الصين تلوّح بالانتقام من ترمب بسلاح «المعادن النادرة» الاستراتيجي

هواوي تقدم شكوى عاجلة للقضاء الأميركي

لوحت الصين عبر منصات إعلامية بإمكانية اللجوء إلى خفض صادراتها من العناصر النادرة إلى أميركا (رويترز)
لوحت الصين عبر منصات إعلامية بإمكانية اللجوء إلى خفض صادراتها من العناصر النادرة إلى أميركا (رويترز)
TT

الصين تلوّح بالانتقام من ترمب بسلاح «المعادن النادرة» الاستراتيجي

لوحت الصين عبر منصات إعلامية بإمكانية اللجوء إلى خفض صادراتها من العناصر النادرة إلى أميركا (رويترز)
لوحت الصين عبر منصات إعلامية بإمكانية اللجوء إلى خفض صادراتها من العناصر النادرة إلى أميركا (رويترز)

ردّ الصينيون على الرئيس الأميركي فأعلنت شركة هواوي الصينية للتكنولوجيا الأربعاء تقديمها شكوى أمام القضاء الأميركي ضد إدارة دونالد ترمب، في حين تهدد بكين بخفض صادراتها من المعادن النادرة التي تدخل في الكثير من صناعات التكنولوجيا الأميركية، وهو ما يعد سلاح ردع استراتيجيا لا يستهان به في أي معركة مفتوحة بين الطرفين.
وتصاعدت الحرب التجارية منذ أن زادت واشنطن مطلع مايو (أيار) الرسوم الجمركية على المنتجات الصينية. وباتت حالياً تشنّ حرباً مزدوجة مع حربها التكنولوجية، إذ إن إدارة ترمب منعت الشركات الأميركية من بيع التكنولوجيا إلى هواوي، الشركة الثانية عالمياً للهواتف الذكية، ما يهدد إمدادات العملاق الصيني بالرقائق الإلكترونية.
وفي مواجهة ترمب، باتت وسائل إعلام صينية ومسؤولون سياسيون يهددون بخفض صادرات عناصر ومعادن الأرض النادرة إلى الولايات المتحدة - ما قد يحرم واشنطن من موارد أساسية للتكنولوجيا الفائقة، إذ إن الصين تؤمن أكثر من 90 في المائة من الإنتاج العالمي لمجموعة من 17 معدناً أساسية للتكنولوجيا العالية. والمعادن النادرة تُستخدم في كل شيء، من الإلكترونيات الاستهلاكية ذات التكنولوجيا الفائقة إلى المعدات العسكرية. وأدى احتمال ارتفاع قيمتها نتيجة الحرب التجارية إلى ارتفاعات حادة لأسعار أسهم منتجيها. وعلى الرغم من أن الصين لم تعلن صراحة حتى الآن أنها ستقيد مبيعات المعادن النادرة إلى الولايات المتحدة، أشارت وسائل إعلام صينية إلى أن ذلك سيحدث. وفي تعليق تحت عنوان «الولايات المتحدة، لا تستهيني بقدرة الصين على الرد»، أشارت صحيفة «الشعب» اليومية الرسمية إلى اعتماد الولايات المتحدة «الحرج» على المعادن النادرة الصينية. وقالت: «هل ستصبح المعادن الأرضية النادرة سلاحا مضادا ترد به الصين على الضغط الذي تفرضه الولايات المتحدة دون سبب على الإطلاق؟ الإجابة ليست صعبة».
وأضافت الصحيفة الناطقة باسم الحزب الشيوعي الحاكم «من دون شك، يريد الجانب الأميركي استخدام المنتجات المصنعة من المعادن الأرضية النادرة التي تصدرها الصين في كبح التنمية الصينية. والشعب الصيني لن يقبل هذا أبدا». وتابعت: «ننصح الجانب الأميركي بألا يستهين بقدرة الجانب الصيني على حماية مصالحه وحقوقه في التنمية. لا تقولوا إننا لم نحذركم». ولدى سؤاله عما إذا كانت العناصر النادرة ستشكل سلاحاً انتقامياً في وجه الولايات المتحدة، نشر مسؤول في اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح في الصين وهي وكالة نافذة للتخطيط الاقتصادي، مساء الثلاثاء بياناً اتّسم بلهجة تهديد. وقال: «إذا أراد أحد استخدام مواد مصنّعة انطلاقاً من صادراتنا من عناصر الأرض النادرة لوقف تطوّر الصين، فأعتقد أن الشعب الصيني لن يكون مسروراً للأمر». وجاءت هذه التعليقات في أعقاب زيارة الرئيس شي جينبينغ الأسبوع الماضي لشركة صينية ضخمة لاستخراج عناصر ومعادن الأرض النادرة، واعتبرت هذه الزيارة بمثابة تهديد ضمني بعد حظر واشنطن تعامل الشركات الأميركية مع هواوي. وخلال زيارته للشركة، أشار شي إلى أنّ هذه المنتجات «ليست فقط مورداً استراتيجياً مهمّاً فحسب، بل هي مورد غير متجدّد». وقالت وكالة الصين الجديدة للأنباء الأربعاء: «عبر شنّ حرب تجارية على الصين، تعرض الولايات المتحدة نفسها لخطر فقدان الإمدادات بالمواد الرئيسية لتكنولوجيتها القوية». وحذّرت صحيفة «غلوبال تايمز» الرسمية الصينية من أنه «في حال حاولت الولايات المتحدة عرقلة عجلة التنمية في الصين، فعاجلاً أم آجلاً ستستخدم (بكين) العناصر النادرة كسلاح».
