الثقافة الشعبية المعاصرة... الانكفاء هروباً

النخب المهيمنة تفرض قيمها عبر الإعلام والثقافة والفنون

الثقافة الشعبية المعاصرة... الانكفاء هروباً
TT

الثقافة الشعبية المعاصرة... الانكفاء هروباً

الثقافة الشعبية المعاصرة... الانكفاء هروباً

عندما ألمّت بالولايات المتحدة فترة الكساد الكبير خلال ثلاثينات القرن الماضي إثر انهيار سوق الأسهم الأميركيّة عام 1929 تراجعت مبيعات معظم المنتجات والسلع مع استثناءين ملحوظين: السجائر وتذاكر دور السينما. كانت تلك طريقة المجتمع المستسلم لقدره في التعاطي مع الوقائع القاسية: الانكفاء هروباً إلى التدخين الشّره وعالم الفانتازيا والخيال بدلاً من المواجهة.
وتثير تلك التجربة التاريخيّة وكيفيّة استجابة الجمهور بتعامله مع أزمات الرأسماليّة الكبرى شهيّة المعنيين بمتابعة تحولات الثقافة الشعبيّة المعاصرة بمختلف تمثلاتها في الأدب والتلفزيون والسينما والفنون والأزياء وألعاب الفيديو والموسيقى الشعبيّة وطرائق تناول الطعام وطرائق العيش اليومي بهدف إجراء قراءة لتأثيرات الأزمة الماليّة العالميّة 2008 على المجتمعات المعاصرة لا سيّما بعدما أصبحت مصاعب الاقتصاد الأميركي مصدراً لمتاعب الاقتصاد العالمي برمته ولم تعد مقتصرة على دول الغرب، وأن تلك التحولات الثقافيّة قد استكملت عقداً من الزمان بحيث لم تعد مجرّد موجات عابرة تبهت بعد وقت قصير.
ولعل أوضح استجابات الجيل الجديد لهذي الأزمة التاريخيّة المتجددة للرأسماليّة كانت في تلك الشّعبيّة الهائلة التي أسلمها لأنواع معينة من الإنتاجات الأدبيّة ونسخها السينمائيّة والتلفزيونيّة دون غيرها، لدرجة أن تحوّل بعضها ظواهر فاقت كل ما عرفته البشريّة مجمل تاريخها بمقدار تشظّيها وعبورها للأمم واللغات والأجيال: الفانتازيّات التي تنقل الصراع بين الخير والشر إلى دُنيا الخيال والوحوش والتنانين (Game of Thrones)، أو الأبطال الجبارين الخارقين (Avengers)، أو الزومبيّات ومصاصي الدّماء والموتى الّذين لا يموتون (The Walking Dead)، أو الديستوبيّات عن مستقبل مظلم للبشريّة حتى يكاد يبدو الحاضر القاسي بكل ما فيه نعيماً مقيماً بالمقارنة (Handmaid Tale)، أو برامج تلفزيون الواقع التي تُعنى حصراً بتفاهات الحياة المعاصرة (The Great British Bake Off)، أو فانتازيّات التسلم الجنسي (Fifty Shades of Gray)، والسلوكيّات المثليّة.
ويضيف آخرون إلى تلك القائمة ردّة لإحياء أعمال أدبيّة وتلفزيونيّة كلاسيكية قديمة من طراز روايات آغاثا كريستي، ومغامرات شرلوك هولمز، وقصص الشعوب القديمة، وبطولات فرسان القصور الوسطى التي تسمح للمتلقين بالمخيّلة إلى السفر نحو فترات نوستالجيا تاريخيّة تُصوَّر ذهبيّة وفاتنة.
ولعل القاسم المشترك بين هذي الأنواع الأدبيّة كلّها يمكن اختزاله في كونها نوعاً من انكفاء وهروب جماعي جرّاء فقدان السّيطرة على المصائر التي تعصف بأيامنا في مواجهة الحروب الكبرى، والأمراض الوبائيّة، واعتلالات المناخ، وسياسات التقشّف القاهرة، كما الاستقطابات السياسيّة المرتبطة بالهوّيات المُختلقة والتي شرعت تستدعي أشباح الاحترابات القديمة الدّامية.
وبالطبع فإن هذا الانكفاء أدبياً –وما يرتبط به من أعمال بصريّة– وازته اتجاهات انسحابيّة الطابع في مظاهر الثقافة الشعبيّة كلّها: من دُنيا الأزياء حيث حوّلت المتاجر التي تروج للبساطة والمُوديلات قصيرة العمر ذات الأسعار الرّحيمة بفعل الإقبال الشديد إمبراطوريات عالميّة، إلى السّفر حيث انسحب الجمهور زرافات ووحداناً نحو شركات الطيران الاقتصادي وسلاسل الفنادق ذات الميزانيّات المحدودة التي تقدّم خدمات أساسيّة دون أي من وسائل الرّاحة الإضافيّة، كما وجبات الطعام المجهّزة الرّخيصة التي وجدت فيها متاجر التجزئة سوقاً متضخمة يوماً بيوم وأصبحت البديل لخروج العائلات إلى المطاعم، وانتشار نوادي اللياقة البدنيّة حيث يعمد الأفراد إلى التخلّص من توترات حياتهم اليومية بقهر أجسادهم علناً أمام الملأ، وغيرها الكثير من جوانب الحياة المعاصرة. وحتى عندما كان يرتفع بعض الأصوات بالاحتجاج هنا أو هناك كما في بعض الأعمال الموسيقيّة مثل أغنيات PJ Harvey أو Lily Allen، أو في الفنون الغرافيكيّة والبصريّة مثل جداريّات الفنان Banksy فإنها بقيت أصواتاً مدجنّة أليفة تجد فضاءها وصداها دائماً وحصراً داخل المنظومة الرأسماليّة ذاتها لا خارجها. وهكذا بدلاً من اشتعال الغضب والميل إلى الراديكاليّة نتيجة فشل النخب النيوليبراليّة في إدارة مقاليد العالم، اكتفت الجماهير بالهروب من واقعها والتكيّف تنازلاً عن الحدود الدنيا، والسقوط عميقاً في اتجاهات وأذواق وسلوكيّات محافظة ومذعورة.
