هل الثقافة الليبرالية في خطر؟

TT

هل الثقافة الليبرالية في خطر؟

هل الثقافة الليبرالية في خطر؟ يتذكر الكثيرون النشوة الجارفة لأقطاب الفكر الليبرالي التي صاحبت انهيار الاتحاد السوفياتي، والمرحلة التي تلته، فلا يمكن أن ننسى التيارات التبشيرية التي تمحورت حول إعلان انتصار الفكر الليبرالي، بشقيه السياسي والاقتصادي، بعد صراع مرير مع الاشتراكية، ومن قبلها الفاشية، على مدار الحرب الباردة وما قبل الحرب العالمية الثانية، مما دفع مفكرين عظماء لتأكيد نظرية «السلام الديمقراطي»، أي أن الديمقراطيات لا يحارب بعضها بعضاً، وأن النظم الديمقراطية بطبيعتها تجنح للسلم لأنها مبنية على مفاهيم الحرية وتداول السلطة ومبادئ المراجعة المؤسسية لتصحيح أي سياسات عنيفة أو قسرية قد تُتبع، ولكن الأهم قد تكون رسالة «فوكوياما» الذي ادعي في كتابه الشهير «نهاية التاريخ» أن انتصار الفكر الليبرالي على المستوى الدولي، ومعه آليات السوق الحر، هو آخر محطات الحركة الفكرية الإنسانية.
وعبثاً حاولت كوكبة من المفكرين الغربيين تفكيك هذه الصيغة المتحجرة الأحادية، والصمود أمام هذا التيار الجارف، فنالت من الاتهامات ما نالت، على رأسها اتهامهم بمحاباة الديكتاتورية وعشق الشمولية، خصوصاً رواد المدرسة الواقعية والواقعية الجديدة في السياسة، ذلك رغم أن فكرهم كان أقرب إلى الاختلاف في المنهجية التي بُنيت عليها نظرية «نهاية التاريخ»، والعظمة المطلقة للنظم الليبرالية التي لا تأخذ في الحسبان التطورات الإنسانية. وإلى هنا، فالأمر لا يخرج عن النطاق الطبيعي لنشوة تسيد فكر وثقافة لمعسكر منتصر، وهي نشوة لم يخل التاريخ من نماذج متكررة لها تكون مرتبطة بتقلبات في القوى الدولية.
ولكن يبدو أن الحاضر يعكس حقائق جديدة لديناميكية الحركة الزمنية، وأثرها على الفكر الدولي، بعد مرور ثلاث حقب على انهيار الاتحاد السوفياتي، فالمتابع لكتابات ومحاضرات «فوكوياما» ذاته مؤخراً يرى أنها تدق ناقوس الخطر لنظرته المتفائلة السابقة، بعد مراجعة متغيرات كثيرة على مدار أكثر من حقبتين، فهو يرى أن عام 2008 شهد بداية انحسار التيار الفكري الليبرالي العالمي على مستويين: الأول سياسي، والثاني اقتصادي.
فعلى المستوى الأول، تلاحظ له ما سماه «الكساد الديمقراطي»، بعد تراجع الليبرالية في كثير من الدول، خصوصاً مع انتشار ما أطلق عليه «التيار الشعوبي» الذي سيطر على نسبة من دول أميركا اللاتينية، وهو التيار نفسه الذي زحف تدريجياً على أوروبا، وبات يهدد من وجهة نظره مفاهيم ودعائم الديمقراطية التقليدية، رغم أنه خرج من رحمها، فهو تيار يعتمد على زعيم سياسي قوي، يلتف حوله جزءٌ غير هين من الأمة، ويتخذ قراراته على أساس مصلحته الانتخابية الضيقة وآيديولوجيته المتشددة التي راقت للناخب، وليس على أساس سياسيات سليمة على المدى المتوسط والطويل. ويؤكد هذا التحليل أن أخطر تبعات هذا التيار كارثة التطرف الفكري والثقافي المصاحب له، الذي يخالف الأسس الليبرالية للمجتمعات والنظم الديمقراطية، فيتولد منه على سبيل المثال إما حركات كراهية الأجانب «الزينوفوبيا»، أو نظريات تفوق عرقي أو تطرف يساري خارج النطاق الاشتراكي الديمقراطي التقليدي في الدول الليبرالية، لا سيما الغربية.
أما على الصعيد الاقتصادي الدولي، فالأمر لم يخل من المشاكل، فقد شهد العالم حالة من الانفتاح الاقتصادي والتجاري والاستثماري حتى عام 2008، نتج عنها مضاعفة الدخل قرابة أربعة أضعاف على المستوى الدولي، ولكن هذه المضاعفة جاءت إما بقيمة دفترية، أو أنها لم تهبط إلى الطبقات الأدنى، فظلت معلقة لصالح الطبقات الغنية. أما على المستوى الاجتماعي، فكثير من الدول الليبرالية، وعلى رأسها الولايات المتحدة ذاتها، شهدت انخفاض مستوى دخل نصف الطبقة الوسطي تقريباً، مقارنة بالفترات الزمنية السابقة لهذا الانفتاح.
فهل تدفعنا كل هذه المتغيرات الدولية للتشكيك في «الحتمية المستقبلية» لأصحاب التيار الليبرالي المتعصب؟ حقيقة الأمر أننا أمام خلافين رئيسيين: الأول ما بين رافضي ومؤيدي ما يمكن أن نسميهم أصحاب نظريات «الحتميات المطلقة» في السلوك الإنساني بصفة عامة، والثاني بين مؤيدي ورافضي الإقرار المطلق بالليبرالية المتوحشة، بجناحيها السياسي والاقتصادي وذيلها الاجتماعي. فالخلاف الأول في التقدير يمثل خلافاً «منهجياً» ضد مفهوم المطلق، مؤكدين أن التطورات البشرية على مر التاريخ تفرض علينا رفض مفهوم الثبات والحتمية مهما تم تجميله، خصوصاً أن قوالب الفكر اختلفت مع منحنيات التقدم التاريخي، وستظل كذلك مستقبلاً. أما الخلاف الثاني فهو أكثر خصوصية، وينضوي تحته مراجعة لمفردات الليبرالية ذاتها، لتأخذ في الاعتبار تطور المجتمعات وانحرافاتها، وما قد تفرزه من أجسام فكرية مضادة للتيار ذاته، بما نحتاج معه لمراجعات واقعية لمسيرة المجتمعات والقوالب الفكرية المطلقة، بل والمتشددة التي تحكمها.
وواقع الأمر أن المشكلة لا تكمن في حقيقة أن التيار الليبرالي بمشتقاته الديمقراطية وآليات السوق يعد بالفعل أفضل ما أنتجه السلوك والفكر الإنسانيين، ولكننا يجب أن نتذكر أن عبادة «الأوثان المفاهيمية» يمكن أن يكون أكبر خطر يهدد المفهوم ذاته، أفلم تنجب الديمقراطية الألمانية أسوأ الأنظمة الشمولية، ممثلة في النازية؟ فهل سيلد لنا التيار الشعوبي المُحدث فكراً عاقاً ينافي مبادئ المجتمع ذاته؟ ألم يعلمنا التاريخ أننا يجب أن نراجع فكرنا ونصحح انحرافاته لمواجهة الظروف المحيطة حتى لا نُستعبد فكرياً فنسمح للانحرافات أن تجرفنا إلى الظلمات؟



أخطاء مطبعية تُحوّل نسخة نادرة من «هاري بوتر» إلى «كنز»

ما أخطأته المطبعة قبل 29 عاماً أصابته سوق المزادات اليوم (دار مزادات «هيريتيج»)
ما أخطأته المطبعة قبل 29 عاماً أصابته سوق المزادات اليوم (دار مزادات «هيريتيج»)
TT

أخطاء مطبعية تُحوّل نسخة نادرة من «هاري بوتر» إلى «كنز»

ما أخطأته المطبعة قبل 29 عاماً أصابته سوق المزادات اليوم (دار مزادات «هيريتيج»)
ما أخطأته المطبعة قبل 29 عاماً أصابته سوق المزادات اليوم (دار مزادات «هيريتيج»)

بيعت نسخة نادرة من الطبعة الأولى لكتاب «هاري بوتر وحجر الفيلسوف» مقابل 302 ألف جنيه إسترليني، في مزاد أقيم بمدينة دالاس الأميركية.

وتُعدّ النسخة ذات الغلاف المقوّى واحدة من 500 نسخة فقط طُبعت في الدفعة الأولى عام 1997، وتضمّ عدداً من الأخطاء المطبعية التي أصبحت من السمات المميّزة لهذه الطبعة.

وذكرت «الإندبندنت» أنه من بين تلك الأخطاء تكرار عبارة «عصا سحرية واحدة» في قائمة الأغراض المدرسية التي يحتاج إليها هاري في مدرسة «هوغورتس»، في الصفحة 53. ويظهر اسم المؤلفة جيه. كيه. رولينغ بصيغة «جوان رولينغ»، كما ورد خطأ مطبعي في كلمة «Philosopher's» على الغلاف الخلفي للكتاب.

ومن أصل النسخ الـ500، خُصّصت 300 نسخة للمدارس والمكتبات، في حين وُزّعت النسخ الـ200 الأخرى على أصدقاء ونقّاد ومعارف.

وعُرضت النسخة للبيع بعد نحو 29 عاماً من صدور الكتاب، في دار «هيريتيج أوكشنز» بمدينة دالاس، بولاية تكساس الأميركية. ورغم أنّ قيمتها التقديرية قبل المزاد بلغت 75 ألف جنيه إسترليني، فإنها بيعت بنحو 4 أضعاف هذا المبلغ، وسط استمرار الإقبال على مقتنيات «هاري بوتر».

وأوضح متحدّث باسم دار المزادات أن النسخ ذات الغلاف المقوّى أكثر ندرة بكثير؛ إذ لم يُطبع منها سوى 500 نسخة، ذهبت معظمها إلى المكتبات العامة.

وقال المدير الدولي لقسم الكتب والمخطوطات النادرة في الدار، فرانسيس والغرين، إنّ «هاري بوتر وحجر الفيلسوف» ظلّ من الكتب المرغوبة لدى هواة الاقتناء، مشيراً إلى أن النسخة المبيعة بحالة قريبة من الممتازة، ومن المتوقَّع أن تستقطب اهتمام جيل جديد من المزايدين مع اقتراب عرض المسلسل التلفزيوني المقتبس من السلسلة.

وكان السعر القياسي لنسخة من الطبعة الأولى قد بلغ 356 ألف جنيه إسترليني، في مزاد أُقيم بدالاس في ديسمبر (كانون الأول) 2021.

وتجاوزت مبيعات «هاري بوتر وحجر الفيلسوف» 120 مليون نسخة حول العالم.

وفي سياق متصل، تستعدّ «بي بي سي» لإنتاج فيلم وثائقي من جزأين عن جيه. كيه. رولينغ، يتناول صعودها إلى الشهرة وتأثيرها الثقافي وإرثها المثير للجدل.

ويرصد العمل رحلتها من أمّ عزباء تواجه صعوبات الحياة في إدنبرة إلى مؤلفة إحدى أنجح سلاسل الكتب في التاريخ، متّخذاً من سيرتها مدخلاً لاستكشاف التحوّلات الاجتماعية والسياسية والتكنولوجية خلال العقود الثلاثة الماضية.

وتتناول الحلقة الأولى طفولتها وبداياتها الأدبية، وصولاً إلى النجاح العالمي الذي حقّقته بعدما خطرت لها فكرة «هاري بوتر» عام 1990، خلال رحلة قطار متأخّر.

وتحوّلت السلسلة إلى ظاهرة ثقافية عالمية، وأُنتجت عنها أفلام سينمائية ناجحة من بطولة دانيال رادكليف وإيما واتسون وروبرت غرينت، إلى جانب عمل مسرحي.

وألّفت رولينغ، المولودة عام 1965، كتاب «وحوش رائعة وأين تجدها»، الذي استُلهمت منه سلسلة أفلام مستقلّة، في حين تعمل شبكة «إتش بي أو» على إنتاج مسلسل تلفزيوني جديد مقتبس من روايات «هاري بوتر».


