عصر ريوا الجديد والأسرة الإمبراطورية اليابانية

عصر ريوا الجديد والأسرة الإمبراطورية اليابانية

السبت - 28 شهر رمضان 1440 هـ - 01 يونيو 2019 مـ رقم العدد [ 14795]
أكيهيتو - هيروهيتو - ناروهيتو
> تُعد الأسرة الإمبراطورية اليابانية السلالة الأعرق في العالم، إذ تعود لأكثر من خمسة عشر قرناً، وفقاً للعلوم التاريخية، ولأكثر من ذلك بكثير، وفقاً للأساطير اليابانية التي تربط العائلة الإمبراطورية بالآلهة المؤسسة لليابان، وهو ربط استمر لغاية هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية. والهزيمة قد تشكل نقطة تاريخية مناسبة للنظر إلى عهد الإمبراطور الياباني الجديد ناروهيتو الذي يحمل اسم عصر «ريوا» وما قد يميزه بالمقارنة مع الجيلين السابقين من الأباطرة.
رغم أن الإمبراطور هيروهيتو الذي أعلن هزيمة اليابان في أغسطس (آب) 1945 قد قام أيضاً بالتخلي رسمياً عن صفة الألوهية، فإنه ظل يُعامَل فعلياً كإله من قبل اليابانيين حتى نهاية عهد «شووا» بوفاته عام 1989، إذ كان نادر التواصل مع العامة، وإن فعل فإنه كان غالباً يقف على منصة عالية ينظر منها إلى الجمهور في أجواء مهيبة وشديدة الجمود.
وبالفعل فقد كان عصر «شووا» مليئاً بالأحداث الجسام من أهوال الحرب العالمية الثانية إلى النهوض الياباني المدهش في النصف الثاني من القرن العشرين، الذي شكل معجزة اقتصادية غير مسبوقة.
بالمقارنة مع ذلك، حقق ابنه الإمبراطور أكيهيتو في عهده المسمى «هيسي» ردماً للفجوة بين الأسرة الإمبراطورية وعامة الشعب من خلال عشرات الزيارات التي شملت جميع المقاطعات اليابانية، خصوصاً تلك التي شهدت كوارث طبيعية؛ إذ كان يزور المناطق المنكوبة مرتدياً اللباس البسيط لموظفي المؤسسات الحكومية العاملة في مشاريع الإنقاذ أو إعادة الإعمار، ويصافح المواطنين ويتحدث إليهم مباشرة، بل إنه قام بتمسيد كتفي سيدة عجوز خلال زيارته لدار للمسنين في طوكيو عام 1997.
كذلك قام بالتركيز على زيارة معالم الحرب العالمية الثانية، خصوصاً منها النصب التذكارية للضحايا في اليابان ومختلف دول آسيا، في إشارة واضحة إلى رغبته بتحمل جزء من المسؤولية الأخلاقية عن الحرب، بينما كان النفي الرسمي قاطعاً لأي دور لوالده الإمبراطور هيروهيتو في قيادة البلاد إلى الحكم العسكري والحرب التي أشعلت آسيا وتسببت بقتل عشرات الملايين في مستعمرات الإمبراطورية اليابانية.
ولقد كان عصر «هيسي» بحد ذاته أقل دراماتيكية بكثير من سابقه، فيما عدا وقوع الكوارث الطبيعية، حيث شهد انفجار الفقاعة الاقتصادية اليابانية، ودخول الاقتصاد الياباني مرحلة ركود مزمن، وتحوّل اليابان إلى مجتمع رمادي مسنّ، وظهور القلق من منافسة الجيران لليابان، وهو قلق بدأ مع صعود قطاع السيارات الكوري الجنوبي ثم تفاقم مع النهوض الشامل للاقتصاد الصيني، ليجد اليابانيون أنفسهم في مزاج قاتم إزاء مستقبل بلادهم.
أما الجديد في السنوات الأخيرة، فهو تحول هذا القلق من دول الجوار إلى عدوانية غير مسبوقة وأجواء متوترة على الصعيد السياسي بل والعسكري أحياناً، في منطقة شمال شرقي آسيا، وإذ تمتد الأزمة بين طوكيو وبيونغ يانغ إلى الحرب الكورية في خمسينات القرن الماضي، فإن المستوى العالي من التوتر بين الصين واليابان حديث العهد نسبياً وتغذيه من جهة لهجة بكين التي تعبّر بوضوح متزايد عن طموحات إحياء النفوذ الصيني التاريخي في المنطقة، ومن جهة أخرى سعي الحكومة اليابانية لتغيير الدستور الياباني وإلغاء الفقرة التاسعة التي تحرم على طوكيو دخول الحروب.
ويبدو أن الإمبراطور الياباني الجديد ناروهيتو سيسير على خطى أبيه في التعبير المبطن عن رفضه لهذه التوجهات والتأكيد على أهمية الالتزام بمفاهيم السلام وحقوق الإنسان والديمقراطية التي تبدو أحياناً مهدَّدة مع تراجع اليابان في الترتيب العالمي لحرية الصحافة، وغير ذلك من المؤشرات. ثم أن الاهتمام المشترك للإمبراطور الجديد والإمبراطورة ماساكو بقضايا البيئة (خصوصاً «قضية المياه») ومشاركة المرأة في الاقتصاد الياباني يرجح أن الزوجين الإمبراطوريين سيشكّلان صوتاً حضارياً للعقلانية في منطقة مرشحة للتوجه نحو المزيد من التوتر والمواجهات.
حصاد

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة