قوات «الناتو» مع حلفاء إقليميين ضمن الخيارات لمواجهة «داعش»

«قمة ويلز» تتعهد بمساعدة العراق وأوكرانيا.. ولا حلول لسوريا * أوباما بحث تطورات المنطقة مع العاهل الأردني

أوباما يتحدث إلى كاميرون في اليوم الأول لقمة الناتو بمنتجع سيلتيك مانور في نيوبورت بويلز أمس (إ.ب.أ)
أوباما يتحدث إلى كاميرون في اليوم الأول لقمة الناتو بمنتجع سيلتيك مانور في نيوبورت بويلز أمس (إ.ب.أ)
TT

قوات «الناتو» مع حلفاء إقليميين ضمن الخيارات لمواجهة «داعش»

أوباما يتحدث إلى كاميرون في اليوم الأول لقمة الناتو بمنتجع سيلتيك مانور في نيوبورت بويلز أمس (إ.ب.أ)
أوباما يتحدث إلى كاميرون في اليوم الأول لقمة الناتو بمنتجع سيلتيك مانور في نيوبورت بويلز أمس (إ.ب.أ)

جدد حلف شمال الأطلسي (الناتو) تعهده لمواجهة «الإرهاب الدولي» ومنعه من التمتع بملاذ آمن. وفي حين عدّ أمين عام الحلف أندرس فوغ راسموسن في قمة «الناتو» أن الحلف نجح في منع «الإرهاب الدولي» من التمركز في أفغانستان، وجعل منها ملاذا آمنا، فإن تمركز تنظيم «داعش» في العراق وسوريا بات يشكل تهديدا للحلف، خاصة مع انضمام المئات من الأميركيين والأوروبيين في صفوف التنظيم.
وتعهد الأمين العام لـ«الناتو» بـ«عدم السماح بتمتع الإرهاب الدولي بملاذ آمن». وبدوره، قال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون: «التهديد من التطرف الإسلامي خرج بشكل جديد في العراق وسوريا»، وعدّ هذا التهديد مع التهديد من «الوجود الروسي غير القانوني في روسيا» تهديدين على الحلف مواجهتهما.
ورغم أن التطورات في العراق وسوريا والمخاوف من تنظيم «داعش» لم تكن مجدولة رسميا على برنامج اليوم الأول من قمة «الناتو» المنعقدة في بلدة نيوبروت جنوب غربي المملكة المتحدة، إلا أنها كانت حاضرة في غالبية الجلسات. وكانت الجلسة الأولى لقادة دول «الناتو» مخصصة لأفغانستان، والجلسة الثانية مخصصة لأوكرانيا. إلا أن اجتماعات وزراء الخارجية ووزراء الدفاع المنفصلة تطرقت إلى هذه الأزمة، وإمكانية تشكل تحالف دولي يقوم بعمل عسكري في العراق وبدعم سياسي لإنهاء الإمدادات لـ«داعش».
وانطلقت نقاشات معمقة حول كيفية مواجهة تنظيم «داعش» في اليوم الأول من قمة حلف الشمال الأطلسي «الناتو» المنعقدة في بلدة نيوبورت بمقاطعة ويلز. وكانت هذه القضية في مقدمة نقاشات الرئيس الأميركي باراك أوباما، أمس، خاصة عند اجتماعه بالعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني.
والتقى أوباما مع العاهل الأردني على هامش القمة في اجتماع مغلق لبحث التطورات في العراق وسوريا و«التحالف الدولي» الذي تسعى واشنطن لبنائه لمواجهة «داعش». وحضر الاجتماع مستشارة الأمن القومي الأميركية سوزان رايس، ووزير الخارجية الأميركي جون كيري، والمنسق في البيت الأبيض لقضايا الشرق الأوسط والخليج فيل غوردون.
وأفاد مصدر دبلوماسي أميركي لـ«الشرق الأوسط» بأن «المطلوب بناء تحالف دولي يشمل العشرات من الدول، ويتمتع بتأييد دولي واسع». لكن المصدر أقرّ بأن مع الأزمة الحالية مع روسيا يصعب الحصول على دعم من مجلس الأمن لمثل هذا التحالف، متوقعا أن تتحرك الولايات المتحدة ضمن هذا التحالف في حال حصلت على دعم أوروبي وعربي واسع. وستركز الجهود الأميركية والأوروبية على هذا المنحى خلال المرحلة المقبلة.
وفي تطور لم يُعلن عنه سابقا، يرتقب أن ينعقد اجتماع مغلق حول العراق صباح اليوم يبحث الخيارات العسكرية والأمنية المتاحة لمواجهة «داعش» في العراق. والاجتماع المنعقد على هامش القمة لا يشمل جميع الأعضاء، بل سيكون مقتصرا على المملكة المتحدة والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وتركيا، وربما يشمل دولتين أخريين. ويُذكر أن رجب طيب إردوغان يحضر القمة للمرة الأولى رئيسا لتركيا، بعد تنصيبه الأسبوع الماضي، ووجهت تساؤلات عدة من حلفاء أوروبيين لتركيا حول عبور المقاتلين عبر الحدود التركية للانضمام إلى «داعش».