في الـ117 من عمرها... ألبانية تتحدَّى الزمن وتُحيّر «غينيس»

العمر يمضي وهي منشغلة بقطف الرمان (أ.ف.ب)
العمر يمضي وهي منشغلة بقطف الرمان (أ.ف.ب)
TT

في الـ117 من عمرها... ألبانية تتحدَّى الزمن وتُحيّر «غينيس»

العمر يمضي وهي منشغلة بقطف الرمان (أ.ف.ب)
العمر يمضي وهي منشغلة بقطف الرمان (أ.ف.ب)

في عامها الـ‏117‏‏،‏ لا تكترث قاميلة مارا كثيراً بإثبات أنها قد تكون أكبر نساء العالم سناً‏،‏ ولا حتى بإقناع مسؤولي المعاشات في ألبانيا بأنها لا تزال على قيد الحياة‏.‏

وبالنسبة إلى امرأة وُلدت في ظلّ الحكم العثماني‏،‏ وبلغت ‏36‏ عاماً قبل أسبوعين من نهاية الحرب العالمية الثانية‏،‏ وعاشت سقوط الديكتاتورية الشيوعية في ألبانيا‏،‏ فإن تركيزها لا يزال منصبّاً على الاستمتاع بالحياة‏.‏

وقالت لـ«وكالة ‏‏الصحافة الفرنسية‏»‏‏،‏ مبتسمةً‏:‏ ‏«‏الحياة جميلة‏،‏ مثل جبل تومور في أوج إزهاره‏»‏‏،‏ في إشارة إلى إحدى أعلى قمم ألبانيا‏،‏ وذلك وهي جالسة أمام منزلها في قرية فيراس‏،‏ على بُعد نحو ‏100‏ كيلومتر جنوب العاصمة‏.‏

كلّ الذين عبروا عمرها رحلوا... وبقيت هي تفتح الباب للحياة (أ.ف.ب)

وأمضت مارا‏،‏ المحاطة بأشجار الفاكهة‏،‏ حياتها كلّها تقريباً في القرية‏،‏ تزرع طعامها بنفسها وترعى الماشية‏.‏

وقالت‏،‏ وقد أحاط وشاح أبيض تقليدي بوجهها المفعم بالتجاعيد‏:‏ ‏«‏أنت تعيش ما قضى الله لك به‏»‏‏.‏

ووفقاً لتاريخ ميلادها المدوّن في وثائق رسمية عدّة‏،‏ وهو ‏19‏ أغسطس (آب) ‏1909‏‏،‏ تكون مارا أكبر بيومين من البريطانية إيثيل كاترهام‏،‏ التي تعترف بها موسوعة ‏«‏غينيس‏»‏ للأرقام القياسية بوصفها أكبر امرأة على قيد الحياة في العالم‏.‏

وإنما إثبات أعمار المعمّرين الذين تجاوزوا المائة قد يكون صعباً أحياناً‏.‏

وتشير دراسة نالت جائزة ‏«‏إيغ نوبل‏»‏ لعام ‏2024‏‏،‏ المخصّصة للبحوث العلمية غير المألوفة‏،‏ إلى أنّ كثيراً من حالات طول العمر الاستثنائي ترتبط بمناطق تعاني ضعف حفظ السجلات أو تثير شبهات الاحتيال في المعاشات‏.‏

لكن مارا تمتلك سجلات متعدّدة يبدو أنها تدعم عمرها المعلن‏.‏ وقد تواصل أقاربها مع موسوعة ‏«‏غينيس‏»‏‏،‏ ويحتفظون بشهادة ميلاد صدرت عام ‏1945‏‏،‏ وجواز سفر صدر عام ‏1978‏‏،‏ وبطاقة هوية حديثة‏،‏ تحمل جميعها تاريخ الميلاد نفسه‏.‏

حتى إن عمرها فاجأ السلطات المحلية‏،‏ التي أوقفت معاشها عندما بلغت المائة‏،‏ وفق ابنها حسين‏،‏ البالغ ‏80‏ عاماً‏.‏

تودّع الأجيال وتستقبل المواسم (أ.ف.ب)

وقال‏:‏ ‏«‏لم يصدّقوا أن والدتي لا تزال على قيد الحياة‏»‏‏،‏ مستعيداً كيف اضطر إلى تقديم أدلّة‏،‏ بينها إفادات شهود‏،‏ لاستئناف صرف المعاش المتواضع‏.‏

وفي وقت سابق من الشهر الحالي‏،‏ منحتها الحكومة معاشاً خاصاً تقديراً لبلوغها هذه السنّ.‏

وربما يكمن سرّ طول عمر مارا في عاداتها اليومية ونمط حياتها‏.‏

فهي تستيقظ باكراً لتكنس الفناء وتسقي أزهارها وتطعم الدجاج‏،‏ قبل أن تجلس لاحتساء قهوتها المفضّلة‏.‏

ولا تزال تستمتع بالتنزّه بانتظام في بستانها الذي تعتني به بعناية‏،‏ برفقة ابنها الذي يعيش معها‏،‏ وتتوقّف في الطريق لقطف ثمار الرمان الناضجة‏.‏

كما تدسّ أوراق الريحان في جيوبها كي ‏«‏تستمتع بعبيرها‏»‏‏.‏

وأيّاً يكن السرّ‏،‏ يؤكد ابنها أنها لم تزر طبيباً في حياتها قط‏.‏

ويضيف‏:‏ ‏«‏إنها بصحة جيّدة‏،‏ ولم تتناول أي دواء قط‏»‏‏.‏

وتوفي زوج مارا قبل ‏36‏ عاماً‏،‏ لكنها لا تزال تبتسم حين تتحدّث عن العقود التي قضتها معه في زواج تقليدي رتّبته العائلة‏،‏ لكنه كان مفعماً بالحب‏.‏

وتتساءل‏:‏ ‏«‏وإلا فكيف أنجبتُ منه ‏7‏ أبناء؟‏»‏‏.‏

وشهدت حتى الآن تعاقب ‏5‏ أجيال من أسرتها حولها‏.‏

عاشت قرناً وزيادة... ولم تشبع من رائحة الريحان (أ.ف.ب)

وترقرقت الدموع في عينيها وهي تستعيد ذكرى من فقدتهم من أفراد عائلتها وأصدقائها‏،‏ لكن وجهها أشرق عندما اتصلت بها إحدى قريباتها للدردشة‏.‏ وتقول‏:‏ ‏«‏شاهدتهم يخطبون ويتزوّجون ويبنون بيوتهم وحياتهم الخاصة‏»‏‏.‏

وتستطرد‏:‏ ‏«‏حين أرى الناس يدخلون البيت ويخرجون منه‏،‏ أكون في غاية السعادة‏»‏‏.‏

ومن شبابها‏،‏ لم تحتفظ إلا بصورة واحدة‏،‏ تعود إلى نحو قرن‏،‏ وتُظهر شابة ترتدي وشاحاً أبيض يشبه تماماً الوشاح الذي كانت تضعه على رأسها‏.‏ وعلّقت مبتسمةً‏:‏ ‏«‏كان عمري ‏18‏ عاماً!‏»‏‏.‏


رغيف بـ1800 دولار... عندما يصبح الخبز أغلى من الذهب

ليس كل خبز طعام الفقراء فبعض الأرغفة يفوق سعره الحدّ الأدنى للأجور (بكسلز)
ليس كل خبز طعام الفقراء فبعض الأرغفة يفوق سعره الحدّ الأدنى للأجور (بكسلز)
TT

رغيف بـ1800 دولار... عندما يصبح الخبز أغلى من الذهب

ليس كل خبز طعام الفقراء فبعض الأرغفة يفوق سعره الحدّ الأدنى للأجور (بكسلز)
ليس كل خبز طعام الفقراء فبعض الأرغفة يفوق سعره الحدّ الأدنى للأجور (بكسلز)

هو أوّل الطعام، وأساسُه، وأقلُّه تكلفةً. الخبزُ أكلُ الفقراء الذين إن لم يجدوا ما يقتاتون به، يكتفون برغيفٍ منه. لكن حتى الخبز يتنكّر أحياناً للبسطاء الذين جعلوا منه وجبتهم الأساسية. إنه زمن الـ«ساوردو» (sourdough) والـ«شيباتا» (ciabatta) والـ«بيغل» (bagel)، ومزيدٍ من الابتكارات التي أخذت الخبز من شكله الكلاسيكي وجعلت منه وجبة رفاهية، بعضُها معجونٌ بالذهب.

