ماجد علي: أعشق كتب الطبخ... والعَجن يعدل مزاجي

صاحب أفضل مدونة لعام 2018

كيك العسل
كيك العسل
TT

ماجد علي: أعشق كتب الطبخ... والعَجن يعدل مزاجي

كيك العسل
كيك العسل

يحب الطهي في وضح النهار مكتفياً بأشعة الشمس المتسللة من النافذة؛ دون الحاجة إلى إضاءة المطبخ الذي لا تسمع فيه إلا صوتاً خافتاً لموسيقى كلاسيكية؛ في حين يتناثر بياض الطحين تاركاً توقيعاً جميلاً في فوضويته على مريول خباز إماراتي هاوٍ اسمه ماجد علي؛ منحت مجلة Saveurmag الأميركية مدونته لقب أفضل مدونة في المخبوزات والحلويات لعام 2018.
في مدونته The cinnaman تستمتع بالنظر إلى غرّيبة الليمون بالهيل والفستق فتناديك لتناولها مع الشاي وقت العصر؛ وقد تغريك فاكهة صيفية مثل البرقوق، كما أغرت ماجد لتحضير كعكة؛ ولن يكون مرورك عابراً بـكريم كراميل الموز بالهيل؛ ولو أنك تعلم مكانة الموز عند خبّازه!
يبدأ حديثه مع «الشرق الأوسط» قائلاً: «نكهة هذه الفاكهة ارتبطت دائماً بطفولتي، إلا أن موهبتي بدأت بالبزوغ عندما تذوقت قطعة من خبز الموز، فعقدت العزم على تحضيره حتى أستعيد شيئاً من ذلك الزمن الجميل، ومن ثم أخذ حبي للمخبوزات في التدفق، حدث ذلك قبل 10 سنوات، ولم تكن هناك مدارس كثيرة متخصصة بالطبخ وعلى درجة عالية من الاحتراف؛ لذا لجأت إلى التعلم الذاتي بمشاهدة مقاطع الفيديو عبر الإنترنت والبحث في كتب الطبخ». ‎ما قبل عشرة أعوام لم يظهر لديه أي شغفٍ بالطبخ؛ إلا أنه كان في طفولته يحب الطعام كثيراً إلى درجة أن والديه وبخّاه مراراً؛ يبتسم ماجد وهو يلقي نظرة إلى تلك الأيام، ثم يقول: «كانت قائمتي المفضلة طويلة جداً تبدأ بكعكة البرتقال وكعكة مقلوبة الأناناس المُكَرمل؛ ويبدو أن الولع بالأكل كان مرحلة تمهيدية لوقوعي في حب الطبخ لاحقاً».
الطفولة مُلهمته الأولى؛ فتجربته مثلاً مع «خبز الملوح اليمني» استند فيه إلى ما تحمله ذاكراته عن أيام المدرسة الابتدائية عندما كان زميله اليمني يُحضر معه هذا الخبز برفقة العسل والحبة السوداء، فسُحِر ماجد برائحته. بعبارة أخرى، ذلك الإلهام البريء منبعٌ كريم يستنجد به في الكثير من وصفاته. عاشقٌ هو لكتب الطبخ... وقارئ نَهم لبطونها، ولا سيما المكتوبة باللغة الإنجليزية التي تزخر بالمعلومات القيّمة؛ منطلقاً منها نحو التطبيق وتجربة وصفات مختلفة أوصلته إلى ما هو عليه اليوم. ومما يلفت الانتباه أنه ينسب كل معلومة جديدة يتعلمها إلى أصحابها مع الإشادة بهم؛ كواحدة من الوصفات التي ذكر أنه أخذها من «العبقرية» - حسب وصفه - ستيلا باركس؛ وأخرى للخبازة مانويلا.
«إلى أين تُحلّق بك روح الخباز؟»، انبعث نورٌ من ابتسامة ماجد عندما رد على سؤالي: «إلى عالم آخر بعيد عن الواقع المؤلم الذي نعيشه؛ عندما أكون منزعجاً أو حزيناً أسارع إلى الخبز للترويح عن نفسي». وبلهجته الخليجية يضيف: «ما في أحلى من الخَبز والعَجن بعد يوم طويل؛ شَي يعدل المزاج، وبالأخّص يوم تطلع ناجحة».

