ترمب: إيران تسعى للحوار معنا... وأنا مستعد

وزير الدفاع يؤكد أن الإدارة الأميركية لا تسعى للحرب ... وطهران تعتبر أن الولايات المتحدة لا تستحق المفاوضات

ترمب يتحدث للصحافيين قبل مغادرة البيت الأبيض إلى كولورادو (إ.ب.أ)
ترمب يتحدث للصحافيين قبل مغادرة البيت الأبيض إلى كولورادو (إ.ب.أ)
TT

ترمب: إيران تسعى للحوار معنا... وأنا مستعد

ترمب يتحدث للصحافيين قبل مغادرة البيت الأبيض إلى كولورادو (إ.ب.أ)
ترمب يتحدث للصحافيين قبل مغادرة البيت الأبيض إلى كولورادو (إ.ب.أ)

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن إيران تسعى للحوار مع الجانب الأميركي، معرباً عن ثقته في نجاح استراتيجية الضغط القصوى التي تتبعها واشنطن عقب الانسحاب من الاتفاق النووي وإعادة العقوبات العام الماضي. وقال ترمب لوسائل الإعلام قبل مغادرة البيت الأبيض إلى كولورادو لحضور حفل تخرج الأكاديمية الجوية: إن إيران «تريد الحديث معنا، وأنا مستعد للحديث» وفي المقابل، قال سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، الأدميرال علي شمخاني، أمس، إن «الولايات المتحدة لا تستحق المفاوضات» معتبراً دعوات المفاوضات هدفها « الضغط» على طهران.
وأوضح ترمب أن إيران أصبحت دولة ضعيفة مع نجاح حملة الضغط القصوى التي مارستها إدارته لدفع النظام الإيراني إلى مائدة التفاوض.
وأصدرت وزارة الخزانة بياناً قالت فيه إن الكيانات التي تتعامل تجارياً مع النظام الإيراني تعرّض نفسها لمخاطر عقوبات كبيرة، وتعتزم وزارة الخزانة فرض السلطة بالقوة.
وأفادت وكالة «بلومبرغ»، بأن وزارة الخزانة الأميركية وجهت تحذيراً إلى الحلفاء الأوروبيين من الاستمرار في معاملات تجارية مع إيران، وهددت بفرض عقوبات مالية ضد الهيئة المالية «اينستكس» التي أنشأتها كل من ألمانيا، وبريطانيا، وفرنسا للتجارة مع إيران.
وطالب وكيل وزارة الخزانة لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية، سيجال ماندلكر، في رسالة مؤرخة بتاريخ السابع من مايو (أيار) الدول الأوروبية بوقف الانخراط في الأنشطة التجارية مع إيران من خلال الأداة الأوروبية «اينستكس».
ويشدد ماندلكر في الرسالة، على أن الاستمرار «يمكن أن يؤدي إلى عواقب وخيمة وعقوبات بما في ذلك فقدان الوصول إلى النظام المالي الأميركي».
وكانت الدول الأوروبية قد أعلنت الاستمرار في الاتفاق النووي الإيراني بعد انسحاب الولايات المتحدة منه، إلا أن العقوبات الاقتصادية الأميركية المفروضة على تصدير النفط منذ نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أدت إلى تراجع كبير في الاقتصاد الإيراني وارتفاع معدلات التضخم.
من جانبه، جدد وزير الدفاع الأميركي بالوكالة باتريك شاناهان، التأكيد على أن رد فعل الولايات المتحدة السريع على التهديدات التي كانت تنذر باحتمال إقدام إيران على تنفيذ هجمات على القوات والمصالح الأميركية في المنطقة قد حقق الهدف المرجو منه، وساهم في وقف هجمات إضافية كان يمكن أن تحصل في العراق.
وكرر شاناهان أن الإدارة الأميركية لا تسعى للحرب مع إيران.
وأبلغ شاناهان الصحافيين المسافرين معه إلى إندونيسيا، بأن الإجراءات التي اتخذتها القوات الأميركية عبر إرسال القوة البحرية ومنظومة الصواريخ باتريوت والقاذفات الاستراتيجية جاءت بناءً على معلومات استخبارية عالية وموثوقة جداً، وأن الهدف منها لم يكن تنفيذ هجوم.
وأكد أن القيادة العسكرية تعاملت بجدية ومسؤولية مع الطلبات التي قدمتها القيادة الأميركية الوسطى بعدما بدا أن الأخطار كانت حقيقية.
ووصف شاناهان شهر مايو بأنه كان شهراً متوتراً جداً، قائلاً: إن الأمر لم يكن هجوماً مؤكداً، وأن القوات الأميركية تعمل في بيئة خطرة، لكن الأوضاع الآن أقل خطورة مما كانت عليه قبل أسابيع. وأضاف أنه منذ ذلك الوقت، كانت لدينا معلومات استخبارية إضافية وهي الجزء الطبيعي من العمل في العراق وفي المنطقة. وقال هناك تواصل يومي ومستمر بين القيادة الوسطى برئاسة الجنرال ماكينزي مع القيادة المركزية والرئيس.
واعتبر شاناهان أنه لا يوجد أداة توضح المستوى المناسب للمخاطر؛ لأنه سيكون هناك دائماً خطر أعلى. وعندما نفكر في تلك الأخطار، فإن البحث يتركز على توفير الموارد المتاحة للرد على التهديدات.