من إسبانيا إلى نيويورك، مروراً بلندن وباريس، تتعدّد أشكال الخُبز وترتفع أسعاره لتُجاور الـ2000 دولار مقابل الرغيف الواحد أحياناً. فما هي أغلى أنواع الخبز حول العالم، ولماذا قد يتجاوز ثمنُ رغيف راتبَ فرد؟

الابتكارات في أنواع الخبز وأشكاله تُعدّ بالآلاف حول العالم (بكسلز)

خبز مشغول بالذهب

في قريةٍ صغيرة جنوب إسبانيا، مخبزٌ لا يشبه سواه في العالم فمنه يخرج أغلى خبز على الإطلاق. ينتمي مُنتَج «بان بينيا» إلى فصيلة الساوردو، وهو مصنوعٌ من أجوَد أنواع الطحين والخميرة، إضافةً إلى الملح والمياه. إلّا أنّ ما يرفع سعره إلى 1800 دولار مقابل الرغيف الواحد (400 غرام)، هي كمية صغيرة من الذهب الصالح للطعام والخالي من النكهة، التي تدخل في صناعة العجينة وتزيينها على هيئة أوراق رقيقة.

ابتكر الخبّاز خوان مانويل مورينو خبزه المذهّب ذاك، لاجتذاب السيّاح الأثرياء الذين يزورون منتجعات منطقة كوستا ديل سول المجاورة لمخبزه الصغير في بلدة ألغاتوسين الإسبانية.

خبز الساوردو الإسباني المصنوع من الذهب وهو الأغلى عالمياً (إنستغرام)

الخبز الذي شغل نيويورك

قبل 7 سنوات على ولادة الساوردو الإسباني المذهّب، برزَ اسمُ الشيف كريغ ريد لابتكاره خبز البيغل المغطّى بأوراق الذهب القابل للأكل. كان المعدن الثمين حينها لا يزال أرخص سعراً، فاقتصر ثمن الرغيف منه على 1000 دولار. والبيغل الذي كان يُباع حصراً لنزلاء فندق «وستن» في نيويورك، كان يُحشى بجبنة كريميّة بالكمأة البيضاء من صنف «ألبا»، وهو من بين الأغلى، الممزوجة بجبنة ماسكاربوني، إضافةً إلى هلام نبيذ «الريسلينغ» المنكّه بتوت «الغوجي»، مع شرائح رقيقة من الكمأة البيضاء الإيطالية؛ الأمر الذي ضاعف من سعره.

أوراق الذهب تزيّن خبز البيغل وحشوة الجبنة والكمأة (موقع فندق وستن نيويورك)

خبز الزعفران بـ200 دولار

يوم زار سلطان بروناي اسكوتلندا عام 1997، قرّر المخبز المحلّي في مدينة أبردين أن يكّرمه بخبزٍ يحمل بعضاً من نكهة جذوره. إلى خلطة الطحين والحليب والزبدة والسكّر والخميرة والملح، أضاف المخبز كمية سخيّة من الزعفران مانحاً الرغيف لونه الأصفر. وبما أنّ الزعفران هو من أغلى الأعشاب ومطيّبات الطعام، صار الرغيف يُباع إلى العامّة مقابل 200 دولار. فلم تقتصر متعة تَناولِه على سلطان بروناي.

خبز الزعفران الإنجليزي (إنستغرام)

رغيف بالشمبانيا والذهب

ليس بعيداً من اسكوتلندا، ابتكرت ويلز خبزاً خاصاً بها يُباع الرغيف منه مقابل 100 دولار. أما ميزة هذا الخبز فتكمن في أنّ عجينتَه تُمزَج مع مشروب الشمبانيا الفاخر وليس مع الماء. أما اللمسة الختاميّة فتزيينٌ بأوراق الذهب القابل للأكل.

يُغيّر استخدام الشمبانيا كبديلٍ عن الماء طبيعة العجين، إذ يضفي عليه لمسةً خفيفةً تذكّر برائحة الخميرة وتوحي بأجواء الاحتفال، وهي سمةٌ يعجز الماء العادي عن توفيرها. أما رقائق الذهب فليس الهدف منها تعزيز النكهة، بقَدرِ ما أنها تضفي إلى الخبز طابعاً فاخراً مناسباً للاحتفالات الخاصة، وليس للاستهلاك اليومي.