إشباعٌ للروح أيضاً
يُعرّف ماجد علي عن نفسه بعبارة واحدة: «أعمل موظفاً حكومياً، وأشارك في عقد دورات وورش عمل تختص بالخبز».
ولعل أكبر إنجازٍ حققه بخوضه هذا الغمار؛ يتلخص في قوله: «أصبحت أعرف ما أريد، وأُقدّر ما أفعله، وأدرك قيمة نفسي؛ أيضاً لم أعد أجامل وأرضي الناس مثلما كنت». يستجمع ما تيسر له من كلمات تعبّر عن كُنه الجَمال الذي يلتصق بين أنامله: «ثمة شعور ساحر عندما أمزج المكونات مع بعضها بعضاً ثم أصبّها في قالب أو ما شابه ثم تكون النتيجة مختلفة تماماً عما بدأت به».
يستخدم ماجد مكونات في الحلويات من النادر استخدامها مثل إضافته الرُطب إلى الكوكيز؛ ويكنّ حباً كبيراً لفطيرة الفراولة الباردة مع الكركديه والورد؛ واصفاً إياها: «اجتهدت في أن أضفى عليها نكهة منعشة تحمل روح الشرق، وعلى أي حال أنا لا أهتم لشكل الفراولة، وإنما أشم رائحتها فإذا ما كان شذاها قوياً تكون بالجودة المطلوبة؛ وإن وجدتها بلا رائحة أعرف أنها بلا طعم».
ومن المثير للاهتمام أن يُقبل شاب إماراتي على هواية من هذا القبيل؛ لتكون أنيس أوقاته بعد الانتهاء من موعد وظيفته، سألته عن مدى احترام المجتمع الخليجي اختياراً من هذا النوع؛ فقال: «تعودنا على فكرة أن الطهي عالم المرأة، في حين أن غالبية المطاعم والمخابز يعمل بها طهاة رجال، وبطبيعة الحال فإن العائلة العربية التقليدية ترى أن مهنة الطبخ غير لائقة؛ ولا سيما أن العادات والتقاليد تحكم اختياراتنا كثيراً مما جعلني أواجه صعوبة في الاستمرار؛ إلى أن أطلقتُ مدونتي فكانت صوتي الوحيد للتعبير عن شغفي بهذه المهنة من خبز وكتابة وتصوير؛ في محاولة مني لتشجيع الهواة على صقل مهاراتهم». مُدونته مفعمة بالحياة يشرح فيها الخطوات بالتفصيل مرفقة بفيديوهات توضيحية؛ أنشأها قبل أربع سنوات باللغتين العربية والإنجليزية رابطاً فيها بين قصة أو موقف ما من حياته الشخصية وبين وصفاته.
ويظهر طابعه الشخصي في لقطاته لصور أطباقه دون أن يتقيد بأسلوب معين في التصوير، تماماً مثل صورة لفائف الكرواسون التي يعتز بها. يتطرق إلى التحديات التي وقفت في وجهه؛ مؤكداً أن ضيق الوقت كان أكبر معضلة؛ إلا أنه أجاد تنظيمه بشكل يسمح له بإدارة مدونته؛ مضيفاً: «أثناء مشاهدة برنامج مفضل أو الجلوس مع الأصدقاء أقتطع وقتاً للكتابة وتجربة الوصفات».
ويُعد ماجد محظوظاً بحكم نشأته في الإمارات العربية المتحدة التي تشهد انفتاحاً على الثقافات العربية والأوروبية الحديثة؛ مما يوسع من رقعة تبادل التجارب في الطعام، تبعاً له. وبحسب رأيه، فإن الوطن العربي ما زالت معرفته محدودة بالمدونات حتى أنه يتلقى الكثير من الأسئلة عن ماهية المدونة، موضحاً: «نحن في حاجة إلى الاهتمام أكثر بمدونات الطعام من أجل تثقيف الناس وتوعيتهم بالطبخ؛ هناك معتقدات خاطئة عن الطهي، أبرزها أن الغاية منه إسكات الجوع؛ بينما في حقيقة الأمر أنه يُشبع الجسد والروح على حد سواء».
ويذكر أن ما يميّز مُدَونة عن غيرها «صدق وشغف صاحبها بما يقوم به وأسلوبه المتفرّد»، معبرّاً عن إعجابه بالقائمين على مدونات الطعام في الغرب بالقول: «أحب مثابرتهم في تطوير أنفسهم وإيجابياتهم؛ فالفشل لا يفتّ في عزيمتهم، وهذا بحد ذاته مبهر».