وأضاف شاناهان أنه من أجل ذلك لدينا استعداد كبير وقدرات إضافية؛ ما أوصل رسالة واضحة بضرورة عدم الوقوع في سوء تقدير وارتكاب خطأ في تقدير الموقف الأميركي؛ ما أدى إلى تراجع الخطر.
من جانبه، قال مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون إن «التهديدات الإيرانية لا تزال قائمة ولم تنته» وحذر من «أن أي اعتداء على المصالح الأميركية من جانب طهران أو وكلائها وميليشياتها العسكرية سيكون خطأ كبيرا، خاصة إذا أراد النظام الإيراني التفاوض وعليه إنهاء مثل هذه التصرفات».
وقال بولتون للصحافيين في لندن أمس إن تحركات الولايات المتحدة العسكرية والانتشار السريع للمعدات العسكرية الأميركية «أمكن من ردع إيران وأحبط كثيرا من المخططات التي كانت إيران تفكر فيها».
وتعليقا على تصريحاته في أبوظبي، أول من أمس، حول ضلوع إيراني «شبه مؤكد» في الهجمات على سفن الشحن في ميناء الفجيرة، نوه بولتون بأن بلاده ستقدم الأدلة على تورط إيران في الهجوم على السفن قبالة سواحل الإمارات إلى مجلس الأمن بالأمم المتحدة الأسبوع المقبل. وأوضح بولتون أن الإدارة الأميركية تتوقع الحصول على نتائج التحقيقات الجارية حول الهجوم على ناقلات النفط قبالة السواحل الإماراتية خلال أيام وبعدها ستبحث الإدارة الأميركية أسلوب الرد المناسب.
وأكد بولتون مرة أخرى أن واشنطن لا تسعى إلى تغيير النظام الإيراني.
بينما نشرت صحيفة «واشنطن تايمز» عن نشاط للميليشيات المسلحة التابعة لإيران. وأشار التقرير إلى أن التقديرات تشير إلى أن أي هجمات ضد المصالح الأميركية أو مصالح الحلفاء الإقليميين ستتم عبر تلك الميليشيات العراقية.
وقال سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، الأدميرال علي شمخاني، أمس، إن «الولايات المتحدة لا تستحق المفاوضات» معتبراً الحديث عن المفاوضات يهدف إلى ممارسة الضغط على طهران.
ونسبت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» إلى شمخاني قوله إن «على الولايات المتحدة تعويض خرق التعهدات والخسائر الناجمة من العقوبات، قبل الحديث عن المفاوضات مرة أخرى».
وقال شمخاني إن الأميركيين «يعتقدون أن المفاوضات جزء من مسار الضغط وليس حل المشكلات»، مضيفاً أن الشعب الإيراني «يعرف أن الأميركيين لا يريدون التفاوض لحل أي مشكلة».
وقال شمخاني تعليقاً على موقف المسؤولين الأميركيين من المفاوضات: «إنهم يستخدمون كل أدوات الضغط والحرب النفسية قبل التفاوض».
وفي وقت متأخر من الأربعاء، رفض المرشد الإيراني علي خامنئي التفاوض على «شرف الثورة»، وذلك في إشارة إلى برنامج تطوير الصواريخ الباليستية والبرنامج النووي.
وانسحبت واشنطن العام الماضي من الاتفاق النووي الدولي المبرم مع طهران عام 2015، وشددت العقوبات على إيران في محاولة لخنق اقتصادها، بوقف صادراتها النفطية.
ونقل موقع خامنئي الإلكتروني عنه قوله: «قلنا من قبل إننا لن نتفاوض مع أميركا؛ لأن المفاوضات لا فائدة منها، وتنطوي على ضرر». ووصف ما يتردد في وسائل الإعلام بـ«ضجيج المفاوضات» موضحاً أنها «لا تعني العودة للتفاوض، وإنما المفاوضات مع الولايات المتحدة»، وأضاف أن «المفاوضات تكمل استراتيجية الضغط الأميركي».
وقال خامنئي إن إيران لن تتفاوض مع الآخرين والأوروبيين «حول قضايا شرف الثورة». وقال: «نحن لن نتفاوض حول قضايا شرف الثورة، ولن نتفاوض حول قدراتنا العسكرية»، واعتبر التفاوض يعني «صفقة، أي تنازلوا عن قدراتكم الدفاعية».
ومع ذلك، قال خامنئي إن إيران «ليست لديها مشكلة في التفاوض مع الأوروبيين والآخرين» وأضاف: «قضيتنا تحديد الموضوع»، مشدداً على أن بلاده لا تقول سوى «لا» للمطالب التي تخص قضايا من هذا النوع.
جاء ذلك بعد ساعات من تصريح الرئيس حسن روحاني، الذي اتخذ موقفاً أكثر إيجابية. وقال في اجتماع للحكومة، إن «الباب لم يغلق، إذا رفعوا العقوبات الجائرة ونفذوا التزاماتهم وعادوا إلى طاولة المفاوضات التي غادروها بأنفسهم».
وكان خامنئي قبل أسبوعين قد وصف المفاوضات مع الولايات المتحدة بـ«السم»، والمفاوضات مع ترمب بـ«السم المضاعف».
ويملك خامنئي القول الفصل في الشؤون السياسية الرئيسية، بموجب دستور نظام «ولاية الفقيه». وهو أيضاً قائد القوات المسلحة.
وقالت الخارجية الإيرانية أول من أمس، إن إيران لا ترى مجالاً لأي مفاوضات مع الولايات المتحدة.