ومن المرتقب أن تكون هذه من بين القضايا التي تُبحث في اجتماع صباح اليوم. وحتى مساء أمس، لم تكن أي من الدول العربية المشاركة في القمة مدعوة للاجتماع المغلق. وبالإضافة إلى حضور العاهل الأردني عبد الله الثاني ووزير خارجيته ناصر جودة، القمة، حضر ولي العهد البحريني الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ووزير خارجية البحرين الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة. وحضر وزير الدولة الشؤون الخارجية الإماراتية أنور قرقاش، ووكيل وزارة الدفاع الإماراتية محمد الفلاسي، بينما مثّل المغرب وزير الدولة المكلف شؤون الدفاع عبد اللطيف لوديي.
وأكد مصدر بريطاني مطلع على الملف العراقي أن «جميع الخيارات متاحة، ونحن ننظر بكل الوسائل الممكنة في المرحلة المقبلة». ويشمل التخطيط البريطاني تنسيق ضربات جوية مع الولايات المتحدة، بالإضافة إلى التنسيق الأمني مع القوات العراقية والبيشمركة، من خلال المبعوث الأمني البريطاني السير سايمون مايال، الذي عينه كاميرون في 24 أغسطس (آب) الماضي. كما أن البريطانيين شددوا، خلال اجتماعات أمس، على ضرورة التحرك السريع فور إعلان الحكومة العراقية. وهناك موقف منسجم بين أعضاء «الناتو» بأن أي تحرك في العراق سيحتاج إلى حكومة شاملة تمثل جميع أطياف الشعب العراقي.
وبينما تبدو الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا متفقة على ضرورة التحرك لمواجهة «داعش» في أسرع وقت ممكن، فإن تلك الدول تجمع على أن أي تحرك أو خطة بعيدة الأمد تحتاج إلى عناصر عدة، على رأسها تشكيل الحكومة العراقية الجديدة.
ويضغط دبلوماسيو تلك الدول على رئيس الوزراء المكلف حيدر العبادي للعمل على تشكيل حكومة شاملة ومتوازنة يمكنها العمل مع المجتمع الدولي لصد «داعش». وهناك توافق بين الدول الكبرى في الحلف على خطوط عريضة للتحرك في العراق، تشمل بالدرجة الأولى دعم الجيش العراقي وإمداد قواته وقوات البيشمركة بالسلاح. ولكن هذا التوافق مفقود عند التطرق إلى الأزمة السورية. وشهدت اجتماعات أمس بحث خيارات عسكرية لمواجهة «داعش» في العراق، من دون أي اتفاق على العمل داخل سوريا. وكان من اللافت أن الدبلوماسيين الذين تحدثت إليهم «الشرق الأوسط» لم يحملوا حلولا ممكنة للملف السوري، وعدّوا أن التركيز في الوقت الراهن سيكون على العراق.
ولفت راسموسن إلى أن «الناتو» بنى أكبر تحالف في التاريخ الحديث، حيث إن نحو ربع دول العالم اجتمعت من أجل هدف واحد، لمنع الإرهاب الدولي من التمتع بملاذ آمن، في إشارة إلى الحرب في أفغانستان. ويبدو أن فكرة بناء تحالف من أعضاء «الناتو» وشركاء خارجه تراود بعض أعضاء الحلف. وسيكون لزيارة وزير الخارجية الأميركي جون كيري، ووزير الدفاع الأميركي تشاك هيغل، وقع في تطوير فكرة التحالف الذي تسعى إليه الولايات المتحدة. وقال راسموسن: «ربع دول العالم انضمت إلى تحالف لدحر الإرهاب الدولي (في أفغانستان).. ولم تنتهِ جهودنا بعد». ويركز «الناتو» على الشركاء خارج الحلف وما أنجزته تلك الشراكات في قوات «إيساف» في أفغانستان.
ويُذكر أن الأردن يقدم أكبر مساهمة لـ«إيساف» لدولة غير عضو في «الناتو». وقال راسموسن: «نريد أن نواصل عملنا مع الشركاء الذين اعتمدنا عليهم في هذه المهمة ذات التحدي، وسنواصل هذه الجهود من خلال مبادرات شراكة تُطلق هنا في ويلز». وأعلن راسموسن لدى وصوله إلى نيوبورت أن «قمة الحلف الأطلسي هذه هي إحدى أكثر القمم أهمية في تاريخ الحلف»، مشيرا إلى أوكرانيا، وكذلك إلى الملف الكبير الملتهب الآخر المتمثل في التهديد الذي يمثله تنظيم «داعش» المسؤول عن ارتكاب فظائع في سوريا والعراق، الذي تبنى عمليتي قتل صحافيين أميركيين.
وقال راسموسن: «يتوجب على المجتمع الدولي بكامله وقف تقدم (داعش)». وكرر كاميرون، صباح أمس، في تصريح لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) أن تنظيم «داعش» يشكل «تهديدا مباشرا لبريطانيا»، بينما لم تعد لندن التي يواجه أحد مواطنيها المحتجز رهينة التهديد بالقتل بأيدي عناصر التنظيم، تستبعد المشاركة في الضربات الأميركية بالعراق. واستبق أوباما وكاميرون عقد القمة بنشر مقال رأي مشترك بعنوان «لن يخيفنا القتلى الوحشيون»، جدد فيه الرئيس الأميركي وحليفه رئيس الوزراء البريطاني تعهدهما بمواجهة التهديدات من «داعش» وروسيا. وأكد الزعيمان في مقال رأي نشرته صحيفة «ذا تايمز» اللندنية أن «(الناتو) اليوم في غاية الأهمية لمستقبلنا، كما كان لماضينا»، ليؤكدا على ضرورة استمرار الحلف في دوره بحماية أراضي وشعوب دول أوروبا وشمال أميركا. ولفت الزعيمان إلى «قوس من عدم الاستقرار يمتد من شمال أفريقا إلى الساحل إلى الشرق الأوسط». وهناك تأكيد على أن مواجهة «الإرهاب» لا يمكن أن تنحصر في العراق، حتى وإن كان استهداف المسلحين يبدأ من هناك.
ولفت كاميرون وأوباما اللذان اجتمعا في لقاء ثنائي صباح أمس إلى أن «التطورات، خاصة في العراق وسوريا، تهدد أمننا في بلداننا»، وأضافا: «(الناتو) ليس فقط تحالفا لأصدقاء يساعد بعضهم بعضا في وقت الحاجة، ولكنه أيضا تحالف مبني على المصالح الشخصية.. والتهديد من عودة المقاتلين الأجانب من العراق وسوريا يمثل تهديدا لدولنا».
وتقدم أوباما وكاميرون إلى أعضاء «الناتو» مباشرة للرد على هذه التهديدات، مما يعني مواصلة النقاشات خلال الأسابيع المقبلة. وقال أوباما وكاميرون في مقالهما: «لن نهتز في عزيمتنا على مواجهة (داعش).. دول مثل بريطانيا وأميركا لن تخاف من قتلى وحشيين». وكانت الرسالة هي نفسها التي قدمها الزعيمان للمجتمعين في نيوبورت، أمس.
ورأى راسموسن أن القمة التي تختتم أعمالها عصر اليوم ستكون «من أهم القمم في تاريخ التحالف»، مضيفا أن «هذه قمة مهمة في وقت مهم». وأضاف: «نحن نواجه مناخا أمنيا تغير كثيرا عن السابق»، في إشارة إلى الخلافات مع روسيا والمخاوف من «داعش».
وأضاف راسموسن: «سنتخذ قرارات مهمة لضمان أمن دولنا وإبقاء الروابط بين أوروبا وأميركا الشمالية، وبناء الأمن في عالم خطر».
ومن المرتقب أن يحمل البيان الختامي للقمة، عصر اليوم، ملامح بناء تحالف لمواجهة الإرهاب، بالإضافة إلى التركيز في البيان الختامي على دعم أوكرانيا وأفغانستان، بالإضافة إلى العمل على ضمان روابط التحالف وتقويتها. ومن غير المتوقع الإعلان اليوم عن استراتيجية لمواجهة «داعش»، ومن المتوقع أن تستغرق عملية بناء الحلف أسابيع عدة على الأقل. ومن المرتقب أن تكون اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة جوهرية في بناء هذا الحلف. كما انه من المرتقب أن يتقدم أوباما وكاميرون بطلب موافقة الكونغرس والبرلمان البريطاني قبل القيام بأي عمل عسكري موسع، في حال تقرر القيام بمثل هذا العمل.
وتشهد القمة اليوم مواصلة النقاشات بين الدول الأعضاء حول ضرورة رفع الإنفاق العسكري بين جميع أعضاء الحلف، كي لا تتحمل الولايات المتحدة، ومعها المملكة المتحدة، العبء الأكبر عسكريا في الحلف. كما يُرتقب أن يتضمن البيان الختامي الذي سيصدر اليوم اتفاق القادة على أولويات المشاريع الدفاعية خلال المرحلة المقبلة، ورفع قدرات استخباراتية رفيعة المستوى إلى الشرق باتجاه روسيا، والجنوب باتجاه الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.



الفاتيكان يعزز الإجراءات الأمنية... ويسعى لتجنّب «العسكرة»

صورة أرشيفية من داخل كنيسة القديس بطرس في الفاتيكان (رويترز)
صورة أرشيفية من داخل كنيسة القديس بطرس في الفاتيكان (رويترز)
TT

الفاتيكان يعزز الإجراءات الأمنية... ويسعى لتجنّب «العسكرة»

صورة أرشيفية من داخل كنيسة القديس بطرس في الفاتيكان (رويترز)
صورة أرشيفية من داخل كنيسة القديس بطرس في الفاتيكان (رويترز)

قال أحد كبار رجال الدين في الفاتيكان، الاثنين، إن الفاتيكان سيعزز الإجراءات الأمنية داخل كاتدرائية القديس بطرس بعد أعمال التخريب في الآونة الأخيرة، لكنه يريد تجنّب «عسكرة» واحدة من أكثر الكنائس جذباً للزوار في العالم.

وذكر الكاردينال ماورو غامبيتي أن أكثر من 20 مليون شخص زاروا الكاتدرائية العام الماضي، وأن تلك الوقائع في الآونة الأخيرة كانت «محدودة للغاية» مقارنة بإجمالي عدد الزوار.

وقال غامبيتي، في مؤتمر صحافي بمناسبة الذكرى الـ400 لتكريس الكاتدرائية، وهي واحدة من أكبر الكاتدرائيات في العالم المسيحي: «نحن نفكر، وسنقوم الآن بشيء ما، من أجل توفير مزيد من الحماية لبعض الأماكن»، حسبما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

رئيس كهنة كاتدرائية القديس بطرس البابوية الكاردينال ماورو غامبيتي يتحدث إلى الصحافيين في الفاتيكان 16 فبراير 2026 (أ.ب)

ويخضع الزوار حالياً للتفتيش قبل الدخول، في حين يوجد ما بين 40 و60 فرد أمن غير ظاهرين بشكل لافت داخل الكاتدرائية. وأشار جامبيتي إلى أن الإجراءات الجديدة ستكون بسيطة.