وقد أذهلت نوعيّة تلك الاستجابة قديماً مفكرين كباراً في مجالات العلوم الاجتماعية لا سيّما أولئك المنخرطين تحت راية مدرسة فرانكفورت الشهيرة حتى ذهب أحدهم -ثيودور أدورنو (1903 – 1969)- إلى التبشير باستحالة قيام الثّورات بشكلها الكلاسيكي في المجتمعات الغربيّة الحديثة بالنظر إلى تحقق هيمنة شبه كليّة لثقافة وقيم وتوجهات الطبقة المهيمنة على طريقة تفكير الطبقة (العاملة) وبالتالي توجيه استجابة تلك الأخيرة إلى الضغوط الاقتصاديّة الهائلة نحو مرافئ آمنة، بل وربما مربحة في الوقت نفسه.
وللحقيقة، فإن أفضل الأدوات النقديّة التي تتوفر للمعاصرين في تحليل أسباب أعراض الانكفاءات الثقافيّة للجماهير في مواجهة الأزمات الرأسماليّة المتتابعة لا نزال مدينين فيها لثلاثة مفكرين من القرن الماضي شخّصوا في مجموع أعمالهم ما يمكن تسميتها «الهيمنة الثقافيّة» والتي تعني غلبة مجموعة من الأفكار في التعامل مع العالم تنعكس سلوكاً وقناعات وأسلوب حياة تتبعها الأكثريّة دون كثير مساءلة. ويفسّر الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891 – 1937) والهنغاري كارل مانهايم (1893 – 1947) والفرنسي لويس ألتوسير (1918 – 1990) عبر سلسلة من كتاباتهم، المنهجيّات التي توظّفها الفئات المهيمنة في المجتمعات لفرض ما يخدمها من ثقافة على الأكثريّة.
غرامشي يذهب في دفاتر سجنه التي كتبها فترة 1929 - 1935 إلى أن النخب المهيمنة تفرض القيم والقناعات التي تريدها على الآخرين دون اللجوء دائماً إلى منطق القوّة والعنف الرّسمي وذلك عبر سيطرتها المحكمة على مؤسسات المجتمع المدني –وهي عنده الجامعات والمدارس ومؤسسات الدّين الرّسمي كما الإعلام والصحافة والفنون بمختلف أنواعها– التي تتضامن معاً لتشكيل عقل الأفراد وتوجيه سلوكياتهم نحو المساحات المرغوبة حصراً. مانهايم -الذي يُعد على نطاق واسع رائد ما تُعرف بسيسيولوجيا المعرفة– يؤكد بدوره أن المعرفة لا تكون بأي حال مستقلّة عن الإطار (المكاني والزمانيّ) الذي نعيش فيه. وكتب يقول في «الآيديولوجيا واليوتوبيا» (1939) إن الأفراد يواجهون العالم بتشكيل وجهة نظر عن طرائق عمله مستقاة من بيئتهم وخبراتهم، وهو ما يضمن دائماً أنهم ينتهون إلى قناعات وسلوكيّات نتيجة تفكير غير سليم أو قاصر أو محدود بمحليته في أفضل الأحوال. وقد أسهب ألتوسير لاحقاً في توصيف تلك الظاهرة في كتابه «لينين والفلسفة ومقالات أخرى» (1971) تحت لافتة الآيديولوجيا التي هي فيما يرى «علاقة متخيَّلة عن طبيعة علاقة الأفراد بشروط وحقائق وجودهم» تأخذهم من كونهم «رعايا أحراراً» في المجتمع إلى «رعايا متقبِّلة للخضوع برضاها».
ورغم أن النّسق الفكري الذي يطرحه هؤلاء المفكرون الثلاثة يميل إلى تصوير «الهيمنة الثقافيّة» إلى نوع من الحتميّة التي لا مفرّ للأغلبيّة السّاحقة من الأفراد بالخضوع لها، فإن قراءة معمقة لدفاتر سجن غرامشي مثلاً يمكن أن تؤخذ أبعد من مجرّد دليل لوصف ميكانيكيّات الهيمنة لتكون في الوقت نفسه منهج عمل لكل راغبٍ في التصدي للثقافة المهيمنة وبناء فضاءات مقاومة للتيارات الغالبة عبر مجالات الثقافة كافة وتمثلاتها في المجال العام. ولعل التقدّم التكنولوجي، سيّما مجال التواصل الاجتماعي الذي لم يكن متوفراً على أيّام مفكري القرن العشرين، يمنحنا اليوم وبشكل غير مسبوق أدوات لاستطلاع أفكار بديلة، وبناء تجارب مغايرة وربما تحقيق تأثير أبعد من فرد أو دائرة أفراد قلائل.
إذا لم يكن أمام جيل الثلاثينات سوى أن ينفث غضبه سجائر أو يلتحف ظلمة قاعات السينما بحكاياها الخياليّة للهروب من الحقائق القاسية للكساد الكبير، فإنه لا عذر للأجيال الجديدة بالاستمرار على سيرة الخضوع والتسليم بعدما منحتنا الحياة أدوات شديدة الفعاليّة للتفاوض مع الثقافة المهيمنة وعدم التسليم الكامل لما تدعونا إليه. فهلّا فعلنا؟