الخبز الذي يُعجن بالشمبانيا كبديل عن الماء (فيسبوك)

خبز بخميرة معمّرة

أحدثُ ابتكارات الخبز الباهظ ضجّت به نيويورك في صيف 2026. تحوّل الساوردو المصنوع من دقيق الجاودار النمساوي إلى ترند على وسائل التواصل الاجتماعي وإلى رمزٍ للرفاهية. يُباع هذا الخبز حصراً في مخبز الشيف مارتن آور في مانهاتن مقابل 60 دولاراً للرغيف الواحد، الذي يبلغ وزنه كيلوغراماً ونصف الكيلو.

أما ما يجعله باهظ الثمن فأوّلاً الدقيق النمساوي، الذي يُضاف إليه الماء والملح، وثانياً الخميرة المُستخدمة في صناعته والبالغة 57 عاماً. وتُترك العجينة 24 ساعة لتختمر قبل أن تُخبَز.

الخبز المصنوع من دقيق الجاودار النمساوي الفاخر والخميرة المعمّرة (إنستغرام)

«رغيف الراعي»

الرغيف الأرخص ثمناً على هذه القائمة يُباع حصراً في منطقة كوتسوولدز وسط إنجلترا. يُعرف بـ«رغيف الراعي» ويبلغ ثمنه 28 دولاراً ووزنه 2 كيلوغرام.

ابتكره الخبّاز توم هربرت في الأساس لصالح فيلم وثائقي من إنتاج «بي بي سي» حول البحث عن الرغيف المثالي. ويتكوّن رغيف الراعي من دقيق «السبلت» العضوي المعجون بمياه الينابيع من منطقة كوتسوولدز وملح البحر من منطقة كورنوال، إضافةً إلى خميرة طبيعية يتراوح عمرها ما بين 55 و64 عاماً، على أن تستمر عملية تخميره يومين.

رغيف الراعي المصنوع من مكوّنات عضويّة وبطريقة تقليدية (فيسبوك)

رغيف دالي أكلَه كلب بيكاسو

من خارج المنافسة وقائمة الخبز الأغلى سعراً، تبرز منحوتة الفنان الإسباني سلفادور دالي. وهي تجسّد الجزء العلوي من جسم امرأة تحمل فوق رأسها رغيف خبز حقيقي وعليه محبرة، كما تتدلّى الذرة من عنقها. ومن المعروف عن دالي وسائر الرسّامين العباقرة أنهم استلهموا الكثير من لوحاتهم من رغيف الخبز.

ووفق «مؤسسة دالي»، فإنّ كلب الرسّام بابلو بيكاسو التهمَ رغيف الخبز بعد عرض المنحوتة في باريس عام 1933.

منحوتة «تمثال نصفي لامرأة» لسلفادور دالي (موقع متحف الفن الحديث في نيويورك)

كيف يتحوّل الخبز إلى سلعة ثمينة؟

في تركيبته وتعريفه، الخبز سلعة رخيصة الثمن؛ فهو يُصنع من الدقيق والماء والخميرة والملح، ويُنتج بسرعة وعلى نطاق واسع بهدف إطعام أكبر عدد ممكن من الناس. في المقابل، يتعمّد الخبز الفاخر كسر كل تلك القواعد، إذ يعتمد غالباً على أنواع الدقيق التراثية أو المتخصصة بدلاً من الأنواع التجارية المتاحة، كما يرتكز على عملية التخمير الطبيعي البطيء بدلاً من أساليب التخمير التجاري السريع.

تلعب عوامل عدّة دوراً في تحوّل الخبز إلى سلعة ثمينة (بكسلز)

تُعزى الأسعار الخياليّة لبعض أرغفة الخبز حول العالم إلى عوامل عدّة:

* مكوّنات نادرة أو فاخرة مثل رقائق الذهب والفضّة والزعفران والكمأة، ما يرفع التكلفة بشكل كبير.

* اليد العاملة الماهرة: تُعَدّ صناعة الخبز الفاخر حرفة لا يتقنها سوى خبّازين ماهرين مستخدمين تقنيات تقليدية وأساليب دقيقة.

* محدودية التوفر: يُنتج العديد من هذه الأنواع بكميات محدودة، ما يعزز طابعها الحصري وجاذبيتها.

* الإبداع الفني في الطهي: لا تُعد بعض أنواع الخبز مجرد مواد غذائية فحسب، بل أعمال فنية في عالم الطهي، فترتفع أسعارها نظراً لجاذبيتها الجمالية وللوقت الذي يستغرقه تحضيرها.