وقال: «سألنا أنفسنا عن الحد الذي يجب أن نذهب إليه في الحماية أو في العسكرة... لإدارة كل شيء والتحكم في كل شيء».

وأضاف «نعتقد أنه يجب أن يظل مكاناً يمنح الأشخاص الذين يدخلون الكاتدرائية لمحة من الحرية، لذلك لا يمكن تجاوز حدود معينة».

وحثّ غامبيتي الصحافيين على تجنّب تشجيع سلوك التقليد، قائلاً إن التقليد أصبح أسهل في مجتمع تشكله وسائل التواصل الاجتماعي و«الدروس التعليمية» عبر الإنترنت.

وأوضح: «نعتقد أننا نستخدم التكنولوجيا، ولكن في الواقع التكنولوجيا هي التي تستخدمنا»، داعياً إلى بذل جهود أوسع من قبل المؤسسات ووسائل الإعلام لتثقيف الناس والمساعدة في منع وقوع المزيد من الحوادث.

وتخضع الإجراءات الأمنية للمراقبة منذ وقوع سلسلة من الحوادث حول المذبح الرئيسي للكاتدرائية.

مشاركون يؤدون صلاة التبشير الملائكي بساحة القديس بطرس في الفاتيكان 15 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قُبض على رجل مجهول الهوية بعد أن تسلّق المذبح وتبوّل عليه، في حين خلال فبراير (شباط) 2025، تسلّق رجل المذبح وأسقط عدة شمعدانات على الأرض، مما أدى إلى إتلافها.

وفي يونيو (حزيران) 2023، خلع رجل من أصل بولندي ملابسه، وتسلق على المذبح نفسه احتجاجاً على الحرب في أوكرانيا.

وقال غامبيتي إن الفاتيكان يدرك أن بعض المسؤولين عن مثل هذه الأفعال قد يكونون في غاية الضعف، وأن هناك حاجة إلى فهم ومعالجة نقاط الضعف الموجودة في المجتمع.

وتابع قائلاً: «هناك نقاط ضعف اليوم تتجاوز ما كنا نتخيله قبل 20 عاماً فقط».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


المجر تطلب مساعدة كرواتيا بعد توقف تدفق النفط الروسي عبر أوكرانيا

ناقلة النفط الخام «فلاديمير مونوماخ» التابعة لشركة «روسنفت» الروسية للنفط في أثناء عبورها مضيق البوسفور في إسطنبول بتركيا (رويترز)
ناقلة النفط الخام «فلاديمير مونوماخ» التابعة لشركة «روسنفت» الروسية للنفط في أثناء عبورها مضيق البوسفور في إسطنبول بتركيا (رويترز)
TT

المجر تطلب مساعدة كرواتيا بعد توقف تدفق النفط الروسي عبر أوكرانيا

ناقلة النفط الخام «فلاديمير مونوماخ» التابعة لشركة «روسنفت» الروسية للنفط في أثناء عبورها مضيق البوسفور في إسطنبول بتركيا (رويترز)
ناقلة النفط الخام «فلاديمير مونوماخ» التابعة لشركة «روسنفت» الروسية للنفط في أثناء عبورها مضيق البوسفور في إسطنبول بتركيا (رويترز)

لجأت المجر وسلوفاكيا إلى كرواتيا للحصول على النفط الروسي بعد انقطاع تدفقه عبر أوكرانيا؛ ما أدى إلى خلافات بين كييف والبلدين.

وحمَّلت وزارة الخارجية الأوكرانية، الأسبوع الماضي، هجوماً روسياً على خط أنابيب في أوكرانيا مسؤولية توقف تدفق النفط إلى أوروبا الشرقية منذ 27 يناير (كانون الثاني).

وفي ذلك الوقت، نشر وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيها صورة على منصة «إكس» لعناصر من الدفاع المدني إلى جانب ما قال إنها بنية تحتية لخط أنابيب دروجبا تحترق، متهماً المجر بعدم التعليق على الواقعة لمدة أسبوعين؛ لأن حليفتها روسيا هي المسؤولة عن ذلك.

