاً مكتمل الأركان: فكرة تتحول إلى مؤسسة، مؤسسة تنتج أثراً، أثر يستقر في حياة الناس. هنا فقط تكتمل دورة الثقافة كجزء من مشروع الدولة.

*المشرف العام على مكتبة الملك عبد العزيز العامة


باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ
TT

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

أنجز باحث سعودي دراسة علمية ضمّنها في كتاب صدر حديثاً عن تقنية بصمة الدماغ، في إطار يجمع بين علوم السمات الحيوية والعلوم العصبية المعرفية، ويُعد هذا الكتاب الأول من نوعه باللغة العربية الذي يتناول دراسة علمية منهجية لتقنية بصمة الدماغ.

يقول مؤلف الكتاب العميد الدكتور عادل عبد الرحمن العيد لـ«الشرق الأوسط»: «شهدت أنظمة السمات الحيوية تطوراً كبيراً خلال العقود الأخيرة، وأصبحت إحدى الركائز الأساسية في أنظمة التحقق من الهوية والأمن الرقمي في العالم، واعتمدت على خصائص فريدة أودعها الله في الإنسان مثل بصمات الأصابع، وبصمة قزحية العين، وملامح الوجه، وبصمة الصوت، وبصمة الحمض النووي. وقد أسهمت هذه الأنظمة في تعزيز الأمن في المطارات والمنافذ الحدودية والأنظمة المصرفية، وفي الجامعات ومراكز الأبحاث والمستشفيات والمنشآت الحساسة. غير أن التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي وظهور أساليب التزييف العميق وتقليد السمات البيولوجية، كشف عن تحديات جديدة تتعلق بموثوقية بعض هذه الأنظمة. وقد دفع ذلك العلماء إلى البحث عن جيل أكثر تقدماً من تقنيات التحقق يعتمد على خصائص أكثر عمقاً وأصالة، وهو ما أدى إلى ظهور مجالات السمات العصبية، التي تعتمد على النشاط العصبي للدماغ بوصفه أحد أعظم مظاهر التفرد الإنساني».

ويذكر المؤلف العيد أن «الكتاب يركز على تقنية بصمة الدماغ التي تعتمد على تسجيل النشاط الكهربائي للدماغ باستخدام تخطيط الدماغ الكهربائي وتحليل موجات الاستجابة المعرفية المرتبطة بالذاكرة، وعلى رأسها موجة التعرف P300 التي تظهر تلقائياً عندما يتعرف الدماغ على معلومات مخزنة مسبقاً في الذاكرة. وتكشف هذه الاستجابة العصبية عن حقيقة معرفية مهمة، وهي أن الدماغ يحمل توقيعاً معرفياً فريداً يعكس ما يعرفه الإنسان وما يختزنه في ذاكرته».

والكتاب يقدم، كما يضيف المؤلف، عرضاً علمياً لتطور أنظمة السمات الحيوية عبر التاريخ، بدءاً من الاستخدامات المبكرة للبصمات في الحضارات القديمة، مروراً بتطور علم بصمات الأصابع في القرن التاسع عشر، وصولاً إلى الأنظمة الرقمية الحديثة التي تعتمد على قواعد البيانات الضخمة والخوارزميات والذكاء الاصطناعي.

ويبرز الكتاب الدور السعودي المتقدم في تبني وتطوير تقنيات السمات الحيوية، حيث كانت السعودية من الدول الرائدة في المنطقة في بناء منظومات تحقق بيومترية متقدمة ضمن البنية الأمنية والتحول الرقمي. فقد شهدت المملكة خلال العقود الماضية تطوراً كبيراً في تطبيق أنظمة الهوية والبصمة من خلال مركز المعلومات الوطني وقطاعات وزارة الداخلية، إضافة إلى إدماج التقنيات البيومترية في أنظمة الأحوال المدنية والجوازات والمنافذ الحدودية والخدمات الحكومية الرقمية الأخرى، بما يتوافق مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

وأشار العيد إلى أن الكتاب يناقش الأسس العصبية والإدراكية لتقنية بصمة الدماغ، ويشرح البنية الوظيفية للدماغ وآليات الذاكرة والانتباه المرتبطة بتوليد الإشارات العصبية، إضافة إلى تحليل التطبيقات المحتملة لهذه التقنية في مجالات التحقيق الجنائي والأمن والتحقق من المعلومات. ويتناول كذلك الأبعاد القانونية والأخلاقية المرتبطة باستخدام التقنيات العصبية، مؤكداً ضرورة تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن وحماية الخصوصية والكرامة الإنسانية.

ويخلص إلى أن تقنية بصمة الدماغ تمثل مرحلة متقدمة في تطور أنظمة التحقق من الهوية، إذ تنتقل عملية التحقق من السمات الجسدية الظاهرة إلى الخصائص المعرفية العصبية المرتبطة بذاكرة الإنسان. كما يشير إلى أن التكامل المستقبلي بين علوم الأعصاب والذكاء الاصطناعي قد يسهم في تطوير أنظمة تحقق أكثر دقة وموثوقية، مما يجعل السمات العصبية أحد أهم الاتجاهات العلمية في مستقبل الأمن والتحقق من الهوية.

وبذلك يسعى الكتاب إلى تقديم مرجع علمي عربي يجمع بين العلم الحديث والتأمل في الإعجاز الإلهي في خلق الإنسان، ويواكب التطورات العالمية في مجال السمات العصبية وتقنيات التحقق المتقدمة، مع إبراز الدور المتنامي للمملكة العربية السعودية في تطوير وتبني هذه التقنيات.

هذا الكتاب هو السادس للدكتور العيد، إذ سبق أن أنجز كتباً عن الحاسب في علم البصمات، والأنظمة الآلية في القياسات الحيوية للتحقق من الشخصية، وأنظمة القياسات الحيوية والطموحات من التطبيقات العملية، وتطور التعرف والتحقق من الشخصية بالبطاقة الشخصية، والتحقق من الشخصية في العصر الرقمي.