وزير الخارجية الباكستاني لـ«الشرق الأوسط»: القمة الإسلامية لتجنب نشوب حرب

قريشي قال إن العزلة التي تعيشها إيران لن تساعدها على الإطلاق

وزير خارجية باكستان
وزير خارجية باكستان
TT

وزير الخارجية الباكستاني لـ«الشرق الأوسط»: القمة الإسلامية لتجنب نشوب حرب

وزير خارجية باكستان
وزير خارجية باكستان

أكد وزير الخارجية الباكستاني شاه محمود قريشي، أن القمة الإسلامية التي تستضيفها السعودية بحضور زعماء دول الخليج والدول العربية والإسلامية فرصة سانحة لدراسة الأوضاع الساخنة والمتوترة في المنطقة وتجنب نشوب حرب لا يمكن التحكم بها، خصوصاً بعد التوترات التي نتجت عن الأعمال التخريبية التي تقوم بها إيران في المنطقة من خلال أذرعتها في عدد من الدول.
وفيما يتعلق بالصواريخ الباليستية التي أطلقها الحوثيون ذراع إيران في اليمن باتجاه منطقة مكة المكرمة، قال قريشي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن أي اعتداء على السعودية والحرمين الشريفين هو اعتداء على باكستان، مؤكداً أن بلاده ستكون حاضرة على الفور، في حال وقوع أي خطر تجاه أراضي السعودية، مشيداً بالدعم المتواصل الذي تتلقاه باكستان من السعودية على مدى تاريخها.

رسالة القمة الإسلامية

وتطرق وزير الخارجية الباكستاني إلى منظمة العالم الإسلامي وأهميتها والدور الذي تقوم به، وقال: «باكستان تشعر أن منظمة العالم الإسلامي منصة مهمة جداً تبرز الصورة والتوجه للعالم الإسلامي أجمع للتواصل مع بقية دول العالم، ولذلك نحن نجد أن الرسائل التي تصدر من منظمة العالم الإسلامي لها نصيب من الاهتمام العالمي والدولي للمكانة الكبيرة التي تحتلها المنظمة بالنسبة إلى المجتمع الدولي».
وأوضح أن «باكستان ترى أن رسائل المنظمة ستتركز على السلام والاستقرار والتطور والتعايش والمشاركة مع الغير والاهتمام بأحوال الدول الأعضاء كما هي عادتها». وأضاف: «نحن نؤمن بأن رسائل المنظمة تتضمن دحر ومحاربة الإرهاب بصورة جماعية، وكذلك محاربة خطابة الكراهية، والوقوف بحزم لتفهم أسباب قضية الإسلاموفوبيا».
وتطرق قريشي إلى الجوانب السياسية المتوقع مناقشتها في القمة الإسلامية، مؤكداً أن المنظمة أفضل بيئة ومنصة لمناقشة عدم الاستقرار الحاصل في المنطقة، معرباً عن اعتقاده بأن يعقد الجميع اجتماعاته لمناقشة مثل هذه القضايا المهمة في المنطقة، ومعرفة طريقة التعامل معها.

الحرب ليست حلاً

وحول تزايد احتمالات قيام حرب في ظل التوترات الناشئة عن التدخلات الإيرانية في المنطقة قال وزير الخارجية الباكستاني: «شخصياً أرى أن قيام الحرب لن يخدم أي طرف أبداً، ولن يخدم المنطقة أيضاً وكذلك الاقتصاد العالمي، وسيضعف الاستثمار في المنطقة كاملة، وستزيد من خطر الأنشطة الإرهابية، كما أن مثل ذلك ستكون له دواعٍ سلبية على أسعار النفط عبر ارتفاعها، ما يؤثر على التجارة بشكل عام وكذلك على الدول المستهلكة للنفط، وهذا يعني أن الحرب ليست حلاً».