وردت المجر سريعاً، واتهمت بدورها الأوكرانيين بقطع التيار الكهربائي عن ذلك الجزء من خط الأنابيب.

حقل فانكورسكوي النفطي المملوك لشركة «روسنفت» شمال مدينة كراسنويارسك بسيبيريا الروسية (رويترز)

مساعدة كرواتية

قال وزير الخارجية المجري بيتر سيارتو في منشور على «إكس» إن المجر وسلوفاكيا طلبتا من كرواتيا السماح بتدفق النفط الروسي عبر خط أنابيب أدريا بدلاً من خط دروجبا.

وكتب سيارتو على «إكس» قائلاً: «نطلب من كرواتيا السماح بنقل النفط الروسي إلى المجر وسلوفاكيا عبر خط أنابيب أدريا؛ إذ إن إعفاءنا من العقوبات يتيح استيراد النفط الروسي عن طريق البحر في حالة تعطل إمدادات الأنابيب».

وأضاف: «أمن إمدادات الطاقة في أي بلد لا بد ألا يتحول إلى مسألة آيديولوجية؛ لذلك نتوقع من كرواتيا، على عكس أوكرانيا، ألا تعرض أمن إمدادات النفط في المجر وسلوفاكيا للخطر لأسباب سياسية».

وأشار وزير الاقتصاد الكرواتي إلى أن بلاده ستكون قادرة على تلبية طلب المجر.

وقال: «لن تسمح كرواتيا بتعريض إمدادات الوقود في وسط أوروبا للخطر. نحن على استعداد للمساعدة في حل هذا التعطل الكبير»، مضيفاً أن تعاونها سيكون متوافقاً مع قانون الاتحاد الأوروبي ولوائح مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي.

ويمتد خط أنابيب النفط أدريا من ميناء أوميسالج الكرواتي إلى مصافي النفط في كرواتيا وغيرها في جنوب ووسط أوروبا.

وتتمتع كل من المجر وسلوفاكيا بإعفاءات من عقوبات الاتحاد الأوروبي على النفط الروسي المنقول عبر الأنابيب، وتعتمدان على النفط والغاز الروسيين، ووقفتا ضد تحركات الاتحاد الأوروبي لوقف تلك التدفقات في إطار الجهود الرامية إلى قطع تمويل حرب روسيا في أوكرانيا من عائدات الطاقة.


ألمانيا تنتقد فرنسا لعدم إنفاقها ما يكفي على دفاعها

علَما الاتحاد الأوروبي وحلف «الناتو» في برلين (رويترز)
علَما الاتحاد الأوروبي وحلف «الناتو» في برلين (رويترز)
TT

ألمانيا تنتقد فرنسا لعدم إنفاقها ما يكفي على دفاعها

علَما الاتحاد الأوروبي وحلف «الناتو» في برلين (رويترز)
علَما الاتحاد الأوروبي وحلف «الناتو» في برلين (رويترز)

لم تستمر طويلاً الجبهة الموحدة، التي جمعت الأوروبيين في ميونيخ في وجه الولايات المتحدة. فبالكاد انتهى مؤتمر ميونيخ للأمن يوم الأحد، بعدما شكّل بداية عهد جديد في العلاقات الأميركية - الأوروبية، حتى عادت التصدعات بين أكبر قوتين داخل الاتحاد الأوروبي للظهور.

ووجّه وزير الخارجية الألماني، يوهان فادفول، انتقادات مباشرة لفرنسا لعدم إنفاقها ما يكفي على دفاعها، قائلاً في مقابلة إذاعة «دوتشلاند فونك» الألمانية، إن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون «يتحدث عن حق بشكل متكرر عن السعي للوحدة الأوروبية، ولكن للأسف جهود فرنسا لتحقيق ذلك غير كافية حتى الآن». وأضاف أن ألمانيا تعهدت بإنفاق 5 في المائة من ناتجها الإجمالي على الدفاع، وهي النسبة الجديدة التي يوصي بها الحلف الدول الأعضاء بحلول عام 2035.

