سيمين.. الشاعرة التي أعادت صياغة الشعر الفارسي

حققت انطلاقتها الكبيرة بعدما تجاوزت الخمسين

سيمين.. الشاعرة التي أعادت صياغة الشعر الفارسي
TT

سيمين.. الشاعرة التي أعادت صياغة الشعر الفارسي

سيمين.. الشاعرة التي أعادت صياغة الشعر الفارسي

من بين الأساطير المنتشرة في الأروقة الأدبية في جميع أنحاء العالم أسطورة تقول: إن الشعراء يخرجون بأفضل ما لديهم من الأعمال في فترة تتراوح أعمارهم فيها بين السابعة عشرة والثلاثين عاما. وبعبارة أخرى، فإن الشعر هو ثمرة شجرة الشباب. لكن في الحياة الحقيقية، رغم ذلك، يمكن للإلهام الشعري أن يطرق باب من يريد وفي أي عمر يشاء. ولذلك، لم تكن مفاجأة أن يزور ذلك الإلهام السيدة سيمين بهبهاني حينما بلغت الخمسين من عمرها، بل ويرشدها إلى سبيل جديد وعجائب لم تكن منتظرة.
لاقت سيمين بهبهاني، التي وافتها المنية في مدينة طهران الشهر الماضي عن عمر يناهز 87 عاما، إشادة عالمية باعتبارها واحدة من أهم الشعراء الإيرانيين في جيل عمل، عبر ما يربو على ثمانية عقود، على إعادة صياغة وتشكيل الأدب الفارسي. وقد رشحت بهبهاني لنيل جائزة نوبل للآداب، واحتفل بها الكثير من الجامعات والأندية الأدبية في جميع أنحاء العالم، وصار اسمها كذلك من الأسماء المألوفة في مسقط رأسها بإيران، وهي من الدول المعدودة على مستوى العالم التي تتمتع بقاعدة شعرية واسعة النطاق. (لا يكاد يوجد منزل إيراني يخلو من مجموعة واحدة على الأقل من المجموعات الشعرية، وفي كل عام يقدم ما يقرب من عشرة آلاف أعمالهم الشعرية في المهرجان الوطني للشعر).
جذبت مجموعة أشعار سيمين المعنونة «خط السرعة والنار» والمنشورة في عام 1980 القليل من الانتباه في البداية. كانت سيمين شاعرة معروفة ولها جمهورها من المتابعين لأعمالها الشعرية. غير أن أحدا لم يكن يتوقع لها أن تشهد حالة من الولادة الأدبية الجديدة عشية عيد ميلادها الخمسين. ومع ذلك، سرعان ما أعيد اكتشاف مجموعة «خط السرعة والنار» الشعرية باعتبارها من أهم المجموعات الشعرية الفارسية المنشورة منذ سنوات.
وجاءت مجموعة شعرية جديدة عقب مجموعة «خط السرعة والنار» التي شهدت استمرارا لحالة التأمل العميقة التي تحياها الشاعرة سيمين حول القضايا الوجودية الجوهرية. يضم الكتابان ما مجموعه 129 قصيدة من «الغزليات» أو القصائد القصيرة، وسرعان ما اتخذت بعضها تصنيف الكلاسيكيات الحديثة من ذلك النوع من الأشعار. وأظهرت المجموعتان، سويا، أن الشاعرة بهبهاني، وبعد طول انتظار، قد عثرت على صوتها الخاص الفريد، وهو صوت كانت تعمل على تعميقه وصقله إلى درجة الكمال فيما لا يقل عن مائتي غزلية أخرى جرى تأليفها حتى الشهر الأخير من حياتها الطويلة.
ونشرت السيدة سيمين، كما يحلو لها أن يناديها أصدقاؤها والمعجبون بشعرها، أول مجموعاتها من الأعمال الشعرية في طهران في عام 1956. وشهدت حقبة الخمسينات من القرن الماضي انتصار «الشعر الآن» أو الشعر الجديد على الأساليب الشعرية التقليدية التي، في مختلف أنواعها، قد تمتعت برواج طويل عبر أحد عشر قرنا من الزمان.
كان تأثير الشاعر الإيراني نيما يوشيج قد ترسخ أخيرا، وكان هناك عدد قليل من الشعراء الذين سوف يختارون الأسلوب الغزلي كوسيلة للتعبير عن أشعارهم. حتى أولئك الشعراء، مثل الشاعر هوشانج ابتهاج، الذين يصنف شعرهم الغزلي من كلاسيكيات الشعر الفارسي الحديث، سرعان ما هجروا ذلك الأسلوب الشعري للالتحاق بالحركة الشعرية الجديدة. ولمزيد من اليقين، كان هناك شعراء آخرون كتبوا في الغزليات، وكثيرا ما جاء إنتاجهم الشعري ذا جودة عالية للغاية، ومن بينهم نذكر الشاعر أميري فيروزكوهي، والشاعر راهي معيري، والشاعر مهدي حميدي. ولكن، تعذر عليهم جميعا ربط أعمالهم الشعرية بالهموم الإنسانية المعاصرة.
كانت الشاعرة سيمين، التي تخيرت الغزليات في بادئ الأمر، بالتالي، نوعا من الدخلاء بين الشعراء المعاصرين لها. ومع ذلك، وبحلول حقبة الستينات، شعرت بحالة من الاضطرار للمضي قدما نحو «الشعر الجديد» من خلال تبني ما يسمى بالأسلوب «الرباعي» للشعر الفارسي، الذي رحب به الشاعر فريدون توللي، والذي يمثل خطا وسطا بين أسلوب نيما يوشيج والمقاييس التقليدية. هذا وقد مددت سيمين من نطاق الإلهام لديها ليستوعب ما كان يسمى بـ«القضايا الاجتماعية». مما يعني قدرا كبيرا من القصائد التي تدور حول الفقراء والمضطهدين في مجتمع تتصاعد فيه وتيرة التعقيد بصورة سريعة ويسعى لتلمس سبيله خارج حقبة العصور الوسطى. وغالبا ما تناقضت غنائيات الشاعرة سيمين، جيدة التمرين، مع تجارب لها في «الواقعية الاجتماعية».
تبعت غنائيات حقبة الخمسينات وواقعيات حقبة الستينات في شعر السيدة سيمين بانعطافة وجيزة نحو الحركة النسوية من حقبة السبعينات. وقد كانت النسوية دائمة الحضور في قصائد السيدة سيمين وقد منحتها قاعدة ارتكزت عليها في سعيها ليس إلى المزيد من المساواة القانونية للنساء فحسب، بل وأيضا، بمزيد من الأهمية، المساواة الثقافية والمساواة في التعبير الأدبي لهن. تركت العاصفة الثورية المتجمعة في الأفق بصمتها الأكيدة على الحالة الشعرية للسيدة سيمين منذ بداياتها الأولى. وجاءت الحركة النسوية لتعبر عن اهتمام غير ذي صلة تقريبية بالواقع في توقيت شهد إعادة لصياغة مصير أمة بأكملها. وانخرطت السيدة سيمين في جموع المتحمسين المؤيدين للثورة الجديدة، ولفترة من الوقت، وضعت طاقاتها الشعرية في خدمة قضية البلاد. وقدمت عددا من الأغاني الثورية التي رددها الطلاب المتمردون في مختلف جامعات البلاد في عام 1978 وعام 1979. وفي أغنية بعد أغنية، حثت سيمين الثوريين على نبذ كافة التسويات، وعلى الاستمرار في النضال حتى إخضاع الصرح الإمبراطوري بأكمله. والبعض من ثيمات تلك الأغاني الحماسية ليست إلا أدوات جيدة الإعداد للدعاية السياسية. ويظل البعض منها دليلا قائما وحيا على خطأ الشاعرة سيمين، وندمها اللاحق عليه، إثر اعتقادها أن الخميني وحاشيته من الملالي سوف ينتقلون بإيران إلى حياة ديمقراطية زاهرة وسارة.
استغرق الأمر من السيدة سيمين بضعة أشهر فقط لتدرك خطأها في تقدير الأمور. ولم تكن بمفردها في ذلك، فقد خضعت الأروقة الثقافية الإيرانية بأكملها لذات الحالة الخداعية القاسية أو، كما دفع البعض في وقت لاحق، أنهم لم يخدعوا إلا أنفسهم. فقد توقعوا من الخميني ما لم يعد بفعله في بادئ الأمر. فبالنسبة لمعلم ديني يؤمن إيمانا راسخا بأن الحقيقة المطلقة تقبع في عقائده وتعاليمه فلا مجال معه للشك، وكل ذلك أولى الخطوات نحو الحرية. تحول البعض من أعضاء «فاريب - خوردغان» أو (الجيل المخدوع) كما انتهى المثقفون الثوريون إلى تسمية أنفسهم، إلى مناوئين ثوريين من تيار اليسار أو تيار اليمين لمناضلة النظام الثيوقراطي بالبنادق كما يناضلونه بالأقلام.
أما السيدة سيمين، فقد انتهجت مسارا مغايرا. حيث فتحت لها صدمة اكتشاف الخدعة التي تعرضت لها بابا نحو وعي جديد بذاتها وبإيران التعيسة التي تعيش تحت ظل سمائها. حيث تأكدت أن الكثير من اليقين قد يغدو سما قاتلا، وأنه يتحتم على الشعراء ألا تكون لديهم آراء حيال كافة الأمور من حولهم.
وابتعادا منها عن السياسات الحزبية الراهنة، عادت السيدة بهبهاني إلى مهمتها الشعرية الرئيسة.. من الخوض في أغوار ماهية الوجود الإنساني، بكل ما تحتويه من أبعاد نبيلة، ولكنها جدا مأساوية.
جاءت غزليات ما بعد الثورة لديها وليدة ذلك الإدراك الجديد. ولكنها لم تخرج من رحم موضوعات اليأس، والحب، والبحث عن السلام فحسب، ولا تميزت بها وحدها. فقد أتت غنائيات سيمين الجديدة بثورة حقيقية في أساليب الشعر الفارسي. فالأسلوب التقليدي الذي يكتب به شعر الغزل يعتمد على اختيار الشاعر لوزن من الأوزان الشعرية ثم يستمر في الكتابة. تفرض الضرورات الشعرية للوزن المحدد سلفا قيودا واضحة على خيال الشاعر. وتملي الإيقاعات والقوافي في بعض الأحيان على الشاعر مضمون القصيدة من خلال فرض وجودها عليها.
كان اكتشاف سيمين العظيم هو أن الأسلوب الذي كسر به الشاعر نيما يوشيج البحور الشعرية التقليدية إلى أشطر من أوزان غير متساوية يمكن تطبيقها على شعر الغزليات من دون تبديل الأسلوب المألوف. وبدأت بكتابة «العبارة الأولى التي أملاها علي خيالي» بصرف النظر عن طولها وموسيقاها الشعرية. ولكن بدلا من خنق بقية الشعر بقيد وحيد من الوزن سالف التحديد، كونت الشاعرة سيمين مزيجا جديدا من الأوزان ومخططات القوافي. وتحول الأسلوب إلى وسيلة لتحقيق غاية ما، صار مركبا من التعبيرات الشعرية وليس، كما ظل لعدة قرون مضت، وسيلة لفرض النظام لأجل النظام. ومن الناحية التقليدية، يخرج الشعر الفارسي في أوزان تسعة بحد أقصى، ومع عدد قليل من الشعراء الذين يكتبون شعرهم من خلال أربعة أوزان أخرى. ونظرا لأن اللغة الفارسية هي لغة تتمتع بموسيقية جارفة، فإن استخدام الأوزان هو أكثر ما يؤدي إلى هيمنة المحتوى عن طريق الأسلوب.
وترمز الحرية الكاملة التي تسعى سيمين وراءها في البحور الشعرية، بقدر ما يتعلق الأمر بالمحتوى، إلى «الحالة الغجرية» التي كونتها الشاعرة سيمين. وحالة سيمين الغجرية متحررة من أي قيود أو قواعد دينية ويمكنها، بالتالي، التغني بالحب والحرية. حيث يمكن لشبح الغجرية الطواف فوق الحدائق المحرمة، وتجاوز كل حاجز حتى في إيران الخميني.
كتبت سيمين تقول: «ما هو دين الغجرية الجديد؟ إن جبهتها تحمل شامة من دماء حافظ، وهي الوثن الذي تعبد إليه حافظ في أغنياته».
ففي الوقت الذي ينشر فيه النظام الثيوقراطي دعايات الحرب والشهادة بوصفها أمجد القيم في عبادة الموت خاصتهم، كانت سيمين تغني للحب والحياة. حيث كتبت تقول:
«أصلي لكي تشرق الشمس
من وعاء نبيذ بهيج
في ليلة من لياليك الغامضة».
وفي الوقت الذي حظرت فيه الحكومة الدينية الموسيقى والرقص، كتبت سيمين تقول:
«أجل، لقد جاء الوقت لطرد صمت الخوف خارج أسوار المنزل،
لقد حان الوقت للغناء والرقص، للبهجة والصراخ المجنون».
لكنها كتبت أيضا عن الأقلام الكسيرة، وعن الجثث المتناثرة فوق رمال الصحراء، وعن جثة الجندي التي تشبه مجرة درب التبانة، وعن غصن الزيتون، رمز السلام، الذي انقلب عصا في يد الحرس الثوري الإسلامي.
في بعض من أشعارها، عرضت سيمين تصويرا بشعا لحياة الوقت الحاضر في إيران: أرض العيون الممزقة من محاجرها، والرؤوس المهشمة، و«أعداء الربيع، الذين ينصبون الكمائن لزنابق الصحراء».
كما أعادت سيمين اكتشاف «إيران الأبدية»، التي أصابتها الجراح جراء عقود من الجنون الثوري والحرب التي حصدت أرواح الملايين في إيران والعراق. وتأملت حال بلادها التي مزقتها الحرب، فكتبت:
«يا وطني الأم، لسوف أعيد بناءك يا وطني
ولو بلبنات من روحي
ولسوف أرفع أعمدة سقفك
ولو بعظم من عظامي».
إن استغراقات سيمين الما-ورائية لا تذهب بها بعيدا عن الفقراء والمضطهدين «أولئك الحاملين للأعباء الحقيقية». فكتبت لهم تقول:
«أطفالنا.. ثمرات الفقر
النامية على شجيرات الألم..».
وهي تحث على الصمود والمقاومة في وقت استسلم الكثيرون من المعاصرين لها ليأسهم أو فروا إلى منفاهم. فقالت:
«... أقاوم – لا بد لي أن أقاوم
على شفا آمال النجاة
هناك بذرة حية في المياه
لتغدو شجرة شاهقة يوما ما».
وإنها تصف أولئك الذين يبعثون برسالات اليأس والتشاؤم بأنهم «خفافيش، وغيلان، ووحوش غابات، وثعابين».
نفدت كافة طبعات المجموعات الشعرية الخاصة بالشاعرة سيمين وباءت كل المحاولات لتأمين طبعات جديدة بالفشل الذريع. وأشعارها، رغم ذلك، تصل إلى الملايين في إيران، وتساعد في تشكيل وعي جيل كامل.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.