إيران وعزلتها

وأضاف قريشي أن «إيران تظل رغم كل شيء جزءاً من المنطقة ولا نستطيع إلغاءها أو حذفها من موقعها؛ لذلك أرى أن علينا البحث عن طريقة للتعامل مع طهران، والسؤال المطروح هنا: هل الأفضل التعامل مع إيران بمعزل عن علاقات معها، أم الأفضل التعامل معها وإشراكها في محيطها؟ في المقابل إيران نفسها يجب أن تقرر هل من الجيد لها أن تكون شريكة المنصة الكبرى التي تمثل الأمة الإسلامية؟ أو تريد أن تشارك وهي مستمرة في عزلتها؟ برأيي العزلة التي تعيشها إيران لن تساعدها على الإطلاق».
وعن الصواريخ الباليستية التي أطلقها الحوثيون، ذراع إيران في اليمن، على مكة المكرمة للمرة الثالثة إضافةً إلى عدد من المناطق السعودية الأخرى، قال وزير الخارجية الباكستاني: «نقف بجوار السعودية في الحرب والسلم ولن نرضى بأي اعتداء يحدث عليها من أي طرف، خصوصاً أننا نعرف مكانة الحرمين الشريفين للمسلمين كافة حول العالم، وأي اعتداء على المملكة يمثل اعتداء فعلياً على باكستان، فالسعودية دائماً ما تقف في صف باكستان وعند الحاجة ستكون باكستان أول من يقف بجوار المملكة».
أما الاعتداءات التي تعرضت لها مصادر الطاقة وممرات الطاقة في السعودية والخليج والتي نُسبت إلى إيران وأذرعها في المنطقة، فذكر قريشي أن «مصادر الطاقة في السعودية والخليج تسهم في التطور للاقتصاد والتجارة ليس على مستوى السعودية فحسب وإنما في ازدهار التجارة والاقتصاد على مستوى المنطقة عموماً والعالم أجمع، ثم بعد ذلك نرى اعتداءات ليس لها أي مبرر ولن يوجد لها مبرر على الإطلاق، ونحن لا نقبل أبداً بأي اعتداء على مصادر الطاقة».
وأضاف أن «أي اعتداء بأي شكل من الأشكال سواء اقتصادياً أو على السيادة هو مدان بكل المقاييس، ولن نكون داعمين للعنف أو داعمين للأنشطة المسببة لعدم الاستقرار أو زيادة الصراع في المنطقة»، مشدداً على أهمية التعامل مع قضايا الاعتداءات على مصادر الطاقة بحذر كبير.
وعن التهديدات التي أطلقتها إيران ثم تراجعت عنها حول نيتها إغلاق مضيق هرمز الذي يمر من خلاله نحو 35% من إمدادات الطاقة إلى بقية أرجاء العالم، قال قريشي: «توجُّه إيران نحو إغلاق مضيق هرمز سيصعّد من الأزمات والتوترات في المنطقة التي هي في الأصل متوترة، ولن ينفع إيران فعل مثل ذلك، ونحن نشجع إيران كصديق وجار على تجنب التصعيد والخلافات، وفتح مجال للمنافذ الدبلوماسية، لأن الوسائل المتطرفة لن تكون بنّاءة في مثل هذه الظروف أو غيرها، ولا أتوقع أن الإيرانيين متحمسون لمثل هذه السبل».
وفيما يتعلق بالتدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية للدول من خلال دعم أذرعها لما يحصل في اليمن والعراق وسوريا ولبنان، أكد وزير الخارجية الباكستاني «ضرورة احترام القانون الدولي إضافة إلى احترام سيادة الدول». وتابع: «يُفترض علينا كدول إسلامية شقيقة تجنب التدخل في الشؤون الداخلية لبعضنا، وفي حالة وجود بعض القضايا المشتركة فيجب التوجه إلى طاولات النقاش والحديث عنها، والبحث عن الحلول، وهذا سيكون بالفعل في مصلحة الجميع».

احتمالية الحرب

يقول قريشي: « يجب ألا تزداد الأمور تعقيداً، والأفضل إيجاد حلول حقيقية للأزمات الحاصلة في المنطقة، ومحاولة إيجاد صيغ توافقية لحالات سوء الفهم الحاصل بين الأطراف، وأنا أؤكد أنه لا يوجد طرف في المنطقة يرغب في مثل هذه الحروب ويجب إيقاف قيامها بأي ثمن، واتخاذ خطوات جادة تجاه إيقاف الصراعات، لأن الحرب إذا نشبت في المنطقة فلن يمكن إيقافها أو معرفة نهايتها أو اتجاهها أو التحكم بها أو حتى معرفة طول أمدها، ومتى يمكن إعادة الأوضاع إلى حالها السابق».
وأكد وزير الخارجية الباكستاني أن القمة الإسلامية بوجود زعماء دول الخليج والدول العربية والإسلامية فرصة سانحة لدراسة الأوضاع الساخنة والمتوترة في المنطقة وتجنب نشوب حرب لا يمكن التحكم بها، وتغليب الحكمة في مناقشة القضايا الراهنة كافة.
وبخصوص وجود القوات الأميركية في المنطقة لحماية مصادر الطاقة في منطقة الخليج، أكد قريشي أن على الجميع ضمان حماية دائمة لمصادر الطاقة في المنطقة وضمان استمرارية تحركها وانسيابيتها. وأضاف: «في حال تعرضت مصادر الطاقة في السعودية والخليج للخطر فإن ذلك لن يؤثر سلباً على الدول المصدرة للطاقة فحسب وإنما الدول المستوردة، والتأثير سيطول التجارة والاقتصاد في العالم».
وذكر أن زيارة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي، لباكستان حققت إنجازات عظيمة للبلدين، مبيناً أن البلدين لهما دور محوري في العالم الإسلامي من شأنه أن يزيد من الاستقرار والأمن في أرجاء المنطقة كافة، وقال: «الأمير محمد يقوم بدور كبير وإيجابي لمصلحة المنطقة وبالتالي لبقية أنحاء العالم».

المحادثات الإيرانية ـ الباكستانية

وعن الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الإيرانية إلى إسلام آباد قال قريشي: «يجمعنا بإيران حدود وجيرة ولذلك فإن مثل هذه الاجتماعات مستمرة، ومؤخراً حصل بعض الحوادث على الحدود بين البلدين كنا قلقين بشأنها فتمت مناقشتها مع الوزير الإيراني، وكيف من الممكن أن نتعاون على حل مثل هذه الإشكالات».
وأكد وزير الخارجية الباكستاني أن المظاهرات التي حدثت مؤخراً ضد الجيش الباكستاني كانت من عناصر محددين فقط، وأنهم كدولة يثقون كثيراً بوطنية أبناء باكستان كافة في كل أقاليم البلاد، غير أن هناك بعض العناصر المخربة ونحن في طريقنا للقضاء عليهم وبدعم شعبي كبير، والوضع في باكستان تحسن كثيراً عن سنوات ماضية، وسيشهد تحسناً أكثر أيضاً.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...