وقال محلّلون إنّ الصين تبدو قلقة من إمكانية استهداف واشنطن لقطاع المعادن في المستقبل، وربما تخشى أن تسارع دول العالم إلى البحث عن إمدادات بديلة لهذه المواد. وكتبت «غلوبال تايمز» أن «في حال قررت الصين وقف صادرات العناصر النادرة إلى الولايات المتحدة، فهذا قد يتسبب بتداعيات معقدة، بما في ذلك خسارة للصين نفسها»؛ وأضافت: «لكن الصين تدرك جيداً أن الولايات المتحدة هي أكثر من سيعاني من ذلك».
من جهتها، شنّت شركة هواوي الرائدة عالمياً في تقنية شبكة اتصالات الجيل الخامس، هجوماً على إدارة ترمب على الصعيد القضائي. فقد أعلنت أنها طلبت من القضاء الأميركي إبطال تشريع «غاشم» صدر العام الماضي يمنع الوكالات الفيدرالية الأميركية من شراء منتجاتها.
والشركة التي باتت مدرجة على اللائحة الأميركية للشركات التي تمثّل خطراً والمتهمة بالتجسس لصالح بكين، قدّمت شكوى في مارس (آذار) في تكساس ضد هذا القانون بدعوى أنّ الكونغرس فشل في تقديم أي دليل يبرر القيود «غير الدستورية» التي تستهدف الشركة. وأكدت الشركة أنها قدّمت طلبها الأربعاء (الثلاثاء بالتوقيت المحلي في الولايات المتحدة) لدى المحكمة. ولجأت إلى القضاء الأميركي المستعجل ما يعني أنّ الحكم في هذه القضية سيصدره قاض منفرد، وبالتالي لن تضطر هواوي لخوض محاكمة كاملة.
وقال المسؤول القانوني في الشركة سونغ ليوبينغ في مؤتمر صحافي عقده في مقر الشركة في شينزين في جنوب الصين إن «الإدارة الأميركية لم تقدم أي دليل يظهر أن هواوي تمثل تهديداً للأمن. ليس هناك لا سلاح ولا دخان. مجرد افتراضات».
وفي وقت سابق الأربعاء، نقل التلفزيون الحكومي «سي سي تي في» عن سونغ ليوبينغ تنديده بالإرادة الواضحة لإدارة ترمب «طرد هواوي من السوق الأميركية» والحظر «الغاشم» الذي يستهدف عمليات شراء معداتها من جانب الوكالات الفيدرالية.
وفي خضمّ الحرب التجارية بين بكين وواشنطن، أدرجت إدارة ترمب هواوي على لائحة الشركات المشبوهة في خطوة تمنع الشركات الأميركية من بيع هواوي معدات تكنولوجية. وهذا الإجراء يهدد استمرارية هواوي نفسها إذ إن الشركة الصينية المصنعة لمعدات اتصالات وهواتف ذكية وحواسيب محمولة، تعتمد بشكل كبير على قطع مصنّعة في الولايات المتحدة. وذكرت وسائل إعلامية أن شركتي «كوالكوم» و«إنتل» وهما من بين أهمّ الشركات المصنّعة للرقائق الإلكترونية، أعلنتا أنهما لن تتعاملا مع الشركة الصينية، بعد مهلة وقف التنفيذ لتسعين يوماً التي منحها البيت الأبيض. ومنذ عام 2018 تستهدف واشنطن المجموعة الصينية. وتشتبه إدارة ترمب من دون إعطاء أدلة، بأن الشركة تسمح لأجهزة الاستخبارات الصينية باستخدام بياناتها بهدف التجسس على الاتصالات عبر الشبكات النقالة في العالم. وتثبت المعركة التي بدأها العملاق الصيني أمام القضاء الأميركي أنه مستعدّ لاستخدام كل الوسائل المتاحة لعدم استبعاده من السباق في السوق الرئيسية لتقنية الجيل الخامس «5 جي». واتهم سونغ ليوبينغ الأربعاء إدارة ترمب بأنها «تستخدم كل الوسائل التي تملكها، الحكومة والإدارة والقنوات الدبلوماسية. يريدون أن نفلس». وأضاف: «هذا أمر غير طبيعي. يكاد ذلك أن يكون أمراً لم نر مثله في التاريخ». ولكن عن الجانب الآخر، وفي مؤشر نادر إلى تهدئة التوتر المتزايد بين البلدين، أقرّت وزارة الخزانة الأميركية الثلاثاء أنّ أحداً من كبار الشركاء التجاريين للولايات المتحدة - بمن فيهم الصين - لم يتلاعب بقيمة العملة الوطنية. والتلاعب باليوان كان من الاتهامات الأكثر استخداماً من جانب ترمب في الماضي لإثبات أن بكين تمارس منافسة غير عادلة تجاه المستثمرين الأميركيين.



صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.