الطَحينة والتمر...
هذه الهواية جعلت ماجد يُعامل نفسه وعائلته بحميمية يفصح عنها: «في كل عيد ميلاد لي أبتكر كعكة جديدة وأهديها لنفسي؛ كما أني أحب تحضير المخبوزات المفضلة عند والدي، ولا سيما تلك التي تتكون من قمح كامل أو زيت زيتون وشوفان، وفي صباحات بعض الجُمع أنهض باكراً لأجل تحضير فطور شهي يتكون من خبز دبس التمر بالريحان والشوفان وإلى جانبه العسل والزبد؛ على أن تكون العجينة جاهزة من الليلة السابقة حتى تأخذ وقتها في الاختمار».
وينساب كلامه عن الأجواء المبهجة؛ متابعاً: «عندما نجتمع على مائدة العائلة يكون لطَبقي رونقه الخاص؛ وأستمتع بمراقبة وجوه أفراد الأسرة عند تناول أول لقمة». «خبز البريوش والبيتزا» يبعثان فيه الدفء والحنان، ونجاحه في مخبوز جديد يجعله يرفرف فرحاً. تتسارع خفقات قلبه كلما شقَّت عليه وصفة، وقد يتوقف الفؤاد عن النبض إذا رأى ما لا يبشر بالخير أثناء الخَبز، في حين يضرب ماجد أطراف أصابعه بجبينه لو اكتشف أنه أدخل الوصفة إلى الفرن دون أن يشعله بعد مرور ساعة من الزمن، أو إذا أضاف ملح الليمون بدلاً من السكر عند عمل العجين، وأمام أي موقف حرج يتذكر ما نصحه به أحد المتمرسين يوماً؛ كانت نصيحة من ثلاثة أجزاء: «إذا لم تخطئ لن تتعلم، لا تقارن نفسك بأحد؛ وكن صادقاً فيما تقدم».
شكّلت الرحلات فرصة رائعة لاستكشافه لوائح الطعام؛ ويقول في ذلك: «سافرت إلى دول عدة، وفي أميركا على وجه الخصوص لمست تقديراً عالياً لمكونات الطعام؛ فشعبها يمتلك حساً مرهفاً في التذوق؛ كما لاحظت أن المطاعم تتبادل الاحترام فلا تقلّد بعضها في الأطباق». ومرة بعد أخرى تزداد شجاعة الخباز الشاب في وضع لمسته الشخصية على بعض الأطباق بعد أن أصبحت لديه خبرة جيدة بالنكهات والقوام؛ ولأن المطبخ الشرقي يأسره ومن دون منازع لتعدد نكهاته، كما يقول، فإن بعض المكونات تستحوذ على أطعمته مثل الطحينة والعسل والتمر وزيت الزيتون، مبيناً: «من الوصفات التي حازت على استحسان متابعي بسكويت دبس التمر المملح، وفطيرة الخوخ باللوز مع العسل والزعفران، ودعيني أخبرك عن (الأخيرة)؛ فعندما تلمح عيني فاكهة الدرّاق لا يهدا لي بال إلى أن أراها فطيرة يُحكى عنها». «ما مشروعك القادم؟»... يقول ماجد في ختام المقابلة الممتعة: «لفترة طويلة عملت جاهداً على شحذ مهاراتي في التصوير والطبخات والتدوين؛ سيكون جميلاً أن يُقُدّر الله لي إصدار كتاب عن المخبوزات».



المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
TT

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)

لا يزال قطاع المطاعم الفاخرة يحاول التخلص من صورته النمطية، المرتبطة بالرسمية الجامدة المتقشفة. ويبدو الواقع اليوم بعيداً كل البعد عن هذا القالب القديم. من بانكوك إلى الريف الويلزي، أصبح التحول من الأجواء الرسمية والمقيدة إلى الأجواء التفاعلية والممتعة، أمراً ملموساً بوضوح.

وتعود جذور هذا التحول إلى حركات مثل «بيسترونومي» (الطهي البيستروني)، التي جلبت أساليب الطهي العالمية الراقية والمكونات عالية الجودة، إلى الأجواء غير الرسمية. ونتيجة لذلك، اهتز احتكار المطاعم الراقية لفنون الطهي الاستثنائية، وبدأ النظر إلى هذه المطاعم باعتبارها مفرطة في التكلف.

مأكولات بتصميم رائع (أفضل 50)

من جهته، عبر حسين شهزاد، الشيف المسؤول عن مطعم «بابا» في مومباي، عن اعتقاده بأنه: «لقد نسينا حقاً لماذا يخرج الناس ورواد المطاعم لتناول الطعام في المقام الأول؛ وهي الرغبة في الترفيه، والشعور بالتميز، وأن يلاحظهم الآخرون».

ويتفق غاريث وارد، من مطعم «ينيشير» في ريف ويلز، مع هذا الطرح، مشدداً على أهمية جانب الترفيه، ويرى أن «الخروج من المنزل لتناول وجبة، أمر يتعلق برمته بالاستمتاع بقضاء أمسية خارج المنزل، وكأنك تحصل على متعتين في وقت واحد».

أما غاغان أناند، صاحب مطعم «غاغان»، الذي يحمل اسمه في بانكوك، فيعزو هذا التغيير إلى سياق أوسع، مشيراً إلى أن «الإنترنت يعمل على توحيد الطابع العام للعشاء الفاخر»، مضيفاً أنه «قضى على المفهوم التقليدي للعشاء الفاخر». وعليه، تستجيب المطاعم من خلال العمل المباشر على بناء هويات مميزة خاصة بها.

الطعام الراقي بأسلوب عصري (أفضل 50)

وقال سانتياغو لاسترا، مؤسس مطعم «كول» في لندن: «إن مطعم العشاء الفاخر العظيم ينقلك إلى مكان آخر، فهو ينقلك إلى عالمه الخاص، تماماً مثل مشاهدة فيلم سينمائي». وعليه، عكف حديثاً على تعديل تصميم المطعم، ودمج بار «ميزكاليرا» - التي كانت تُستخدم كَبارٍ في الطابق السفلي - ضمن تجربة العشاء. وتسهم الإضاءة الخافتة والأجواء الأكثر حيوية في إبقاء الضيوف منجذبين، ما يمنحهم شعوراً بأن المبنى بأكمله جزء من قصة متكاملة.

أما داخل مطعم «سموكد روم» في مدريد، فيمكن للمطبخ القائم على الطهي بالنار أن يخلق أجواء خاصة به بمفرده، مع لمسات مسرحية تتميز بألسنة النيران المشتعلة، وأطباق مستوحاة من الطهي بالنار، يجري تقديمها بالتوافق مع 20 نوعاً من النبيذ، يتولى صبها خبير النبيذ العالمي البارز لويس باسيلاغا. والهدف من ذلك إعادة إحياء الذكريات البدائية للجلوس أمام النار التي يشترك فيها البشر جميعاً. من جهته، قال كبير الطهاة ماسيميليانو ديلي فيدوفي: «إنه أمر سحري ومريح ويمنحك شعوراً بالسلام».

في الواقع، خلق عالم خيالي شيء، والحفاظ على استمراريته طوال الأمسية بأكملها شيء آخر تماماً. ويبرز في صدارة هذه الحركة مطعم «ألكيميست» في كوبنهاغن، باعتباره صاحب التعبير الأكثر تطرفاً عن هذا المفهوم؛ فهو يتيح عرضاً فنياً يمتد عبر 35 طبقاً وست ساعات وغرف متعددة مليئة بالإسقاطات البصرية والرموز.

أطباق مصممة بطريقة جذابة (أفضل 50)

ومع ذلك، فإن راسموس مونك، مؤسس المطعم، يدرك تماماً أهمية ضبط الإيقاع، وأوضح قائلاً: «من بين 35 طبقاً، ربما يكون هناك سبعة إلى ثمانية أطباق تحمل في طياتها رسائل سياسية أو بيئية قوية. ونحرص نحن على خلق مسافة بينها، لتتخللها أطباق تتميز بطابع مرح أو مفاجئ أو ببساطة مذاق لا يقاوم».

من جهته، تساءل أناند: «يملك البشر حواساً متعددة، فلماذا نقتصر على استخدام العيون والأنف والفم فقط في تجربة تناول الطعام؟». وخلال تناول وجبة في مطعم «غاغان»، الذي يضم طاولة طهي تتسع لـ14 مقعداً تحيط بمطبخ مفتوح وتتوسطه كرة ديسكو، مع قائمة تشغيل موسيقية منسقة بعناية. وأضاف أناند: «ستحصل على الصوت والأضواء والكاميرا والرشاشات والسرعة والأدرينالين ـ كلها مجتمعة معاً. ومع أول طبق تضعه في فمك، تنطلق الانفجارات».

مطعم آخر يضم كرة ديسكو «ينيشير» في الريف الويلزي. وكما الحال في «غاغان»، يسير الشريط الصوتي بالتوازي مع خدمة تقديم الطعام. إلا أن الأمر هنا متروك لمنسقي الموسيقى، الذين يتولون تشغيل مجموعة مختلفة كل ليلة، لكنهم يبدأون دائماً بالجاز الياباني لمرافقة القسم الأول من أطباق أسماك الماداي والهاماتشي والتونة زرقاء الزعنفة، قبل الانتقال إلى موسيقى «الهاوس» الحيوية، مع انطلاق أغنية «سمول تاون بوي» لفرقة «برونسكي بيت» بمجرد بدء كرة الديسكو في الدوران. وتحدث وارد عن الأمر بقوله: «لقد رأيت أشخاصاً يبكون في المطعم»، نتيجة تأثرهم بهذه «التجربة الخيالية، التي تلتقي فيها الموسيقى مع أطباق الأكل».

ليس من المستغرب أن تعمل الكثير من هذه المطاعم عبر طاولات متصلة مرتبة حول مطبخ مفتوح (مقاعد مطعم «ينيشير» الـ14 تواجه المطبخ كذلك). الحقيقة أن الانتقال من العشاء الفاخر الثابت إلى تجربة غامرة وتفاعلية يعتبر تحولاً معمارياً كذلك. إن تنمية المشاعر والبهجة وإحساس التقارب يسهل تحقيقه عندما يتحرك كل شيء بانسجام تام؛ إنه عرض فني بكل ما تعنيه الكلمة.

وفي مومباي، ينغمس مطعم «بابا» بالكامل في جانب التسلية؛ من خلال الدعابات والممازحات والاستعراضات الجانبية على الطاولات بل يُتاح للضيوف أيضاً فرصة إعداد حلوى الثلج المجروش (على طراز «كاكيغوري») بأنفسهم. وما كان لكل هذا أن يتحقق لولا تصميم المكان الذي يضم 12 مقعداً فقط، ويخلق مشهداً تفاعلياً متكاملاً. وقال شهزاد: «لم تكن الفكرة يوماً أن يظل الضيف مجرد مراقب»، فمطعم «بابا» يكسر ذلك الحاجز غير المرئي. وأضاف: «حتى بعد أن ينسوا مذاق الطعام الذي تناولوه، سيظلون دائماً يتذكرون الشعور، الذي انتابهم في تلك اللحظة».

قد يكون هذا صحيحاً، لكن هناك تقارباً واضحاً بين هذا النمط من تناول الطعام ونهج «المذاق أولاً»؛ فالطهي القائم على المفاهيم المعقدة لا يناسب هذه التجربة. وقال لاسترا: «سيبقى الناس دائماً أوفياء للنكهة». وتتطابق قائمة الطعام الحالية لمطعم «كول» مع هذا الاعتقاد. وأضاف: «الطعام يصنع لإطعام الآخرين ومنحهم المتعة».

وعبر فيدوفي عن اتفاقه مع هذا الطرح، موضحاً أن الملعقة الأولى يجب أن تقدم المتعة، وأن الضيوف طوال التجربة «يجب أن يتعرفوا إلى ما يأكلونه». ويعمد كل من وارد وشهزاد إلى استغلال الحنين إلى الماضي باعتباره خريطة طريق، ما يعتقد شهزاد أنه يوفر أساساً لإضافة طبقات متعددة من العناصر الحسية إلى تجربة تناول الطعام.

إلا أنه في النهاية، تؤدي التوقعات المتغيرة إلى إعادة كتابة القواعد من جديد؛ فمفهوم المطاعم الراقية «لم يعد يعتمد على كمية الكافيار الموجودة في الطبق»، على حد تعبيره، بل «أصبحت الرفاهية تكمن في التجربة ذاتها».


كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
TT

كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)

بصفتي صانعة لوصفات الطعام، فإن الغوص في تفاصيل الوصفة، مكوناً تلو الآخر، هو الجزء المفضل لديّ في عملي. وفي كثير من الأحيان، يكون من السهل التنبؤ بكيفية تفاعل هذه المكونات وتعديلها بناء على ذلك؛ ومع ذلك، قد تبدو بعض الوصفات في بعض الأحيان صعبة للغاية، وهنا يأتي دور كعكات الأرز بالزبدة.

وتُعرف هذه الكعكات أيضاً باسم «موتشي الزبدة على طريقة شنغهاي» و«توك الزبدة»، وهي نوع من حلوى الموتشي تتميز بحلاوة خفيفة ونكهة غنية بالزبدة، وقد اجتاحت الإنترنت بشكل كبير، لا سيما في كوريا الجنوبية.

وكما هو الحال مع العديد من الوصفات التي تحظى بانتشار واسع للغاية، فإن تاريخ هذه الوصفة يبدو غامضاً؛ حيث تُنسب هذه الكعكات غالباً إلى المخابز المحيطة بمدينة شنغهاي، وتُرجع إحدى النظريات الفضل إلى خباز في مدينة «نانتونغ» الصينية، الواقعة شمال شنغهاي مباشرة، والذي دمج بين كعك الأرز الصيني التقليدي «نيان غاو» وحلوى «الكانيليه» الفرنسية الغنية بالكاسترد. وقد تكون هناك تأثيرات أخرى مثل «موتشي زبدة هاواي» وحلوى «البيبينكا» الفلبينية، ورغم اختلاف مكوناتها وطرق طهيها، فإن قوام عجينتها يبدو متشابهاً.

وكان ابتكار نسخة مخصصة للطهاة في المنزل تكون محمرة ومقرمشة من الخارج مع الحفاظ على قوامها المرن والغني بالزبدة من الداخل عند خبزها في قالب المافن، بمثابة طموح كبير.

في البداية، استخدمت عجيناً سائلاً مصنوعاً، جزئياً، من دقيق التابيوكا وكمية جيدة من الحليب. بيد أن تلك الكعكات انفصلت عن المقلاة ولم تتحمر بالتساوي. وعلمت حينها أنني بحاجة إلى عجين أكثر كثافة، لذا قللت كمية الحليب. وفي نهاية المطاف، استُبدلت بـ«التابيوكا» كميةً أكبر من دقيق الأرز «موتشيكو»، بناء على اقتراح من «جينيفيف كو»، محررتي الخاصة، والتي وجدت أن النتائج قد تختلف من نوع إلى آخر لدقيق التابيوكا.

ولضمان الحصول على تلك القشرة البنية المقرمشة، يُخبز العجين في قالب مدهون جيداً بالزبدة. بيد أن تحديد كمية الزبدة الواجب استخدامها بدقة كان أمراً صعباً. في بادئ الأمر، واعتقاداً مني بأن الماء الموجود في الزبدة يتبخر في قاع الكعكات، قمت بتقليل الكمية؛ وبدلاً من ذلك، تسببت كمية الزبدة القليلة للغاية في جعل القشرة صلبة، مع بقاء التحمير غير مستو. وكان الأمر يتطلب كمية سخية، بل ربما مفرطة تقريباً، من الزبدة.

ومع ذلك، فإن القطعة الأكثر أهمية في هذه الوصفة كانت قالب الخبز نفسه. فبعد إجراء الاختبارات حصرياً في قالب مافن مضاد للالتصاق، جاء التحمير الأكثر استواء من قالب غير مطلي؛ إذ تبين أن الزبدة في قالب المافن المضاد للالتصاق تكون أكثر عرضة للانتشار بشكل غير مستو.

وقد استغرق الأمر أكثر من 12 اختباراً لتأخذ الوصفة شكلها النهائي، ولكن الشعور كان رائعاً للغاية عندما تكللت بالنجاح. وتميزت حلوى الموتشي الناتجة بقشور مكرملة للغاية، وتصدر تلك القرمشة الممتعة والمثيرة للحواس، لتفسح المجال لقوامها الداخلي المرن والمطاطي. وللحصول على أفضل قوام، استمتع بتناولها وهي لا تزال دافئة، كما أن إضافة القليل من الحليب المكثف تجعلها أفضل بكثير.

* خدمة «نيويورك تايمز»


صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
TT

صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)

لم تعد تجربة الطعام في لبنان تقتصر على اكتشاف نكهات جديدة أو زيارة مطعم يقدّم وصفات تقليدية. فمع تسارع الابتكارات في عالم المأكولات، باتت بعض الأطباق تستمدّ جاذبيتها من غرابتها، ومن قدرتها على الجمع بين مكوّنات لا تخطر على بال محبّي الطعام. وفي عام 2026، برزت موجة من التجارب التي تعيد تقديم المألوف بأساليب مختلفة، مستفيدةً من فضول الزبائن وتأثير وسائل التواصل في اختياراتهم، فتناقلها مؤثّرو الطعام، لتولّد ترندات تتصدّر المشهد الغذائي في لبنان.

بين الموضة والمذاق لا تنفصل هذه التجارب عن التحوّلات التي يشهدها عالم الطعام، حيث باتت الصورة جزءاً من تجربة التذوّق. والمنصات الرقمية تساهم في انتشار الأطباق الجديدة والتعريف بها.

يلاحظ في الفترة الأخيرة إقبال في لبنان على نكهات آيس كريم غير تقليدية، تستلهم بعضها مكوّنات محلية وأطعمة مألوفة. وهي ظاهرة تعكس رغبة المستهلكين في اكتشاف تجارب جديدة.

لكن انتشار طبق على وسائل التواصل الاجتماعي لا يعني بالضرورة نجاحه. فالمذاق يبقى العامل الحاسم، فيما تمنحه غرابته فرصة أولى لجذب الانتباه. وبين هذين العاملين، تحاول المطاعم اللبنانية إيجاد معادلة تجمع الابتكار والجودة، وتمنح الزبون سبباً إضافياً للخروج عن اختياراته المعتادة.

لا تتعلّق صرعات الطعام بتغيير المكوّنات فحسب، بل بإعادة النظر في طريقة تقديمها أيضاً. فالأطباق التي تبدو غريبة للوهلة الأولى قد تتحوّل إلى تجارب محبّبة، شرط أن تتجاوز عنصر المفاجأة إلى مذاق يستحقّ التكرار.

ومن البرغر بحلوى الداعوقية إلى السندويشات التي تستلهم قوامها من الـ«بوب كورن»، وصولاً إلى «ستيك الكنافة» الذي يثير الفضول عند سماع اسمه، تتّسع مساحة التجربة في هذا المجال.

برغر الداعوقية يعتمد على عجينة البقلاوة المقرمشة (إنستغرام)

«برغر الداعوقية»: بقلاوة العصر

يحتفظ البرغر بمكانته على قوائم الطعام، لكنه لا يتوقّف عن التجدّد. فإلى جانب الوصفات الكلاسيكية المعتمدة على اللحوم بأنواعها تحضر نسخ منه بأسلوب غريب. ويأتي «برغر الداعوقية» الذي أطلقته محلات الداعوق للحلوى هذا الصيف كواحد من أشكال الحلوى الحديثة في لبنان.

وتكمن جاذبية التركيبة من أنها مصنوعة من طبقتين لعجينة البقلاوة، يتم حشوها بحلوى الداعوقية. وهي مصنوعة من القشدة والسميد المدعوك بالقطر ويغلف المزيج بالفستق المطحون . كما يتم تغطية «البرغر» في مرحلة نهائية برشّة فستق. التركيبة بسيطة لكنها تتميز بالقرمشة التي ترافق سندويشات عديدة تعتمد عليها الوجبات السريعة. وعجينة البقلاوة المستخدمة في هذا السندويش تقوم بالمهمة. يلاقي «برغر الداعوقية» إقبالاً لافتاً من جيل الشباب الذين رأوا فيه تجدداً لحلوى ترافقهم، منذ تأسيس محلات الداعوق في ستينات القرن الماضي.

سندويش الـ«بوب كورن»

فكرة غير تقليدية تدخل السندويشات بدورها في سباق الابتكار، وتسلتهم أفكار مكوّناتها من أطعمة اعتدنا تناولها منفردة. ومن بينها سندويش الـ«بوب كورن»، الذي يقوم على إدخال حبات الذرة المنفوخة أو استخدام نكهتها وقوامها المقرمش، في تركيبة تجمع بين الخبز والصلصات ومكوّنات أخرى.

وتعتمد هذه الفكرة على مفارقة استخدام عنصرين لم نألف الجمع بينهما، لنحصل على تجربة غير مألوفة لمحبي التذوّق. واشتهر هذا السندويش إثر إطلاقه على لائحة طعام أحد المطاعم اللبنانية الجديدة (ألا مينوت) في جونية. والسندويش يتألّف من كريما الحلويات وصلصة الكراميل وحبوب البوب كورن المكرملة مع رشة ملح.

وتراوحت الآراء في هذا السندويش بين مؤيد ورافض. فالبعض عبّر عن إعجابه به في منشوراته على الـ«سوشيال ميديا». فيما اعتبر آخرون أنه من غير المجدي تذوّقه؛ لأن طعمه غير لذيذ.

«ستيك كنافة» أحدث صرعات الحلوى في لبنان (إنستغرام)

ستيك الكنافة

حين تلتقي الحلوى بالابتكار وفي عالم الحلويات، تتواصل محاولات إعادة تقديم الوصفات المعروفة بصيغ جديدة. ويأتي «ستيك الكنافة» مثالاً على هذا التوجّه، من خلال استلهام شكل الستيك بطريقة تقديم الكنافة بالجبن؛ إذ يتم لفّ الكنافة على عيدان الخشب وتغلف بالشعيرية المقرمشة وصلصة الفستق أو الشوكولاته حسب رغبة الزبون.

وتكمن جاذبية الفكرة في الجمع بين اسم يرتبط بالأطباق المالحة وحلوى شرقية لها مكانتها الراسخة على الموائد. وهي مقاربة تفتح المجال أمام الطهاة للعب على الشكل والتقديم، من دون التخلي بالضرورة عن النكهات المألوفة التي تمنح الكنافة هويتها.