مقالات ذات صلة

تقرير: لاريجاني يتولى إدارة ملف الحرب وبقاء النظام

شؤون إقليمية صورة نشرها موقع لاريجاني من اجتماعه مع كبار قادة «الحرس الثوري» 24 يناير الماضي p-circle

تقرير: لاريجاني يتولى إدارة ملف الحرب وبقاء النظام

كشف تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» أن المرشد الإيراني علي خامنئي كلف علي لاريجاني، أعلى مسؤول أمني في طهران، بإدارة شؤون البلاد مع تصاعد احتمالات الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
الاقتصاد جلسة سابقة للبرلمان الأوروبي بمدينة ستراسبورغ الفرنسية (رويترز)

عضو بالبرلمان الأوروبي يقترح تعليق العمل التشريعي الخاص بالاتفاق التجاري مع أميركا

قال بيرند لانغ، العضو في البرلمان الأوروبي، إنه سيتقدم باقتراح إلى فريق التفاوض بالبرلمان الأوروبي، بأن يعلَّق العمل التشريعي الخاص بالاتفاق التجاري مع أميركا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد شاحنة تمر بجانب حاويات مكدسة في ميناء تانجونغ بريوك لدى جاكرتا (رويترز)

إندونيسيا تؤكد استعدادها لأي نتيجة بعد إلغاء رسوم ترمب

أكد الرئيس الإندونيسي، برابوو سوبيانتو، استعداد بلاده لتغيير السياسات التجارية الأميركية، عقب قرار المحكمة الأميركية العليا بإلغاء رسوم ترمب التجارية.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)
الاقتصاد حاويات شحن ورافعات في ميناء تجاري بالعاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

مسؤول ياباني: الرسوم الأميركية «فوضى حقيقية»

وصف أحد المسؤولين البارزين في «الحزب الليبرالي الديمقراطي» الحاكم في اليابان، الرسوم الجمركية الأميركية بأنها «فوضى حقيقية».

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
شؤون إقليمية المبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف (رويترز) p-circle

ويتكوف: ترمب يتساءل لماذا لم تستسلم طهران

أكد المبعوث الأميركي أن وقف تخصيب اليورانيوم في إيران خط أحمر لواشنطن لافتاً إلى أن الرئيس الأميركي يتساءل عن سبب عدم «استسلام» طهران رغم الضغوط العسكرية

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended