حرائق «تلتهم» ثلث الأراضي الزراعية في سوريا

بسبب الحرارة والقصف ونزاعات أطراف الصراع

TT

حرائق «تلتهم» ثلث الأراضي الزراعية في سوريا

التهم أكثر من ألفي حريق ثلث الأراضي الصالحة للزراعة في سوريا، بما يقدر بمائتي ألف دونم من جنوب البلاد إلى شمالها، ومن غربها إلى شرقها، وذلك منذ بدء مواسم الحصاد وجني الثمار، بداية الشهر الجاري، وسط تراشق للاتهامات بين أطراف النزاع بتعمد افتعال الحرائق.
لكن إذا صحت الاتهامات في المناطق الساخنة، لن تصح في المناطق الهادئة، حيث تبرز عوامل المناخ وضعف الجاهزية للتعامل مع الحرائق كأسباب رئيسية في اشتعال الحرائق وخروجها عن السيطرة ملحقة أضرارا فادحة بالمحاصيل الزراعية التي تعتبر خط الدفاع الأخير عن الأمن الغذائي لغالبية السوريين بعد انحدار 90 في المائة منهم إلى ما دون خط الفقر. وتشكل الأراضي القابلة للزراعة نحو 33 في المائة (55 ألف كلم مربع) من المساحة الإجمالية البالغة 185 ألف كلم مربع، ويعتمد 70 في المائة منها على الأمطار. و90 في المائة من هذه المساحة معدل أمطارها أقل من 300 ملم في السنة، وهو الحد الأدنى اللازم لإكمال المحاصيل الشتوية دورة حياتها.
واستبشر السوريون خيرا بموسم الأمطار الغزيرة هذا العام، قبل أن ينقلب عليهم وبالا، فأتلف العديد من المحاصيل كالفول والحمص والكمون، جراء تعفنها بسبب الرطوبة العالية، وأغرقت السيول مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، ناهيك عن انتشار غير مسبوق للحشرات. وإصابة الأشجار المثمرة بالأمراض الفيروسية والفطرية، مع نمو مضاعف للأعشاب الضارة التي تحولت بداية الصيف إلى هشيم سريع الاشتعال.

اطفاء

تفيد تقارير مراكز الإطفاء والدفاع المدني التابعة للنظام السوري، باندلاع أكثر من 272 حريقا في ريف حلب، و200 حريق في ريف درعا أضرت بنحو 1837 دونماً من المحاصيل الزراعية والأشجار المثمرة والحراج. وفي حماة، قدرت المساحات التي طالتها الحرائق بأكثر من 125 ألف دونم، غالبيتها محاصيل شعير وأشجار المثمرة وعلى رأسها الزيتون واللوز والفستق الحلبي بحسب مديرية زراعة حماة.
ومنطقة سلمية وحدها، شهدت 200 حريق التهمت آلاف الدونمات من المحاصيل الاستراتيجية، كما اندلع في محافظة حمص أكثر من 300 حريق الأيام الأخيرة، قضت على ألف شجرة حراجية ولفح جزئي لنحو 7000 شجرة في عدد من قرى شمال شرقي حمص. وإتلاف ستة آلاف غرسة حراجية في مشتل تل ورد الحراجي، وفي السويداء نشب أكثر 223 حريقاً منذ بداية الشهر الجاري غالبيتها طالت أراضي زراعية وأشجاراً مثمرة وحراجية بمساحات متفاوتة، وفي دير الزور شب 85 حريقاً بالحقول الزراعية.
وفي القنيطرة، حصلت ثمانية حرائق خلال عشرة الأيام الماضية منها سبعة حرائق نشبت في الأراضي الزراعية والرعوية وحريق في أحد المواقع الحراجية. وفي ريف دمشق تم إخماد 271 حريقاً منذ بداية الشهر الجاري منها 65 حريقاً الأسبوع الماضي امتد بعضها على مساحة 30 دونماً معظمها أعشاب جافة امتدت إلى الأراضي زراعية، في حين شهد الساحل 31 حريقا، 24 منها في محافظة طرطوس وسبعة في اللاذقية، واحد منها في الحراج بناحية السودا.

إدلب المنكوبة

وفي محافظة إدلب، التهمت النيران أكثر من 2000 دونم معظمها محاصيل شعير وقمح جنوب إدلب في محيط خان شيخون وقرية عابدين ومزارع ركيا سجنة، نتيجة تعرضها إلى أكثر من 40 صاروخا محملا بمواد حارقة، وفق ما ذكرته مصادر محلية حيث واصل النظام وروسيا هجوما جويا ومدفعيا عنيفا على مواقع المعارضة في ريفي إدلب الجنوبي وحماة الشمالي منذ نحو شهر. واتهم المجلس المحلي في مدينة خان شيخون النظام السوري بتعمد قصف الأراضي الزراعية، وقال أن «مئات الهكتارات من محاصيل القمح والشعير احترقت بسبب قصف النظام لها بالنابالم الحارق والقنابل العنقودية» بهدف «تجويع المدنيين وتركيعهم واستسلامهم». وهو ما أكده أيضا المرصد السوري لحقوق الإنسان الذي قال بأن الطائرات الحربية والمروحية «تتعمد» إضرام النيران في مئات الهكتارات من أراض زراعية يعول على محاصيلها أهالي المنطقة، متهما قوات النظام بـ«سرقة المحاصيل الزراعية ضمن المناطق التي سيطرت عليها مؤخراً في ريف حماة».
في محافظة الحسكة (شمال شرق)، قدرت حكومة النظام المساحات الزراعية المتضررة جراء الحرائق منذ بدء موسم الحصاد بنحو 3600 دونم شعير منها 1200 دونم بمنطقة رأس العين و900 دونم في تل براك و600 دونم بمناطق الحسكة و900 دونم في منطقة العريشة جنوب الحسكة. في حين قالت مصادر محلية بأن النار التهمت أكثر من 30000 ألف دونم، من القمح والشعير بالحد الأدنى في مناطق الجزيرة السورية (الحسكة والرقة والقامشلي).
ويتهم أصحاب الأراضي المتضررة قوات سوريا الديمقراطية بافتعال الحرائق في أراضيهم، لتركزها في حقول مزارعين وفلاحين عرب بالدرجة الأولى، فقد كان موسم القمح والشعير في أرياف الحسكة والرقة وفيرا، وقالت مصادر أهلية في مدينة الرقة لـ«الشرق الأوسط» بأن «الدونم الواحد أنتج هذا العام من 400 ـ 500 كيلوغرام، وهذا محصول استثنائي، إذ أن الحد العادي لإنتاج الدونم بين 200 و300 كليوغرام، وأشارت المصادر أن «هذه الوفرة لم تشهدها منطقة الجزيرة منذ موسم 1988. حينها فاقت كمية محاصيل القمح والشعير قدرة المؤسسة العامة للحبوب على تعبئتها وشحنها».
وعما يقال حول أسباب الحرائق اعتبرتها المصادر «تكهنات متناقضة». وقالت: «هناك من يتهم النظام بافتعال الحرائق عبر عملاء له في مناطق سيطرة القوات الكردية كي لا تذهب المحاصيل إلى الأكراد»، وفي المقابل يتهم آخرون الإدارة الذاتية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، بحرق المحاصيل كي لا تذهب إلى النظام الذي حدد سعر شراء كيلوغرام القمح الواحد بـ185 ليرة سورية لهذا الموسم، بزيادة 35 ليرة عن السعر الذي حددته (الإدارة الذاتية). وهناك اتهامات لـ«فلول تنظيم داعش». وقالت المصادر «الأمر الوحيد المؤكد هو عدم جاهزية السلطات المعنية للوقاية من الحرائق والتعامل معها بشكل سريع... فسيارات الإطفاء تصل متأخرة، بعدد رجال ومعدات غير كافية لاحتواء الحريق... العبء الأكبر من عمليات الإطفاء يقع على الأهالي، فيطوقون الحرائق بأكياس خيش مبللة بالماء، أو بحراثة الأرض بالجرارات كي لا يمتد إليها الحريق».

فوج اطفاء

ولفت فوج إطفاء حمص في منشور على «فيسبوك» إلى صعوبة إطفاء الحرائق في الأراضي الزراعية بريف حمص الشمالي بسبب الألغام، كما شكى من عدم تجاوب الأهالي بإرسال جراراتهم لمساعدة فريق الإطفاء بعد نفاد المياه، بزعم عدم توفر الوقود لتحريكها.
ورغم تدهور قطاع الزراعة في سوريا جراء النزاع، بقي الإنتاج الزراعي «يشكل شبكة حماية للكثير من السوريين لتأمين الغذاء والحد الأدنى من الدخل. لكن من الناحية المؤسسية تشكلت عدة منظومات حددت السياسات الزراعية بحسب القوى المسيطرة عسكرياً خلال النزاع»، وفق ما ذكرته دراسة صدرت مؤخرا عن «المركز السوري لبحوث السياسات» بالتعاون مع الجامعة الأميركية في بيروت، التي قالت بأنه رغم خروج مساحات واسعة الأراضي الصالحة للزراعة من الاستثمار، وتعرض مناطق واسعة منها إلى تعديات كبيرة بالحرق والقطع وزرع الألغام. لكن «حصة الزراعة من الناتج المحلي ارتفعت من 17 في المائة عام 2010 إلى نحو 31 في المائة في عام 2017».
من جانبه لم يستبعد رئيس «دائرة حراج» (أشجار) حماة عبد المعين الصطيف أن يكون نشوب الحرائق «بفعل فاعل»، وذلك دون تجاهل الأسباب الأخرى منها أن «كمية الأعشاب في هذا الموسم هي ستة أضعاف السنوات السابقة وخصوصاً الخرفيش» الذي وصفه بأنه «وحده بنزين»
ويعتبر القطاع الزراعي أحد أهم القطاعات في الاقتصاد السوري حيث بلغ وسطي معدل النمو السنوي للقطاع للفترة 1970 – 2010 نحو 3.9 في المائة، مع مساهمة في النمو الكلي بلغت نحو 23 في المائة. وبعدما كان الناتج الزراعي يشكل 32 في المائة من إجمالي الناتج في السبعينات، أصبح يشكل 14 في المائة في عام 2010. ليأتي الصراع المسلح عام 2011 ويزيد في تدهور هذا القطاع، وأفادت دراسة «المركز السوري لبحوث السياسات» بخسارة القطاع الزراعي الكثير من كوادره المؤهلة وتراجع العمالة الزراعية إلى نحو النصف بين 2010 و2018. ورغم تراجع حدة القتال في 2018.



مصر وسوريا لتعزيز الترابط بترتيبات لعودة «الرحلات الجوية»

وفد من سلطة الطيران المدني المصري يتفقد مطار دمشق (هيئة الطيران المدني السوري)
وفد من سلطة الطيران المدني المصري يتفقد مطار دمشق (هيئة الطيران المدني السوري)
TT

مصر وسوريا لتعزيز الترابط بترتيبات لعودة «الرحلات الجوية»

وفد من سلطة الطيران المدني المصري يتفقد مطار دمشق (هيئة الطيران المدني السوري)
وفد من سلطة الطيران المدني المصري يتفقد مطار دمشق (هيئة الطيران المدني السوري)

في خطوة جديدة للتقارب بين مصر وسوريا، بحث وفدٌ من سلطة الطيران المدني المصري إجراءات استئناف الرحلات الجوية من القاهرة لدمشق.

وتدعم عملية استئناف الرحلات الجوية بين القاهرة ودمشق تحقيق مزيد من التقارب بين البلدين، وفق دبلوماسيين ومراقبين مصريين أشاروا إلى أن «النقل الجوي سيسهل التعاون المشترك في مجالات عدة خصوصاً التبادل التجاري، وحركة الأفراد».

وأجرى وفد من سلطة الطيران المدني المصري، ترأسه رئيس الإدارة المركزية لأمن الطيران ياسر محمد عبد الحليم، جولة ميدانية، الاثنين، في مطار دمشق، وفق إفادة الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي السورية.

وحسب البيان، استهدفت الجولة «الاطلاع على الإجراءات والتدابير المتّبعة في مطار دمشق الدولي، تمهيداً لاستئناف تشغيل الرحلات الجوية المباشرة بين مصر وسوريا وعودة الربط الجوي بين البلدين».

وتوقفت الرحلات الجوية بين القاهرة ودمشق منذ عام 2011، على خلفية الأوضاع الأمنية هناك.

تنشيط الحركة

وستساعد عودة رحلات الطيران بين القاهرة ودمشق في «تنشيط حركة النقل الجوي، وتسهيل حركة المسافرين، وتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين»، حسب هيئة الطيران المدني السوري.

وسبقت جولة الوفد المصري بمطار دمشق، محادثات مع رئيس الهيئة العامة للطيران المدني السوري، الأحد، وحسب إفادة من الهيئة، ناقش الجانبان «سبل تعزيز التعاون المشترك في مجال الطيران المدني، بما في ذلك استئناف تشغيل الرحلات الجوية المباشرة بين البلدين».

ولم تعلن سلطة الطيران المدني المصري، حتى الآن، عن عودة رحلات الطيران الجوي إلى دمشق.

وتشكل ترتيبات الرحلات الجوية بين القاهرة ودمشق، «خطوة إيجابية على صعيد تفعيل العلاقات الثنائية بين البلدين»، وفق مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير يوسف الشرقاوي، وقال إن «هذه الخطوة ستدعم حركة التبادل التجاري، وتعزز من التعاون في مجال الخدمات والسياحة ونقل الأفراد».

ويرى الشرقاوي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «القاهرة تتعامل في تطوير علاقاتها مع الجانب السوري، بمنهج قائم على الانفتاح الاقتصادي بما يعزز من الترابط السياسي»، منوهاً بأن «القاهرة تعول على زيادة الاستثمارات المشتركة، للمساهمة في عملية إعادة إعمار سوريا».

مصر وسوريا لمزيد من التقارب عبر تدابير لاستئناف الرحلات الجوية المباشرة (هيئة الطيران المدني السوري)

وبينما يتسم مسار التعاون السياسي المصري مع سوريا بالحذر منذ تولي الرئيس السوري أحمد الشرع الحكم، يتخذ البلدان عدة خطوات للتعاون والتقارب على الصعيد الاقتصادي والتجاري، حيث استضافت العاصمة السورية دمشق، مطلع العام الحالي، «الملتقى الاقتصادي السوري - المصري» الأول، بمشاركة مسؤولين سوريين وقيادات من قطاع الأعمال في البلدين، بهدف تعزيز التعاون التجاري والاستثماري بين البلدين.

تعزيز التقارب

ويرى مستشار وزير السياحة المصري، وليد البطوطي، في ترتيبات عودة رحلات الطيران مع سوريا، «خطوة تحقق إضافة في مستوى التعاون والترابط بين البلدين»، وقال إنها «تعكس تطور العلاقات بين البلدين، وأن هناك فرصة مشتركة يمكن التعويل عليها لتحقيق مزيد من التقارب».

وتتعدد أهمية استئناف النقل الجوي بين القاهرة ودمشق، وفق البطوطي، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «رحلات الطيران ستسهل إجراءات نقل الرعايا بين البلدين، خصوصاً وأن هناك جالية سورية كبيرة في مصر»، إلى جانب «تسهيل حركة السياحة، وعملية التبادل التجاري».

وهناك نحو مليون ونصف المليون سوري يقيمون في مصر، بينهم أكثر من 15 ألف منتسب لاتحاد الغرف المصرية، باستثمارات تقارب مليار دولار، وفق اتحاد الغرف التجارية المصري.

Your Premium trial has ended


هل تنجح «التدابير المشتركة» بين القاهرة وأبوظبي في احتواء أزمة «بنك مصر؟»

مقر بنك مصر في الإمارات (صفحة البنك - فيسبوك)
مقر بنك مصر في الإمارات (صفحة البنك - فيسبوك)
TT

هل تنجح «التدابير المشتركة» بين القاهرة وأبوظبي في احتواء أزمة «بنك مصر؟»

مقر بنك مصر في الإمارات (صفحة البنك - فيسبوك)
مقر بنك مصر في الإمارات (صفحة البنك - فيسبوك)

شرعت مصر والإمارات في اتخاذ «إجراءات وتدابير» وصفت بـ«اللازمة»، للتعامل مع تداعيات أزمة «التعاملات البنكية الإيرانية»، التي شملت الاتهامات فيها فرع «بنك مصر» بالإمارات، في خطوة يتوقع مراقبون أنها «ستفضي إلى حل الأزمة»، وسط تلويح أميركي بفرض عقوبات جديدة ضد أي مؤسسات متورطة في تحويلات مشبوهة لصالح إيران.

ورجح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت لـ«رويترز»، أن تكشف وزارة الخزانة عن عقوبات ثانوية جديدة أسبوعية تهدف إلى زيادة الضغط الاقتصادي على إيران، مع التركيز في البداية على البنوك.

وزير الخزانة سكوت بيسنت (أ.ب)

وبعد فرض إجراءات وتدابير خاصة، يوم الجمعة الماضي، على فرع لـ«بنك مصر» في الإمارات بسبب ما تردد عن صلات مالية ‌بإيران، قال بيسنت ‌في مقابلة، مساء الأحد، إن «الخطوة التالية ‌قد ⁠تتمثل في عزل ⁠مؤسسة ما تماماً عن النظام المالي القائم على الدولار»، وأضاف قبل انعقاد اجتماع وزراء مالية «مجموعة العشرين»: «سترون مزيداً من هذه الإجراءات كل أسبوع... نبدأ بالبنوك، ونخبر البنوك بأنه من ⁠غير المقبول أن تحتفظ بأموال إيرانية ‌أو أن ‌تساعد النظام (الإيراني)».

وكان «مصرف الإمارات المركزي» و«البنك المركزي المصري»، أكدا في بيان مشترك، مساء الأحد، التعاون والتنسيق التام والدائم بينهما فيما يتعلق بالتعامل مع تداعيات أزمة «بنك مصر» في الإمارات، وشددا على «اتخاذ كل الإجراءات والتدابير اللازمة».

عملية ضغط

ويرى الأكاديمي الاقتصادي المصري كريم العمدة أن «البنك المركزي المصري ونظيره الإماراتي لديهما القدرة على تدارك الأزمة... المركزي المصري والإماراتي لا يسمحان بحدوث أي مخالفات، وهو ما سيعمل البنكان على إثباته للسلطات الأميركية، ومن ثم حل الأزمة نهائياً».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «ما يحدث ليس مستهدفاً به بنك مصر ولا القطاع المصرفي الإماراتي أو المصري، بل هو عملية ضغط على إيران، وحينما تحقق واشنطن أهدافها فإن هذا الضغط سيخفف ولن تكون هناك أزمة، خصوصاً أن هناك بنوكاً كثيرة حول العالم تتعامل مع إيران في التجارة وبعلم الولايات المتحدة والهدف من ذلك تلبية الاحتياجات الأساسية للشعب الإيراني».

وأعلن «مصرف الإمارات المركزي» السبت إجراء تفتيش خاص وعاجل على فروع «بنك مصر» العاملة في البلاد، يتضمن «مراجعة متعمقة للتعاملات المصرفية للشركات الواردة في بيان السلطات الأميركية»، على خلفية مقترح لاتخاذ تدبير خاص يتعلق بفروع البنك في الإمارات بوصفها مؤسسة مالية تعمل خارج الولايات المتحدة ذات مخاوف رئيسية تتعلق بغسل الأموال.

تحقيق شفاف

ويرى الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب أن «المصرفين المركزي الإماراتي والمصري يعملان حالياً على إجراء تحقيق شفاف ومتكامل حول ما أثارته وزارة الخزانة الأميركية تجاه فرع بنك مصر لتوضيح كل الملابسات، وإثبات أن البنك المعني لم يتورط في أي أنشطة مخالفة، سواء فيما يتعلق بإيران أو غيرها».

وأوضح لـ«الشرق الأوسط»: «التحقيق قد يشمل معاملات معينة أو فترة معينة تغطي كل ما أثارته السلطات الأميركية، وبالتالي حين إثبات عدم صحة كل ما أثير ستنتهي الأزمة ولن يصل الأمر لحظر أو عقوبات مباشرة على البنك، خصوصاً أن القطاع المصرفي الإماراتي وأيضاً المصري يتعاملان بجدية وشفافية كاملة مع أي مخالفات، لكن ستستمر عملية قيود وزارة الخزانة الأميركية على خدمة المراسل بالدولار التي تقدمها لبنك مصر في الإمارات أو غيره من البنوك الأخرى من أجل تشديد الضغط على إيران».

تجدر الإشارة إلى أن بيسنت قال الأحد إنه يعتزم نقل ‌الرسالة بوضوح لوزراء مالية «مجموعة العشرين» ‌ومحافظي البنوك المركزية لقطع العلاقات الاقتصادية مع إيران، وإلا فسوف يواجهون عقوبات ثانوية.

وأطلقت وزارة الخزانة الأميركية هذه المبادرة، التي أطلق عليها اسم «عملية ‌الإقصاء الاقتصادي»، الأسبوع الماضي.

فرص الاحتواء

فيما يرى مدير الاستثمار والمحلل المالي المقيم في الإمارات حسام الحسيني أن «فرص احتواء أزمة بنك مصر ما زالت مرتفعة، خصوصاً أن الإجراء الأميركي الحالي يخص فروع بنك مصر في الإمارات، ولا يمتد إلى البنك الأم في مصر، كما أنه ما زال في مسار تنظيمي وليس عقوبة نهائية شاملة، والأهم هنا هو سرعة استجابة السلطات الإماراتية؛ فمصرف الإمارات المركزي بدأ فحصاً عاجلاً ومراجعة متعمقة للمعاملات محل الملاحظات الأميركية، بالتنسيق مع البنك المركزي المصري وبنك مصر. هذه الاستجابة المؤسسية السريعة تعزز فرص معالجة أي ثغرات امتثال قبل تحول الملف إلى مستوى أكثر تشدداً».

وأوضح الحسيني لـ«الشرق الأوسط» أن «تصريحات وزير الخزانة الأميركي تعني أن واشنطن ستواصل تشديد الضغط على المؤسسات المرتبطة بالمعاملات الإيرانية، لذلك سيعتمد احتواء الأزمة على نتائج الفحص الإماراتي، وشفافية الإجراءات التصحيحية، ومدى اقتناع الجانب الأميركي بأن المخاطر عولجت بالكامل. وحتى الآن، لا أرى ما يبرر الحديث عن عقوبات مباشرة على بنك مصر ككل أو عن أزمة أوسع في القطاع المصرفي المصري».


الجيش اليمني يعزز جاهزيته وسط مخاوف الحوثي من عملية برية

قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
TT

الجيش اليمني يعزز جاهزيته وسط مخاوف الحوثي من عملية برية

قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)

بعد أسابيع من التصعيد الحوثي متعدد المسارات، بدت خطوط المواجهة أكثر هدوءاً خلال اليومين الأخيرين، وسط مخاوف الجماعة المدعومة من إيران من عملية برية متزامنة تحضر لها القوات الحكومية بمختلف تشكيلاتها.

وشهد أغسطس (آب) تصعيداً حوثياً واسعاً امتد من جبهات مأرب، وشبوة، وحضرموت، وتعز، والضالع، إلى الساحل الغربي، وباب المندب، واستخدمت خلاله الجماعة الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، في واحدة من أكثر موجات التصعيد اتساعاً منذ 2022.

وفي المقابل، ردت القوات الحكومية بمختلف تشكيلاتها بعمليات عسكرية، وضربات بالطيران المسيّر، إلى جانب التصدي للهجمات الحوثية على خطوط التماس، وإسقاط أعداد من الطائرات المسيّرة، في حين أظهرت التطورات الميدانية أن الجماعة لم تتمكن من تحويل تصعيدها إلى تغيير واضح في موازين السيطرة على الأرض.

عضو مجلس القيادة اليمني عبد الرحمن المحرّمي يجتمع عبر الفيديو مع قادة عسكريين (إكس)

وتتزايد، وفق مصادر عسكرية، مخاوف الحوثيين من أن يكون رفع الجاهزية الحكومية جزءاً من استعداد لعملية برية مباغتة، خصوصاً في ظل تعزيز التنسيق بين الوحدات المنتشرة في قطاعات المواجهة، ورفع مستوى الرصد، والمتابعة.

وفي أحدث مؤشر على ذلك، بحث عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، عبد الرحمن المحرّمي، مع قيادة محور المشاة والإسناد الثاني مستوى الجاهزية، والاستعداد في مختلف قطاعات المحور، والتطورات في جبهات المسيمير، وكرش، وحيفان، إلى جانب إجراءات تأمين باب المندب.

شهر من التصعيد والردود

لم يكن التصعيد الحوثي خلال أغسطس محصوراً في جبهة واحدة. فقد امتدت الهجمات من مناطق التماس في مأرب، وشبوة، وحضرموت، إلى الساحل الغربي، بينما تحولت مدينة المخا وميناؤها إلى أحد أبرز مسارح المواجهة، مع إطلاق الجماعة صواريخ باليستية، وطائرات مسيّرة باتجاه المدينة، والمنشآت الساحلية.

وفي إحدى أبرز الهجمات، تعرضت المخا لقصف صاروخي ومسيّر أدى إلى سقوط قتلى، وجرحى، وأضرار في الميناء، والمنشآت، كما امتدت المواجهات خلال الشهر إلى جبهات أخرى، بينها مأرب، وشبوة، وحضرموت، والضالع، وتعز.

طائرة مسيرة يستخدمها الجيش اليمني في الرد على تصعيد الحوثيين (إكس)

وبينما واصلت الجماعة تحركاتها على خطوط التماس، ومحاولاتها استخدام مناطق مدنية وريفية قريبة من الجبهات لإطلاق الصواريخ، والطائرات المسيّرة، ردت القوات الحكومية على هذا التصعيد بعمليات وضربات استهدفت قدرات حوثية، ومواقع إطلاق، إلى جانب التصدي للهجمات على الأرض.

كما اتخذت المواجهة بعداً بحرياً خلال الشهر، مع استهداف الحوثيين سفناً تجارية في منطقة باب المندب، وجنوب البحر الأحمر، الأمر الذي أعاد المخاوف الدولية من التهديد الذي تشكله الجماعة لحركة التجارة والملاحة العالمية.

وفي تطور متصل، أعلنت القوات البحرية التابعة للمقاومة الوطنية ضبط شحنة معدات عسكرية في البحر الأحمر كانت في طريقها إلى الحوثيين، وقالت إن العملية جاءت بعد رصد استخباراتي لنشاط شبكات تهريب مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.

وضمت الشحنة أنظمة توجيه وتحكم للطائرات المسيّرة، ومعدات لبث ومعالجة الفيديو، وهوائيات اتصال، ومكونات إلكترونية، إضافة إلى أجزاء لأنظمة حقن الوقود، وأجهزة اتصال لا سلكية مخصصة للطائرات المسيّرة.

تذكير بالدعم الإيراني

بالتوازي مع التحركات العسكرية، تكثف القيادة السياسية اليمنية رسائلها إلى المجتمع الدولي بشأن طبيعة التهديد الحوثي، خصوصاً مع ارتباط التصعيد الداخلي بأمن البحر الأحمر.

وفي هذا السياق التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي عثمان مجلي السفيرة الفرنسية لدى اليمن كاترين قرم كمون بمناسبة انتهاء فترة عملها، مشيداً بالدعم السياسي والدبلوماسي الفرنسي للحكومة اليمنية، وموقف باريس الرافض للجماعة الحوثية.

عضو مجلس القيادة اليمني عثمان مجلي مع السفيرة الفرنسية (سبأ)

وربط مجلي بين القدرات العسكرية الحوثية والدعم الإيراني، مشيراً إلى ضبط أسلحة، ومعدات، وخبراء إيرانيين، ومعتبراً أن استمرار هذا الدعم يمثل عاملاً أساسياً في قدرة الجماعة على مواصلة نشاطها العسكري.

كما أكد أهمية الدعم السعودي لليمن، وحكومته، وربط استعادة الاستقرار اليمني بحماية أمن المنطقة، وحرية الملاحة في البحر الأحمر، ومضيق هرمز.