وأشار فادفول إلى أن ألمانيا بدأت تنفّذ خطة للوصول إلى إنفاق 5 في المائة على الدفاع، قائلاً إن «التخطيط المالي على المدى المتوسط يسمح لنا بذلك». ولكنه أضاف: «عندما ننظر إلى الدول المجاورة لنا، حلفائنا، ما زال هناك مجال للتحسين... وعلى فرنسا أن تقوم بما نقوم به نحن، أن تطبق بعض إجراءات التقشف في المجالات الاجتماعية وتوفر في أماكن أخرى كي يكون لديها مجال لتحقيق أهداف مهمة متعلقة بالمقدرات الدفاعية الأوروبية».

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع نظيره الألماني يوهان فادفول في ميونيخ (إ.ب.أ)

وفي انتقاد مباشر للرئيس الفرنسي، قال فادفول: «من يريد التحدث عن الاستقلال عن الولايات المتحدة اليوم عليه أولاً أو يقوم بواجباته داخلياً أولاً، أوروبا ما زال أمامها الكثير من العمل».

وبينما مضت الحكومة الألمانية في إنفاق غير مسبوق منذ عقود على الدفاع، وأدخلت تعديلات على الدستور تزيل سقف المديونية كي تتمكن من الاستدانة للإنفاق على دفاعها، تتلكأ فرنسا التي تعاني من عبء دين وطني أعلى بكثير.

وكان الرئيس الفرنسي اقترح استدانة أوروبية مجتمعة فيما يُعرف بالـ«يوروبوند»، ولكن ألمانيا ترفض الفكرة بشكل قاطع. وقد كرّر وزير الخارجية الألماني تأكيد بلاده لهذا الرفض، قائلاً: «نحن لسنا مستعدين لذلك بتاتاً»، مضيفاً أن دول «الناتو» تعهدت بإنفاق 5 في المائة من الناتج الوطني الإجمالي لكل دولة بمفردها. وأشار فاديفول إلى أن ألمانيا تترقب خطاباً للرئيس الفرنسي نهاية الشهر سيتحدث فيه عن مسائل استراتيجية، يأمل أن تتضمن إعلاناً بزيادة الإنفاق العسكري.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في ميونيخ (د.ب.أ)

وأمام الضغوط الأميركية المتزايدة على الدول الأوروبية لزيادة إنفاقهم العسكري وتقليل الاعتماد عليها، اعتمدت ألمانيا خطاباً تصالحياً مع حليفها الأميركي، وفي الوقت نفسه تعهدت بالعمل على تقوية أمنها. وكان واضحاً من خطاب المستشار فريدريش ميرتس في مؤتمر ميونيخ أن برلين تعي أن العلاقة المتغيرة مع الولايات المتحدة تقتضي أن تزيد من إنفاقها الدفاعي. وبالنسبة لألمانيا، فإن قرار زيادة إنفاقها الدفاعي، يعتبر تاريخياً نظراً لتعمدها طوال عقود منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إضعاف جيشها وتخفيض الإنفاق العسكري، والاعتماد في المقابل على المظلة الأميركية.

وكان لافتاً كذلك أن رئيس أركان الدفاع الألماني، كارستن بروير، وجّه نداء مشتركاً مع نظيره البريطاني، ريتشارد كينغتن، لزيادة التسليح في القارة. وكتب العسكريان مقالاً مشتركاً نشرته صحيفة «دي فيلت» الألمانية و«ذي غارديان» البريطانية، حددا فيه أسباب ضرورة إعادة تسلح أوروبا بالقول إن «روسيا من الواضح أنها تحول قدراتها العسكرية غرباً» وإنها «تتعلم من الحرب في أوكرانيا بسرعة وتعيد تنظيم نفسها بطريقة تزيد من مخاطر اندلاع صراع مع دول (الناتو)». وخلصا إلى أن هذه المخاطر تجعل من إعادة التسليح «واجباً أخلاقياً وخطوة مسؤولة من دول مصممة على حماية شعوبها وحفظ الأمن».