97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
TT

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)

بلغ إجمالي أعداد قاصدي وزوار الحرمين الشريفين 96 مليوناً و638 ألفاً و865 شخصاً خلال الفترة من 1 حتى 20 رمضان الحالي، الموافق من 18 فبراير (شباط) إلى 9 مارس (آذار) 2026.

وأوضحت «هيئة العناية بشؤون الحرمين الشريفين» أن هذه الإحصائية جاءت وفق مؤشرات تشغيلية تقيس إجمالي مرات الدخول للمصليات والعمرة، في مشهد يعكس المكانة الروحية والإيمانية للحرمين الشريفين، والإقبال الكبير من المسلمين لأداء العبادات في الشهر الفضيل.

وأفادت الهيئة بأن المسجد الحرام في مكة المكرمة استقبل 57 مليوناً و595 ألفاً و401 مصلٍّ أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، إضافةً إلى 15 مليوناً و605 آلاف و86 معتمراً.

وبيّنت أن المسجد النبوي في المدينة المنورة استقبل 21 مليوناً و143 ألفاً و259 مصلّياً أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، و579 ألفاً و191 في الروضة الشريفة، مضيفة أن عدد من قام بالسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه - رضي الله عنهما - بلغ مليوناً و715 ألفاً و928 زائراً.

وأكدت الهيئة أن هذه الأرقام تعكس الجاهزية التشغيلية العالية وتكامل منظومة الخدمات المقدمة لقاصدي الحرمين الشريفين خلال شهر رمضان، بما يضمن انسيابية الحركة وتهيئة بيئة تعبّدية آمنة.


حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
TT

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

تشهد الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية» بالسويد حضوراً لافتاً للسينما السعودية بوجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان الأبرز للسينما العربية بالدول الإسكندنافية، المقرر انطلاق فعالياته خلال الفترة من 10 إلى 16 أبريل (نيسان) المقبل.

وتشارك المخرجة السعودية شهد أمين بفيلمها «هجرة» في المسابقة الرسمية للمهرجان، وهو الفيلم الذي عرض للمرة الأولى ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «البندقية»، ونال لدى عرضه عربياً في مهرجان «البحر الأحمر» جائزة «فيلم العلا» لأفضل فيلم سعودي بتصويت الجمهور، بالإضافة إلى جائزة «لجنة التحكيم».

وتدور أحداثه حول حكاية جدة تسافر مع حفيدتَيها إلى مكة المكرمة عام 2001، في رحلة تتخلّلها مواقف إنسانية مؤثرة. وعندما تختفي الحفيدة الكبرى في ظروف غامضة، تبدأ رحلة البحث عنها برفقة الحفيدة الصغرى، وسط مزيج الألم والأمل.

أما مسابقة «الأفلام الوثائقية» فتشهد حضور المخرج علي سعيد بفيلمه «ضد السينما» الذي عرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، وهو العمل الذي يروي حكاية انطلاق السينما السعودية متتبعاً جيل أطفال الثمانينات الذين أحبوا السينما وتعلقوا بها.

الملصق الترويجي لفيلم «ضد السينما» (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم المحاولات الأولى لصناعة الأفلام والتحديات التي واجهتهم، مستعيناً بالأرشيف الصحافي ومانشيتات الصحف السعودية، ومن بينها مانشيتات صحيفة «الشرق الأوسط» موثقاً لمائة عام من رحلة السينما السعودية، منذ انطلق أول شريط تصوير للفرنسي «جو براش» في جدة.

بينما تحضر المخرجة السعودية سارة بالغنيم بفيلمها القصير «ارتزاز» الذي عرض في الدورة الماضية لمهرجان «البحر الأحمر»، وتدور أحداثه في الرياض من خلال أم تعاني إحباطاً من ابنتها، وتمارس الضغوط عليها حتى تخطط للزواج، وهو من بطولة ريم الحبيب ورند القصيبي.

ويشهد برنامج «ليالي عربية» عرض الفيلم السعودي «إسعاف» الذي يقوم ببطولته إبراهيم الحجاج مع بسمة داود ومحمد القحطاني، ومن إخراج كولين توج، وتتناول قصته شابين يعملان مسعفَين، الأول مستهتر والثاني جاد، وكلاهما يتورط مع مجرم يلاحق كلاً منهما بشكل مريب، فيحاولان الهرب منه، ولكن يقعان في ورطة طريفة عبر مواقف كوميدية متتالية.

فريق فيلم «إسعاف» مع المخرج كولين توج (الشركة المنتجة)

وتشهد المسابقة الرسمية للمهرجان في الأفلام الروائية الطويلة عرض أفلام شاركت غالبيتها في مهرجانات سينمائية عالمية، منها الفيلمان المصريان «كولونيا» للمخرج محمد صيام، و«القصص» للمخرج أبو بكر شوقي، بالإضافة إلى الفيلم المغربي «زنقة ملقا» الذي مثّل السينما المغربية في ترشيحات الأوسكار، بالإضافة إلى الفيلم الأردني «غرق» للمخرجة زين دريعي.

كما حضر في المسابقة الفيلم العراقي «إركالا: حلم كلكامش»، وفيلم «يونان» للمخرج أمير فخر الذي عرض العام الماضي في مهرجان «برلين السينمائي»، بالإضافة إلى الفيلم التونسي «وين ياخدنا الريح» للمخرجة آمال قلاتي، والفيلم الإماراتي «باب» للمخرجة نايلة الخاجة، بالإضافة إلى الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعبيس.

وكان المهرجان قد أعلن الشهر الماضي عن تكريم «رائد السينما السعودية» المخرج عبد الله المحيسن ليكون الشخصية المكرمة في النسخة الجديدة، مع عرض فيلمه «اغتيال مدينة» وتنظيم «ماستر كلاس» يناقش فيه تجربته السينمائية ورؤيته الفنية.

وأرجع الناقد السعودي أحمد العياد وجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان خلال النسخة المقبلة إلى الحضور المتزايد للسينما السعودية عالمياً، بما يعكس حالة التنوع التي باتت تتسم بها داخل المملكة، ما بين الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة إلى جانب الأفلام الوثائقية.

وأضاف العياد لـ«الشرق الأوسط» أن «الحراك السينمائي الذي تشهده السعودية في السنوات الأخيرة أسهم في لفت أنظار المهرجانات المعنية بالسينما العربية إلى التجارب السعودية الجديدة، وهو نشاط جعل كثيراً من تلك المهرجانات يحرص على إدراج أعمال سعودية ضمن برامجه المختلفة، لما وصلت إليه من مستوى فني ملحوظ وتنوع في الموضوعات والأساليب».

ولفت إلى أن مهرجان «مالمو للسينما العربية» يعدّ من أبرز المنصات التي تتابع هذا التطور عن قرب، مؤكداً أن حضور الأفلام السعودية في أكثر من مسابقة وبرنامج يعكس الاهتمام المتزايد بهذه التجربة السينمائية، ويمنح صناعها فرصة أوسع للتعريف بأعمالهم أمام جمهور أوروبي ومهنيين في صناعة السينما، مشيداً بإتاحة المهرجان عرض الأفلام السعودية في مدن إسكندنافية مختلفة على غرار ما حدث العام الماضي مع أفلام «فخر السويدي» و«نورة».


حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
TT

حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)

يتنقل الممثل والمخرج قاسم إسطنبولي بين المسارح الثلاثة التي يديرها في طرابلس وصور وبيروت، مطمئناً على حال رواده الذين أتوا هذه المرة لا لمشاهدة مسرحية ولا لمتابعة مهرجان، بل أتوا هاربين من القصف الإسرائيلي. عشرات النازحين وجدوا في هذه المسارح المكان الوحيد الذي استطاعوا الالتجاء إلى سقفه.

«المسرح الوطني اللبناني» بفروعه في المدن الثلاث تحوَّل إلى مأوى لنازحين من مختلف الجنسيات. في مدينة صور التي تلفّها النيران، تجد لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، وعاملات منزليات من إثيوبيا وبنغلاديش، إضافة إلى أطفال ومسنين. كلٌّ يمضي وقته بالطريقة التي تروق له. ومع النازحين في المسرح حيواناتهم الأليفة التي اصطحبوها معهم؛ فهناك من أتى بعصفور، وآخر يعتني بكلبه الذي رفض أن يتركه خلفه. 50 شخصاً في صور يعيشون معاً في هذا المسرح، ويحاولون إضفاء المرح على جلساتهم رغم الخطر المحدق بهم.

ورشة رسم في المسرح (المسرح الوطني اللبناني)

يخبرنا إسطنبولي أن الأمر ليس بالسوء الذي نتصوره. يقول: «ننظم أنشطة باستمرار، وثمة أطفال بالعشرات يأتوننا من خارج المسرح خصيصاً ليشاركوا في برامجنا خلال النهار رغم أجواء الحرب». وينوِّع القيّمون على المسرح وسائل التسلية المفيدة لتزجية الوقت. ويضيف: «ننتقل بين الرسم والقراءة والأشغال اليدوية، ونركز على السيكودراما كي نساعد الأولاد على التغلب على مخاوفهم التي لا يعبرون عنها. التمثيل كفيل بذلك، والحكواتي مفيد أيضاً في مثل هذه الظروف».

وحين نسأل إن لم يكن الخوف أقوى من الفن في مثل هذه اللحظات، يجيبنا إسطنبولي متفائلاً: «الله هو المسلِّم». ويستطرد ضاحكاً: «الغريب أنه بدلاً من الخوف نجد الناس في المسرح يتواطؤون ضمناً على خلق أجواء من البهجة والراحة مع بعضهم بعضاً. هناك ألفة وتعاطف. ثمة من يأتون لليلة واحدة ثم يغادرون لأنهم وجدوا مكاناً آخر، أو ارتأوا العودة إلى منازلهم».

ميزة أن تكون هارباً من الحرب إلى مسرح أنك تخرج من أجواء الحرب قسراً. ثمة نازح يجيد العزف على البيانو يرفّه عن الموجودين كل يوم بقدر استطاعته، كما تُعرض أفلام بشكل مستمر لتمضية الوقت، وتُنظَّم ورشات رسم وتمثيل. إنها طريقة للترفيه عن أناس تركوا بيوتهم ولا يعرفون إن كانوا سيجدونها عند عودتهم إليها، خصوصاً أن غالبية الموجودين في المسرح الوطني في صور هم من القرى الحدودية التي تتعرض لأشد أنواع القصف والتدمير.

النوم في المسرح شأن آخر (المسرح الوطني اللبناني)

الألم كبير والقلق دائم. الأطفال يجدون ضالتهم في المسرح، تحديداً في هذه المدينة المرهقة بالقصف، حيث يحرص إسطنبولي على البقاء مع النازحين. يقول: «ثمة من قال إنه ينسى أحياناً الحرب وهو يتابع فيلماً أو يسمع معزوفة. تلك طريقتنا في المقاومة».

ولا يكتفي إسطنبولي بالترفيه عن رواد مسرحه، بل يجول أيضاً في مراكز إيواء مختلفة مع أعضاء من «جمعية تيرو للفنون»، وينشّط ورشات عمل للأطفال في مراكز متعددة موزعة في هذه المدينة الجنوبية.

بين النازحين في المسارح الثلاثة من كانوا قد لجأوا إلى المكان نفسه في الحرب العام الماضي؛ فقد باتوا يعرفون العنوان ويأنسون له.

في «المسرح الوطني» في طرابلس تقيم عائلة من جنوب أفريقيا وأخرى فرنسية، إلى جانب 7 عائلات تضم 27 شخصاً. يقول إسطنبولي: «معنا شعروا بالأمان العام الماضي، وهم يقيمون اليوم معزَّزين مكرَّمين».

وتشرح سيدة سورية في المسرح أنها لم تتمكن من العودة إلى بلادها مع أولادها اللبنانيين، ففضَّلت البقاء هنا إلى أن تنجلي الغمة.

تمضي الأيام بطيئة على النازحين، لكنهم يتعاونون في تحضير الوجبات في مطبخ المسرح. فقد أمّنت هذه المراكز الثلاثة كل ما يلزم من ضروريات أولية: كهرباء، وماء ساخن، وإنترنت على مدار اليوم، إضافة إلى الكتب والألعاب. ويقول إسطنبولي: «من حسن حظنا أننا احتفظنا بالفرش والأغطية من حرب العام الماضي. بمجرد أن وصل الملتجئون إلينا، كنا في جاهزية».

بعض المساعدات تصل إلى النازحين؛ إذ بدأت جمعيات تعرف بالحاجة في طرابلس وتحاول تقديم العون، لكنها غير كافية. لذلك أطلق المسرح دعوة للتبرع، ووزّع أرقام هواتف لمن يريد تقديم المعونة، ومن يرد أن يتوجه إلى المسرح شخصياً ويتبرع لعائلة بعينها، فالأمر مفتوح ومتاح.

المسرح يتَّسع لرواده في كل الأوقات (المسرح الوطني اللبناني)

لكن هذا ليس ما يشغل المنظمين أساساً؛ فالمهم هو الإحساس بالراحة والتعاون بين المقيمين في المسرح الواحد، وروح الأخوّة بينهم.

الصعوبات مقدور عليها، والحرب كانت متوقعة؛ لذلك منذ اللحظات الأولى لاندلاعها بدأت الاجتماعات.

ويقول إسطنبولي: «كانت لدينا كميات من الماء، والعصير، والكيك، وبعض الأشياء الأخرى، وما يقارب من 50 فرشة جاهزة، لذلك جاءت الاستجابة سريعة».

يرى إسطنبولي أن «المسرح الوطني» و«جمعية تيرو للفنون» يعملان أقل من الواجب في ظروف تستدعي نخوة الجميع. ويوضح: «المسرح هو نبض الناس وصوتهم، وقد وُجِد في الأصل لخدمتهم. وهذه علاقة لا تتوقف على تقديم المسرحيات وتنظيم المهرجانات». ويضيف: «ما قيمة المسرح إن أغلق أبوابه في وجه رواده في الأوقات العسيرة التي يكونون فيها بأشد الحاجة إلى الدعم؟».

وحين سأل إسطنبولي امرأة نازحة إلى المسرح، في اليوم العالمي للمرأة، عمَّا تتمناه في عيدها، قالت: «أن يبقى لكل امرأة بيتها».