الرئيس الأميركي والأمين العام لـ«الناتو» يتحدثان خلال مؤتمر صحافي في قمّة بلاهاي في يونيو 2025 (د.ب.أ)

واعتبر رئيسا الأركان أن قرار «الناتو» في الصيف الماضي برفع توصية الإنفاق العسكري إلى 5 في المائة لكل دول الحلف بحلول عام 2035 «يعكس واقعاً أمنياً جديداً ويتطلب من كل الدول الأعضاء اتخاذ قرارات صعبة ووضع أولويات للإنفاق العام». وحذرا من أنه إذا «رأت روسيا أن أوروبا ضعيفة أو منقسمة، فهي ستتشجع لتوسيع اعتدائها أبعد من أوكرانيا، فالتاريخ يعلمنا أن الردع يفشل عندما يشعر الخصوم بالانقسام والضعف».

وجاء المقال للعسكريين في اليوم الأخير لمؤتمر ميونيخ للأمن الذي لم يترك مجالاً للشك أمام الأوروبيين بأن إدارة الرئيس دونالد ترمب مصممة على فتح صفحة جديدة مع الأوروبيين، تعتمد على زيادة مسؤوليتهم عن أمنهم والانسحاب تدريجياً من أمن القارة. وألقى وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، خطاباً أمام المؤتمر أكّد فيه استمرار التحالف الأميركي الأوروبي، ولكنه ألحقه بشروط تتعلق بأن تصبح أوروبا أقوى وتقلص اعتمادها الأمني على الولايات المتحدة وتعتمد سياسة هجرة مختلفة «للحفاظ على الحضارة الأوروبية». وبدت النقطة الأخيرة تكراراً لما تحدث به العام الماضي نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس أمام مؤتمر ميونيخ وشكل صدمة آنذاك للأوروبيين. ورغم أن كلام روبيو لم يختلف كثيراً في المضمون، ولكنه ألقاه بأسلوب أكثر دبلوماسية، ما أكد للأوروبيين أن الرسالة الأميركية لن تتغير مهما كان حاملها.

وقالت سيليست والندر، مساعدة وزير الدفاع الأميركي السابقة لشؤون الأمن الدولي، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما شهدناه في مؤتمر ميونيخ هو أساس علاقة أوروبية - أميركية جديدة يمكنها أن تكون بناءة ومنتجة ولكن علينا أن نرى كيف ستعمل». وأضافت أن هذه العلاقات بدأت تتغير بين الطرفين منذ مدة، ولكن الآن «بات هناك فهم أكبر لدى الأوروبيين بأننا في عصر جديد». وما زالت أوكرانيا الهاجس الأكبر بالنسبة للأوروبيين القلقين من أن انسحاباً أميركياً قد يقوي روسيا أكثر. ويكرر المسؤولون الأوروبيون وكذلك الرئيس الأوكراني، أنه لا يمكن إنهاء الحرب في أوكرانيا من دون ضمانات أمنية أميركية. ولكن الولايات المتحدة لا تبدو مستعدة لتقديم ضمانات كهذه، وهي تريد من الأوروبيين الالتزام بحماية أوكرانيا بمفردهم.

جنود من فرنسا وبولندا يشاركون في مناورة عسكرية مشتركة مع جنود من كثير من دول «الناتو» على نهر فيستولا في كورزينيو ببولندا 4 مارس 2024 (د.ب.أ)

وقالت والندر: «إن الإدارة الأميركية كانت واضحة بأن إمكانياتها في هذا المجال محدودة وأنه سيكون على الأوروبيين أن يتحملوا تلك المسؤولية». وأضافت تعليقاً على الضمانات الأمنية التي تطالب بها كييف الولايات المتحدة، أنها «مثيرة للجدل في السياسة الأميركية الداخلية وفي الانتخابات الرئاسية القادمة عام 2028، خاصة أن البيت الأبيض يريد تقليص أعداد الجنود في أوروبا وليس زيادتهم».

وأمام هذه التحديات التي تواجه الأوروبيين مع حليفهم عبر الأطلسي، تبدو الخلافات الألمانية الفرنسية عقبة أمام صوت أوروبي موحد وقوي، سيتعين على الدولتين الأقوى داخل الاتحاد الأوروبي تخطيها إذا ما أرادت أوروبا أن تنجح بالاستقلال فعلاً عن الولايات المتحدة.